islamaumaroc

التراث والأصالة

  محمد فاروق النبهان

العدد 324 رجب-شعبان 1417/ دجنبر 1996

تعتبر قضية التراث من القضايا التي ابتدأت تأخذ حيز عريضا من اهتمام المفكرين، وكان هذا التراث خلال قرون طويلة أقوى من الإنسان في صموده أمام تحديات التخلف التي سلطت على هذه الأمة، ولا أظن أنني قادر على الدفاع عن ذلك التراث لأنني مؤمن أن هذا التراث الصامد يملك من مقومات القوة ما يكفل لنفسه أن يكون بمنأى عن العبث به، والتنكر له، والتجاهل لدوره.
والتراث ليس هو الماضي، والدفاع عنه لا يعني رفض الحاضر والمستقبل، وإنما هو، قبل كل شيء، هوية وانتماء، وهو تعبير عن قيم ثابتة والتزام بها..
من هذا المنطلق لا أظن أن ربط التراث بالماضي هو القضية، فأنصار التراث هم أنصار الاستمرارية التاريخية والحضارية، وأنصار القيم التي قامت عليها حضارتنا السابقة، وهم لا يرفضون التجديد والمعاصرة، وإنما يرفضون الاستلاب الفكري، وإلغاء الهوية الذاتية لهذه الأمة..
في الماضي... تعرضت هذه الأمة لتحديات حضارية، تمثلت في هجوم فكر وافد، عن طريق التأثر بالحضارات التي سبقت الإسلام، وازدهار حركة الترجمة، وبخاصة في مجال الفلسفة، واستطاعت هذه الأمة أن تحافظ على هويتها الذاتية، وخصائصها الفكرية، وإننا اليوم لا نجد فترات مختلفة من تاريخنا الإسلامي، إلا أن كل ذلك لم يؤثر على خصائص هذه الأمة في ميدان الفكر والمعرفة، من حيث التميز والاستقلالية ...
واليوم.. تتجدد المحاولات، مستهدفة التراث، كشاهد صامد على تميز هذه الأمة، إلا أن جميع تلك المحاولات ستظل حبيسة تطلعات فردية، عديمة التأثير في الساحة الفكرية الملتحمة بالأمة، وهذا يؤكد أن الأصالة ستظل المطلب الأهم في أي  نشاط فكري، لأنها معيار الالتزام بمطامح هذه الأمة، وبتطلعاتها المستقبلية...
ففي كل حقبة من حقب التاريخ الإسلامي نجد "الأصالة" تطل برأسها بشموخ واعتزاز، معلنة أن "العقل العربي" – الذي تحاول قوى متعددة أن تضله عن مسيرته، أو تفقده القدرة على التفكير السليم – قادر على أن يستعيد وعيه في كل موقف من المواقف الجادة، وفي كل منعطف من منعطفات التاريخ، وبفضل ذلك "العقل" تمكنت الأصالة من أن تتثبت بمواقعها وساحاتها، مدافعة عن شخصية هذه الأمة وتراثها المجيد..
إن صحوة العقل العربي في العصر الحديث مؤشر واضح على أن الأصالة ليست مجرد حلم يتراءى لجيل طموح من أجيالنا المتعاقبة، وإنما هي حقيقة واقعية تؤكدها مسيرة تاريخ طويل، كانت "الأصالة" هي الركن الأهم في شخصية هذه الأمة، التي استطاعت أن تحافظ على هويتها الحضارية والفكرية في مواجهة أقسى التحديات..

أزمة الفكر العربي :
وقد دأب عدد من المفكرين المعاصرين على طرح إشكالية جديدة تتمثل في "أزمة الفكر العربي"، وربط تلك الأزمة بقضية التاريخ والتراث، وليس من الصعب على أي مفكر معاصر مهما كان انتماؤه الفكري أو الإيديولوجي أن يشعر فعلا بتلك الأزمة، وبخطورة المنعطف الذي تتوقف عنه مسيرة هذه الأمة.
