islamaumaroc

أصول الثقافة المغربية-2-

  دعوة الحق

34 العدد

ورغم المقاومة الصارمة التي أبداها البربر ضد الاحتلال الروماني (يوقرطا) إلى عهد القائد تاكفارناس Tacfarinas الذي استسلم باطرة للرومانيين الذين تعاون معهم ملوك برابرة وبالأخص يوبا الثاني صديق كايوس الذي حمله معه إلى المشرق وزوجه من ابنة كليوباترة (يوبا هذا هو مؤسس مدينة القيصرية وهو فنان مثقف ومهندس بارع الذوق، ألف في مختلف شعب العلوم ويعتبر يوبا الثاني هو الرائد الرئيسي للحضارة الرومانية في المغرب).
لقد انتشر المعمار الروماني وتجلى في هذه المدن الرومانية التي ما تزال معالمها في المغرب كوليلي(1) وليسنا(2) وسلاكلونيا وطنجة وروسادير (مليلية) وربما كانت سجلماسة(3) من بينها بل إن مدينة وليلي ما تزال تحتفظ بهيكل المدينة الرومانية من باب الشمال إلى باب الجنوب وما تزال عرصاتها معبرة عن معالم هذه الحضارة، ويخطئ كثير من المؤرخين حين يزعمون أن البربر لم يتأثروا بالحضارة الرومانية، بل كان من طابع البربر قوة استعدادهم للأخذ والاقتباس في أسرع وقت ممكن وكفى أن نذكر أن الفتح العربي بدأ بعرب الجزيرة وحدهم واستمر إلى الأندلس بعرب الجزيرة وبرابرة الشمال الإفريقي، وهذا لا يدل على فقدان الشخصية بمقدار ما يدل على طابع هذا الشعب الذي يمتاز بقوة قدرته على استيعاب مختلف عناصر الحضارات مع الاحتفاظ بمقوماته الذاتية، بل من دواعي عظمة هذا الشعب أن يكون (ايليوس) وهو أعظم مؤلف روماني من مواليد إفريقيا وهو مؤلف كتاب الحمار الذهبي والنوادر، وأزهار الفلسفة الخ... وأن يكون من القياصرة كورديان Gardien وسبتيم سفير Septime Severe وهو سوري ينتمي إلى عنصر بربري وولي حكم روما بصفته قنصلا من سنة (193/211) (انظر كتاب فيكتور دوري Victore Doury في كتابه القيم Histoire Romaineص 526.
ويمكن أن نحصر تأثير الثقافة الرومانية في النواحي الآتية:
1 – في النظام العقيدي والقانوني.
2 – في اللغة وآدابها.
3 – الفنون المعمارية والهندسية.
أما النظام العقيدي والقانوني، فقد أجهد الرومان أنفسهم للقضاء على الأثر الفينيقي في سائر الميادين فاحتلوا المدن الفينيقية التي كانت تشمل إفريقيا الشمالية من إفريكا إلى نوميديا (مركز مسنيسا) إلى موريتانيا وهي المغرب التي كانت تحت نظر القائد البربري بكوس، وحرس الرومان حدود (الليماس) Limes باللفيف (ليجيون) Légion وإذا فقد استولى الرومانيون على نوميديا واربوا بكثير على القاعدة الجغرافية التي اختصها سيفاكس Syphax  وماسنيسا Massinissa إلى ناحية  (تانجيتين)(4) وحولوا الحياة البربرية من التأثير الفينيقي إلى التأثر بالحياة الرومانية سواء في تفكيرها أو نظامها وقد حولوا الحياة الاقتصادية نفسها يوم أدخلوا الجمل فتغيرت الحالة من نظام نوميدي أي الرحالات إلى حياة الرعي والانتجاع سيما في بلد الشاوية التي معناها (رعاة الغنم) والتي كانت تشمل حدود نوميديا الحالية ثم انتقلت إلى إقليم (تانجيتين).
