islamaumaroc

جهود العلماء المحدثين في بحث إعجاز القرآن الكريم.

  محمد يعقوبي خبيزة

العدد 323 جمادى 2 1417/ نونبر 1996

لم يكد يحل القرن الرابع عشر الهجري – العشرون الميلادي – حتى عرفت حركة البحث في قضية إعجاز القرآن الكريم من جديد، حيث أقبل عليها العلماء بالدراسة والتمحيص، إلا أن منهم من ركز على الجانب العلمي، ومنهم من ركز على الجانب الأدبي، ومنهم من جمع بين عدة نواح في بحثه لإعجاز القرآن الكريم وماله فيه من تأليف...
ولتفصيل هذا الإجمال نعرض في هذه الحلقة المباحث التالية :

المبحث الأول : ظروف انبعاث حركة البحث في إعجاز القرآن الكريم :
لقد عرف القرن الماضي التقاء الفكر الإسلامي المتميز بعقائديته الربانية المتجلية في الوحي المحمدي – كتابا وسنة – بالفكر الغربي المتميز بعقائديته الوضعية المتجلية في مذاهبه الاجتماعية والاقتصادية، من رأسمالية واشتراكية وشيوعية، في صراع عقائدي لإثبات أيهما الجدير بقيادة الإنسانية إلى ما تصبو إليه من اطراد التقدم والازدهار في مختلف المجالات الحضارية، في إطار من الطمأنينة النفسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوطيد دعائم العلاقات السلمية التعاونية، بين سائر الدول والمجتمعات البشرية.
ولقد دار ذلكم الصراع بين جانبين غير متكافئين من الناحية الحضارية :
الجانب الأول : - وهو الجانب الغربي – قد قطع أشواطا بعيدة في ميادين العلم والتقنية.. مما مكنه من فرض نفوذه بالاستعمار على الدول الإسلامية.
والجانب الآخر – وهو جانب الشرق الإسلامي – يئن تحت وطأة الجهل والرجعية ... مما جعله محكوما بالاستعمار من قبل الدول الغربية.
ومنذ أن باشر الغرب الأوربي نفوذه الاستعماري على العالم الإسلامي وهو يبذل – بواسطة أعوانه من المبشرين والمستشرقين – محاولات مكثفة لطمس معالم الشخصية الإسلامية، والإطاحة بقيم الإسلام الخالدة، بهدف ضمان استمرارية استنزاف خيرات المسلمين الطبيعية والبشرية، والتنفيس عن أحقاده الدفينة من  جراء اندحاره أمامه في الحروب الصليبية، والتمكين لإيديولوجياته الوضعية من الانفراد بتوجيه الإنسانية...
ولما كان منطلق الشريعة الإسلامية هو الوحي المحمدي المتمثل في القرآن والسنة، وكان القرآن هو عمدتها الأساسية... فقد ركز المبشرون والمستشرقون حملاتهم المكثفة على تلفيق شبه كثيرة مغرضة تتظافر على محاولة تحقيق غاية قصوى مبيتة... وهي تشكيك المسلمين في توثيق القرآن الكريم إلى رب العالمين. (1)
وأمام ذلكم الصراع العقائدي، وردا على تلكم الشبهات الطاعنة في الوحي المحمدي، (2) وتحصينا للمسلمين من أن يقعوا في شرك الفكر الوضعي، ودفعا بهم إلى التحرر واللحاق بركب التقدم الحضاري في إطار من دينهم الإسلامي... فقد كان من الطبيعي أن تستأنف مسيرة بحث قضية إعجاز القرآن الكريم طريقها بمنطق العصر الحديث، مادامت هي الأساس المكين في إثبات الوحي المحمدي، وربانية ما جاء به من قيم وتعاليم، يراد لها أن تؤطر الحياة الإنسانية من جديد...