إلا أن تفسير الأزمة ليس واحدا لدى الجميع، إذ نجد فريقا منهم يربط تلك الأزمة بالررية المرتبطة بالتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهذا الفريق يتجه بطريقة عفوية لرفض التراث، والتنكر لدوره في بناء المجتمع المعاصر، بينما يرى الفريق الآخر أن أزمة الفكر العربي تتمثل في ظاهرة الاستلاب الفكري التي أدت إلى انفصام شخصية المفكر العربي، وضياع هويته الفكرية المتميزة، التي جعلته عاجزا عن فهم التراث، وتفسير الموقف التاريخي بما يخدم قضية المجتمع المعاصر...
ومن المؤسف أن لا الفريقين عجز عن إيجاد قناة مشتركة للحوار، ولا أشك أن الحوار العلمي يتيح الفرصة لكلا الفريقين لكي يتأمل – ولو لفترة يسيرة – تصورات الطرف الآخر، وأن يجيب – ولو من بعيد – على القضايا الفكرية التي يدور حولها النقاش ...
ومن الصعب على أي مفكر منصف يحترم الفكر أن ينصت لأسلوب الحوار الذي يدور أحيانا عبر وسائل الإعلام في الصحافة والمجلات العلمية، أو في المؤتمرات والندوات المتتالية، أننا ندرك أن هذا الأسلوب لا يخدم الغاية المرجوة من إيجاد قنوات مشتركة بين الطرفين، تسهم في التخفيف من أزمة الفكر العربي.
وأستطيع – في البداية – أن أؤكد أن أنصار التراث والمؤمنين بدوره الفكري الملهم في مسيرة الفكر لا يمثلون باستمرار المدرسة السلفية الضيقة، التي ترفض الاعتراف بدور العقل في إثراء الفكر، وهذه المدرسة السلفية لم تعد كما كانت في الماضي ترفض التجديد لأن التجديد أصبح من مستلزمات نمو الفكر وازدهاره، وأن المفكر العربي مهما كان انتماؤه الفكري والإيديولوجي لا يمكن له أن يتجاهل التطورات التي فرضتها الظروف الجديدة في عالمنا العربي..
ولا نجد صعوبة في تلمس أثر ذلك التطور في ميادين الفكر الإسلامي، وبخاصة في ميدان الفقه الإسلامي حيث نلاحظ أن المباحث والمؤلفات الجديدة لم تعد مجرد تكرار لعبارات الفقهاء القدماء، وإنما تتضمن دراسات وآراء فقهية منسجمة كل الانسجام مع قواعد الارتباط الصحيح، ومعبرة عن بزوغ فجر حركة علمية جادة في ميدان الدراسات الفقهية الأصولية..
وأن النظرة السلفية ليست جامدة في معظم التصورات، وليس مهمتها الأولى رفض الجديد والتمسك بالقديم في كل ميادين المعرفة.
وقد نلاحظ أحيانا أن النظرة السلفية تتضمن تجديدا حقيقيا لأنها تقوم على أساس رفض البدعة، والبدعة ليست هي التجديد باستمرار، وإنما قد تعني في معظم الحالات رفض النظرة التراثية التي تعطي قداسة للتاريخ..

النظرة السلفية والأصالة :
والسلفية في صورتها الحقيقة تعني "الأصالة"، والأصالة ليست مرتبطة بالماضي والتراث، فبعض التراث قد يتنافى مع الأصالة، لأنه لا يرتبط ارتباطا وثيقا بمصادر الفكر الأصلية، ويتنافى مع المسلمات في ميدان العقيدة.
وأن بعض المفكرين المعاصرين عندما يرفضون التراث فإنهم لا يستهدفون من وراء ذلك مجرد التراث وهم يعملون جيدا أن البعد التراثي والتاريخي للفكر يعتبر من أهم عناصر قوته ونمائه، وهو المظهر الأوضح عن أصالة ذلك الفكر وعمقه، وبفضل ذلك البعد يصبح الفكر أكثر ارتباطا بالمجتمع وقضاياه، لأن المجتمع العربي مشدود بطبعته إلى التراث والتاريخ، لأن التراث بالنسبة إليه هو جزء من عقيدته وتصوره الفكري، ومن الصعب أن نفصل المجتمع العربي عن مصادر فكره.. بل نلاحظ أن رفض النظرة التاريخية والنظرة التراثية تتضمن لدى معظم أنصار هذا الاتجاه أهدافا تتجاوز حدود التراث، وأن رفض التراث ليس لأنه تراث، ولكن لما يتضمنه من أفكار وقيم.
