islamaumaroc

أعلام الجامعة اليوسفية وآثارهم ( ابن عثمان المراكشي نموذجا)

  عبد الحميد محيي الدين

العدد 324 رجب-شعبان 1417/ دجنبر 1996

يعتبر محمد بن عثمان أحد رؤساء وأعلام جامعة ابن يوسف المرموقين، المشهود لهم بالعلم والأدب، بل هو الرئيس الذي اهتم – إلى جانب وظيفته الإدارية – بالتأليف والتأصيل فيما يتعلق بجامعة ابن يوسف ذاتها. وسيتبين من خلال هذا العرض مدى الجهود التي بذلها في هذا المضمار.
على أن الدارس لهذه الشخصية المتميزة، تعترضه مثبطات للكشف عن حياته، وأعماله العلمية، بالنظر إلى قلة المعلومات المتعلقة بهذه الشخصية.
ويمكن القول، بادئ ذي بدء : إن ابن عثمان المراكشي تضافرت عليه مجموعة من العوامل السلبية، التي تجعل كل محاولة لإزالتها، والتصدي لها أمرا تنوء به العصبة أولو القوة.
ومن ثم تبين لي أن من الضروري تقديم ثلاث ملاحظات قبل الدخول في مناقشة الموضوع وفق العنوان المحدد.
أولى الملاحظات : أن ابن عثمان، وقد شغل أعلى المناصب العلمية في هذه المدينة، مثل رئاسة المجلس العلمي آنذاك، وكذا رئاسة الجامعة اليوسفية، من الطبيعي أن ينال حظه من العناية المتجلية، في التعريف به، والإشادة بمكانته، وإبراز جهوده الدائبة الهادفة إلى إعلاء شأن هذه الجامعة العريقة، إلا أن الباحث، لا يجد بدا من الإقرار بصعوبة اقتحام الحياة الشخصية والعلمية لابن عثمان.
ثاني الملاحظات : أن الظروف العامة، التي تسنم فيها العلامة محمد بن عثمان أعلى المناصب العلم والثقافة في هذه المدينة العريقة، ومواقفه الشجاعة المعروفة التي يعلنها أمام أعدائه وأصدقائه على السواء، واستماتته في الدفاع عنها في كل محفل ومنتدى، لا سيما ضد خصوم مشروعه الطموح، لإبراز دور الجامعة اليوسفية، كل ذلك جر عليه كثيرا من المتاعب، وأسفر عن عراقيل وقفت في طريقه، حتى قدم حياته ثمنا لذلك، في نظر الكثير من طلبته وأصدقائه.
يضاف إلى الملاحظتين الأوليين، أن المستوى الذي أراده للجامعة اليوسفية ألب عليه جهات لم تكن ترى الفضل والريادة إلا لجامعة فاس، ومن ثم تصادمت الآراء، واختلفت وجهات النظر، بشكل أدى إلى الصراع المستحكم المرير، بين ابن عثمان وبين أولئك المناوئين، الذين لم يستسيغوا أن تحتل جامعة ابن يوسف مكانة جامعة القرويين، ومن ثم ترتب على هذا الواقع أفضلية مراكش على فاس، وكبر على هؤلاء أن يتصدى ابن هذه المنطقة، وهذه المدينة، لآرائهم التي أصبحت في نظرهم من المسلمات التي لا تقبل الرد، وعدوا هذا الموقف منه تحديا يستوجب المقاومة بكل صورها المادية والمعنوية، بل إن محمد بن عثمان أصبح مستهدفا، نتيجة آراءه، التي وجدت صدى وقبولا لدى كثير من العلماء في المشرق فضلا عن المغرب، إذ ألح عليه كثير منهم الكتابة عن الجامعة اليوسفية والتعريف برجالاتها، وإبراز دورها في مختلف المراحل، فوعد وأنجز، ورأى لزاما عليه أن يؤدي بعض الواجب الذي عليه لجامعة ابن يوسف، حتى يصبح جامعة بالمفهوم المعاصر، ولم يفتر في سبيله، حتى أبرز أمام الأصدقاء والخصوم الحقيقة الماثلة، متجلية في كتابه الذي نحن بصدد الوقوف على بعض معالمه، إن لم يسعنا أن نستوعبه كما هو المأمول في هذه الندوة.
تلك ملاحظات ثلاث قدمت بها الموضوع، عساها تلقي الضوء على التقسيم الآتي :
أولا : محمد بن عثمان المراكشي المسفيوي، وجهوده الثقافية.
