islamaumaroc

[كتاب] "البيان والتحصيل" لابن رشد.-2-

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 324 رجب-شعبان 1417/ دجنبر 1996

حينما تعرض المؤلف لموضوع الطلاق حرص على إدراج صور شتى منه تتنوع بتنوع الألفاظ الموحية والأيمان الملزمة، والتعليقات التي لا يبر بها من ألزمها نفسه.
إلا أن بعض هذه الصور لم يبق لها وجود في بيئتنا المعاصرة، نظرا لانعدام أسبابها، مثل الصور التي لها ارتباط بملك اليمين.
ومن المعلوم أن الطلاق وإن كان مشروعا في أحوال خاصة، فهو غير مرغوب فيه، لأنه يؤدي إلى انحلال الأسر، وضياع الأطفال، وإثارة الأحقاد، وحل عرى التماسك الاجتماعي.
ومن أجل التفكير في عواقبه شرع الله بعض الأحكام التي تيسر الرجعة، وتعين على إعادة مجرى الحياة الزوجية إلى طبيعتها ويتحقق ذلك بأمور، منها :
أولا : أن يكون الطلاق سنيا، أي يسير وفق الطريقة التي أذنت السنة في فعلها أثناء إيقاعه، وهو أن يطلق الرجل زوجته وهي طهر، لم يمسها فيه، فهذا الطلاق يعرف بالطلاق الرجعي، وللرجل حق ارتجاع زوجته فيه أثناء عدتها ولو بغير رضاها، ولا يحتاج إلى ولي ولا صداق، وإنما يحتاج إلى إشهاد بعدلين لما يترتب على ذلك من أحكام.
وقد ذكر العتبي في "المستخرجة" أن الشاهد الواحد يكفي إذا كانت معه قرينة الدخول أو الاختلاء، أما إذا لم يشهد رأسا، أو أشهد شاهدا واحدا ولم يخل بها فلا يجوز قوله إذ انقضت عدتها، وعلق ابن رشد على ذلك بقوله :"(ج5 ص 418) : هذا كما قال، وهو مثل ما في المدونة إذا ارتجع ولم يشهد ولا خلا بها حتى انقضت العدة فلا يصدق على الرجعة لأن الله لما أمره بالإشهاد على الرجعة بقوله عز وجل :"وأشهدوا ذوي عدل منكم"، (الطلاق 7) دل على أن المرتجع ليس بمؤمن على الرجعة، ولا مصدق قوله فيها، كما أن والي اليتيم إذا ادعى دفع ماله إليه لم يصدق، وإن كان المال بيده أمانة، لقول الله عز وجل :"فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم".(النساء 6).
وقد قال جماعة من العلماء : إن الإشهاد على الرجعة واجب، وتارك ذلك آثم، بخلاف الإشهاد على البيع، لأنه قد جاء ما دل على أنه  غير واجب في البيع وهو قوله :"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته".(البقرة 283).
وهكذا نجد أن ابن رشد يوضح قيمة الإشهاد وضرورة الالتزام به في مسألة الرجعة وفي مسألة إرجاع مال اليتيم إليه، لأن ذلك يبعد التهمة عن الزوج أثناء الرجعة، ويبرئ ذمة الوصي حين الأداء.
ومن المعلوم أن هذا الحق الذي منحه الله للزوج لا يؤدي مهمته الاجتماعية إلا إذا كانت نيته مدسوسة، وسره غير مرضي، فالعقاب الإلهي ينتظره يوم الجزاء، وما أشده آنذاك من عقاب. ولهذا قال الله تبارك وتعالى:"ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزؤا".(البقرة -231).
فالتهديد هنا واضح لأن الذي يظلم غيره في هاته الدنيا إنما هو في الحقيقة ظالم لنفسه، لأنه سيلقي في الآخرة جزاء كل ما قدمت يداه مسطورا، حيث لا خلاص له منه ولا فكاك.
وعليه، فإن العاقل هو الذي يتصف في الحق المخول له وفق المصلحة العامة ليحمي الأسرة من الضياع، ويحافظ على ذلك الرباط المقدس الذي به تلتئم الأحوال وتتلاحم النفوس.
وإذا كان الأمر الميسر للرجعة هنا متصلا بالطلاق السني، فإن هناك نوعا آخر من الطلاق يجبر فيه الزوج على الرجعة، وهو طلاق المرأة أثناء حيضها، فقد أوقعه عبد الله بن عمر على زوجه، فذكر عمر ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : مره ليراجعها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها قبل أن يسمها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق فيها النساء.
وقد تعرض صاحب "العتبية" إلى هذه النقطة في كتاب "طلاق السنة" الثاني (ج 5 ص417) حيث ذكر أن الإمام مالكا قال في الذي يطلق امرأته وهي حائض فيؤمر برجعتها فيرتجعها، وهو يريد أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة الأخرى : هل يصيبها إذا طهرت من ذلك الحيض.؟ قال : نعم.
قال محمد بن رشد : " وهو الذي يؤمن بها يفعله، لأنه إنما يؤمر بالارتجاع للوطء، ولو ارتجعها وهو ينوي أن يطلقها إذا طهرت الثاني دون أن يصيبها ففعل لكان مضارا لها آثما فيها، لأن قول الله عز وجل :"ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا"، إنما نزلت في هذا المعنى، كان الرجل يطلق امرأته ويمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له بها، ثم طلقها، وأمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها أيضا راجعها ثم طلقها ليطول عليها العدة بذلك، فأنزل الله عز وجل الآية بالنهي عن ذلك والتحذير عنه.
وعلى هذا التفسير يكون النهي عن إيقاع الطلاق في الحيض مرجعه إلى اجتناب تطويل العدة عن المرأة واجتناب الإضرار بها.
لكن هناك من الفقهاء من يرى أن الأمر تعبدي، لأنه لو كان للإضرار لجاز ذلك إذا رضيت المرأة به وتحملت عواقبه، ولجاز إيقاع الخلع أثناءه ولما أجبر على الرجعة إذا لم تطالب بها المرأة.
