islamaumaroc

وما كان الله ليضيع إيمانكم

  عمر بنعباد

العدد 324 رجب-شعبان 1417/ دجنبر 1996

الإسلام دين هداية ورحمة، ودين يسر ومرونة، ودين رفق ولطف بالعباد. وشرع العبادات نوافل الخير والطاعات، وجعل من حكمتها إثمار الخشية في النفوس والتقوى في القلوب، وصلاح أحوال العباد.
وفي مقدمة تلك العبادات وفرائضها الأساسية فريضة الصلاة، فهي إحدى القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام، والتي تجعل المسلم على صلة دائمة بربه، ورباط وثيق بخالقه، يناجيه بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة، ويتزود منها بزاد الإيمان وتقوية اليقين.
وهذه العبادة الأساسية في الدين، فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته المومنة – ليلة الإسراء والمعراج – كما هو معلوم، تلك الليلة المباركة الخالدة التي أسري فيها بالرسول عليه الصلاة والسلام من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف، والعروج به من المسجد الأقصى إلى الملأ الأعلى في السماوات العلى وإلى سدرة المنتهى.
والإسراء معجزة عظيمة كانت تكريما للنبي المصطفى الأمين بعدما لاقى من كفار قريش في مكة كثيرا من الإساءة والأذى، وكانت من خصائصه ومعجزاته الباهرة، سجلها القرآن المبين بقوله سبحانه في محكم كتابه الحكيم :"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا".
وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون المسجد الأقصى هو القبلة الأولى للمسلمين في الصلاة طيلة مدة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان عليه الصلاة والسلام في هذه الأثناء يكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، وكان يحب أن يتوجه في الصلاة نحو الكعبة المشرفة، إلى أن حقق الله لنبيه أمله ورجاءه، فنزل عليه الوحي – وهو ساجد نحو البيت المقدس – بتحويل وجهته وقبلته في الصلاة إلى المسجد الحرام، مصداقا لقوله :"قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره"، وأصبح المسجد الحرام منذ تلك اللحظة هو القبلة الخالدة للمسلمين، ورمزا من رموز وحدتهم الإسلامية، وأساسا من أسس أخوتهم الإيمانية التي تجمعهم وتكون منهم أمة واحدة إلى يوم الدين.
وكان هذا التحول في القبلة مبعثا لتساؤل بعض المسلمين عن أنفسهم، وعمن كانوا يصلون إلى القبلة الأولى وانتقلوا إلى جوار الله قبل تحويلها، فأنزل الله في ذلك قوله المبين :"وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم".
ذلكم أن الإسلام دين يسر ورحمة، يحفظ للمسلم عمله الصالح، ويكتبه في سجله وصحيفته ويثيبه عليه، ويرفع به قدره وشأنه بين العباد، ويجعل مجاله واسعا وفسيحا يشمل كل ما هو مطلوب من الإنسان في دينه ودنياه، ويرغبه في ذلك ويحثه عليه، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
وحدث الإسراء والمعراج ومعجزته الكبرى الخالدة، توحي فيما توحي به من حكم وأسرار جليلة، لإبراز القدرة الإلاهية، ولإظهارها للعيان في هذه المعجزة، كما تتجلى في سائر مخلوقات الله، وفي جميع ملكه وملكوته، وأنه سبحانه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وأن الربط في الإسراء بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام هو رباط ديني متين، وأن الوصل بينهما وصل رباني مكين، وان النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين.