المبحث الثاني : النزعة العلمية في بحث إعجاز القرآن الكريم :
ويقصد بها تلك النزعة التي قصر أصحابها اهتمامهم في بحث إعجاز القرآن الكريم على الناحية العلمية.
وهذه النزعة، وإن كان لها جذور في تاريخ الفكر الإسلامي عند الغزالي (3) والقاضي عياض (4) وابن رشد (5) من علماء القرن السادس الهجري، وعند السيوطي (6) من علماء القرن العاشر الهجري.. فإنها لم تشتد كما اشتدت في العصر الحديث، حيث حاول أصحابها التوفيق بين القرآن والعلم، إلا أن منهم من لم يصرح بالإعجاز العلمي للقرآن، ومنهم من صرح بذلك.
ومن الذي صرحوا من بالغ في الاستنتاج، وتحميل النص ما لا يحمله، وذلك كنطاوي جوهري في كتابيه "تفسير الجواهر" و"القرآن.. والعلوم العصرية" وكعلي فكري في كتابه " القرآن ينبوع العلوم والعرفان" وكمحمود مهدي الاستامبولي – أحيانا – في كتابه :" دين الغد : معجزات القرآن الكريم في العلم والسياسة والاجتماع".
ومنهم من لزم الاعتدال ولم يستشهد إلا بالمسلم به من التطابق بين نصوص القرآن ومقررات العلم الصحيحة، وذلك : كمحمد أحمد جاد المولى بك في مقال له جعل كخاتمة لكتاب "القرآن ينبوع العلوم والعرفان" لعلي فكري، وكمر بن أحمد الملباري في كتيب عنوانه :" إعجاز القرآن في مسألة اللؤلؤ والمرجان" وكالشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه :"معجزة القرآن".
ومن الطريف أن يكون الذين بحثوا إعجاز القرآن من الناحية العلمية في هذا العصر، ولزموا الاعتدال والمنطق المستشرق (موريس بوكاي) في كتابه :"دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" أصدرته دار المعارف مترجما إلى العربية، وهو وإن لم يذكر إعجاز القرآن صراحة، فإن مضمون كتابه يؤدي إليه، إذ ينتهي فيه إلى نتيجتين هامتين :
الأولى : أن النص القرآني لم يعتره أي تحريف أو تغيير أو ضياع.
والثانية: أن ما فيه من المقولات العلمية لا يتناقض مع العلم الحديث، على أنه وجد في عصر لم تكن فيه هطع المقولات معروفة، وعلى لسان رجل أمي لم يتلق أي تعليم، بالإضافة إلى أن القرآن خالف كلام النبي المتمثل بالأحاديث النبوية في الأسلوب ومدى البلاغة، كما يخالفه في صحة المقولات العلمية الواردة في كل منهما، وهذا يوصل المؤلف إلى الحكم بأن القرآن ليس من كلامه، بل هو كلام الله، وإلى أنه صادق في رسالته، وإنما يصل إلى ذلك بعد الموازنة بين القرآن وبين التوراة والإنجيل، والتوصل إلى أنها ليست مثله صحة رواية ولا تتوافق مع العلم الحديث في قضايا العلم الواردة فيها. (7)
ومن الطريف أيضا ما توصل إليه الدكتور محمد رشاد خليفة من الإعجاز العديد للرقم 19 في القرآن، مستخدما العقل الإلكتروني، وهادفا – كما يقول –إلى إثبات إعجاز القرآن بطرق حسابية لا تقبل لاشك ولا التخمين، وذلك في كتبيين هما :
1 – عليها تسعة عشر" وهو محاضرة ألقاها في الكويت، موضعها :"الإعجاز العددي في القرآن الكريم" وقد طبعه مكتب دار الشؤون الجامعية في حمص، وقدم له الأستاذ عبد الحليم بحلاق.
2 – "دلالات جديدة في القرآن" طبع سنة 1978 ويوزع مجانا.