ومن المعلوم أن الإجبار على الرجعة عند المالكية مشروط بكون ذلك الطلاق ليس بثلاث ولا مكملا لها، وقد اعتبر فقهاء الحنفية أن هذا الطلاق ملغى لأنه حرام، ولأنه لم يثبت أن ابن عمر ألزمه النبي بالاعتداد به.
وقد أطنب ابن القيم الجوزية أثناء التعرض لهذه الجزئية في كتابه "زاد المعاد" في ذكر الأسباب التي جعلت الطلاق أثناء الحيض لا يعتد به، ورأى أن الذين يقولون بعدم الاعتداد أقرب إلى الصواب والأحق بالاتباع.
وعلى كل احل، فإن من أسباب تلافي وقوع الطلاق تحريمه أثناء الحيض، والأمر بالمباشرة أثناء الطهر الأول، لأن تلك المباشرة قد تؤدي إلى ائتلاف القلوب، ولأنها تدعو المباشر إلى عدم الطلاق بعدها.
ذلك أن طلاق المرأة في الطهر الذي يمسها فيه الجرل مكروه عند المالكية، حرام عند الحنفية، وهذه الكراهية أو الحرمة ستكون مدعاة إلى اجتناب الطلاق في هذه الفترة، وقد يؤدي هذا الاجتناب إلى استساغة الحياة السعيدة فينسى الطلاق وأسبابه، ويعاشر المرأة معاشرة جميلة ينسى بها أسباب الشقاء وبواعث الخصام.
ونظرة فيما سبق تبين لنا أن ابن رشد كان في كتابه هذا يتتبع ما في "المستخرجة" ويعمل على تحديد محتوياتها، وأنه كان يحرص على الإحاطة بالموضوع إحاطة جامعة تعتمد على استقراء الصور المناسبة، مع ذكر الفروق المؤدية إلى اختلاف الأحكام.
وأن توفيقه في ذلك راجع إلى قدرته على توجيه تلك الدراية لشرح المذهب، ولإظهار المقابلة بين بعض الروايات التي نقلت عن الإمام مالك، والحرص على الربط بينهما ما أمكن، إذ من المعلوم أن المؤرخين يذكرون عنه أنه كان يمتز بهذه القدرة العلمية، وأنه كان بصيرا بالأصول والفروع والفرائض، فقد وصفه القاضي عياض بذلك، وقال عنه :"إن الدراية كانت أغلب عليه من الرواية".
ومعنى هذا : أنه كان يملك زمام التصرف في التحليل والتأويل والتوجيه والتعليل، وأنه كان يعتمد على العلل في إصدار الأحكام من خلال ما يتوصل إليه من نصوص، ومن خلال ما يتلاءم بينها وبين الإطار الاجتماعي.
ولقد لاحظنا عند تعرضنا لبعض جزئيات الطلاق أنه كن يعتمد على ما قرره المالكية من أحكام، ويدخل في ذلك حكمهم بإلزام الطلاق لمن حلف به وحنث، خلافا لما سار عليه بعض الفقهاء الحنابلة في عدم اللزوم.
إلا أنه مما ينبغي التنبيه إليه أن المالكية رغم أنهم كانوا يلزمون الطلاق فإنهم كانوا يعتبرون هذه اليمين مخالفة للأمر الشرعي، بحيث يستحق من أقسم بها التعزير والتأديب، وقد نبه جامع "المستخرجة" على ذلك بقوله نقلا عن ابن القاسم : إن مالكا سئل عن الأدب للناس في حلفهم بالطلاق، فقال : لقد سألني زياد عن الذي سألتني عنه، فقلت له :"إنه الناس عن ذلك، فقال لي : إنهم لن ينتهوا إلا أن أضربهم، فقلت له : فافعل، إضربهم.(ج 9 ص 325).
فهذا النص يبين أن الإمام مالكا رحمه الله قد أقر ضرب الحالفين بالطلاق، إلا أنه لم يبين الأسباب الدافعة إلى ذلك، وهنا يتدخل ابن رشد في الشرح ليبين تلك الأسباب فقال : الأدب في ذلك واجب لوجهين :
أحدهما : ما كتب من قول النبي عليه السلام: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت"، وما روي عنه أنه قال : "لا تحلفوا بالطلاق والعتاق فإنهما من إيمان الفساق".
ذكر ذلك ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني : أنه من اعتاد الحلف به لم يكد يخلص من الحنث به فتكون زوجته تحته مطلقة من حيث لا يشعر.
وقد قال مطرف وابن الماجشون :"إن من لزم ذلك واعتاده فهو جرحة فيه وإن لم يعرف حنثه".
وقيل لمالك :"إن هشام بن عبد الملك، كان يضرب في ذلك عشرة أسواط فقال :أحسن، إذ أمر فيه بالضرب.
وروي أن عمر كتب أن يضرب في ذلك أربعي سوطا".
وعلى كل حال، فن الإمام مالكا كن يؤيد العقوبة على ذلك ليبعد الناس عن هذه اليمين التي طالما أفسدت عل الناس استقرارهم، وأضاعت عن الأزواج فرص استمرار حياتهم الزوجية في سعادة وهناء.
وحيث إن العقوبة أوجبها عمر ابن الخطاب وهشام بن عبد الملك ضد الحالفين بالطلاق، وأقرها الإمام مالك، فإن العتبي لم يتحدث عنها في كتاب "الطلاق" وإنما تحدث عنها في كتاب "السلطان" ليظهر هولها، وليميزها بالحكم، عسى أن ينتهي الناس عن هذه اليمين، فلا يمارسوها، ولا يقدموا عليها.
وكتاب "السلطان" هو عبارة أن أحد أبواب "المستخرجة" تضمن كثيرا من الأمور التي يستحق مرتكبوها العقاب، سواء منها ما يتصل بالعبادات أو ما يتصل بالمعاملات.
ويحتوي هذا الباب على جزئيات فقهية تفتح آفاق المعرفة، وتبين مدى الاهتمام الذي يوليه الشرع لمصالح الناس، سواء فيما يتعلق بحمايتهم من الزلل في العبادات، أو فيما يتعلق بحمايتهم من الزلل في المعاملات.