ومنة هنا تنكشف حقيقة الصراع بين اتجاهين مختلفين في المنهج، متناقضين في الهدف، ينطلق كل منهما من منطلق مغاير لآخر، لأن رفض التراث هو رفض لكل القيم والمسلمات والمعاير التي يقوم عليها التراث.
والقضية ليست ممثلة في رفض النظرة التراثية والتاريخية، ولو كان الأمر كذلك لاقتربت الرؤية بين طرفي العلاقة، لأن السلفية بمفهومها الواعي تتجاوز التراث التاريخي، لتبحث عن مقوماته وأصوله وقواعده، قبل أن يكون صيغة مألوفة لدى ذلك الجيل.
ولهذا فإن النظرة السلفية لا ترى من التراث إلا الأصالة، وهذه نظرة متقدمة، لأن الأصالة ليست من العوامل التي يمكن الاتفاق على تجاوزها، أو التنكر لها، نظرا لركنيتها في مجال الرؤية الفكرية..
ولهذا فإن التناقض في حقيقته يتجاوز هذه الدائرة من دوائر الحوار، وهذه الأفقية المعترف بشرعيتها في مجال الحوار والبناء، ليطرح لنا حقيقة كبرى تتمثل في التناقض بين النظريتين الفكريتين، لا من حيث النظرة التراثية، وإنما من حيث الاعتراف والتسليم بالمقومات الفكرية والعقائدية التي تعتبر من المسلمات في النظرة السلفية..
فالنظرة السلفية – وإن شئنا أن نطلق عها "المذهبية السلفية" – تنطلق في رؤيتها الفكرية لا من منطلق التراث والتاريخ، وإنما من منطلق الاعتراف بمقومات التراث وقيمه ومسلماته، نظرا لأن تلك المقومات تمثل الأصالة، وتعبر عن الاستمرارية، وترتبط بقيم المجتمع عقائده ومنطلقاته ومسلماته، وهذه نظرة تقيم الدليل على شرعية رؤيتها من ارتباط تلك النظرة بالبديهيات المسلمات في تاريخ الفكر وتاريخ الأمم.
فالفكر لا بد له من منطلقات ذاتية، ومسلمات ذات اعتبار في ضمير الأمة، ويغير تلك المنطلقات والمسلمات لا يمكن أن يوصف ذلك بالفكر بالصالة.

النظرة الرافضة للتراث والتاريخ :
لم أستطع أن أجد كلمة دالة معبرة عن المذهبية الرافضة للتراث، أو للنظرة التراثية، لأن كلمة النظرة الحديثة أو الجديدة أو المعاصرة لا تعبر عن ذلك مدلول، لأن النظرة السلفية كما أوضحت – قبل ذلك – تملك من مقومات المعاصرة ما يكفي لوصفها "بالنظرة المعاصرة"، وهي قابلة للتجديد والتحديث، بالمفهوم الذي لا يلغي صفة الأصالة عن الفكر..
ويمكننا تلخيص تلك المذهبية، برفض التراث أو العداء له، وهي قد لا تعبر عن العداء للتراث لأن هذا أمر لا تملكه، أو لا تملك الشجاعة للتعبير عنه، إلا أنها تتوقف عند حدود الرفض لقيم التراث ومنطلقاته عن طريق التشكيك في قدرته على أن يكون مفيدا للمجتمع.
والخلاف في حقيقته ينطلق من منطلق إيديولوجي لا يتوقف عند حدود التراث، وإنما يتمثل في نظرة شمولية لقضايا المجتمع، ومن رؤية تحليلية للمشاكل، متأثرة بعوامل إيديولوجية ترتبط بالصراع الفكري القائم في المجتمعات المعاصرة.
فالفكر الماركسي يطرح نظريته الشمولية عن الدين والعقيدة، والصراع الطبقي، والتاريخ، والتراث، والسلطة، والقوميات، ويجد هذا الفكر صعوبة بالغة في التأثير والإقناع، لأن بعض المجتمعات قد تتعاطف جزئيا مع هذا الفكر في القضايا التي تمس حياتنا المادية، في مجال الصراع الطبقي، أو القضايا المرتبطة ببعض المظالم الاجتماعية.