وملخص ما يذهب إليه الدكتور محمد رشاد خليفة : إن القرآن معجزة مستمرة شهدها الماضون وسيشهدها الآتون... ومفتاح هذه المعجزة "بسم الله الرحمان الرحيم" التي يبلغ عدد حروفها تسعة عشر، إذا عددناها كما تكتب لا كما تقرأ، وهذه الكتابة توقيفية.
وقد وجد أن كل كلمة من هذه الآية تتكرر في القرآن مرات تكون مضاعفات العدد (19) فكلمة (اسم) تتكرر في القرآن : 19 مرة، وكلمة (الله) تتكرر : 2698، أي (19x 142)، وكلمة (الرحمان) 57 مرة أي (19x3)، و(الرحيم) : 114 مرة أي (19x6)ن وبتعبير آخر فإن عدد مرات ذكر كل اسم من تلك الأسنماء ف القرآن قابل للقسمة على العدد (19) الذي هو عدد حروف البسملة.
وشيء آخر هو أن السور المبدوءة بالحروف المقطعة مثل (ن) و(طه) و(ق)... إلخ، تكن تلك الحروف في كل سورة منها عددا ينقسم على (19)
مثلا في سورة (ن) 133 نونا، وهو ينقسم على (19) وفي سورة يس، 285 يا وسينا، وهو ينقسم على (19)، وفي (طه) 342 طاء وهاء، وهو ينقسم على (19)، وفي سورة الرعد المفتتحة ب(ألمر) تبلغ مكررا الحروف (ال م ر) 1501، وهو ينقسم على (19)، وفي السور المفتتحة بـ (حم) تبلغ مكررات (ح م ) 2166، وهو ينقسم على (19) أيضا... هكذا، وكذلك فإن عدد سور القرآن 114، وهو ينقسم على 19.
ولكي ندرك مدى الإحكام في التوزيع الحسابي لحروف القرآن، ندرس آية صغيرة من سورة (ق)، وهي الآية الثالثة عشرة : "وعاد وفرعون وإخوان لوط".
فإخوان لوط هؤلاء مذكورون في القرآن الكريم (12 مرة)، ويسمون دائما فيه "قوم لوط" ما عدا هذه المرة في سورة (ق) حيث سموا "إخوان لوط"، وذلك حتى لا تزداد مكررا الحرف (ق) فيها بواحد فتصبح 58 مرة، وهو عدد لا يقبل القسمة على (19)، فتنكسر حينئذ قاعدة مكررات العدد (19).
أما وقد عبر عن قوم لوط في سورة (ق) إخوان لوط، فقد كانت عدد القافات فيها 57، وهو قابل للقسمة على (19)، فبقيت حينئذ قاعدة مكررات العدد (19) صحيحة غير منكسرة... فتحريف كلمة واحدة بل حرف واحد إذن يؤدي إلى اختلال هذا النظام واختفائه.
ومعلوم أن العدد (19) يحتوي على بداية النظام الحسابي وهو (1)، ونهايته وهو (9)، وإنه لا يقبل القسمة إلا على نفسه أو الواحد.
ومعلوم كذلك أن كلمات وحروف القرآن الكريم مسجلة ومحصية قبل اكتشاف هذه النظرية التي لم تزد على أن استقرأتها وأحصتها من المصحف الكريم.
ومادام كذلك، فمن المستحيل أن يكون تصميم القرآن على ذلك النسق – من قبول عدد سوره، وعدد كلمات البسملة فيه، وعدد الحروف التي هي في السورة من نفس الحروف المقطعة التي ابتدأت بها القسمة على (19) – وقع في القرآن على سبيل الصدفة، إذ أن تكرار ثلاث كلمات من جملة في كتاب ما بطريق المصادفة على هذا النمط مستحيل، كما لا يمكن أن يقع ذلك بتصميم من محمد صلى الله عليه وسلم لما فيه من طريقة حسابية معقدة خاصة، لا تنسجم مع ما عرف عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمية من جهة، ولأنه – من جهة أخرى- لو كان في استطاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب القرآن بتلك الطريقة – مع الحفاظ على جماله وبلاغته لفاخر بذلك بين صحابته، وهذا ما لا نجد له أدنى إشارة في أية رواية صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة.
