islamaumaroc

[كتاب] "البيان والتحصيل" لابن رشد -1-

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 323 جمادى 2 1417/ نونبر 1996

اهتم محمد بن أحمد العتبي القرطبي المتوفى سنة 255 هـ بتدوين مسائل فقهية سماها "المستخرجة" وعرفت فيما بعد "بالعتبية" وهي مسائل تلقاها من تلامذة الإمام مالك ومن تلامذتهم، فكانت سجلا فقهيا واجتماعيا تنوعت موضوعاته، وتعددت أبوابه، سواء فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات.
وبعد الاطلاع على هذه المسائل من لدن الفقهاء اختلفت نظرياتهم في الحكم عليها، فمنهم من كان يرى أنها تحتوي على أشياء شاذة ومكذوبة، ومنهم من كان يرى أنها لا يمكن الاستغناء عنها في معرفة بعض الأحكام الفقهية في المذهب المالكي، بحيث تعتبر بمثابة المدونة في بسط الأحكام وتقريرها.
ومن الذين عنوا بها ووجهوا همتهم لشرحها وحل إشكالاتها الفقهية أبو الوليد محمد بن رشد (الجد)، فقد تناولها بالشرح بعد أن التجأ إليه سنة ست وخمسمائة بعض الطلبة ليبين لهم ما أشكل عليهم في جزئية من جزئياتها، فكان جوابه مفيدا جدا، وحينئذ إلتمسوا منه أن يضع شرحا وافيا لهذه المسائل، فاستجاب لرغبتهم، وقضى في ذلك سنوات عدة، وكادت وظيفة القضاء التي تقلدها سنة إحدى عشرة وخمسمائة أن تحول لبينه وبين إتمام عمله، إلا أنه اضطر إلى أن يرجو من الأمير علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي أن يعفيه من هذا المنصب الذي شغله عن مواصلة عمله العلمي، فما كان من الأمير إلا أن لبى رجاءه، وترك له الفرصة لتحقيق ما يريد.
ووجد ابن رشد في هذا التفرغ مجالا للمراجعة والمقابلة والبحث، وظل يكتب بنشاط ويختار من الأساليب أوضحها، ومن العلل أبينها، على أن أنهى كتابه هذا في مستهل ربيع الآخر من عام سبعة عشر وخمسمائة، وسماه بـ:"البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة".
لم يكن عنوان هذا الشرح إلا تقريرا للمنهاج الذي اتبعه فيه، فهو كان يضع المسألة وفق نصها الذي جاءت عليه، فيشرح ألفاظها، ويبين من معانيها ما يحتاج إلى بيان، ويحصل من أقاويل العلماء منها ما يحتاج إلى تحصيل، ويوجه ما يحتاج إلى توجيه ويعلل الأحكام حسب مقتضياتها الشرعية، فجاء الكتاب بسبب ذلك جم الفائدة، وكان سببا من أسباب رد الاعتبار إلى "المستخرجة" فتسارع الناس إلى استنساخها بشرحها المليء بالفوائد، وأصبح هذا الشرح متوفرا في الخزانات الخاصة والعامة، يتسابق الدارسون على تلقيه، والشيوخ إلى إقرائه وتلقينه، واحتفظت خزانة القرويين منه بنسخ منه ساعدت ناشريه ومحققيه على أن يخرجوه إخراجا جيدا أفاد المهتمين بالفقه المالكي، وجعلهم يطلعون عليه في حلته الجديدة، فقد طبع الآن في تجزئته البالغة ثمانية عشر جزءا، وزعت في تحقيقها على جماعة من الباحثين، هم : الدكتور محمد حجي، والفقيه السيد أحمد الحبابي، والأستاذ الباحث السيد سعيد أعراب، والفقيه محمد العرايشي، والأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال، فكان عملهم هذا مجديا أعاد لهذا الكتاب حياته من جديد.
ولعل أهم نسخة خطية كاملة توجد من هذا الكتاب هي النسخة المرينية التي نسخت عام 720 هـ بفاس بخط الفقيه السيد أحمد الصنهاجي، وهي مكتوبة على رق الغزال في سفر واحد ضخم يضم جميع الأجزاء، جميلة الخط، دقيقة الحروف، سليمة من الأخطاء، كانت عمدة في مقابلة ما يكتب منها، خصوصا في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي، الذي خص لها أربعة من العلماء، كانوا يراقبون ما ينسخ منها حتى لا يقع فيه تصحيف أو تحريف. (1)
وبعد طبع هذا الكتاب، ارتأيت أن أقدم منه بعض المختارات، وأن أعلق عليها، لنستشف من خلال ذلك بعض ما قدمه العتبي في مستخرجته، والطريقة التي اتبعها ابن رشد في شرحه.