قمن أنواع الحماية من الزلل الديني : ما يتعلق بالنص القرآني المتعبد بتلاوته المقروء به في الصلاة، المتوصل به إلى الأحكام، فإن هذا النص يجب أن يكون مقطوعا به، فإذا كانت هناك قراءة غير مقطوع بها لم يجز الاعتماد عليها.
ومن ذلك مثلا مصحف ابن مسعود، فإن بعض ألفاظه يخالف ما هو مثبت في المصحف العثماني، ولذلك وجب عدم الاعتماد عليه في العبادات والأحكام، وقد جاء في "المستخرجة" من سماع عيسى بن دينار أنه قال : وسمعته – أي الإمام مالك – يقول في المصحف بقراءة ابن مسعود التي تذكر عنه، قال :أرى أن يمنع الإمام من بيعه، ويضرب من قرأ به، يمنعه أن يقرؤوا به ويظهروه.
فالإمام مالك قد خول للإمام أن يتدخل في هذه الجزئية، وأن يعاقب من يخالف أمره، ولم يعلل في "المستخرجة "أسباب هذا التدخل، لكن ابن رشد في "شرحه" قد أفصح عن ذلك، وحلله تحليلا دقيقا فقال عنه (ج 9 ص:374):
"إنما قال ذلك لأنها قراءة لم تثبت، إذ إنما نقلت نقل آحاد، ونقل آحدا غير مقطوع به، والقرآن إما يؤخذ بالنقل المقطوع به، وهو النقل الذي تنقله الكافة عن الكافة، فما لم يقطع عليه أنه قرآن لمخالفته مصحف عثمان المجتمع عليه، لا تباح قراءته على أنه قرآن : إذ حكمه حكم ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والأخبار فلا تجوز الصلاة به، وكذلك قال في "المدونة" : إن من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أعاد في الوقت وبعده، وإن علم وهو في الصلاة قطع وخرج، فوجب على الإمام من أجل هذا أن يمنع منه ويضرب عليه، ولا يثبت قراءة سوى ما ثبت بين اللوحين في مصحف عثمان.
وقد قيل في القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود : إنها قراءة كان يقرأها على وجه التفسير لأصحابه، لا على أنها قرآن، فإن كان كذلك فالمعنى في المنع من قراءة المصحف المكتوب على هذا، وبيعه بين لا يخفى.
واستدل ابن رشد على ذلك في الجزء الثامن عشر صفحة 419 بما ورد في "المستخرجة" حيث قال : قال الإمام مالك : أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم"، (البقرة :223) فجعل الرجل يقول طعام اليتيم، فقال ابن مسعود طعام الفاجر، قال ابن رشد، فدل ذلك على أنه غير الكلمة تفسيرا لا على أنها قراءة أخرى.
وكان المقصود من كلام ابن رشد أن المنع حاصل من كون الذين يكتبون هذا القرآن ويتداولونه بينهم لا يعتقدون أنه تفسير فيستعملونه كأنه أصلي، أما إذا عهد بين الناس أنه كتب على أساس أنه تفسير فمن المعقول أنهم لا يعتبرونه نصا أصليا فيستعينون به على فهم كلام الله لا على أنه قراءة من القراءات.
وعلى هذا الأساس جاز للباحثين الاهتمام بتفسير ابن مسعود، نقلا عن النصوص المختلفة الواردة في مختلف كتب التفاسير وكتب المعاني.
وقد قام هذا العمل أحد المهتمين بالدراسة القرآنية في المملكة العربية السعودية، وهو السيد محمد أحمد عيسوي، الذي تتبع مختلف المصادر، وأصدر تفسيرا سماه "تفسير ابن مسعود": وقد طبع سنة 1985 بشركة الطباع العربية السعودية بالرياض على نفقة مؤسسة الملك فيصل الخيرية.
وأن الصورة التي وضع عليها هذا التفسير تزيل الحرج الذي تخوف منه الإمام مالك، ولا تبقى مبررا للحكم بتعزير من يقرأه ويتصرف على محتواه.
ونكتفي بهذه الجزئية التي اخترناها مثالا لحماية من الزلل في العبادات لننتقل منها إلى جزئية أخرى تتعلق بالحماية من الزلل في المعاملات، ويتعلق الأمر بالتناجش، وقد فسره العتبي بقوله (ج 9 ص 350) : "قال الإمام مالك : التناجش أن يكون الرجل يعطي السوم وهو ليس من حاجته، لأنه يقتدي به أحد من أهل الاشتراء فيغتر به".
ومن المعلوم أن التناجش داخل في المنهيات التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها، فقد جاء ضمن بعض لأحاديث قوله عليه السلام :"لا تناجشوا" والنهي عن ذلك واجب، لأنه يدخل في خداع الناس وتغريرهم واستغلال غفلتهم.
واكتفى في "العتبية" في "كتاب السلطان" بذكر التعريف بالتناجش، ولم يذكر حكمه إذا وقع، لكن ابن رشد في البيان أوضح ذلك فقال :"فإن فعل ذلك أحد ليس من قبل البائع، ولا كان له فيه سبب لزم المشتري البيع ولم يكن له فيه خيار، وباء الناجش بالإثم في ذلك، "وأما إذا كان البائع دس الناجش ليزيد في سلعته، و كان من سببه مثل عبده أو أجيره أو شريكه أو ما أشبه هؤلاء ممن هو من ناحيته، فالمشتري بالخيار في رد السلعة ممن هو من ناحيته، فالمشتري بالخيار في رد السلعة إن كانت قائمة أو التمسك به بالثمن الذي اشتراها به، وإن فاتت في يديه ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتراها به، قال ذلك ابن حبيب في "الواضحة" وهو صحيح على أصولهم، وبالله التوفيق.
وهنا نرى أن ابن رشد لم يكتف بنقل النص من "الواضحة" مجردا، ولكنه قال : وهو صحيح على أصولهم.
ولعل هذه الأصول المقصودة هي حماية المشتري من الضياع بحيث يكون حرا في الإمساك أو الفسخ حينما تكون البضاعة قائمة، أما بعد الفوات فإن له الحق في الرجوع فيما زاد عن ثمنها، أما إذا كانت قمتها تساوي الثمن أو تساوي أكثر منه فلا شيء عليه.