إلا أن القضايا الأخرى التي يطرحها هذا الفكر تبقى حبيسة أفكار المنظرين الملتزمين الذي يجدون سدودا من الرفض تواجه مطامحهم، أو توقف امتداد أفكارهم..
وقضية التراث والنظرة التاريخية ليست قضية منفصلة عن قضية الصراع بين النظرة القومية والنظرة الإيديولوجية التي تلغي فكرة القوميات.
إلا أن قضية القومية واجهت مقاومة عنيفة، لأن الشعوب ليس من اليسير أن تتجاهل انتماءها القومي، مهما كانت مبررات ذلك، وقد أثبتت الوقائع التاريخية أن الإيديولوجية الأممية لم تستطع أن تلغي المشاعر القومية خلال الصراع الذي قام بين المجتمعات الأوربية خلال الخرب العالمية الأولى والثانية...
وأعتقد شخصيا أن قضية التراث التي تطرح هذه الأيام بإلحاح، هي الحلقة الجديدة في سلسلة التفسير المادي للتطور التاريخي، وهي تستهدف في الدرجة الأولى ليس إلغاء التراث، وإنما إلغاء قيم التراث الاعتقادية والروحية، وهي غاية ملحة في سبيل طرح الرؤى الجديدة للنظريات المادية..
ومن هذا المنطلق، فإن قضية التراث لا تتوقف عند حدود الخلاف المنهجي الذي يستهدف الإفادة من التراث لصياغة رؤية مستقبلية، تراعي التطورات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والقومية، وإنما تعبر عن صراع إيديولوجي يجد في التراث ساحته الملائمة، لأن قضية المعاصرة تحمل من مقومات القبول والإقناع ما لا يمكن التنكر له، وبخاصة في ظل طرح التصور الضيق للمفهوم السلفي الذي يلغي كل الأبعاد عن الحاضر والمستقبل..

البعد الديني والروحي للتراث :
ولعل من أهم القضايا المتعلقة بموضوع التراث، القيم الدينية والروحية لتراثنا العربي، فالتراث العربي لا يمثل مجرد إبداع أمة بجهد عقلي مجرد، وإنما هو مرتبط كل الارتباط بفكر ديني، وبعد روحي، يمثل الركن الأهم في طبيعة ذلك التراث، ومن الصعب علينا أن نتنكر لذلك الأثر الإسلامي في التراث العربي.
ولهذا، فإننا نتفهم كل الفهم الأسباب التي تدعو عددا كبيرا من المفكرين إلى وصف التراث العربي بأنه تراث إسلامي، وأن ما يربطه بالتراث العربي هو أنه كتب بلغة عربية، وقد أسهمت فيه عبقريات علمية وفكرية لا تنتمي إلى العربية من حيث النسب والانتماء، وإنما تنتمي إلى الإسلام من حيث هو فكر ديني وروحي وإنساني...
وأتساءل حائرا عن كيفية إمكان إلغاء العلاقة بين التراث العربي والبعد الديني والروحي له، وهو ما يمثل الفكر الإسلامي بكل قواعده وأصوله؟ فالتراث العربي لا يمكن إلغاء ارتباطه بالإسلام، لأن الإسلام هو الهوية الفكرية لذلك التراث، ولا أتصور إمكان إلغاء خصائص التراث العربي وقيمه دون إلغاء ذلك التراث كله، لأن الإسلام بالنسبة للتراث العربي هو المضمون الفكري والبعد الحضاري لذلك التراث، ولا أظن أن أحدا ينكر هذه الطبيعة الذاتية للتراث العربي...
وإن الذين يتحدثون عن التراث العربي مجردا عن قيمه الإسلامية يتجاهلون حقيقة تاريخية لا يمكن التنكر لها.
ولهذا، فإن كثيرا من المفكرين يصفون التراث العربي بالتراث الإسلامي، ويطلقون كلمة "الحضارة الإسلامية" بدلا من كلمة "الحضارة العربية" وهؤلاء لا يخطئون في هذا الوصف، لأن الإسلام هو المضمون الفكري والحضاري والإنساني للتراث العربي..
من هذا المنطلق يجدر بنا أن نعيد طرح قضية التراث في إطارها العام، لا من حيث هي صراع بين القديم والحديث، ولا من حيث هي اختيار بين الجمود والتجديد.