ثانيا : كتابه "الجامعة اليوسفية" وظروف تأليفه.
ثالثا : أثر الكتاب في محيطه، وصداه عند العلماء والأدباء.

أولا : ابن عثمان وجهوده الثقافية :
لم يزد مترجموه على تقديم نسبه المجرد، ومنهم (1) من ساق عمود هذا النسب، في معرض الحديث عن إحدى (2) زاويا مسفيوة، يقول عنه المختار السوسي، "هو الأستاذ الكبير محمد بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي".
ويذكر استنادا إلى أحد (3) أفراد الأسرة، أن الجد الأعلى، قدم من الشرق، وهو محمد بن علي، الذي يحتفظ بسلسلة نسبه، غير أن الأستاذ المختار السوسي يذكر أنه سمع من والد المترجم السيد عثمان، (4) أن جدودهم وردوا من سوس، وهو خلاف ما قاله ابن عم المترجم المشار إليه آنفا، من أن أصلهم من الشرق، ثم أكد المؤرخ المذكور أن نسبهم يتصل بأحد (5) أعلام سوس في (إداوتنان) وإن لم يتيقن من ذلك.
ويترجح من هذه الروايات، أن العلامة محمد بن عثمان ربما ينحدر من أصول شرقية، لكن علاقة أسرته بإحدى مناطق سوس لا يمكن نفيها، خصصوا أنه أمازيغي، مما يجعلنا نقتنع بأن ما قاله والده المؤرخ المذكور أقرب إلى الصواب والحقيقة.
أما حياته العلمية، فلم نعرف عنها إلا أنه تعلم في الجامعة اليوسفية، التي نذر جهوده للدفاع عنها، وعن ثقافتها، وهي التي أمدته  بالمعارف في أول نشأته العلمية، باعتبارها، كما يقول: (6) "أهم عنصر أسست عليه ثقافتي الشخصية، فرأيت من البرور بها والإنصاف لأهلها التفكير في البحث عن أطوارها العلمية، وما قامت به  نحو بني جلدتي من تقدم وتخريج".
وتلقى دراسته كذلك في مصر، لكنه لا يبرز في حديثه عن معاهد دراسته إلا الجامعة اليوسفية، فقد سأله مفتي (7) المالكية بمكة المكرمة، حين طلب منه الإجازة، عن المعاهد التي تلقى فيها دروسه، فذكر له هذه الجامعة، دون أن يضيف ما يفيد أنه اهتم بما تلقاه عن غيره، ويبدو أن أثر البيئة الأول التي كان لها الفضل في تفوقه العلمي طغى عنده على ما سواها، خاصة أنه يحرص دائما على إبراز دور الجامعة اليوسفية، وشهادة أخيه السيد إبراهيم بن عثمان المتخرج في الأزهر، تعتبر أقرب وثيقة تؤكد شعور مترجمنا نحو المعهد الذي تلقى فيه دراسته الأولى.
يقول شقيقه (8) وهو ينوه بقرب إنجاز تاريخ الجامعة اليوسفية مخاطبا إياه :"رفعت بكتابك تاريخ الجامعة التي كانت مهد معارفك الأولى".
وفيما يخص ثقافة مترجمنا ابن عثمان، يمكن في غياب المعلومات الكافية عنه أن نستأنس بما حلاه به بعض معاصريه، كمحمد الموقت، مؤلف "السعادة الأبدية" الذي قال فيه : (9) "الفقيه، العلامة، الأصولي، المشارك، المحقق، المؤرخ، الحافظ، المحدث أبو عبد الله سيدي محمد بن عثمان الإدريسي المراكشي".
وقال الشاعر الحسن البونعماني السوسي في تحليلة موجزة بليغة (10) :"الأستاذ المقتدر المطلع محمد بن عثمان المراكشي".
ووصفه ابن عمه القاضي أبو بكر بن علال بأنه (11) "الأستاذ الضليع".