ومن المعلوم أن العقيدة الرومانية كانت قبل ظهور المسيحية عقيدة وثنية متغطرسة قامت على أنقاض الوثنية الفينيقية، فهدم الرومان معبد بعل وعوضوه (بايلون) كما هدموا (قانيث) وعوضوه (بسييلستيس) ثم تمح الرومان بعد انتصار المسيحية في بلادهم وحملوها إلى إفريقيا حين كانت ذات أثر قوي في البربر الذين رأوا فيها عقيدة الخلاص مما يعانون من تعسفات الرومانيين وإرهاقهم للشعب البربري، ولم يلبثوا أن تركوها يوم اعتنقها الرومان كدين رسمي وأصبحت لا تقيم فروقا بينهم وبين أعدائهم.
وإذا كان البرابرة تأثروا بديانة الشرق التي حملها الفنيقيون فعبدوا أوثانا تمثل الإلهة بعل وتانيت، فإنهم كذلك تأثروا بالوثنية الرومانية ثم بالمسيحية لما انتشرت في بلاد الرومان وانتقلت إلى إفريقيا حيث تزعمها الراهب القديس سيبريان Saint Cyperian وقد ظل البرابرة أوفياء للمسيحية إلى عهد الإمبراطور قسطنطين سنة 312 حيث أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي ورأى البرابرة أنها لم تعد متنفسا لثورتهم ضد الرومان فانشقوا عن الكنيسة تحت شعار دوناتزم نسبة إلى راهب قرية بربرية يسمى دونات Donat وقد برز من زعماء المسيحية الراهب الكبير اوغستان Augustin المولود بعنابة سنة 430 والذي حارب الدوناتزم جهد المستطاع وسجل آراءه في كتابه مدينة الله واعترافاتي ولا شك أن أوغستان كان محركا لنشاط فكري ديني في عصره مما خلق في البلاد المغربية نشاطا عقليا حادا ... وقبل أوغستان بكثير عرفت قرطاج اسم الكاتب الكاثوليكي ترتوليان من مواليد 150 م وهو من دعاة المسيحية بين البربر.
تأثرت الفلاحة البربرية بالفلاحة الرومانية وما تزال في الاصطلاحات البربرية عبارات رومانية مثل كلمة (اكر) المحرفة عن اكر والتي معناها الفدان، وكذلك عدة مفردات نباتية.
أما عن التأثير العرفي، فقد يكون في ازرف بعض الأنظمة ذات الأصل الروماني، ويظهر أن نظام (الجماعة) في الحكم قد يكون مستوحى عن نظام الحكم النيابي الروماني والذين يريدون دراسة تفصيلية لهذه النواحي أنصحهم بمطالعة ما كتبه Basset  في (محاولات في الأدب البربري) Essai sur la littérature berbère
وما كتبه لاوس في كتابه مسميات وأشياء بربرية وفي الدراسات البربرية التي كتبها Gearmy أما الاقتصاد فإن شبكة خطوط المواصلات التي أنشأها الرومان والتي كانت عبارة عن طرق عريضة مرصفة تربط ما بين طنجة إلى سلا مارة بالعرائش ومن طنجة إلى وليلي وبين تلمسان ووليلي عن طريق تازة، بل أن هناك طريقا تربط بين طرابلس (وتافنة) وقد اقتفى الرومانيون أثر الرحلة الطويلة التي قام بها (هانون) فاستقروا بالشواطئ المجاورة لتطوان برأس (سارطيل) وبقلعة ليكسوس المشرفة على ميناء العرائش، فلا شك أن هذه الشبكة كانت معبدة لحمل البضائع ونقل الصادرات إلى العاصمة (الأم روما) وحمل الواردات إلى الرؤساء والأغنياء، وبذل نشاط تجاري استفادت منه كل الطبقات.
أما التأثير الروماني في المعمار والفنون الجميلة، فإن ذلك يظهر في القناطر العتيقة الموجودة في المغرب ذات الأقواس المتداخلة الأحجار وقناطر حمل المياه وفي الحمامات المبلطة بالفسيفساء وأما الفن فيظهر في صناعة الخزف، وصناعة المصابيح بمدينة (شرشال) القيصرية وبعض صور الزرابي البربرية القديمة.