ولم يتعرض ابن رشد إلى تعزير الناجش وعقوبته، ولعل ذلك مرجعه إلى تقدير الولاة الذين من واجبهم حماية الأسواق من الغش والتدليس.
إن تقريرات ابن رشد وتحليلاته وتوجيهه تجعل "كتاب البيان والتحصيل" منطلقا على التعرف على كثير من الآراء الواردة في الفقه الإسلامي، خصوصا منها ما يتصل بالمعاملات الدافعة إلى حماية المجتمع من الظلم والتعدي على حقوق الناس.
ومن الجزئيات الواردة في ذلك ما نقله من "مدونة" الإمام سحنون فيما يتعلق بالشهادات، إذ من المعلوم أن للشهادات أثرا كبيرا في إيصال الحقوق إلى أصحابها وإيضاح بواعثها وأسبابها، بحيث يعتبر أداء الشهادة أحيانا داخلا في فروض العين، وأحيانا أخرى  داخلا في فروض الكفاية التي عبر عنها بفروض الجملة، ويختلف ذلك باختلاف وضعية الاحتياج إليها.
ويمكن التحقيق من الوضعيتين بما سجله  ابن رشد إثر قول سحنون الوارد في "المستخرجة"، فقد جاء فيها أن سحنونا سئل عن قول الله تعالى : "ولا ياب الشهداء إذا ما دعوا"، (البقرة 282) فقال :"إذا كان للرجل عندك علم قد أشهدك عليه، أما إذا لم يكن له عندك علم وإنما يريد أن يشهدك ابتداء فأنت في سعة إذا كان يجد في البلد غيرك من يشهده ( ج10 ص 128) "كتاب الشهادات الثالث".
وهنا يقول ابن رشد :"وهذا كما قال، لأن القيام بالشهادة الذي أمر الله به حيث يقول :"وأقيموا الشهادة لله"، (الطلاق 2)، و"كونوا قوامين بالقسط شهداء لله"، (النساء 135) ينقسم إلى وجهين :
- أحدهما، أن يدعى ليشهد على الشهادة ويستحفظ إياها.
- والثاني : أن يدعى أن يشهد بما علمه، استحفظ إياه أو لم يستحفظ.
أما الوجه الأول : وهو أن يدعي ليشهد ويستحفظ الشهادة فإن ذلك واجب وفرض على الجملة، يحمله بعض الناس عن بعض، كالجهاد والصلاة على الجنائز وما أشبه ذلك، فإذا كان الرجل في وضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الفرض في خاصته، لأن الله قال :"وأقيموا الشهادة لله"، فإذا قيم بها فقد امتثل الأمر وسقط الفرض، إذ لا معنى لقيام من قام بها بعد ذلك.
وأما الوجه الثاني : وهو أن يدعى ليشهد بما علمه واستحفظ إياه فإن ذلك واجب عليه، لقول الله عز وجل :"ولا ياب الشهداء إذ ما دعوا"، وقوله :"ولا تكتموا الشهادة".
فمن كانت عنده الشهادة فلا يحل له أن يكتمها ويلزمه إذا دعي  إليها أن يقوم بها، وأما إذا لم يدعى إلى القيام بها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"وخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، وهذا فيه تفصيل.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يجب على كل من دعي إلى الشهادة أن يجيب، سواء دعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ، لقول الله عز وجل: "ولا ياب الشهداء إذا ما دعوا"، وليس ذلك بصحيح، لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهدا إلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة، وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد، ولا داخل تحت قوله تعالى :"ولا ياب الشهداء إذا ما دعوا"، وهذا بين، وبالله التوفيق.
إن هذه الأحكام التي ذكرها ابن رشد حددت مفهوم الآيات المستدل بها، وربطت بين المدلول اللغوي لكلمة الشهادة والمدلول الشرعي، وفسحت المجال لفهم النصوص وفق الحاجة الضرورية لإثبات الحق لطالبه، وذلك ما يهدف إليه الشرع الكريم.
ونفس التفصيل الذي اتبعه في تفسير الآية التي سئل سحنون عن تفسيرها نراه يقوم به أثناء شرح حديث نبوي سئل سحنون عن معناه، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم "مطل الغني ظلم".
فقد سئل سحنون عن ذلك وقيل له:  أترى أن تجوز شهادة الغني إذا مطل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مطله ظلم، فقال : لا أرى أن تجوز شهادته إذا مطل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مطل الغني ظلما، فمن كان ظالما فلا ينبغي أن تجوز شهادته (ج 10 ص 186) "كتاب الشهادات الرابع".
وهنا يقول ابن رشد: هذا بين على ما قاله من أن المعروف بالمطل من غير ضرورة لا ينبغي أن تجوز شهادته، لأن مطل الرجل بحقه إذاية له في ماله، ولا يحل إذاية الرجل المسلم في ماله، كما لا يحل إذايته في دمه ولا في عرضه.
قال رسول الله في خطبته بعرفة :"ألا إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
وقال الله تعالى :"والذين يوذون المومنين والمومنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا". (الأحزاب – 58)
ولعل المطلع على هاته الأحكام سيحرص على تجنب الظلم ما دام الظلم سالبا للعدالة، مانعا من أداء الشهادة، كما سيحرص على تجنب مختلف التجريحات التي تحرمه من إثبات شخصيته، وإظهار كرامته الاجتماعية.
ومن أهم التجريحات ارتكاب الكبائر، وممارستها من غير أن يتوب بعدها التوبة النصوح.
وفي هذا الصدد يقول ابن رشد : "فمن أتى بكبيرة من الكبار لم تجز شهادته حتى تعرف توبته منها". (ج 10 ص 81) "كتاب الشهادات الثالث".
هذا، وإن الكبائر متعددة أوصلها بعض الفقهاء إلى نحو سبعين كبيرة، ومنها على سبيل المثال الزنا، والسرقة، وقذف المحصنات الغافلات المومنات والسحر، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس بغير حق، والتولي يوم الزحف، وشرب الخمر، والحرابة، وإنا لنرجو من الله أن يقينا من ارتكابها، وأن يعيننا على اجتنابها، إنه سميع مجيب.
