islamaumaroc

كلمات وإشارات 85-98

  عبد القادر زمامة

العدد 324 رجب-شعبان 1417/ دجنبر 1996

85 – إفراد البيت الحرام للنساء..
من الطريف أن تجد الرحالة الأندلسي الشهير "ابن جبير" يكتب في رحلته إلى المشرق، التي قام بها سنة 578 هـ = 1182 م... صفحة خاصة عن عادة كانت متبعة في ذلك العصر... وهي : إفراد البيت الحرام بمكة في يوم من أيام السنة في شهر رجب للناس ليتمكن من الكعبة المشرفة.. والحجر الأسود .. والأركان... والطواف... من غير أن يحضر معهن الرجال في ذلك اليوم المشهود... المحترم من الجميع..
يقول ابن جبير :
"... وفي اليوم التاسع والعشرين منه، "رجب" وهو يوم الخميس، أفرد البيت للنساء خاصة، فاجتمعن من كل أوب، وقد تقدم احتفالهن لذلك أيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة، ولم تبق امرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم، فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم على العادة، وأسرعوا للخروج منه، وأفرجوا للنساء عنه، وأفرج الناس لهن عن الطواف، وعن الحجر، ولو يبق حول البيت الحرام أحد من الرجال... تبادر النساء إلى الصعود، حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم...
وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن... حتى تواقعن... فمن صائحة.. ومعولة... ومكبرة.. ومهللة... وظهر من تزاحمهن ما ظهر من السرو اليمنيين مدة مقامهم بمكة... وصعودهم يوم فتح البيت المقدس، وأشبهت الحال الحال، وتمادين على ذلك صدرا من النهار، وانفسحن في الطواف والحجر. وتشفين من تقبيل الحجر، واستلام الأركان.
وكان ذلك اليوم عندهن الأكبر، ويومهن الأزهر، الأشهر، نفعهن الله بذلك، وجعله خالصا لكريم وجهه...
وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات.. يرين البيت الكريم، ولا يلجنه، ويلحظن الحجر المبارك، ولا يستلمنه.. .فحظهن من ذلك كله النظر، والأسف المستطير المستشعر.. فليس لهذا سوى الطواف على ابعد...
وهذا اليوم الذي هو من عام إلى عام... فهن يرتقبنه ارتقاب أشرف الأعياد، ويكثرن له من التأهب والاستعداد، والله ينفعهن في ذلك بحسن النية والاعتقاد بمنه وكرمه".

86 – زي نساء صقلية...
وصف "ابن جبير" في رحلته إلى المشرق.. وذلك عند رجوعه بحرا إلى الأندلس زي نساء عاصمة صقلية فقال :
"... وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين...
فصيحات الألسن...
ملتحقات... منتقبات... خرجن في هذا العيد المذكور، وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائعة، وبرزن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين.. من التحلي... والتخضب... والتعصر...
فتذكرنا من جهة الدعابة الأندبية...
إن من يدخل الكنيسة يوما
يلق فيها جآذرا وظباء
ونعوذ بالله من وصف يدخل مدخل اللغو...".
هكذا كتب "ابن جبير" هذا الوصف في القرن السادس الهجري.. أودعه رحلته الشهيرة المفيدة.. التي تصور حال مجتمعات إسلامية... وغير إسلامية.
87 – كتب اللغة في الفرق
تنبه اللغويون يوم كان مرجعهم في جمع مفردات اللغة العربية هو ما لديهم من  نصوص شعرية ونثرية على ظاهرة تميز لغة الضاد، وهذه الظاهرة هي : الإحساس الإنساني الخاص بأن هناك مشاركة فيما يملكه البشر، وما يملكه الطير، وما تملكه الحيوانات المتوحشة، والأخرى الداجنة، من أعضاء يتصرف فيها، وبها، كل حسب حاجته، وتكوينه، ومادة العضو، وقدرته على هذا التصرف..
لهذا كانت مفردات التعبير مختلفة عما يملكه الإنسان، وغيره...
- فهناك دواب تمشي ولها حوافر..
- وهناك دواب تمشي ولها أظلاف..
- وهناك ثالثة تمشي ولها أخفاف...
وإذا انتقلنا إلى أعضاء أخرى نجد :
- الفم : للإنسان...
- والجحفلة :للحيوانات ذات الحوافر..
- والمقمة : للحيوانات ذات الأظلاف...
- والخرطوم : للحيوانات ذات البراثن...
- والمنقار : لأنواع الطيور...
وتتسع دائرة هذه الفروق اللغوية اتساعا مدهشا إذا نحن بحثنا في الكائنات الأخرى.. من دواب، وحشرات، وغير ذلك...
والتراث اللغوي في هذه المادة مفيدة جاد، نجده في كتب اللغة المعروفة بكتب "الفرق"، وهي من أوائل المؤلفات في اللغة العربية....