هذا هو التأثير الروماني أما الحياة الروحية والنعرة القومية فقد كان التأثير في إخمادها ضعيفا، إنما يستطيع إن يؤدي أثره تحت الضغط والتعسف حتى إذا وجد السكان متنفسا لهم ثاروا من جديد، إذ إن اللغة البربرية ظلت قوية طيلة العهد الروماني بل انتشرت هذه اللغة القومية في عهد (مسنيسا) الذي أحيانا ونفخ في قومه روح العزة الوطنية واستقل باقتصاد بلاده فطبع السكة باسمه وحسن مسائل الفلاحة بأرضه ووحد البلاد سياسيا ورغم أن البرابرة كتبوا المسرحيات وصنفوا الكتب باللغة اللاتينية فأن طابع التفكير البربري ظل بارزا في إنتاجهم (فابوليوس) المؤلف القصصي له طابعه الخاص (وفلوروس) المؤرخ الكبير له فلسفة في التاريخ وخاصة فيما يتعلق ببلاده.
وما كادت ستة قرون تنصرم على الاستعمار الروماني حتى شعر الرومان بخيبة استعمارهم لأن اللغة الفينيقية لم تمت وإنما بقيت لسان الشعب يرتل بها أناشيده الكنسية ويعبر بلغته القومية في ثورته ضد الاستعمار الروماني، فكان الانتصار للفينيفية البونيكية والانهزام للرومانية المتغطرسة.. وبانتهاء حكم الرومان يتعرف المغرب على حضارة جديدة أو بعبارة أدق على لون باهت من الحضارة التي كانت تنسب للونداليين فقد وصلت جحافل جنود جنصريق بعد أن مهد له الكونت يونيفاص الطريق ليستولي على إفريقيا الرومانية وقد شيد هذا القائد الروماني مملكته على أنقاض المملكة الرومانية في إفريقيا وضرب النقود باسمه ونظم المحاكم على غرار ما فعل الرومان من قبله وشجع المذهب المنتمي إلى (اريوس) وبنى له المعابد، ظهر أدباء باللغة الوندالية منهم الأمير جاليما Jélimer الذي نظم مرتبات في الدولة الوندالية.
ولكن البربر لم يستفيدوا من الوندال شيئا، لأن الوندال كانوا أقرب إلى الوحشية منهم إلى الحضارة، فلذلك لم يفيدوا ولم يستفيدوا.
وإذا كان البربر قد استفادوا شيئا من الوندال فهو تجربتهم لصمودهم واختبارهم لبلائهم في الدفاع عن أرضهم والتمسك بقوميتهم .
ولا أشك أن تكون تبقت هناك رواسب لغوية قليلة جدا في اللغة البربرية، وأقول قليلة لأن الوندال لم يتمكنوا من التوغل في البلاد، ولم تطل إقامتهم بها ولم يطل عهد الوندال فقد دخلت بيزنطة في حروب طويلة ضدها وأعان البربر الجنرال باليزار Bélisairعلى احتلال قرطاجنة ومطاردة الوندال، والذي يهمنا هو الأثر الذي خلفه البزانطيون(5) في بلاد البربر، والطابع الخاص الذي طبعوا به هذا الشعب العظيم، لقد غير البزنطيون نظام تقسيم البلاد، فجعلوها سبع مناطق على كل منطقة عامل يصل إلى هذه الوظيفة عن طريق الارتشاء، وكانت هذه هي النكبة الأولى التي حلت بالاقتصاد المغربي إذ تنافس القواد في شراء هذا الوظيف السامي واستثمروه عن طريق الضرائب والإتاوات حتى أثقلوا كاهل الشعب وأفقروه على أن هؤلاء الرؤساء استخدموا العمال في بناء الحصون وتشييد القلاع لحماية البزنطيين من هجوم السكان الثائرين ولحراسة الموانئ والمرافئ لحماية تجارتهم حيث كانوا مستعمرين تجاريين كالفينيقيين من قبل وكذلك شيدوا الكنائس ذات شكل بيزنطي لطيف كان العمال هم بناتها ومشيدوها.