وإذا كنا نعلم أن المترجم، في نظر معاصريه، موصوف بكل ما يرد في قاموس التعديل والتوثيق، ومشهود له بالضلاعة، والاقتدار، فإننا ندرك أن إسباغ تلك النعوت، خاصة من المعاصرين، ليس بالأمر الهين، إذ يكفي قول محمد ابن الموقت لنعلم مدى المكانة العلمية التي حظي بها العلامة ابن عثمان، ولنعلم كذلك أنه يختصر العلوم والفنون المتداولة في عصره، ويمثلها أصدق تمثيل، ومن هنا تلك الشهادات البالغة، على قلتها ووجازتها، إلا ما يلفت النظر في قولة صديقه ابن الموقت إنه "حافظ، ومحدث" مما يدل على أن ابن عثمان ملم بجميع العلوم الرائجة في العصر، ومنها علم الحديث، الذي بلغ فيه هذه المرتبة القصوى من الرواية والدراية، على ما يقتضيه وصف العالم الحافظ، المحدث، من تبريز وتفوق عند أهل الحديث ومصطلحه.
فهل كانت الدراسة في الجامعة اليوسفية تؤهل من حيث مناهجها ومقرراتها في فترة تلقي العلم بالنسبة للمترجم، ليتحل هذه الدرجة الممتازة؟(12)
هذا التساؤل قد يكون مشروعا في حق كثير من معاصريه، إذا علمنا أن علم الحديث وأصوله، كان في معاهد العلم بالمغرب خلال هذه الفترة، دون العلوم اللغوية والفقهية، وما إليها من حيث الأهمية، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار، أن لابن عثمان من الاستعداد الفطري، والذكاء المشهود له به، ما يجعله منصرفا إلى هذا العلم، حتى استطاع بعصاميته، أن ينفرد فيه بخصوصية التبريز، وأخذنا بالاعتبار أيضا، كونه اتصل ببعض محدثي المغرب المشاهير، كالشيخ أبي شعيب الدكالي الحافظ الحجة، والعلامة المحدث الشيخ المدني بن الحسني، اللذين تتلمذ عليهما في الرباط سنة 1344 هـ 1925 م، بشهادة ابن عمه القاضي أبي بكر بن علال المسفيوي (13) الذي كان بمعيته حينذاك.
ولم يكتف المترجم بالأخذ عن المحدثين كبيرين، وإنما اتصل بغيرهما "من نخبة علماء الرباط وسلا"، (14) ويتحدث القاضي المذكور عن نبوغ ابن عمه قائلا في سياق كلامه عن أساتذة وعلماء العدوتين معقبا: (15) "ففي ذلك العصر، وأمام أولئك الفطاحل العظام، أرى من مناقشة الأستاذ ابن عثمان، وبحثه، ومطالعته، ملامح العبقرية والنبوغ، حيث كان لا يتعمد في تحصيله إلا على ما استخلصه من مطالعته التي أولع بها جد الولوع، في لياليه الساهرة بين كتبه ومحبرته، ذلك ما كنت أشهاده في مطامح الأستاذ أيام اغترافه من معين المعرفة".
إنها بحق شهادة صادرة من أعرف الناس بالعلامة ابن عثمان، وكفى بها شهادة للتاريخ، وليمت خصومه الذين كتموا الحقيقة بغيظهم، وراموا من وراء موقفهم طمس هذه الحقيقة الساطعة.
وها هي كلية اللغة العربية تنوب عمن لم يقم بواجبه، إزاء هذا الرجل خاصة، حين أدرجته من بين أعلام هذه المؤسسة، التي تعتبر امتدادان وليست بديلا، عن الجامعة اليوسفية.
ولعل من حسن المصادفات أن تقام هذه الندوة، وقد مضت خمسون سنة هجرية، منذ وفاة (16) هذا العالم، الذي لا نشك في أن جهوده لصالح الثقافة في مراكش قد أدت إلى تطوير الجامعة اليوسفية، التي نادى بها ودافع عنها، لتصبح حقيقة ماثلة في كلية اللغة العربية.

ثانيا : كتاب "الجامعة اليوسفية" (17) وظروف تأليفه :
إذا كان لكل إنتاج عوامله وظروفه التي دعت إليه، وأثرت فيه، فإن هذا الكتاب يظل بارزا من بين المؤلفات المغربية، وسنتبين ذلك، في ضوء الشروط المتوافرة التي حتمت على ابن عثمان أن يقوم بالدفاع عن مؤسسة التعليم العليا في مراكش، وجنوب المغرب بصفة عامة، خلال منتصف القرن الهجري الماضي.(18)
ومن تلك الظروف والأحوال التي أحاطت بهذا الإنتاج أنه لم يصدر منه إلا الجزء الأول.