88 – بحر مانطس...
نلاحظ في كتب المسالك والممالك، وكتب التازي والجغرافية التي ألفها الأقدمون، أن كثيرا ممن تعرض أثناء وصفه الجغرافي " والتاريخي" إلى البحر الذي نسميه الآن، البحر الأبيض المتوسط .. يسميه بأسماء مختلفة، حسب ما وجده عند من سبقه.. أو عاصره...
- فهناك من يسميه " مانط (بدون ياء).
- وهناك من يسميه : مانطيس...
(بإثبات الياء).
- وهناك من يسميه : بنطش...
(بالشين).
- وهناك من يسميه : بنطس...
(بالسين المهملة)...
- وهناك ما يمسه : بحر الشام...
- وهناك من يسميه : بحر الروم...
ولأهمية هذا البحر الذي يفصل بين القارات الثلاث : آسيا، إفريقيا، وأوربا، تاريخيا، وجغرافيا، وحربيا... تكرر ذكره عند دول الحضارات القديمة، باعتباره مسلكا ضروريا للجزائر المتعددة، التي تناثرت داخل مياهه.. وللمراسي البحرية التي كانت محط التجارات والمبادلات الكبرى...
وقد اهتم الجغرافي ياقوت الحموي البغدادي بهذا البحر في "معجم البلدان" فذكره مرتين في حرب الباء...
وإذا نحن بحثنا في مصادر أخرى عن هذا الإسم :"مانطس"... وما تفرع عنه من الصيغ المتعددة الأخرى، التي استعملها الأقدمون من مؤرخي وجغرافيي الحضارات القديمة، والمتوسطة، نجد أن كثيرا منهم كان ينقل عمن سبقه من الفينيقيين، واليونان، والرومان، والروم... ممن كانت لهم صلة بهذا البحر التاريخي، وما جاوره من بحار تشترك معه في المياه...
ولهذا كان موضع اصطلاحات وتسميات متعددة لاعتبارات متعددة.. بعضها مبني على التقريب، لا على التحديد.. فإننا نجد أن جغرافيي ومؤرخي الحضارات القديمة، والدول القديمة كانوا يسمون البحر الموجود بين جنوب الروسيا.. وشرق شبه جزيرة القرم بهذا الإسم :"مانطس".
وهو يتصل في امتداد بالبحر الأسود الشهير جنوب شبه جزيرة القرم وشمال البلاد التركية...
ومعلوم أن البحر الأسود هذا يتصل بالبحر الذي نسيمه البحر الأبيض المتوسط" عبر المضايق الشهيرة عالميا :
- بوسفور..
- مرمرة..
- دردنيل...
- ثم بحر "إيجي" غرب تركيا، وجنوب اليونان ..
لهذا، فإن مؤلفي الكتب القديمة : مؤرخين، وجغرافيين، ورحالين.. ولاحظوا ذلك، وسموه باسم البحر الذي كان في نظرهم هو أصل مياهه.. فمراعاة هؤلاء لهذا الأصل هي التي جعلتهم يسمون البحر الأبيض المتوسط الحالي باسم كان معروفا عندهم هو :
- مانطس .. وما تفرع عنه .. ثم سمي بعد ذلك :
- بحر الروم....
- وبحر الشام...
وأسماء أخرى لا تخفى...
وهذه إنما هي إشارة ... وتقريب....

89 – الشيخ النجدي...
كثيرا ما كنا نسمع بضع الناس يشيرون، أو يتحدثون، عن إنسان كبير السن ولكنه مؤذ لا ينفك يشير بفعل المنكرات، واجتناب المبرات، يقولون عنه تشبيها : إنه الشيخ النجدي..
وهذه التسمية لها أصل يرويه الرواة، عن بعض المؤرخين، الذين أرخوا لاجتماعات قريش في مكة.. حيث كانوا يكيدون للمسلمين عموما، وللرسول عليه السلام خصوصا...
فقد قالوا : إنهم اجتمعوا اجتماعا سريا خاصا بزعمائهم.. ولكنهم وجودا معهم شيخا مسنا لا يعرفونه فسألوه عن اسمه، ونسبه : فقال : إنه الشيخ النجدي.. جاءهم ليعينهم برأيه، وحيله...
وقالوا : إنهم اكتشفوا أنه إبليس جاءهم في صورة الشيخ النجدي.. فلهذا صاروا يسمون كل شيخ منحرف باسم الشيخ النجدي...