فلم يبق إلا احتمال واحد وهو : أن القرآن من تصميم الله سبحانه وحده، الذي أودع فه ذلك السر العددي الذي لم يعرفه أي مخلوق طيلة أربعة عشر  قرنا، حتى اكتشفت في عصرنا، لما يمتاز به من مادية طاغية، ليكون دلالة ملموسة على ربانية مصدره، وعلى أنه وصل إلينا محفوظا من كل تحريف أو تزوير أو زيادة أو نقصان، مادام تحريف كلمة واحدة، بل حرف واحد من كلمة واحدة يؤدي على اختلال ذلك النظام العددي الذي اكتشفه محمد رشاد خليفة. (8)

المبحث الثالث :النزعة الأدبية في بحث إعجاز القرآن الكريم :
ويقصد بها نزعة أولئك الأدباء الذي ركزوا في بحثهم لإعجاز القرآن الكريم على الناحية الأدبية، وتحليل نصوصه تحليلا فنيا بلاغيا، مع امتياز كل منهم بلون خاص به..
ومنهم على سبيل المثال :
مصطفى صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن" الذي يعرض فيه لأقوال سابقيه في الإعجاز ويقيمها، وينقد المعارضين لإعجازه، ثم يركز على إعجاز القرآن بموسيقية آياته، والحس الروحي الذي يبعثه في نفس قارئه، بالإضافة إلى احتوائه على مختلف العلوم.
وأمين الخولي في ثلاثة مواضع من أبحاثه : "بحث البلاغة العربية وأثر الفلسفة فيها"، و"التفسير : معالم حياته ومنهجه اليوم"، ومقالة "البلاغة وعلم النفس" التي نشرت في مجلة كلية الآداب (ج/2 ديسمبر 1936)، حيث ذكر في الأول كيف كانت البلاغة وسيلة لمعرفة الإعجاز عند القدماء، ولكن البلاغة التي تعتمد على الذوق الأدبي، لا البلاغة كعلم صناعي جاف كما نجدها في شرح السعد التفتزاني... فإن هذه لا تفيد في تربية الدوق الفني الأدبي المساعد على إدراك الإعجاز، بل ترين على البصيرة وتضعف قوة الإدراك، حيث جعلت البلاغة عبارة عن موازين جافة لا روح فيها ولا ذوق...
وإنما الوسيلة لتربية ذلك الذوق هو الممارسة لمختلف الفنون الأدبية وتذوقها تذوقا بالاستعداد النفسي الخاص... على ما تقضي به أصول التربية النفسية الصحيحة.
أما في "التفسير : معالم حياته ومنهجه اليوم" فإن الأستاذ أمين الخولي ينتقد التفسير العلمي انتقادا لدرجة يقول معها :"إن القرآن قد يبدو فيه ما هو متعارض مع الحقائق العلمية، ولا ضير عليه في ذلك لأنه ليس كتاب علم، وليس من اللازم اللازب أن يتكلف ربطه بالعلم، وذلك لأن تناوله حقائق الكون ومشاهده يقصد به رياضة وجدانات الناس، وقوم على المشهود البادي من حيث روعته في النفس، ووقعه على الحواس، وانفعال الناس به، لا من حيث دقائق قوانينه، ولا يجب الوفاء فيه بحماية الحقائق العلمية للاعتبار بعظمة القوة المدبرة للكون...".