وإذا كنا رأينا ابن رشد في الجزئيتين السابقتين يعتمد على التحليل والتفصيل، فإنه في كثير من الجزئيات لا يكتفي بذلك، وإنما يتدخل تدخل الناقد الذي يرمي من تدخله إلى إقرار رأي، أو رفض اعتبار.
ويمكن استدلال على ذلك بما ورد في "كتاب المديان والتفليس الأول" فقد جاء فيه (ج 10 ص 372) أن مالكا سئل عن رجل هلك وترك عليه ثلاثة آلاف دينار، ولم يترك من المال إلا ألف دينار، ولم يترك وارثا إلا ابنا له فيقول ابنه لغرمائه : خلوا بيني وبين هذه الألف دينار التي ترك أبي، وأنظروني بدين أبي سنتين، وأنا ضامن لكم جميع دين أبي.. فأجاب : بأنه لا بأس بذلك، وأنه بلغه عن ابن هرمز مثل ذلك.
فالإمام مالك بجوابه هذا لم ير في هذه المسألة ضيرا، ولم يدخلها في باب الربا، أو في باب الغرر، لكن ابن رشد ذكر أن الفقيه ابن دحون قال عنها : إنها مسألة ردية، لولا أن مالكا رحمه الله تبع فيها ابن هرمز ما أجازها، لأنه أخذ عينا ليقضي إلى أجل أكثر منه، ولأنه ضمن ما على أبيه من دين، وذلك مجهول لا يدري ما يطرأ على والده من دين، وذلك، فلو قدم غريم لم يعلم به للزمه أن يدفع إليه، ولو اشترط ألا يؤدي إلا دين من حضر لم يجز، لأن الغائب إذا قدم أخذ حصته منه بالحق، فكله مجهول، وكله غرر.
وكلام ابن دحون هذا يقتضي أن الإمام مالكا كان يعلم هاتين العلتين المانعتين، ولم يبال بهما، اكتفاء بالجواز الذي قال به ابن هرمز، وهذا أمر غير معقول، ولذلك لم يعتد به ابن رشد، وعارضه بعد ذكره بأمرين :
- الأمر الأول : كلي، يتصل بعدم جواز تقليد العالم للعالم فيما يعلم باجتهاده أنه خطأ، بحيث لو تيقن الإمام مالك بوجود العلتين السابقتين في هاته المسألة لما جاز له أن يقول بالجواز، ولو قال به ابن هرمز قبله.
وفي هذا الصدد قال ابن رشد : لا يجوز عند أحد من العلماء أن يقلد العالم فيما يرى باجتهاده أنه خطأ، وإنما اختلفوا هل له أن يترك النظر في نازلة إذا وقعت ويقلد من نظر فيها واجتهد أم لا؟
ومذهب مالك الذي تدل عليه مسائله أن ذلك  لا يجوز، فلم يتابع مالك رحمه الله في هذه المسألة ابن هرمز على قوله دون نظر، بل رآها جائزة لا بأس بها بنظره، وحكى ما نقله عن ابن هرمز من إجازتها استظهارا لصحة نظره، واحتجاجا على من خالفه فيه.
- الأمر الثاني : جزئي، يتصل بالقضية نفسها، ذلك أنه لم ير فيها مانعا، لأن الوجه عنده يرجع على أن المال الذي تركه الهالك وهو الألف دينار حينما تحمله الابن لم يتحمله على أساس أنه أخذه منهم بعد أن أصبح ملكهم، بل تحمله على أساس أنه ما زال مستمرا في ضمان والده، فالعلم فيه شبيه بعمل الأب لو كان حيا وظهر إفلاسه، فإنه يجوز للغرماء أن يدعوه يعمل فيما بقي بيده سنتين مثلا، حتى إذا تمت السنتان، ونما المال أعطاهم ما يستحقون، وبقي له الفضل لنفسه.
وذلك هو نفس ما فعل الوالد الوارث، فإذا كان للهالك أكثر من وارث فليس لواحد منهم أن يعمل في هذا المال عمل هذا الولد، إلا إذ عمل عل أساس أن يكون الفضل لهم جميعا، لأنه لو عمل على أن يكون له الفضل وحده لكانت العملية حينئذ بينه وبين الغرماء، وفي ذلك ربا، أما إذا عمل على أساس أن الفضل للجميع، أو كان وحده، فإن ذلك جائز كما هو واضح، والضمان للمال حينئذ لو تلف سيكون في مال الهالك لا في مال الغرماء، بحيث لو ضاعت الألف دينار، وظهر مال للهالك فإن الغرماء يتقاضون منه مالهم لأنهم لم يتوصلوا به بعد حتى يعتبر ملكا لهم فيكون الضمان عليهم، إذ لو التزم بضمان الألف التي مكن منها إذا ضاعت لكان التحريم واضحا.
وعليه، فإن ابن رشد قد أظهر هنا الحكم وفسره وزاد على ذلك توضيحه لحقيقة علمية فقيمة وهي وجوب تفكير العلماء الذين يملكون مؤهلات الاجتهاد في القضايا النازلة، وعدم ركونهم إلى تقليد من قبلهم.
وهذا عمل سديد يدل على ما للفكر الصائب من ديمومة، وعلى ما للاجتهاد من حرمة، وما للعلماء من دو في تقدير الأحكام وتعليلها.
وبمثل هذا الموقف اشتهر ابن رشد بين الفقهاء المسلمين، وبسببه كان الكثير من أقواله وآراءه حجة عند معاصريه وعند من جاؤوا من بعده، "فدونوها واستشهدوا بها"، وجعلوها ضمن الآراء المستدل بها على حيوية الفقه الإسلامي.
ولعل الناظر في هذا العرض سيتبين له أننا لم نتجه في تقديم محتوى هذا الكتاب اتجاها أكاديميا يبين المنهاج المتبع، ويحدد مدلول الأقوال حسب نقلها عن الإمام مالك وبعض تلامذته، وما يترتب عن ذلك من اختلاف في الأحكام، وإنما سرنا في التقديم على طريقة أخرى، هدفها إبراز الحكمة من بعض التشريعات الإسلامية، بلورها الفقهاء في مدوناتهم، وإظهار ما لها من المنافع الاجتماعية التي تعود بالخير على الإنسان في كل زمان ومكان.