90 – عندما يمسون النملة...
من الطريف في باب الفضوليات، أن تجد لغويين، ومفسرين، ورواة، ومؤرخين يتسائلون عن اسم النملة التي كان من حظها أن قالت لبنات جنسها من النمل يوم مر نبي الله سليمان بن داود عليه السلام على وادي النمل :
".. يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون..".
ويأخذ الكلمة منا هنا الشيخ مرتضى الزبيدي صاحب "تاج العروس" فيقول :
".. وطاخية، نملة كلمت سليمان عليه السلام.. نقله ابن سيدة عن الضحاك، ونقله البغوي..
وقال مقاتل : اسمها حرمى...
وفي النهاية : اسمها عيجلوف..
في أعلام السهيلي : اسمها :حرميا..."
هكذا كانوا يحاولون تسمية هذه النملة... وهذه أسماؤها عندهم...

91 – وراق... شكوى
وجدت في كتاب "التشبيهات" لابن أبي عون هذه الشكوى التي رفعها "وراق" إلى من يعمل في خدمته من الرؤساء :
عبدك الوراق مذوا
ظب لا يأخذ شيا
وعليه طيلسان
قد طواه الدهر طيا
كلما رفع نجما
طلعت فيه الثريا

93 – حديث كميل بن زياد...
حدث كميل بن زياد النخعي التابعي الذي قتله الحجاج بن يوسف سنة 92 هـ.. وكان من أتباع الإمام علي وأصدقائه المخلصين له...
قال كميل : أخذ عبي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبانة، فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال لي :
"يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها.
يا كميل، احفظ عني ما أقول : الناس ثلاثة.. عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، بكل ناعق أتباع، يميلون مع كل ريح... لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق...
يا كميل : العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
يا كميل : محبة العالم دين يدان به، يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه..
يا كميل : مات خزان المال، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
ثم قال :
ها، إن هاهنا علما – وأشار إلى صدره – لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون.. يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا، ويستظهر بحجج الله على أوليائه، وبنعم الله على معاصيه.. أو منقادا لحملة العلم، لا بصيرة له في أنحائه.. يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة... ألا لا ذا، ولا ذاك.. فمن هو منهوم بالملذات، سلس القياد إلى الشهوات، مغرم بالجمع والإدخار، وليس من دعاة الدين، أقرب شبها به الأنعام، كذلك يموت العلم بموت حامليه..
ثم قال :
اللهم بلى... لا تخلو الأرض من قائم لك بحجة، إما ظاهرا مشهورا... وإما خافيا مغمورا.. ليلا تبطل حجج الله وميثاقه.. وكم... وأين، أولئك الأقلون عددا، والأعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه، حتى يودعها في قلوب أشباههم.. هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالملكوت الأعلى..
يا كميل : أولئك خلفاء الله في الأرض، والدعاة إلى دينه.. هاه... هاه، شوقا إليهم.. وإلى رؤيتهم..."

93 – أبناء علات ...
نجد في معاجم اللغة كلمة : علة .. بمعنى : الضرة، والجمع : العلات، ويقولون : هم أبناء علات أي أبناء ضرات... أي زوجات...
- فالأب واحد..
- والأمهات متعددات..
وهذه العبارة : هم أبناء علات.. تقال للمتنافرين، المتخالفين... المختلفي المقاصد، والأغراض، والاتجاهات، مع أنه كان ينبغي أن يكونوا متحدين، متفقين، متعاونين، على القيام بواجباتهم، ومهماتهم.
ومن الأشعار التي ينشدونها في وصف الناس، وأحوال الإخوان، والأصدقاء الذين يعايشهم الإنسان :
أي رب، كل الناس أبناء علة
أما تعثر الدنيا لنا بصديق..
وجوه بها من مضمر الغل شاهد
ذوات أديم، في النفاق صفيق..
ومن يغر  الصواب – لغة – أن تجد من يقول : هم أبناء (علات) بكسر العين...
فالعلة "بكسر العين" غير العلة "بفتحها" فلكل معنى خاص به...