غير أن البربر شاهدوا أزمات متوالية نظرا لسوء الإدارة والانتفاضة البربرية ضد الحكم الأجنبي، ولولا أن جان تروجيلطة Jean Troglita ثبت إقدام البزنطيين لعصف بهم البربر.
وأما التأثير الروماني من الناحية الدينية، فقد وهنت سلطة الكنيسة، وذلك لأن البزنطيين انقسموا شيعا دينية وحاربوا الدوناتزم كما حاربوا الديانة اليهودية، فضعفت سلطة الدين.
وعرفت  إفريقيا البزنطية حركة أدبية وعلمية ومدارس متعددة، وقد برز في عصرهم الشاعر الإفريقي كوريبوس Corripus صاحب منظومة La Johamide(اليوحانية) نسبة إلى ممدوحة جان ترويسلطة وهي ملحمة تاريخية مهمة جدا.
وأما الفن المعماري فهو ما يزال مائلا في آثار سفيطلة Seffétula وفي الكنائس الفخمة وفي الحصون المنيعة والذي لا شك فيه أن أجدادنا البرابرة تأثروا بهذه الفنون والآداب إلى حد ما ولكن استمرار الثورات والقلاقل عفى على هذه الآثار.
ولم يكن المغرب بمعزل عن التيارات الفكرية في بلاد المشرق، فقد تعرف إليها في مناسبات عديدة تعرفوا بها عند ما ظهر الإسلام في جزيرة العرب، وأخرج الخليفة عمر يهود خيبر عن الجزيرة فقصد معظمهم شمال إفريقيا التي كانت أرضا فلاحية خصبة كما ذكر ابن خلدون وبذلك جددوا الصلات بين اللغة العربية وبين البربرية والفينيقية وتعرف سكان إفريقيا على الحركة الإسلامية في الشرق.
ويذكر بعض المؤرخين أن وفدا من البرابرة ذهبوا إلى الجزيرة العربية وتشرفوا بالحديث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في كتب الحديث أن نفرا من البربر ذهبوا إلى جزيرة العرب لما سمعوا بالنبي عليه السلام وتكلموا معه بلغتهم البربرية فأجابهم بلغتهم وأسلموا على يده فكانوا في عداد الصحابة، ولكن المحدثين ينكرون سند هذا الحديث ويستبعدونه وهم يطعنون فيه من الوجهة الحديثية أي من ناحية الفن الحديثي، والواقع أن متنه لا يقبل الاستبعاد وهو بعيد أن يتكلف تصنعه سيما ونحن نعرف الاتصال القديم بين البربر والروم والبزنطيين وقوة البربري على الرحلة والسياحة وهم إن أنكروا سنده فلست أستبعد متنه بل يقال أنهم رجعوا إلى بلادهم مسلمين وماتوا بها حيث دفنوا بالشياظمة في جبل الحديد.. وهناك من يرى أن هذه القصة وقعت في زمن الخليفة عمر رضي الله عنه فقد نقل مؤلف الاستقصا عن صاحب (كتاب الجمان) أنه لما كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستفتحت مدينة مصر –وكان عليها عمرو بن العاص- قدم عليه ستة نفر من البربر محلقين الرؤوس واللحى فقال لهم عمرو من أنتم وما الذي جاء بكم؟ قالوا رغبنا في الإسلام فجئنا له لأن جدودنا قد أوصونا بذلك، فوجههم عمرو إلى عمر رضي الله عنه وكتب إليه بخبرهم، فلما قدموا عليه –وهم لا يعرفون لسان العرب- كلمهم الترجمان على لسان عمر فقال لهم: من أنتم؟ قالوا نحن بنو مازيغ، فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المومنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضبا لأبيه وإخوته فقالوا بربر أي أخذ البربة، فقال لهم عمر رضي الله عنه: ما علامتكم؟ قالوا: نكرم الخيل ونهين النساء، فقال لهم عمر: الكم مدائن؟ فقالوا: لا، قال: الكم أعلام تهتدون بها؟ قالوا: لا، قال عمر: والله لقد كنت مع رسول الله (ص) في بعض مغازيه فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت فقال لي رسول الله (ص): يا عمر لا تحزن فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يهتدون بها في الطرق، ثم قال عمر فالحمد لله الذي من علي برؤيتهم ثم أكرمهم ووصلهم وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يجعلهم على مقدمة المسلمين، وكانوا من أفخاذ شتى.