أول ما نختار من ذلك يتصل بالوضوء، وقد تحدث عنه في بابين، سمى كل باب بكتاب.
والحديث عن الوضوء يتضمن معناه اللغوي الذي هو النظافة والطهارة، ومعناه الشرعي الذي يندمج فيه الوضوء الشرعي والغسل والتيمم، ولم يتحدث عنه هنا حديث الفقهاء الذين حددوا الفروض والسنن والمستحبات، وإنما كان حديثه مرتبطا بالطهارة في مفهومها العام، كما قلنا سابقا، سواء من حيث مادتها الأساسية، وهي الماء المطلق أو من حيث ارتباطها بما يترتب عليه من أحكام.
وإذا كانت مسائل الوضوء متنوعة في أصل "المستخرجة"، فإن عمل ابن رشد في شرحها كان يهدف على ربط تلك المسائل بمصادرها الشرعية، من كتاب أو سنة، وإلى تبرير الأحكام وفقا للمفاهيم اللغوية والاصطلاحية.
فمن النوع الأول مثلا ربط الحكم المتعلق بجواز الوضوء بما ولغ فيه هر، فقد سئل مالك هل يجوز التوضؤ بذلك؟ فقال : نعم، وذلك يذكر (ج:1، ص :44)، وأشار ابن رشد هنا على المراد بقوله (وذلك يذكر) أنه يذكر في السنة حيث قال النبي صلى الله عيه وسلم :"إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات"، فالهر على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك بهذا الحديث محمول على الطهارة، حتى يرى في فمه نجاسة، بخلاف غيره من السباع والدجاج المخلاة إلا في الماء الكثير إلخ...
وأما النوع الثاني المتعلق بالتبرير فيمكن أن نجعل الاستدلال عليه متصلا بجواز مس القرآن لغير المتوضئ إذا كان من الذين يتعلمون، لما في الوضوء المستمر من الإحراج، وهنا يتدخل ابن رشد فيقول : إن السبب في ذلك يرجع إلى أن القرآن عند الإطلاق، يراد به كتاب الله بجميع أجزائه، لكن قد يراد به تجوزا بعضه فقط. فالنهي الوارد في مسه قد يقصد به النهي عن مس جميعه، وقد يقصد به النهي عن بعضه، وحيث إنه يحتمل الأمرين معا، فقد يكون المراد متصلا بالنهي عن مسه كله. وحينئذ يكون مس البعض مباحا، إلا أن هذه الإباحة ينبغي ألا تبقى على إطلاقها، وإنما ترخص لمن يمارس التعلم من الصبيان والبالغين، أو لمن يمارس التعليم من المقرئين.
وأشار ابن رشد حينما كان يتحدث عن هذه الجزئية إلى نقطة تربوية دقيقة حيث ذكر أن الصبيان،وإن كانوا غير متعبدين، فهم مطالبون بالطهارة قبل مس المصحف إلا للعذر السابق، وذلك لأن آبائهم متعبدون بمنعهم لما لا يحل لهم، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وما أشبه ذلك. ألا ترى أنهم خفف لهم التضاريس يتعلمون منها من الكتاب، وكره أن يمسوا فيها المصحف الجامع للقرآن إلا على الوضوء.
وهذه الإشارة التي أشار إليها ابن رشد تبين لنا المسؤولية التي يتحملها الآباء في تربية أبنائهم، وفي تهذيبهم وتوجيههم نحو الالتزام بالشرائع، رغم أنهم لم يكونوا قد بلغوا سن التكليف، لأن الاستخفاف بذلك سيسأل عنه الأولياء أمام الله. فمن قصر في التربية أو التوجيه فهو محاسب على فعله، آثم في تصرفه. وهذه خطة تربوية سديدة تدل على ما للمسؤولية من آفاق إيجابية في مفهومها الاجتماعي والديني.