94 – بين التيفاشي والوهراني
أديبان عبقريان، لم يستحقا ما هما في حاجة إليه من الدراسة، والتعمق في الآثار، التي بقيت لهما
ونعني بهما :
- شهاب الدين التيفاشي المتوفى سنة 651 هـ
- وركن الدين الوهراني المتوفى سنة 575 هـ
والأول  موسوعي مستوعب لمعارف عصره، والثاني كاتب مبدع.. وكلاهما من الغرب الإسلامي، وكلاهما رحل في آفاق متعددة، وضرب في رحلاته طول وعرضا.. وعرف من أنماط الناس : خاصتهم، وعامتهم، الشيء الكثير.. وكلاهما لابس الحضارة في جوها وهزلها.. في عصره.. والثقافة في خيرها وشرها.. في مصره..
والتيفاشي عند البحث والاستقراء في كتب التراجم نجده أسعد حظا من الوهراني.. كما أن كتب ورسائل التيفاشي اشتهرت : شرقا وغربا، وبعضها طبع ودرس.. فزاد الناس به معرفة..
بخلاف الوهراني الذي جهله وتجاهله الكثيرون، قديما حديثا، لعدة أسباب، لا مجال لذكرها الآن.. فإن الباحث عنه لا يكاد يظفر إلا بالنزر اليسير.. من الإشارات هنا وهناك.. وبعض الذين ترجموا له، لم يستوفوا مراحل حياته.. ومخلفات قلمه..
ولولا هذه الرسائل والمقامات والمنامات، التي طبعت له بالقاهرة سنة 1387 هـ 1968 م لكنا في غفلة عنه، وعن أدبه، وترجمته، ومحاسنه، ومساوئه..
والصورة العامة عن التيفاشية صورة العالم، المطلع، والأديب المتضلع، من أنماط الحضارة، والثقافة، والفكر، والأدب، والصورة العامة عن الوهراني صورة الأديب الساخر، الذي سلبته الحياة ما كان يطمع فيه من مال، وجاه، ومكانة اجتماعية.. فراح يصف ظروف الحياة في ملابساتها، ومحاسنها، ومباذلها.. ويرسم صورها وكأنها مجموعة من (الكاريكاتور...) التي يشير بها إلى ما استولى على مجتمع ذلك العصر في الشرق والغرب من تناقضات مثيرة.. ويصور ذلك في شكل رسالة.. أو مقامة.. أو منامة... مشحونة بالنقد.. والتهكم أحيانا..
وهناك نقط تشابه بين ما خلفه التيفاشي في الهزليات.. وما كتبه الوهراني في المقامات والمنامات.. لكن التيفاشي في جرياته : العلمية، والأدبية يبقي قمة شامخة، معالية ذات أبعاد..
ومن الطريف أننا نجد التيفاشي في بعض كتبه ينقل أشياء عن الوهراني.. مما يدل على أنه كان بقدر أدبه، وأسلوبه، وما تعامل به من رجال عصره... بأسلوبه الخاص..
فكل من التيفاشي والوهراني، ظاهرة ثقافية وحضارية عز نظيرها.. في الحيوية.. والذكاء.. والجرأة.. ومحاولة التقريب بين وجهي الحضارة : الطريف.. والمبتذل... ولهما نقط يلتقيان فيها تعبيرا، وتفكيرا، واهتماما..
يبقى بعد هذه الإشارات على كل من التيفاشي، والوهراني سؤال وجيه، وهو :
لماذا شق الوهراني طريقه على المجد الأدبي والشهرة الثقافية في عصره بهذه الخطة الأدبية النقدية الساخرة..؟
لا شك أن الوهراني وقد رحل إلى بلاد المشرق في عصر الكاتبين الشهيرين :
- القاضي الفاضل..
- والعماد الأصبهاني..
وكان لهم، ولأسلوبهما الإنشائي، ما اشتهرا به من الصنعة والتصنيع...وبذلك حجبا كثيرا من عباقرة الكتاب، والمنشئين.. فأراد أن يخرج من ساحتهما الضيقة، إلى فضاء أوسع.. وبذلك اشتهر في عصره.. وعرف له أهل زمانه جرأته على التجديد... وحبه في إخلاء ساحة التقليد... وهذا ما يخيل إلينا أنه كان يتوق إليه في عصره.. ويشير إليه في كتاباته...