وقد اتصل بالمغرب في هذه الحقبة شعب آخر هو الشعب القوطي أبناء عمومة الوندليين من الجرمان فقد طارد القوطيون البيزنطيين وعبروا بوغاز جبل طارق واحتلوا سبتة سنة 547م وسترى أن المسلمين في عهد عقبة بن نافع لما وصلوا سبتة وجدوها تابعة للقوطيين حكام إسبانيا حيث شجعهم حاكمها القوطي على التوغل في بلاد المغرب والابتعاد عن إسبانيا ثم أن حاكمها شجع من بعد موسى بن نصير على حكم إسبانيا وأعانه على ذلك للخلاف الذي كان بينه وبين لودريق.
وفي هذه الحقبة المريرة من تاريخ المغرب حين كان يعاني ظلم الونذال أو الفندال واحتلال الرومان كانت الجزيرة العربية تتمخض عن ثورة كبرى ستقلب العالم رأسا على عقب كانت الثورة العظمى هي ظهور الإسلام الذي كان دينا ساميا جاء للناس أجمعين ولعل قابلية الشعوب السامية والحامية لاعتناق هذا الدين الذي يساير نزعتها الفطرية وأهدافها الإنسانية كان عاملا على انتشاره بسرعة في بلاد إفريقيا وآسيا وأتاح الوضع الجغرافي لبلاد المغرب أن تكون من أهداف الحركة الفتوحية الإسلامية ولذا فمن الواجب أن نبحث في روح الإسلام باعتباره مصدر الثقافة المغربية بعد وصوله إلى بلاد المغرب لنقف على مجال الاتفاق بين طبيعته وطبيعة الشعب المغربي. حمل الإسلام إلى الفرد استقلال شخصيته فلم يربطه بالمعبد أو الكاهن ولا بالكنيسة والايقونة وإنما المسلم فرد حر يتحمل مسؤوليته وحده ويخاطب ربه بدون واسطة من الوسائط فهو في صلاته يتوجه إلى ربه وهو في حجه يطوف ويسعى لا يلتمس الغفران من أي شخص عليه واجبات وله حقوق عليه احترامها وأداؤها وهدى الإسلام الشخص إلى الكمال فإذا اقتفى المثل العليا السامية التي سنها الإسلام كان خليقا أن يصبح السوبرمان المسلم الذي لا يتطوع الزمان ولا تسعى الإنسانية جهدها لتراه في يوم من الأيام وفي سيرة الرسول عليه السلام نماذج الشخصية الإسلامية السامية التي تتفانى في الخير والمحبة والصلاح، والتقوى وحدها هي ميدان المفاضلة بين الناس أجمعين وأعطى الإسلام للدنيا حقها وللآخرة حقها فلا ترهق الروح على حساب البدن ولا يرهق البدن على حساب الروح فالازدواج كامل بين الروحية والمادية في شخصية المسلم وحمل الإسلام إلى الفرد العزة والكرامة فليس في الدنيا إلا مخلوقات متساوية عقلا ونفسا وتتفوق في ميدان التقوى فقط، ليس هناك حاكم مستبد يجبرك الإسلام على احترامه وليس هناك ما لقيصر فيعطى وما لله فيعطى أي أن السيطرة والهيمنة إنما هي لله تعالى وليس في العالم قوة ثانية يجوز لها أن تتحكم فيما حلل الله وحرمه وجاء الإسلام ليحث الفرد على العمل ولا يدعوه إلى القنوط والاتكال وكان رأيه في القضاء والقدر أعظم حافز للمسلمين في صدر الإسلام أن يجتازوا معالم بلادهم إلى العالم أجمع وهم يسترخصون نفوسهم في سبيل الله وما ساء فهم الناس لفكرة القضاء والقدر وأصبحت فكرة جامدة حتى فسدت القيم الإسلامية وأصبحت معانيه تفسر تفسيرا جامدا مشوهة ولم يكن الإسلام دين فرد من الأفراد أو طائفة من الناس أو شعب من الشعوب وإنما كان دين الناس كافة لا يفرق بين الأبيض والأسود ولا بين السامي والآري والحامي ولا بين الأسيوي والإفريقي والأوربي وإنما هو دين المساواة لا يحفل باللونية والبقعة والبيئة وإنما هو رسالة للناس أجمعين.