فأين الثاني، والثالث؟
وهل  هو الكتاب الوحيد لابن عثمان؟
جاء في أحد المراجع (19) المهتمة "أن محمد بن عثمان ألف كتبا منها "الجامعة اليوسفية في تسعمائة سنة" طبع الأول منه، وهو في ثلاثة أجزاء".
واللافت للانتباه أن هذا الجزء المطبوع منذ سنة (1356 هـ/1973 م) لم يقع تحديد طبعته، وقد نفدت الطبعة الأولى، حتى أصبحت نادرة، لا توجد إلا عند القلة من الباحثين.

وموضوعات الكتاب، حسب تقسيم صاحبه، على الشكل الآتي :
- الجزء الأول : يتعلق بمآثر الدولة المرابطية.
- الجزء الثاني : يشتمل على مآثر الدولة الموحدية والمرينية.
- الثالث : يتعلق بعهد الدولتين السعدية والعلوية.(20)
وليس هذا الكتاب هو الوحيد للمترجم، كما يفهم من إشارة وردت، وهو يبرر الدوافع التي حدته إلى تأليف الكتاب، إذ أجاب أحد (21) علماء (مكة) حين سأله عن المعاهد التي تلقى فيها تعليمه، ومما قال في جوابه :"وقد تحادثت معه في شأنها "الجامعة اليوسفية" وفيما اعتزمته من تصنيف تاريخ لها، فحبذ الفكرة،واستنجز المطلوب، فشكرت له لقياه، ووعدته بإنجاز الموضوع، كما وقع الوعد بذلك لجماعة ممن سأذكرهم في رحلتي الحجازية بحول الله".
ولو تتبعنا الدوافع الرئيسية التي جعلت المترجم يقطع على نفسه هذا الوعد، الذي أنجزه بالفعل، لوجدنا أهمها يكمن في الدفاع عن هذه المؤسسة العليا "ابن يوسف" إرغاما للذين لا يقبلون ريادتها وفضلها على الثقافة في المغرب عامة، وفي جنوبيه خاصة.
ويبدو من مشروع ابن عثمان أنه يهدف أولا إلى إقرار هذه الفضل للجماعة اليوسفية، كما يحرص على تسميتها، محاولا تقديمها على القرويين، وإفهام علماء المشرق والحجاز خاصة، أن جامعة مراكش لا تقل إن لم تفق كلية القرويين، لأنهم كما يقول: (22) "يظنون أن القرويين وحدها هي الكلية المراكشية، التي تمد المغرب الأقصى بمعارفها، لأن كثيرا من إخواني المصريين، وجماعة من الحجازيين، إذا استفهموا عن الحالة العلمية في المغرب، ربما يجري على ألسنتهم ذكر القرويين ظنا منهم أنها التي تمثل المغرب تمثيلا علميا، وقد حاولت إفهامهم بأن القرويين، (كلية) تمد فاسا وما إليها، والجامعة اليوسفية تمد مراكش ومن (ما) حولها، حتى سوس الأقصى، ودرعة، وتمثل معلومات الجنوب تمثيلا عليما".
وقد حرصت على الاستشهاد بهذا النص كاملا، لإدراك أن المترجم مصمم على توظيف مصطلح (الجامعة) كما هو معروف في المشرق، وفي أوربا، ومصطلح (الكلية) حسب مفهومه السائد أيضا، للتفريق بين المؤسسة المراكشية، وغيرها، لا سيما القرويين، بالرغم من أن المفهومين قد يقصد بأحدهما أحيانا ما يقصد بالآخر، على أن الكتاب، في جزئه الأول المتوفر، لم يرد فيه صفة مؤسسة (ابن يوسف : بالكلية) كما لم يرد فيه أثناء المقارنة وصف (مؤسسة القرويين: بالجامعة)، وإنما العكس هو المطرد عند المؤلف، مما يدل على تصميمه الذي لا يتزحزح، وإصراره على إقرار صفة (الجامعة) لابن يوسف، الأمر الذي ألب عليه خصومات، وأدى بعضهم إلى إعلان رد فعل مختصر في قوله (23)، وهو يتحدث عن الكتاب " وجعل (يعني ابن عثمان) الفضل لانتشار العلم بالمغرب كله راجعا إلى الكلية المذكورة (ابن يوسف)، وما سواها عالة عليها، حتى جامع القرويين :
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصـر"
غير أن ابن عثمان ماض في الفكرة التي اقتنع بها، لا يأبه بأقوال الخصوم، وهو على علم بها، وبأهدافها، لا يستصعب أمرا دون تحقيق الغاية التي ندب نفسه لها، حتى غدا كتابه حديث الأندية العلمية، وانثالت عليه التقاريظ من المغرب، والمشرق، فحمد غب شراه، وأثبت أن المجد لا ينال بمجرد التمني، وأن مشروعه يستحق منه النفس والنفيس، خاصة إذا علمنا أنه أول من أعلن الفكرة، ووثقها بكل شجاعة أدبية، وليكن بعد ذلك ما يكون، ولسان حاله ينشد :
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابــا
والمحايدون من الباحثين (24) يرون أن مشروع ابن عثمان كان له السبق في تاريخ الكلية المغربية، وذلك هو كتاب "الجامعة اليوسفية بمراكش في تسعمائة سنة" (...) وما أجدره بتكملته إلى العصر الحاضر.