95 – لعبة الأربعة عشر ...
من الغرائب أن نجد في كتاب :"البيان والتحصيل" لابن رشد (الجد) ج/17 – ص :577.. أن الإمام مالكا سئل عن الرجل يلعب مع امرأته في البيت بالأربعة عشر؟؟
فقال : ما يعجبني ذلك.. وليس من شأن المؤمن اللعب بها أو بغيرها..
ثم فسر ابن رشد هذه اللعبة فقال :
الأربعة شعر : قطع معروفة كان يلعب بها.. كالنرد.. واستشهد بحديث.. إلخ..
والمستغرب أن تكون هذه اللعبة المعروفة في ذلك العصر = القرن الثاني للهجرة = ويسأل الإمام مالك عن استعمالها مع الأزواج...

96 – كتاب : الكنز المدفون والفلك المشحون...
هذا الكتاب المطبوع المتداول منذ مدة بين الباحثين والمؤلفين.. طبع منسوبا لجلال الدين السيوطي.. المتوفى سنة 911 هـ.. به فوائد تاريخية، وأدبية، ولغوية، شتى... ومن أغرب ما فيه..
1 - فصل طريف جمع فيه ما عرفه المؤلف من الكنى التي كنى بها الناس عددا كبيرا من الحيوانات : المتوحشة والداجنة... من : الفيل، والأسد.. إلى الحمار، والقط، والفأر... وما إلى ذلك.
2 – كما أنه به رسالة غريبة من نسج الخيال.. كتبها الأديب الوهراني المتوفى سنة 575 هـ... وهو الأديب المعروف بطرائفه .. ومقاماته ومناماته.. الساخرة التي أشرنا إليها سابقا...
وبالجملة فكتاب "الكنز المدفون والفلك المشحون" طابق اسمه مسماه... غير أن هذا الكتاب ليس من تأليف جلال الدين السيوطي.. بل هو من تأليف يونس المالكي.. وقد أفادنا بذلك المرحوم خير الدين الزركيلي ... في كتبه "الأعلام" ج: 8، ص :263 ط / بيروت 1984 م.. ولعله استفاد ذلك من آخرين.. سبقوه إلى هذا التصحيح..
ومن أجل ذلك وجبت هذه الإشارة إلى هذا : "الكنز المدفون... والفلك المشحون..."

97 – من بابتك
كنت أسمع من الوالد – رحمه الله – حينما كان يناقشني الحساب في بعض السلوكات والتصرفات، ويريد أن يرشدني إلى ما هو صواب وحق.. ومفيد.. بناء على تجاربه في الحياة...
كان من "بابتك" ألا تسلك هذا السلوك... وألا تتصرف هذ التصرف.. يا فلان . والله يهديك..ويقصد بهذه الكلمة "بابتك" ما يجب علمه.. وما يصلح له.. وما يفيد.. وقد تكرر  ذلك على مسامعي، منه تارة.. ومن غيره تارة أخرى.. فكنت أظن أن هذه الكلمة من الكلمات العامية المتداولة على ألسن الناس.. وأن لا صلة بينها وبين فصيح اللغة... الواردة في المعاجم.. ولكن تبين لي أن الكلمة من فصيح اللغة، وهي كلمة واردة في المعاجم..
يقو الفيروزابادي في "القاموس" : "وهذا بابته.. أي يصلح له..".
وإذن فيكون معنى قولهم.. فيما نسمع:
كان بابتك... وكان من بابتك. أن تفعل.. هو أنه كان يصلح بك.. ويفيدك. وتصيب به عين الصواب.. أن تفعل كذا..
فالكلمة عربية فصيحة، معجمية، لا غبار عليها.. ولعل لغويين وباحثين قبلنا نبهوا على ذلك.. في كتبهم ومقالاتهم..ونحن هنا في مقام الإشارة...

98 – وادي السباع..
من الروائع الأدبية التي أنشدها أبو عامر ابن شهيد في قصة :"التوابع والزوابع..."، هذه القطعة الجيدة السبك.. والتصوير .. والخيال ..
وناظرة تحت طي القناع
دعاها إلى الله والخير داع
سعت بابنها تبتغي منزلا
لوصل التبتل والانقطاع
أتتنا تبختر في مشيها
فحلت بواد كثر السباع
وريعت حذارا على طفلها
فناديت : يا هذه لا تراعي
فولت وللمسك من ذيلها
على الأرض خط كظهر الشجاع

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here