فالمسجد الحرام وضع أسسه ورفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم صحبة ولده إسماعيل عليهما السلام، بوحي من الله رب العالمين فكان أول بيت وضع للناس للاجتماع والالتقاء فيه على الإيمان بالله وتوحيده، وعبادته وطاعته، ونبذ مظاهر الشرك والكفر وعبادة الأوثان والأصنام، والمسجد الأقصى وأرضه في القدس الشريف كانت مبعثا لكثير من الأنبياء والمرسلين، ومنطلقا لتبليغ رسالات الله إلى أممهم وأقوامهم حتى يهتدوا إلى الإيمان والحق، ويسيروا في حياتهم على النهج القويم.
وجاءت معجزة الإسراء والمعراج لتعطي للمسجد الأقصى مكانة خاصة في الإسلام وعند المسلمين باعتباره مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وقبلته لأولى، وأحد المساجد الثلاثة التي لها حركة عظيمة وفضل كبير في الإسلام، والتي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم :"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، فكان دائما محل عناية ورعاية واهتمام من أمة الإسلام، وفي يدهم وتحت إمرتهم وسيادتهم الكاملة منذ أن فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس، وأصبحت بلدا إسلاميا، يقطنه المسلمون، وينشرون فيه لواء الإسلام، ودينه وفضائله ومكارمه، ويتساكنون مع غيرهم من أهل الديانات الأخرى، بما يكفل لهم حرية التدين، ويضمن لهم كامل الأمن والاطمئنان، عملا بقول الحق سبحانه :"لا إكراه في الدين فد تبين الرشد في الغي" وقوله تعالى :"لكم دينكم ولي دين".
وتواصلت بعد ذلك السيادة الكاملة للمسلمين على تلك المدينة المقدسة منذ أن فتحها صلاح الدين الأيوبي، وخلصها من يد الصليبيين في الحروب الصليبية المشهورة التي كان بين المسلمين والمسيحيين.
وظلت واستمرت كذلك إلى أن ضاعت من يد المسلمين، وخرجت من أيديهم في الثلث الأخير من هذا القرن العشرين بحكم ما حدث ووقع من تآمر قوى الشر والمكر والبغي والعدوان، وأصاب المسلمين من تواكل وتخاذل أضعف قوتهم المادية والمعنوية، وهم اليوم يعملون جاهدين في حزم وعزيمة وتنسيق، وإرادة قوية، وبكل الوسائل السلمية الممكنة لاسترجاع حقهم المشروع، وإنقاذ تلك المدينة الإسلامية من قبضة الغاصبين المعتدين، والسعي الحثيث في إعادتها إلى حظيرة الإسلام والمسلمين.
ذلك أن القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك يعتبر أمانة في ذمة وعنق كافة المسلمين بصفة عامة، وفي ذمة قادتهم وولاة أمورهم بكيفية خاصة، والمسلم في كل بلد ومكان، وهو يهتم بأمور المسلمين وأحوالهم، ويعيش معهم ألامهم وآمالهم، لا يمكن أن يطمئن باله، وتستريح نفسه، ولا أن يلذ له طعام ويستقر له قرار إلا إذا تحرر المسجد الأقصى والقدس الشريف، ورجع إلى ما كان عليه في يد المسلمين وسلطتهم الشرعية يؤدون فيه شعائرهم الدينية آمنين مطمئنين.
فالأمل والعمل زاد المسلم وقوته، والصبر والصمود في الحق سلاحه وعدته والمومن يكون دائما على حسن الظن بربه أن يحق الحق ويزهق الباطل ولو كره المجرمون، ويحرص على أن يكون ذلك الرجاء مقرونا بالعمل الجاد، الهادف المتواصل الذي يصل بالفرد والأمة إلى الغاية الشريفة والمطمح النبيل، الذي هو النصر والظفر، والعزة والكرامة، والتمكين في الأرض والدين لأمة الإسلام، فإن العزة له ولرسوله وللمومنين.
وإن الظن بالله سبحانه لجميل، والرجاء فيه سبحانه لعظيم وكبير أن يعين لجنة القدس التي يرأسها أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني، وأن يوفقها ويسدد خطاها، ويبارك مسعاها، وأن يوفق كافة قادة العرب والمسلمين، وأن يجعل جهودهم المبذولة في هذا المسار تلتقي وتتكامل، وتتواصل وتتضامن لتصل إلى اليوم المشهود الذي يتحرر فيه القدس الشريف والمسجد الأقصى، ويعود إلى أيدي أبنائه المجاهدين، والسلطة الشرعية للمسلمين، وما ذلك على الله بعزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here