وسنتولى فيما يأتي الحديث عن بضع المقتبسات التي اخترناها من أبواب الوصايا والصدقات والهبات، فقد ضم هذا الكتاب صورا شتى من ذلك حيث يشتمل الجزآن الثاني عشر والثالث عشر على مسائل عدة تختلف حيثياتها، وتتنوع أبعادها.
فمن ذلك مثلا مسألة تصدق الرجل بكل ماله، هل يجوز له ذلك أم لا؟ (ج13 ص 394).
إن هذه المسألة قد وضعها العتبي في "المستخرجة": وضعا يبيح فيه للرجل ذلك إذا كان صحيحا، وليس لورثته أن يمنعوه من ذلك، فقد ذكر أن الإمام مالكا سئل هذا السؤال فأجاز ذلك، مستدلا بكون أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد فعله، وقبله منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ابن رشد في شرحه لهذه المسألة رأى أن الأحسن من ذلك أن يبقي الرجل على نفسه ماله لقوله تعالى :"والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما". (الفرقان -167).
وقوله :"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عقنك ولا تبسطها كل البسط"، (الإسراء -29)، وقوله :"ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو". (البقرة -29).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا صدقة إلا عن ظهر عني، وابدأ بمن تعول".
وقال كعب :"إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك مالك فهو خير لك".
ومما استدل به ابن رشد في هذه المسألة أن أبا لبانة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه، قال : يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأجاورك، وأنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يجزئك من ذلك الثلث".
وبناء على هذا الحديث رأى الفقهاء أنه يكره للرجل أن يتصدق بجميع ماله، وأن من نذر ذلك يلزمه عند مالك وجميع أصحابه أن لا يتصدق منه إلا بثلثه.
وذكر ابن رشد نقلا عن اللخمي أن أبا بكر إنما فعل ذلك لاستئلاف الناس وإنقاذهم من الكفر، وذلك حينئذ واجب، إلا أنه قال : إن في هذا القول نظرا.
ولعل النظر الذي رآه هو أنه  لو كان ذلك حينئذ واجبا لوجب على الناس جميعا، ولعم جميع الصحابة، ولقبل من كل الذين أقدموا عليه، ولم يختص به أبو بكر وحده دونهم. فقبول ذلك من أبي بكر وحده دون غيره دليل على أن الوجوب غير وارد، بل إن عدم الجواز أقرب إلى الواقع، اعتمادا على ما استدل به ابن رشد من الآيات، وما أورده من الأحاديث.
ومن المسائل التي تعرض لها العتبي في "المستخرجة" مسألة الوصية للوارث، إذ من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"لا وصية لوارث"، وهذا حكم يقره الفقهاء في باب الفرائض، وفي باب الوصايا، إلا أن طريقة الاعتداد به إنما تتعلق بيوم التنفيذ لا بيوم الإيصاء، فإذا وقع كان الوصية للوارث فإن العقد لا يحرم، ولكن يحق للورثة أن يجيزوا الوصية آنذاك، أو أن يرفضها، فإذا أجازوها كان ذلك عطية منهم.
وعلى أساس هذا المفهوم بني ابن رشد شرحه "للمستخرجة" إما تحليلا لبعض مسائلها، أو توجيها لما فيه من النصوص التي تدل على ذلك.
فقد جاءت هناك مسائل وردت عن أشهب، فقد ذكر أنه سمع مالكا يسأل عن امرأة أوصت بثيابها لإنسان، فذهب بعض ثيابها، واستخلفت ثيابا غيرها ثم ماتت، فقال : أما ما استخلفت فهو الذي أوصت له، فثيابها كلها له، وكذلك لو قالت : متابع بيتي لفلان فتكسر الصحفة، ويذهب الشيء، ويخلف مكانه، فأرى ذلك كله له.. وكذلك الذي يقول : سلاحي لابني، فيذهب سيفه ودرعه ويشتري سيفا آخر ودرعا آخر فذلك له إلخ.. وهنا يقول ابن رشد : أي إن ذلك له بالوصية، إن أجازه الورثة، لأن الوصية لوارث لا تجوز، إلا أن يجوزها الورثة (ج 13 ص 24).
وفي نفس "المستخرجة" جاء أن الإمام ملكا قال : أوصى عمر بن الخطاب إلى حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال مالك :"وأرى أنه فعل ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعقب ابن رشد على هذا التأويل بأنه بين، إذ لا شك في أن لها بكونها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم مزية على سائر أولاده، ولم يضف شيئا على ذلك.
والظاهر أن هذه المزية التي لاحظها عمر، وذكرها الإمام مالك، وأيدها ابن رشد، لم تغب عن أولاد عمر، ولذلك لم يعارضوا أباهم فيما فعل، واعتبروا امتثالهم لوصيته من البرور، فسكوتهم كان إقرارا لما أوصى به، فكأنهم بسكوتهم وقبولهم قد أجازوها، فلا معارضة إذن بين هذا النص وبين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا وصية لوارث" لأن تنفيذ هذه الوصية كان ناتجا عن قبول الورثة لها لا عن كونها كانت وصية واجبة (ج 13 ص 79).
وورد في "المستخرجة" أيضا أن سحنونا سأل عبد الرحمن بن القاسم عن المرأة توصل لزوجها بالوصية ثم تموت، وقد كان طلقها، فقال ابن القاسم : إن كانت علمت بطلاقها فوصيتها له جائزة، وإن كانت لم تعلم بالطلاق لم تجز الوصية، لأنها أوصت يوم أوصت وهي تظن أن لها وراث، والوصية للوارث لا تجوز.
قال سحنون : وقال لي أشهب : هي جائزة، علمت أو لم تعلم.
قال سحنون : وأخبرني القرشي عن المخزومي وابن أبي حازم وابن كنانة وابن نافع أنهم قالوا : تجوز وصيتها له، وهي جائزة (ج13 ص 223).