وكان الإسلام بعد كل هذا دين الحرية والاستقلال فلا يقيم العراقيل في وجه الشعوب التي تحاول اعتناقه ولا يجبر أحدا على أتباعه فهو دين متسامح رحيم، يحرر الفرد من الخرافة ويحرر الشعب من الرق ويسامح كل الأديان لا يعادي عقيدة من العقائد السماوية وإنما ينكر الوثنية ولا يحتمل وجودها لأنها عقيدة بدائية لا يؤيدها عقل وتقود الإنسان لكل شر، ثم هو بعد كل هذا نظام تام يتناول العقيدة والمجتمع والأخلاق فيقيم وحدة شاملة بين طبيعة الفرد وسلوكه ونظامه الاجتماعي في تحرر كامل وانعتاق شامل لا يمنع الفرد من التطور والتقدم، ثم إن المتساكنين المغاربة وخصوصا سكان المغرب القديم قرباء من الشعوب السامية وإن لم يكونوا ساميين في نظر أغلبية علماء النسب فهم أبناء عمومة العرب، والساميون على العموم يعبرون عن نزوع نحو الاندفاعات والحماس والتأثر العاطفي، وحدة الطبع ولا يحفلون بالمفاهيم ذات المعاني الكلية والبراهين العقلية في الغالب، وعالمهم حافل بالرموز والأحاسيس والصور، عالم الآراء المنسقة الهادئة التي تعتمد على العقل ولا تحفل بنزوات العاطفة واللهفة إلى التطلع على الغيب لذلك ما كاد الإسلام يظهر في جزيرة العرب حتى انساب في سرعة التيار إلى بلاد المغرب التي لا تبعد عنه جغرافيا ولا عن أهله جنسيا ولا عن طبيعته عقيدة، واندفع البربر إليه متلهفين وقد وجدوا ضالتهم الروحية وطمأنينتهم العقلية ومتنفسهم الاجتماعي فحررهم وتحرروا به واعتنقوه مؤمنين به مخلصين له.
   
(1) اسم ضريح أحد القادة الذي سرعان ما استحال إلى مدينة كيرى.
(2) وقع العثور على ست عمارات تحت هذه المدينة الرومانية وفي (تمودا) قرب تطوان أمكن الكشف عن مدينة برمتها كانت قد تحطمت عند الغزو الروماني (انظر خطاب (أزونا) في متحف الآثار بالرباط) .
(3) يظن بعض المؤرخين أن سجلماسة رومانية من الإسم  Sigilme – Massa أي Sean - Messa
(4) أطلق الرومان كلمة موريتانيا Mauritania على شمال إفريقيا باستثناء طرابلس وقسمها الامبراطور (كلاوديو) Claudia إلى قسمين التانجتية والقيصرية وفي سنة (361) قسموها إلى عمالات وهي بدورها إلى (ابرشيات) ثم إلى مقاطعات وصارت موريتانيا التانجتية تابعة لإسبانيا.
(5) البزنطيون هم المعروفون بالامبراطورية الرومانية الشرقية أو الأمبراطورية البزنطية أو دولة الروم كما يسميهم القرءان الكريم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here