والباحث الأستاذ محمد المنوني، لا شك يقصد بلفظ "التكملة" ما يرجع إلى نشر الجزء الثاني، والثالث، أما التكملة، بمعنى إنجاز المشروع، فقد سبق أن الكتاب تم تأليف جميع أجزائه، إلا أنها لم تطبع، باستثناء (الأول) الذي نرجع إليه.
وها هو المترجم يوضح التعبير الشعري الدقيق، ما أنجزه وقدمه إلينا في كتابه، على حد ما نرى في هذه المقطعة " (25)
قبس من التاريخ أو من مجـده
               أمليت فيه طرائــف الآداب
ونظمت فيه من الزمان شواردا
               قدمتها باكـورة لشبابــي
وقطعت فيه شبيبة لم تشتغــل
               عن رصفه بصبــى ولا بتصابـي
وجمعت فيه عصارة الأزهار من
               روض النهــى وعصارة الألبـاب
وصقلت معنى فصوله حتى بدا
               في مشرقــات الكتب خير كتـاب
فإذا بلغت به المرام فإنــه
               توفيق ربي في رضـــى الأتراب
ورسمت في هذا الكتاب حقيقتي
               وبعثتها ذكــــرى مدى الأحقاب
فمثال شخصي في ثنايا صورتي
               ومثال روحي في سطـــور كتابي
فهل كان ابن عثمان يتناغم في هذه المقطعة البديعة الجميلة، على سبيل التقابل، مع معاصره شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم؟ (26) وهو ينوه بإحدى مؤسسات التعليم في مراكش، وفي تلك القطعة الخفيفة، التي سلك فيها هذا النهج، من قلب العبارات بين المضاف والمضاف إليه :
رتب العز وعز الرتب
               همـــم العليا وعليا الهمــم
أدب العلم وعلـم الأدب
               مغنـــم الربح وربـح المغنم
أدب الفرد الفريد الأرب
               محكـــم العلـم وعلم الحكم
واتباع الجهل للمرء عمى
               فلــس النفس ونفـس الفلس
وأخو العلم تراه مكرمـا
               وهو في المجلس صدر المجلس
ونجد صدى هذا الاتفاق وهذا التناغم في تلك الفترة التي ألف فيها مترجمنا كتابه، عند صديقه العلامة المختار السوسي الذي وضع مشروعا بمناسبة مرور تسعة قرون، منذ تأسيس مدينة مراكش، وكان يهدف من ورائه إلى إحياء تاريخ مراكش في عصرها الذهبي (فترة المرابطين والموحدين).(27)
لكن المشروع لم ير النور، لسبب خارج عن إرادته، بحيث لا نعرف عنه إلا ما أورده في كتابه "المعسول".(28)
أقول لهذا اعتبارا لكون ابن عثمان لم يكن يدافع عن المؤسسة الجامعية في وقته فحسب، وإنما كان أيضا يغار على مآثر مراكش التي رآها بمعزل عن الاهتمام لإحيائها، وإعادة مجد المرابطين إليها، كالمسجد المرابطي الذي تأثر كثيرا لما آل إليه، وقد شاهده يوما صحبة المختار السوسي، (29) الذي كان يقاسمه الشعور بمصير مآثر المدينة، وكان من البديهي أن يكون لكتاب ابن عثمان أثره في حياته، وبعده، سواءا كان الأمر متعلقا بالفكرة، أم بمضمون الكتاب، خاصة بالنسبة لمن كانوا يفدون على مراكش من مختلف النواحي، وبالدرجة الأولى طلبة سوس، الذين يأتون للدراسة في الجامعة اليوسفية، يقول :"كثيرا ما يقصد أفراد تلك النواحي القاضية (سوس ودرعة) الجامعة اليوسفية لتتميم دراستهم العليا"، (30) ويفهم من العبارة أنه يقصد أن أولئك يقصدون الجامعة هنا يكونون قد بدأوا دراستهم الأولى في المعاهد والمدارس العلمية في سوس، وما أكثرها ثم يعمدون إلى مراكش لتتويج تلك الدراسة بالتخرج من جامعتها.