وهنا تدخل ابن رشد، فذكر أن حكم ابن القاسم صحيح، إلا أن الاعتدال الذي جاء به ضعيف، لأن سبب المنع ليس هو كون المرأة حين أوصت كانت تظن أنه لها وارث ولا وصية لوارث، بل العلة أنها حينما أوصت له، وهو زوجها، كانت تريد أن تزيده بالوصية على ما فرضه الله به بالميراث، ورجت أن يجيز الورثة ذلك، ولعلها لو علمت أن يطلقها لما أوصت له بشيء.
وبناء على هذه العلة التي ذكرها ابن رشد يكون قول ابن القاسم موجها توجيها سليما، لأن المبرر الذي أوصت بسببه قد زال، فإذا علمت بالطلاق، وأبقت على الوصية فسيكون المبرر شيئا آخر غير ذلك، فقد يكون الهدف منه استئلاف قلبه ليعلم أنها لم تؤاخذه بعمله هذا فيراجعها، وقد يكون الهدف من ذلك رجاء ثواب الله من غير أي اعتبار دنيوي عاجل.
وذكر ابن رشد أن علته هاته هي التي يمكن أن تكون مبررا، إذ لا معنى لكون العلة مرجعها إلى أنها أوصت له حين أوصلت له وهو وارث، لأن غير ذلك ممنوع بدليل أن الشخص إذا أوصى لأخيه بوصية جائزة له، لأنه قد تركها  بعد الولادة، فصار مجيزا لها بعد الولادة، وتبقى معلقة على جواز الورثة لها، فإن أجازوها أخذها الموصي له، وإن لم يجيزها لم يأخذها.
وأيد قوله هذا بالمقابلة الآتية حيث قال :"فكما تبطل وصيته إذا أوصى له وهو غير وارث، ثم صار وارثا، فكذلك ينبغي أن تجوز إذا أوصى له وهو وارث، ثم صار غير وارث، إلا أن يدخل ذلك ما دخل الزوجة توصي لزوجها ثم يطلقها.
وقد روي عن بن القاسم مثل قول أشهب وابن كنانة وابن أبي حازم، وذلك عندي في غير الزوجة، وبالله التوفيق (ج 13 ص 224).
ولعل كلام ابن رشد هنا كان واضحا ومقبولا، لأن الاعتداد بالعلة في مثل هذه الأشياء المبنية على الإحسان والمكارمة واجب، وإلا تداخلت الأحكام، وأصبح بعضها يشبه البعض دون مبرر يجمع بينهما.
وقد تتبع ابن رشد كثيرا من المسائل المتعلقة بالمعاملات، فأشار إلى البيوع، والمغارسة، والزراعة، والوديعة، والعارية، واللقطة، والسرقة، والجنايات، والديات، وما يتصل بذلك من أحكام، وكان في كل ذلك حريصا على إيضاح الجزئيات التي أشار إليها العتبي في "المستخرجة"، وعلى الربط بين مختلف الروايات التي صدرت عن أصحاب الإمام مالك، ومختلف التأويلات التي وجهوا بها الأحكام.
ومن مزايا ابن رشد فيه أنه كان يتوفر على ذاكرة قوية يستطيع بها استحضار ما مضى من الأقوال، والإشارة لما سيأتي منها في الأبواب اللاحقة، وبذلك كان شرحه جماعا للمسائل، وضاحا لأحكامها، محددا لعناصرها، قادرا على لم شتاتها، وتحديد شروطها، وتوفير عناصرها المتكاملة.
وكان له قدرة على تأويل الأحاديث النبوية والآيات القرآنية وفق اتجاه أصولي يحدد الأحكام تحديد يفرق بين الإلزام الشرعي والإلزام الأخلاقي.
ويتجلى ذلك مثلا في موضوع العدة بالسلف، والعارية، والهبة، ومتى تلزم ومتى لا تلزم؟
فقد اختلفت آراء الفقهاء في ذلك حسب نوعية العدة وشكلها، فهي :
- إما أن تكون عدة تلقائية لم تبن على سبب.
- وإما أن تكون بنيت على سبب، وشرع بسببها في السبب.
- وإما أن تكون بينت على سبب ولم يشرع بعد في السبب الذي بنيت عليه.
فأما التي جاءت تلقائية، ولم تبن على سب، فإن من الفقهاء من يبيح للواعد أن يرجع عن عدته التي وعد بها، ومنهم من لا يبيح له ذلك لوجوب الوفاء بالوعد.
وأما ما بني منها على سبب كالتي يقول فيها الرجل لرجل آخر : تزوج وأنا أسلفك، أو إهدم دارك لإصلاحه وأنا أسلفك، أو أخرج للحج وأنا أسلفك، فإن هذه الأشياء قد يشرع فيها الموعود له فيجب على الواعد أن يلتزم بما وعد، فإذا لم يشرع فيها الموعود له فهناك من يقول بجواز عدم الوفاء، وهناك من يرى الوفاء لازما.
والذين يقولون بوجوب الوفاء يستدلون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"وأي المؤمن واجب" أي وعده واجب.
لكن ابن رشد رأى أن هذا الحديث لا حجة فيه، لأنه ليس على ظاهره في الوجوب، لأن معناه واجب في مكارم الأخلاق ومحاسنها، بدليل تخصيصه المؤمن، لأنه لما لم يعم فيقول : الرأي واجب، علم أنه أراد بعض المؤمنين وهم الممدوح إيمانهم، فدل ذلك على الندب. (ج 15 ص 317).
ومناقشة ابن رشد لهذه الجزئية إنما هي داخلة في كون الوجوب هنا ينبغي أن يفهم على أنه ليس إلزاما شرعيان وإنما هو إلزام أخلاقي، ولا يهدف به إلى التحرر من هذا الالتزام، وإنما يهدف من ذلك أنه لا يثبت الحكم به في الميدان القضائي، وإلا فإن المسلم مطالب بالوفاء والإحسان ومساعدة المحتاجين.
ومن الفقهاء من كان يرى أن الواعد غير ملزم بالوفاء بالعدة مطلقا ومنهم من كان يرى أنه ملزم بالوفاء بها في كل الأحوال.