وكانت طبيعة ابن رشد في خطته التي سار عليها في هذا الشرح أنه يجعل بعض النصوص مفسرة لبعضها و مقيدة لعمومها عند الإطلاق، فقد جاء في "المستخرجة" في كتاب "الصلاة" أن الإمام مالكا سئل عن الرجل يقرأ القرآن في اليوم وهوغير متوضئ فقال : لا أرى أن يمسه. وهنا يتدخل ابن رشد فيقول (ج:1، ص:44) معناه إذا كان يقرأ فيه على غير وجه التعليم، لأنه قد خففه في رسم من شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب "الوضوء". إذا كان على وجه التعليم، ومضى هناك القول على وجه تخفيفه، وحمل كلامه على أن بعضه مفسر لبعض أولى من حمله على الخلاف، ما أمكن ذلك، وبالله التوفيق.
فمن خلال ما تقدم يتبين لنا أن ابن رشد كان يسعى إلى ربط الأحكام بمصادرها كما كان يحرص على تبريرها، وعلى محاولة التوفيق بين الأقوال الواردة عن الإمام مالك مهما أمكن ذلك.
ثم انتقل بعد انتهائه من الحديث عن الوضوء إلى موضوع آخر، هو موضوع الصلاة، وقد خص له خمسة أبواب أو خمسة كتب حسب اصطلاحه، استغرقت عند الطبع أكثر من خمسمائة صفحة، بعضها في الجزء الأول، وبعضها في الجزء الثاني، وقد تناول في هذا الموضوع ما يتعلق بأوقات الصلاة، وما يتجبر به إذا وقع فيها سهو، وقضايا وأحكاما تتعلق بالإمام والمأموم، والقصر والتتميم، وصلاة الخوف، وصلاة العيدين، وغير ذلك من الجزئيات التي لا يستغني المصلون عن معرفتها.
ولما كانت الصلاة إحدى دعائم الإسلام، وكان الهدف منها تطهير الروح، وتهذيب النفس، وترويض الإنسان على فعل الخيرات، وعلى اجتناب الفحشاء والمنكر، كان التعرض إليها من ضرورات التوجيه الديني ليقتبس المسلمون منها قواعد السلوك النافع، وليعملوا على تقويم أخلاقهم، وليتحلوا بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى المصلحة العامة، ولهذا كان تنبيه المصلين إلى أهدافها من آكد الواجبات، وكان الإشعار بضرورة الخشوع فيها، وبعدم التظاهر بها رياء، من أصول التربية التي يجب التحلي بها، وسنجد في هذا الكتاب شيئا من ذلك.
فأما ما يتعلق بالخشوع، فقد جاء في "المستخرجة": في كتاب "الصلاة" الأول، أن سحنونا قال : أخبرني ابن القاسم قال : سمعت مالكا يقول في تفسير " الذين هم في صلاتهم خاشعون" قال :"الإقبال عليها والخشوع فيها". (ج:1، ص :219)
وهنا يتناول ابن رشد الكلام فيقول :"الخشوع في الصلاة هو التذلل لله، والاستكانة والخضوع بالخوف الحاصل في قلب المصلي باستشعاره الوقوف بين يدي خالقه في صلاته، ومناجاته إياه فيها. فمن قدر الأمر حق قدره، ولم يفارق الخوف قلبه، خشع في صلاته وأقبل عليها، ولم يشغل سره بسواها، وسكنت جوارحه فيها، ولم يعبث بيده، ولا التفت إلى شيء من الأشياء بعينه، وتوجهت المدحة من الله تعال إليه على ذلك بقوله :"قد أفلح المومنون الذين هم في صلاتهم خاشعون". وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يصلي وهو يعبث بلحيته في صلاته فقال :"لم يخشع هذا في صلاته، ولو خشع لخشعت جوارحه، ثم قال تفقهوا واسكنوا في صلاتكم".
واستمر في ذكر معنى الخشوع حسب الإمكان البشري، إلا أنه من المعلوم أن قيمة الخشوع والخشية ليست في المظهر الذي يتراءى أمام الناس، لأن المصلي قد يكون مرائيا يحسن التظاهر بالخشية وهو في أعماقه ليس منتفعا بها، ولا ينجو من ذلك إلا قوم عمت فضائلهم، ودل سلوكهم على أن باطنهم كظاهرهم، ومن هؤلاء عمر بن عبد العزيز تغمده الله برحمته، فقد روي عن مالك أنه قال : (ج:1، ص :479): "قرأ عمر بن عبد العزيز "والليل إذا يغشى" حتى انتهى إلى "فأنذرتكم نارا تلظى" فخنقته العبرة فسكت، ثم عاد فقرأ حتى بلغها، فخنقته العبرة فسكت، فلما رأى ذلك تركها وقرأ "والسماء والطارق".