أخلص بعد هذا التطواف، إلى أن ما أسداه مترجمنا العلامة محمد بن عثمان المسفيوي (31) المراكشي إلى المدينة، وجامعتها، لا يمكن أن نقدره حق قدره، إلا إذا تضافرت الجهود لإحياء مجدها، وتحقيق الغاية من تأسيسها، دون الاكتفاء بصورتها الجديدة المتمثلة في كليتنا هذه، كلية اللغة العربية ومثيلاتها، لأنها لا يمكن أن تسير في نفس الخط، إلا إذا كانت لها رافد تمثل اللغة العربية والعلوم الإسلامية أصدق تمثيل، ينتفي معه كل زيف وترقيع، يفرغ هذا النوع من التعليم الأصيل من فحواه، وجعله مجرد صور تحكي المجد الغابر، دونما طائل.

1) – المختار السوسي، المعسول :16/99.
2) – زاوية (تاسيوين).
3) – هو القاضي أبو بكر  بن علال ابن عم الأستاذ ابن عثمان.
4) – توفي في 17 رجب 1361 هـ (1942 م) بدرب عزوز في المواسين، بمراكش.
5 )– إبراهيم بن علي التناني، انظر "المعسول" (نفس ج، ص).
6) – الجامعة اليوسفية، ج: 1 – ص :4.
7) – العلامة الشيخ محمد علي حسين، انظر "الجامعة"، ص :11.
8) – نفس المرجع، ص :274.
9) – انظر تقريظه للجامعة اليوسفية ص :277 (توفي ابن الموقت 1369 هـ/1950م).
10) – الجامعة اليوسفية : (التقاريظ) ص :281.
11 )– نفس المرجع : (التقاريظ) ص : 284 ، وانظر عنه المختار السوسي، "المعسول"(16،99).
12) – هذه مجموعة من الاستنتاجات الذاتية، المبنية على المعرفة ببرامج مقرات الجامعة اليوسفية وغيرها في النصف الأول من القرن الهجري 14 /ق 20 م.
13) – راجع الهامش : رقم 3.
14) – (التقاريظ) من كتب الجامعة اليوسفية، ص :284.
15 )– نفس المرجع والصفحة.
16) – كانت وفاته رحمه الله عام 1364 هـ/1945 م فجأة ، انظر "المعسول" للمختار السوسي / ج:16 – ص :99، وانظر معه :"الأعلام" للزركلي ج6 – ص :264.
17) – نقصد بالجامعة اليوسفية الجزء الأول، دون الثاني والثالث، الذين لم يعرفا النور للأسف.
18) – صدر الجزء الأول منه سنة 1356 هـ موافق 1937 م.
19) – الأعلام للزركلي / ج:6 – ص 264، وانظر :"دليل مؤرخ المغرب الأقصى" ج:1 –ص :43
20) – الجامعة اليوسفية، ج 1 ص :272 -273.
21) – مفتي المالكية الشيخ محمد علي حسين، انظر ، ص :11.
22) – انظر : كتاب الجامعة اليوسفية، ج:1 – ص :10.
23) – دليل مؤرخ المغرب، ج :1 – ص :43.
24) – راجع أعمال الندوة التاريخية للعلامة الشيخ الفاروق (سلسلة الندوات والمحاضرات رقم 1) ص :139، في مقال بعنوان :"الحركة العلمية بمراكش حوالي الثلاثينات".
25) – نشرت هذه القطعة تحت صورة المؤلف، في الجزء الأول، وهي من (البحر الكامل)
26) – الشاعر ابن إبراهيم، ولد عام 137 هـ/1918م، وتوفي 1358هـ/1939م.
27) – انظر موضوعا في الندوة المشار إليها (الهامش رقم 24) ص :219.
28) – ج :4 /40 – 41.
29) – كتابه السابق الذكر، ص :84.
30) – نفس المرجع ص :11.
31) – توفي رحمه الله تعالى سنة 1364 هـ/1945 م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here