على أن معارضة القرآن للحقائق العلمية للسبب الذي يذكره الأستاذ الخولي إنما هو فرض مبالغ فيه لإيقاف الموغلين إيغالا تعسفيا في تفسير القرآن تفسيرا علميا، وفسر النص القرآني على موافقة العلم بتحميله ما لا يحتمله للبرهنة عل إعجازه العلمي... عند حد التثبيت والاعتدال وعدم الإيغال والتعسف... والاكتفاء – كما يقول هو نفسه – في الدلالة على عدم مناقضة الدين – أو القرآن – للعلم بأنه لا يوجد نص صريح فيه يخالف الحقائق العلمية، فهذا كاف في البرهنة على الإعجاز العلمي للقرآن... مما يجعل الأستاذ أمين الخولي ليس ضد الإعجاز العلمي للقرآن، وإنما هو ضد الإيغال فيه، والتعسف في تفسير القرآن من أجل البرهنة عليه.
ثم إننا نجد الأستاذ الخولي في نفس الكتاب :"التفسير : معالم حياته ومنهجه اليوم" يقول بالإعجاز النفسي للقرآن وذلك :"لأن ما استقر من تقدير صلة البلاغة بعلم النفس قد مهد السبيل إلى القول بالإعجاز النفسي للقرآن، كما كشف عن وجه الحاجة إلى تفسير نفساني للقرآن، يقول على الإحاطة المستطاعة بما عرف العلم – علم النفس – من أسرار حركات النفس البشرية في الميادين التي تناولتها دعاوة القرآن الدينية...".
أما ما يقصده الأستاذ الخولي بالإعجاز النفسي فيفصله في مقالته :"البلاغة وعلم النفس" فيصل إلى أنه إنما يريد به : أن يستفيد من علم النفس الحديث في بيان الإعجاز، إذ لذلك ندرك أن القرآن معجزا إعجازا نفسيا باستفادته من طبيعة النفس البشرية، ومعرفته بشؤونها المختلفة، والنواميس التي تخضع لها، واستخدامه ذلك في تأييد دعوته وحجته.. ولما كانت تلك القواعد النفسية غير مقررة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يعرفها... وإنما الذي يعلمها هو الله سبحانه الذي يقول :"ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" (سورة ق – الآية 16)، والذي يقول :"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" (سورة فصلت – الآية 53). فذلك برهان على إعجازه وربانية مصدره.
وعلى هذا الأساس يمضي الأستاذ الخولي، فيأتي بنماذج تطبيقية مستقاة من القرآن الكريم ويحللها تحليلا نفسيا – بالمعنى الذي قصد إليه – للبرهنة على صحة نظريته. (9)
والأستاذ سيد قطب في كتبه : "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" وتفسيره المسمى بـ : "في ظلال القرآن" يذهب إلى أن القرآن معجز بموافقته للحقائق العلمية، وما جاء به من تشريع محكم شامل يلبي متطلبات الإنسان في كل زمان ومكان... ولكنه يركز بصفة خاصة على إعجازه من الناحية البيانية المتجلية في حسن التنسيق، وقوة الأداء، وموسيقية الإيقاع، وعلى الأخص في خلقه من الكلمات صورا ومشاهد تطبعها الحركة والحياة، حتى كان بالنسبة إلى كلام البشر  كخلق الله بالنسبة إلى ما يصنعه البشر : يصنع الله الحياة، ويصنع الإنسان جرة أو تمثالا.. لا حياة فيهما، ما يضفي على القرآن قوة الطابع الرباني... ويجعله مخاطبا لقوى النفس كلها... ومعجزا إعجازا مطلقا.
والدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه :"النبأ العظيم" يلخص رأيه في إعجاز القرآن فيقول :"لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغ تعبيره معجزات، وفي أساليب ترتيبه معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات ومعجزات، فلعمري أنه في ترتيب آيه على هذا الوجه، لهو معجزة المعجزات، وذلك بعد أن يفصل القول في هذه الوجوه للإعجاز وجها وجها، ويرتبها ترتيبا متسلسلا تسلسلا منطقيا، ومستشهدا لكل وجه وتفاصيله الدقيقة بكثيرمن الآيات القرآنية، وتحليلها تحليلا مقنعا بوجاهة ما يذهب إليه.