قال محمد ابن رشد :" هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية الخوف لله تعالى، ومن بلغ هذا الحد، فهو من أهل الجنة بفضل الله، قال الله عز وجل :"ولمن خاف مقام ربه جنتان"، صدق الله العظيم. (2)
ولم يشتهر عمر بن عبد العزيز بالخوف من الله في صلاته فقط، بل كان يخاف في كل أحواله، وفي مراقبة أعمال رعاياه، خصوصا في حمايتهم من الدين يتظاهرون بالصلاح، وهم منه براء، فقد ذكر ابن رشد أثناء شرح مسألة من مسائل "المستخرجة" تحدث فيها العتبي عن كون سعد بن أبي وقاص كره وجود سجدة رسمت على جبهة أحد المصلين خوفا من أن تكون تلك السجدة مقصودة ومفتعلة من أجل التظاهر بالعبادة، ولعل السبب في كراهيته لذلك يرجع إلى أنه اتهمه أن يكون قصد إلى ذلك ليعرف، ثم أشار إلى ما روي عن عمر بن عبد العزيز من أنه استعمل عروة بن عياض على مكة، فاستعداه عليه رجل ذكر أنه سجنه في حق، فلم يخرجه من السجن حتى باع ماله منه بثلاث آلاف، وقد كان أعطاه به ستة آلاف فأبى أن يبيعه منه، واستحلفه بالطلاق ألا يخاصمه في ذلك أبدا، فنظر عمر إلى عروة، ونكت بالخيزران بين عينيه في سجدته ثم قال :"هذه غرتني منك" لسجدته، ولولا أني أخاف أن تكون سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فغور، ثم قال للرجل : إذهب فقد رددت عليك مالك ولا حنث عليك". (3)
وهكذا نرى أن عمر بن عبد العزيز قد اعترف بأنه قد اغتر بمظهر خارجي من مظاهر العبادة من رجل لم تنهه صلاته عن الالتزام بحقوق الناس، فأدبه ووبخه وأنصف المظلوم، وبرأه مما ألزم به نفسه تحت الإكراه.
ومما نجده في هذا الكتاب الإشارة إلى جزئيات توضح بعض ما يعين المصلين على الاستفادة من ظروف عبادتهم.
من ذلك مثلا ما يتعلق بفعل المصلي المأموم، حينما يكون في المسجد، وتقام فالصلاة، هل يجوز له أن يقيم الصلاة في نفسه؟ فقد قال مالك : لا يجوز له ذلك، قيل له : إن فعل؟ قال : هذا مخالف.
قال محمد ابن رشد (ج:1، ص :280)، قوله :"هذا مخالف"، أي مخالف للسنة، لأن السنة أن يقيم المؤذن الصلاة دون الإمام والناس، بدليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وحانت الصلاة، جاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق، فقال :" أتصلي للناس فأقيم؟ قال : نعم. وإنما الذي يجب للناس في حال الإقامة أن يدعوا، لأنها ساعة الدعاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقل داع ترد عليه دعوته : حضرة النداء، والصف في سبيل الله عز وجل".
ولعل هذا الحديث الذي جاء به ابن رشد يكون من الحوافز الدافعة إلى الصلاة مع الجماعة، لأنها من فرص أوقات الاستجابة التي يأملها الداعي لتحقيق ما يرجوه.
وما أكثر ما يستفيده القارئ من شرح ابن رشد، لأنه قد يرجع بعض الأحكام المطلقة إلى دوافعها من الكتاب أو السنة كما هنا، وقد يقيد مطلقها كما هو الحال مثلا بالنسبة للرجل الذي يدخل المسجد الحرام، فقد سئل مالك عنه، أيبدأ بركعة أم بالطواف؟ فقال : يبدأ بالطواف (ج:1، ص :318) وهنا يتدخل ابن رشد فيقول : الطواف بالبيت في المسجد الحرام كالصلاة في غيره من المساجد، ولا يتم إلا بركعتين، فإن دخله وهو لا يريد الطواف به تلك الساعة وجب عليه أن يركع ركعتين قبل أن يجلس.