كما أنه لا يمكن أن يكون للتراث هو البديل عن التطلع للمستقبل، وإنما هو صراع بين الأصالة وغير الأصالة، بين الاختيار القومي والاختيار غير القومي، بين الالتزام بقيم وخصائص الأمة ولانصهار في فكر مستور وافد...
وأخيرا..
فإن التاريخ يعيد نفسه، وأن استنطاق تاريخنا يؤكد لنا أن أمتنا قد واجهت خلال مسيرتها التاريخية فقاعات متلاحقة من فكر شعوبي كان عبئا ثقيلا على كاهل ماضينا لأنه أراد أن ينحرف بمسيرة هذه الأمة عن طريقها السوي، تارة باسم الفكر، وتارة باسم السياسة، واستطاعت الأصالة باستمرار أن تكون الخط الأصيل الذي لا يتراجع أمام كل التحديات، وتناثرت الفقاعات، وبقيت هذه الأمة تمارس دورها الحضاري والإنساني، في ظل ظروف لم تكن في كثير من الأحيان ميسرة..
وإننا على يقين أن جيلنا المعاصر يملك من إمكانات الرؤية السديدة ما يجعل اقتناعه يزداد يوما بعد يوم أن الحركات الشعوبية سوف تنكفئ على نفسها كما انكفأت حركات فلسفية وفكرية سابقة، وبقيت هذه الأمة بفضل الإسلام، وبفضل التحامها بعقيدته وقيمه، قوية قادرة على دحر تلك التحديات التي لا تجد في نفسها الشجاعة لكي تعرب عن نفسها إعراب الواثق بنفسه، المتمكن من موقفه...
وإن الذين يطرحون التراث كرديف للماضي والالتزام به، وكنقيض للحاضر والمستقبل ورفض له، يتجاهلون دور التراث في حياة الأمم، وفي حماية الشخصية من أخطار الذوبان والضياع، وفي نفس الوقت فإنهم لا يقدمون لنا البديل الذي يمكن الانطلاق منه لرؤية فكرية متوازنة سليمة..
وأود أن أؤكد أن هذه الأمة ملتزمة بالإسلام، وهذا مطلب جماهيري، لأن الإسلام هو الهوية الفكرية والثقافية لهذه الأمة، وأن التراث معبر عن تلك الهوية الفكرية، وأن الإسلام لا يرفض التجديد والتحديث إذا كان لا يخل بالأصالة، ولا يلغي شخصية هذه الأمة، ولا يتنافى مع خصائصها الذاتية.
وإننا نجد في الإسلام دعوة ملحة للتجديد عن طرق النظر الفقهي المتجدد الذي يعتمد على الرأي والاجتهاد، كما نجد إشادة متكررة في القرآن الكريم بدور العقل في ميدان العقيدة، وأن العقيدة الصحيحة يجب أن تنبثق عن نظر عقلي سديد..
إن المصطلحات التي تحفل بها بعض الكتب الفكرية المعاصرة التي تعالج قضية التراث والأصالة المعاصرة لا تضيف جديدا إلى رؤيتنا الفكري الذاتية، وتعتمد في معظم الأحيان على كلمات مترجمة، أو كلمات منحوتة، خالية في الأغلب من الدلالات المعبرة.
ولا أظن أن التراث لدى أي أمة من الأمم يمكن أن يكون عبئا على نهضتها أو تقدمها، ولا أعتقد أن أمة حية قديمة أو معاصرة تسمح لنفسها أن تنفق جهدها كله في هدم تراثها، أو التشكيك في قيمته، أو الدعوة إلى تجاوزه.
وهذا من الدلائل الواضحة على أن طرح قضية التراث ليست قضية فكرية، وإنما هي في حقيقتها أعمق من ذلك ولا تستهدف التراث، وإما تستهدف إفناء حضارة لم يبق من آثارها سوى ذلك التراث، وأن التمسك به والاعتزاز بقيمه سيظل ظاهر مقلقة أعداء تلك الأمة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أؤكد على أن الذين يثيرون قضية التراث، والتصدي له يولدون لدى هذه الأمة شعورا متزايدا بالتمسك به، والاعتزاز بمضامينه وقيمه، لأن الأمم الحية لا تفرط في مصادر القوة لديها...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here