على أن أهم ما نجد الدكتور دراز يركز عليه في إعجاز القرآن هو استدلاله على ربانية القرآن بالوحدة العضوية بين آياته في السورة الواحدة، وبين السور في مجموعها، وتسلسل المواضيع فيه تسلسلا منظما من أوله إلى آخره، حيث إن كل جزء من القرآن يرتبط بما قبله وما بعده ارتباطا وثيقا تحتل كل حلقة منه مركزها لتكون مع باقي الحلقات سلسة القرآن العظمى.
وقد أحسن المؤلف حين اختار سورة البقرة كنموذج لذلك الترابط العضوي والتسلسل المتتابع في تأليف بديع.. سورة البقرة: فمع تباعد أوقات النزول بين أول آية منها وآخرها، حيث نزلت في مدة ثماني سنوات، وفي مناسبات مختلفة، وتضمنت مواضيع مختلفة، فإنها تنقسم إلى مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة.
فالمقدمة : في التعريف بشأن القرآن، وأنه لا يصد عنه إلا من في قلبه مرض.
والمقصد الأول : في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام.
والمقصد الثاني : في دعوة أهل الكتاب بخاصة إلى ترك باطلهم والدخول في الإسلام
والمقصد الثالث : في عرض شرائع هذا الدين تفصيلا.
والمقصد الرابع : في ذكر الوازع الديني الذي يبعث على العمل بتلك الشرائع، ويعصم من مخالفتها.
والخاتمة : في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة للمقاصد المذكورة، وبيان ما يرجى لهم في الدنيا والآخرة.
ثم يبين الدكتور عبد الله دراز ترابط الآيات في كل قسم من هذه الأقسام على حدة، وترابط كل قسم مع الذي يليه وترابط المقدمة بالخاتمة.
فإذا كنا نعلم أن القرآن نزل نجوما بحسب الحوادث، وكان النجم منها يوضع في مكان كذا من سورة كذا، ولا يراعي فيه التتالي التاريخي للنزول :"فقد ينزل نجم متأخر يوضع قبل نجم متقدم"، ولم تكن الحوادث إلا طارئة، ولم تكن مرسومة ولا مخططا لها إلا من قبل الله خالق كل شيء، فكيف تكون من هذا المجموع على هذه الصورة، صور متكاملة في المعاني منسجمة في المباني دون أن يكون فيها خلل؟ ودون أن تغير فيها المواقع أو إيعاد النظر فيها...؟ لولا أن يكون الذي أنزل القرآن، وحدد لكل نجم مكانه هو خالق الأكوان ومقدر الأحداث.
وهكذا يثبت الدكتور عبد الله دراز ربانية القرآن.. وفي نفس الوقت يرد على أولئك الذين يزعمون في عصرنا أن القرآن يفقد وحدة الموضوع في كل سورة منه، وفي ترابط السور بعضها ببعض، وفي مجموعه.. بل إنه يبرهن على أن حسن تأليفه معجزة أعظم من سائر المعجزات، وأنها ظاهر بالبرهان بحيث لا ينكرها إلا مكابر.