وهذا الحكم يحتاجه المسلمون، نظرا لتواردهم على البيت الحرام في أيام الحج، وفي غيرها من الأيام، ولا يخلو دخولهم لذلك المسجد من فائدة، فهم إما مصلون أو طائفون، وسواء كانوا في صلاتهم أو في طوافهم، فهم في عبادة ترفعهم عن مباذلهم، وتطهر نفوسهم، وتذكرهم بما يجب عليهم أن يقوموا به طوال حياتهم إن شاء الله.
ومن خلال مداخلات ابن رشد في هذا الشرح يتبين لنا أنه فقيه واع مطلع على أمهات الكتب الفقهية، خبير باللغة، وعالم بالتفسير، مستحضر للحديث، بحيث يمكننا أن نقول عن كتابه هذا، إنه موسوعة تتضمن مختلف الأحكام الأساسية في الفقه المالكي، كما تتضمن بعض الأصول التي بنيت عليها تلك الأحكام.
وإذا تجلى لنا بعض من ذلك فيما تقدم، فإنه يمكننا أن نواصل اختيار بعض الجزئيات من أبواب أخرى لتزداد معرفتنا بالمنهج التحليلي الذي سار عليه في شرح النصوص الفقهية التي اشتملت عليها العتبية.
فمن ذلك مثلا تعرضه لحكم من يصوم قبل صلاة الاستسقاء، فقد جاء في "المستخرجة" من سماعات ابن القاسم، أن الإمام مالكا سئل عن الصيام قبل الاستسقاء، أمما يعمل به؟ قال : ما سمعت إنكارا على من عمله.(ج:2 ص:324).
وهذا القول غامض لأنه يحتمل تأويلين :
التأويل الأول : وهو الأولى عند ابن رشد، أن الإمام مالكا كان يكره ذلك، وأن أبا القاسم أشار في هذه القولة إلى هذه الكراهية بقوله إنكارا على من عمله، وحينئذ يكون كلام الإمام مالك قد انتهى عند قوله ما سمعت، أي ما سمعت أن ذلك يفعل.
وهذا التأويل ينسجم مع ما هو معهود عن الإمام مالك، في كونه كان يكره كل الأمور المحدثات كالقراءة عند خاتمة القرآن، خشية أن يعتبر الناس هذه المحدثات من الأصول الدينية، ويختلط عليهم ما هو أصل في الدين وما ليس بأصل.
أما التأويل الثاني للنص، فإنه يعتبر الجواب كله من الإمام مالك، ويكون المراد ما سمعت إنكارا على من عمله، أي إنه جائز وهو تأويل، وإن كان متلائما مع ظاهر النص، فهو غير متلائم مع المعهود من موقف الإمام مالك، فيما يشبهه، ولهذا رجح ابن رشد التأويل الأول. وأنا أرى أن هذا التأويل نفسه قد يكون مقبولا من حيث الإخبار، لا من حيث الحكم، فالإمام مالك، يذكر أنه لم يسمع إنكارا على من عمله، ومع ذلك فهو ينكره.
وقد علق ابن رشد على هذا الموضوع بقوله : الصيام قبل استسقاء مما لم يأت به أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين المهديين، وإنما هو أمر أحدثه بعض الأمراء فاستحسنه كثير من العلماء : فعله موسى بن نصير بإفريقية حين رجع من الأندلس، فاستحسنه الجذامي (4) وغيره من علماء المدينة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب.
وعليه فربما تكون الإشارة في التأويل الثاني إلى هؤلاء العلماء الذين لم يستنكروه ولم يروا فيه بأسا، والله أعلم.
ومن ذلك ما يتعلق بالدلالة اللغوية لمفهوم النصاب في الزكاة للربط بينها وبين القصد الشرعي، فقد أشار على ذلك حينما تعرض العتبي في "المستخرجة" لتحديد نصاب زكاة الماشية، فقد جاء فيها أن مالكا سئل عن النصاب من المال ما هو؟ فقال : خمس من الإبل، أو ثلاثون من البقر، أو أربعون من شاة من الغنم.
وهنا قال ابن رشد : "إن النصاب من المال هو أقل ما تجب فيه الزكاة، وإنما سمي نصابا – والله أعلم – لأنه الغاية التي ليس فيما دونها زكاة، والعلم المنصوب لوجوب الزكاة، والحد المحدود لذلك من قول الله عز وجل :"كأنهم إلى نصب يوفضون" (سورة المعراج : الآية :43) أي إلى غاية أو علم منصوب لهم يسرعون.