وأنا أرى أن هذه الاختلافات يجب أن تبنى حسب ما يترتب على الوعد من أضرار بالموعود له إذا لم يلتزم الواعد بالعدة التي وعد بها، فإذا كان الموعود له سيحصل له ضرر مادي أو معنوي فإن الوفاء من الواعد واجب، فإذا أخل بذلك ولا شهود عليه فإنه سيحاسب دينيا ولا قضائيا، أما إذا كان له شهود موجودين فإن للمتضرر أن يتقدم للقضاء، ويحكم له حينئذ بتعويض ما فوته عليه الواعد المخلف.
ومما يلاحظ عند ابن رشد انه كان يتتبع أقوال الفقهاء، ويعلق عليها، وقد تقدم لنا مناقشة لرأي ابن دحون حول سماح الغرماء لوالد الوارث في حق التصرف في الدين ليمنحهم ما ضاع لهم بسبب إفلاس ولده قبل موته، وابن دحون هذا هو الفقيه القرطبي أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أحمد الأموي الذي تداول الناس آراءه في الأندلس أوائل القرن الخامس، فقد كان هذا الفقيه من أبرز فقهاء قرطبة، وخلف بعد موته عام 431 هـ بعض المدونات التي اطلع عليها ابن رشد وغيره من الفقهاء، فاستفادوا منها ولكنهم كانوا في الوقت ذاته يراجعونه حينما لا يتفقون على أسبابها.
وقد تعرض ابن بشكوال إلى هذا الفقيه في كتابه "الصلة" فوصفه بأنه كان من جلة الفقهاء وكبارهم، وأنه كان عارفا بالفتوى، حافظ للرأي على مذهب مالك وأصحابه، عارفا بالشروط وعللها، بصيرا بالأحكام، مشاورا فيها (ج:1، ص :263 طبعة مجريط عام 1882 م).
وتعرض ابن رشد لكثير من الأحكام الصادرة عنه، فقبل بعضها وخطأه في بعضها، ومن الجزئيات التي ناقضه فيها جزئية تتعلق بالجعل في المغارسة، فقد جاء في "المستخرجة" من سماع ابن القاسم من مالك من "كتاب الرطب باليابس" ما يأتي : (ج :15، ص :401) " قال ابن القاسم : وسمعت مالكا قال في رجل قاضى رحلا على أن يغرس له نخلا في أرض له على أنه له في كل نخلة تنبت جعلا قد سماه وإن لم ينبت غرسه فلا شيء له عليه، ولا يلزمه العمل في ذلك، إن شاء أن يتركه تركه، فقال : لا أرى به بأسا إذا اشترطا للنخل قدرا يعرف أربع سعفات أو خمسا أو نحو ذلك".
قال محمد بن رشد : "هذا كما قال لأنه جعل محض، والمغارسة على الجعل جائزة لأنها تجوز على الجعل وعلى الإجارة وعلى جزء من الأصل إذا بلغ الغرس حدا تجوز المغارسة إليه، ولا اختلاف أحفظه في المذهب في إجازة المغارسة على الجعل لأن الجعل أصل في نفسه كالقراض".
ثم قال بعد ذلك (ج:15ن ص 402) :"ولجوازه أربعة شروط متفق عليها وهي أن يكون الجعل معلوما، وأن ينقد، وألا يضرب للعمل أجل، وأن لا يكون الجاعل فيه منفعة إلا بتمامه، وشرط خامس مختلف فيه وهو أن يكون للجاعل فيه منفعة إذا تم.
وهذه الشرائط كلها موجودة في المغارسة على الجعل فوجب أن يجوز.
وقد قال بن دحون مسائل المغارسة لا أصل لها، وفيها غرر وخطر ظاهر، وقد أجازها مالك وأصحابه وللمخالفين عليهم فيها تعلق قوي لأن أصحاب مالك كلهم منعوا من الغرر والخطر في جميع مسائلهم، وأجاوزه في هذا، وجعلوه من باب الجعل، ومن أصلهم ألا يجوز الجعل إلا في اليسير، وأجازوه في هذا العمل الكثير، وهو خطر عظيم، وليس قول ابن دحون بصحيح لأنهم إنما منعوا من الغرر الكثير في البيع لنهي النبي عليه السلام عن بيع الغرر، وعن الخطر والقمار في غير البيع، أنه من ميسر الجاهلية، وأما الجعل فقد جوزته السنة، وأجازته الشريعة على ما فيه من الغرر على الشروط التي ذكرناها، وليس من شروط صحته ما ذكره من أنه لا يجوز إلا في اليسير، وإن كان قد قاله عبد الوهاب وغيره، بل يجوز في اليسير وفي الكثير إذا لم يكون للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه.
وإنما قال مالك لا يجوز الجعل على بيع الثياب الكثير، وإنما يجوز على بيع الثوب والثوبين من أجل أن الثياب الكثيرة إذا أسلمها إليه ليبيعها له بالجعل فلم يبعها وصرفها إليه كان قد انتفع بحفظه لها، وحوزه إياها مدة كونها بيده، فهذه العلة في ألا يجوز الجعل على بيعها لا كونها كثيرة..".
ولا ريب أن التعليلات لها أثر في إقرار بعض الأحكام أو رفضها، وعلى قدر سعة الفكر والعلم تصدر الأحكام، لأن مدارها في الغالب ناتج عن كيفية الاستنتاج من النص، ولا يصح لكل شخص أن يستنتج حسب هواه، لأن ذلك مبني على معرفة تامة بصحة النصوص، وبالقدرة على تأويلها من خلال المعرفة اللغوية والأصولية، وإلا كانت الاجتهادات عبثية.
وقد لاحظنا فيما سبق أن ابن رشد كان يتوفر على هذه المؤهلات في مختلف الأبواب التي تعرض لهان وهي التي تضمها الأجزاء الستة عشر المطبوعة، أما الجزآن الأخيران أي السابع عشر والثامن عشر فقد اشتملا على "كتاب الجامع" الذي ختم به شرحه، ويتكون من تسعة أبواب أو تسعة كتب.
وسنخصص لهذا "الجامع" عرضا مستقلا في مقال لاحق إن شاء الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here