ثم تأتي أستاذتنا الدكتورة عائشة عبد الرحمان في كتابها :"الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق" لتؤرخ لجهود العلماء السابقين، قدماء ومحدثين، في ميدان إعجاز القرآن الكريم، لتبني عليها وجها جديدا تلخصه بقولها :"وقصارى ما اطمأننت إليه في هذه المحاولة لفهم إعجاز البيان القرآني، هو أنه ما من لفظ فيه أو حرف يمكن أن يقوم مقامه غيره، بل ما من حركة أو نبرة لا تأخذ مكانها من ذلك البيان المعجز".(10)
المبحث الرابع : النزعة الجامعة في بحث إعجاز القرآن الكريم :
ويقصد بها نزعة أولئك العلماء الذين يتبنون نواحي عديدة من نواحي إعجاز القرآن الكريم، ثم يعمقونها بالبحث والدراسة، ويعرضونها في صورة منطقية عصرية واضحة.. حتى تجد نفهما وقبولا لها من قبل العقول المعاصرة.. ومن هؤلاء على سبيل المثال :
عبد الرحمان الكواكبي في كتابيه :"طبائع الاستبداد" و"سجل مذكرات أم القرى" إذ يجمع بين القول بإعجاز القرآن العلمي، وبين القول بإعجازه ببلاغته وإخباره عن أمور ستحدث في المستقبل، وخلوه من التناقص، ويدعو العلماء إلى أن يتجددوا مع تجدد الزمن في البرهان على إعجاز القرآن بالاعتماد على فهم العلوم، وخاصة العلوم الحديثة.
الشيخ محمد رشيد رضا حيث يعقد فصلا في "تفسير المنار" عند تفسير قوله تعالى:"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله.." (سورة البقرة- الآية 24)، يلخص فيه رأيه في إعجاز القرآن فيجمع هو أيضا بين القول بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وبين إعجازه بنظمه وأسلوبه وبلاغته وما في  من الأخبار عن الغيب، وسلامته من الاختلاف، وما فيه من العلوم الدينية والأحكام التشريعية الموافقة لكل زمان ومكان، وعجز الزمان من إبطال شيء مما ورد فيه..
أما في كتابه ":الوحي المحمدي" فنجده يؤكد تلك النواحي من الإعجاز ثم يضيف إليها إعجاز القرآن بمقاصده، وما استطاع أن يحققه من ثورة وتغيير جذري في جميع الأحوال التي كان عليها العرب في الجاهلية.
وهكذا يتبين لنا من خلال بحوث العلماء في إعجاز القرآن الكريم أن مفهوم الإعجاز قد اتسع حتى أصبح عبارة عن "ما اشتمل عيه القرآن الكريم وما أحاط بنزوله، وكذا جمعه من أمور وملاحظ تدل على ربانية مصدره".
ونحن إذا أخذنا إعجاز القرآن بهذا المفهوم، فإننا لا نرى فيما ذكره العلماء من وجوه عديدة للإعجاز الذاتي (11) للقرآن الكريم اختلافا أو تناقضا، وإنما نرى فيها انسجاما وتكاملا يدلان على أن القرآن من أي جانب أخذه طالب الحق، ومهما كان اختصاصه العلمي ومداه.. إلا ودله على ربانية مصدره.
وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل :"قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" (سورة فصلت – الآيتان :52-53).

1)– انظر كتابي : "تحقيق ظاهرة الوحي والنبوية ومدى الوثوق بمضامين الكتب السماوية" (الخاتمة : نقض موقف المعرضين من توثيق القرآن الكريم).
2) – نفسه : الفصل الثالث من الباب الأول : (نقض موقف المغرضين من نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين).
3) – انظر "الإحياء" للغزالي ص :259/264.
4) – انظر "الشفا" ص : 216/137، و"الإتقان" ج:2، ص :155 وما بعدها.
5) – انظر آخر كتابه "فصل المقال".
6) – انظر "الإتقان" ج:2 – ص :148 وما بعدها.
7) – "فكرة إعجاز القرآن" نعيم الحمصي ص : 242/243.
8) – انظر "التفصيل في "عليها تسعة عشر" و"دلالات جديدة في القرآن" وهما للدكتور محمد رشاد خليفة، و"فكرة إعجاز القرآن" ص 279/293.
9) – انظر :"فكرة إعجاز القرآن" نعيم الحمصي في الموضوع.
10) – "الإعجاز البياني للقرآن"... د. عائشة عبد الرحمان /ص265.
11) – احترازا من القول الذي يدعي بأن إعجاز القرآن كان بالصدفة، والذي سبق لنا بيان وجوه بطلانه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here