ويحتمل أن يكون سمي نصابا لأن المال إذا بلغ هذا المقدار وجب أن ينصب لأخذ الزكاة سعاة يبعثون لذلك.
ويحتمل أن يكون مأخوذا من النصيب لأن المساكين لا يستحقون المال نصيبا فيما دون هذه المقادير والله أعلم.
ومما يثير الانتباه في هذا الكتاب سواء في أصله، أو في شرحه، أنه يتعرض لبعض الجوانب الخلقية والاجتماعية، ويرسم طريق الخير أمام المسلم، ويرشده لسبيل الفلاح، ومما يدل على ذلك ما ورد في شأن اختيار الزوجة الصالحة، والزوج الصالح، مما يعين على تكوين الأسر الفاضلة والواعية المتعاونة على البر والتقوى، الهادفة على خير البلاد والعباد، فقد جاء في "العتبية" أن مالكا قال : بلغني أن لقمان قال لابنه : يا بني، ليكن أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأة صالحة (ج:4، ص :323). (5)
وهنا يتدخل ابن رشد في شرحه ليبين أن المرأة للرجل هي دنيا وآخرة، لأنه يستعف بها، ويستمتع منها، ويؤجر على القيام عليها، ولا حظ أن لقمان في وصيته لولده، جعل المرأة في الدرجة الثانية بعد الخليل الصالح، لأن من الناس من يستغني عن المرأة ولا يحتاج إليها، وذكر أن الخليل الصالح يحمل خليله على الخير، ويحمله على الطاعة، ويريد مراشده في أمور، ولذلك كانت منفعته أعم من منفعة المرأة.
وهذا ليس معناه الدعوة إلى الاستغناء عن المرأة، وإنما هو توجيه عملي ترتيبي في العلاقات الاجتماعية، لأن ارتباط الإنسان بالأصدقاء والخلان، يكون بطبيعة الحال قبل الارتباط بالزوجة، فعلى الإنسان أن يحرص على الخليل الصالح، ثم إذا أراد الزواج، فعليه أن يحرص على اختيار المرأة الصالحة، ولهذا قال ابن رشد بعد سماعه لهذه الوصية، هذه وصية جيدة مفيدة، وحكمة بالغة عظيمة، لأن النساء من أجل ما زين للناس من شهوات الدنيا. قال تعالى :"زين للناس حب الشهوات من النساء" (سورة آل عمران، الآية :14).
وإذا كان ما تقدم يتعلق باختيار المرأة الصالحة، فإنه لا بأس أن نشير إلى حكم يتعلق باختيار الزوج الصالح، نقتبسه من صلب الكتاب، وهو حكم يستنتج من تخصيص حكم وارد في حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في حديث الرسول أنه قال :" لا يخطب أحد على خطبة أخيه"، لكننا سنجد في "العتبية" أن مالكا سئل عن الرجل المسخوط الفاسد في جميع حالاته، يخطب المرأة فترضى بتزويجه، وسموا الصداق ولم يبق لهم إلا الفراغ، فتقول : أتاني من هو أحسن منه حالا وأرضى، فسألني الخطبة عليه، فهل يدخل علي شيء إن فعلت لحال ما جاء ألا يخطب رجل عن خطبة أخيه؟ فقال: (ج:4، ص :455): أما أنا فكنت أشير على المرأة – لو أني وليها – أن تتزوج هذا الرجل الصالح المقبل على شأنه وتدع الفاسد الذي لا يعينها على دين ولا دنيا، وهي إلى نقصان دينها عند هذا الفاسق أقرب منه عند الصالح، لأن الفاسق لا يعلمها إلا مثل ما هو فيه من الفسوق والشر، وتقتدي به فيما ترى منه، وأن الصالح إنما هي معه في زيادة وخير في كل يوم وليلة. والصالح عندنا أولى وأحق من الفاسق الذي قد علم منه في حالاته وما ظهر منه، ومصاحبة التقي أفضل من مصاحبة الفاسق في دين الله، وأرجو أن الحديث ما جاء إلا في الرجلين اللذين يشبه أحدهما صاحبه، فذلك الذي لا ينبغي أن يدخل عليه في خطبته حتى ينكح أو يرد إذا كانوا قد توافقوا على الفراغ أو شبه الفراغ.
قال محمد ابن رشد : وهذا كما قال، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يخطب أحد على خطبة أخيه" لفظ عام في كل حال، وفي كل خاطب، والعموم يحتمل الخصوص.
ثم ذكر بعد ذلك التخصيص هنا مرجعه إلى صفة الخاطب، بحيث يجب إيثار ذي لأخلاق على غيره، لما يترتب على ذلك من العواقب المستقبلية، واعتبر هذه النصيحة أصلا من أصول الدين لئلا تتزوج المرأة فاسقا يريدها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وقال صلى الله عليه وسلم "المؤمن أخو المؤمن، يشهده إذا مات، ويعوده إذا مرض، وينصح له ذا غاب أو شهد". ولهذا قال ابن رشد في تقرير هذا الحكم ما يأتي :"إذا خطب المرأة فاسق جاز للصالح أن يخطبها بعد أن تقارب الأمر بينهما، وانبغى لمن علم بذلك أن يخطبها على أن تتزوج الصالح وتدع الفاسق".
فالعنصر الأخلاقي إذن، له أهميته في الارتباط بين الزوجين، سواء من جانب المرأة أو من جانب الرجل، لما في ذلك من التماسك الاجتماعي، ومن الحرص على أن تكون اللبنات الأساسية التي تبنى عليها الأسرة قوية ومتينة، لا يسرع إليها الانهيار أو الفساد.
ونظرا لما لهذا العقد المقدس من الاحترام، فإن الله تبارك وتعالى جعل له شروطا وأحكاما، بينها الفقهاء في كتبهم وتعرض لها علماء الأخلاق والاجتماع فيما دونوه، ونصحوا المتزوجين في أن يكون المال الذي يعدونه للزواج مالا مكتسبا من حلال، خشية أن يقدموا في الصداق ما ليس لهم، فيكونوا كأنهم تزوجوا بدون صداق.
ومن أجل هذا التخوف، جاء في "المستخرجة" أن مالكا سئل عمن يكسب مالا حراما فيتزوج به، أتخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنا؟ قال : إني والله لأخافه، ولكن لا أقوله. (ج:4، ص :370).
قال محمد بن رشد: "وجه اتقاء مالك أن يكون فعله مضارعا للزنا، هو أن الله تعالى إنما أباح الفرج بنكاح أو ملك يمين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا نكاح إلا بولي وصداق" ، فنفى أن يكون نكاحا جائزا، إلا على هذه الصفة. والمتزوج بمال حرام لم يتزوج بصداق، إذ ليس المال الحرام بمال له، فإذا وطئ فيه فقد وطئ فرجا بغير ملك ولا نكاح أباحه له الشرع، وبالله التوفيق".
فنحن نرى أن ابن رشد قد بين سبب التخوف الذي وقع لمالك في إصدار الحكم رغم أنه لم يصرح به ولم يقله.
ولعل هذا التخوف سيدعو المسلمين إلى التورع والحذر من اكتساب المال الحرام، فإنه مدعاة إلى التشكك في حلية هذه العلاقة المقدسة، التي يجب أن تطهر من الأدران، وأن تحفظ من كل ما يدنسها ويشينها، لتكون – إن شاء الله – منبعا طيبا طاهرا، لم يتولد عنها من البنين والبنات، وإشعاعا وضاء يضفي على المجتمع كل الصفات المعينة له على الرقي والازدهار.
ومسألة الزواج والطلاق وما يترتب عنهما من الأحكام المتصلة بالرجعة والحضانة، والنفقة والإرث، إهتم بها الفقهاء في مختلف الحقب، وقد اشتمل كتاب "البيان والتحصيل" على صور منها، جاء بعضها موجزا في "العتبية" وبعضها مفصلا ومعللا عند ابن رشد أثناء الشرح، تبعا لمنهاجه الذي سار عليه، وسنرى شيئا من ذلك – إن شاء الله – في مقال لاحق نواصل به هذا العرض، وبالله التوفيق.

1) – هؤلاء العلماء هم : الفقيه محمد التاودي ابن سودة، والفقيه أبو حفص عمر بن عبد الله الفاسي، والفقيه محمد بن عبد الصادق الدكالي، والفقيه القاضي عبد القادر بن العربي بوخريص.
2) – ورد هذا الخبر أيضا بكتاب الجامع الخامس، ج:17، ص :570.
3) – يوجد نفس النص بكتاب الجامع الرابع ج:17، ص :402.
4) – وردت نفس المسألة في الجزء السابع عشر ص:121.
5) – توجد نفس الوصية في كتاب الجامع الخامس ج:17، ص :615.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here