islamaumaroc

العالم العربي والأوضاع الجديدة في إفريقيا

  دعوة الحق

34 العدد

كانت السنة الماضية بحق سنة تحرر القارة الإفريقية، فقد انتقلت فعلا مختلف الأوضاع السياسية التي كانت تسود القارة السوداء ولم يعد في مستطاع الاستعمار الغربي –وليد حركات الغزو والتوسع خلال القرون الأخيرة- لم يعد في مستطاعه أن يحتفظ بوجوده المباشر إلا في أجزاء قليلة منها هي على عتبة التحرر الآن.
وإذا كانت موجة الحرية في إفريقيا قد ساعدت هكذا على تقليص رقعة التوسع الغربي بل والإجهاز عليه إجهازا حاسما فإنها قد أعانت – إلى جانب كل ذلك- على بروز كثير من المعطيات الهامة في العالم الدولي وساهمت في امتداد رقعة الحرب الباردة بين الشرق والغرب أحيانا وبين الدول الصناعية والتجارية الكبرى في العالم أحيانا أخرى وذلك لما هو محتوم من اشتداد التنافس والتزاحم بين هذه الدول على الاستفادة من الأوضاع الجديدة في القارة واستقاء النفع من الاستقلاليات الإفريقية الناشئة.
والواقع أن اشتداد المنافسة الدولية حول افريقيا ليس شيئا غريبا أو مفاجئا، فقد كان من المتوقع جدا –والقارة على عتبة عهد جديد- أن تصبح ميدان سباق دولي حاد وذلك بالنظر لما تنطوي عليه من إمكانيات مادية ضخمة وما تكتسيه من أهمية موقعية واستراتيجية بعيدة المدى بالإضافة إلى ما يتوفر عليه سكانها من استعدادات فريدة في مجال الصراع الفكري والمذهبي العالمي.
لهذا كان طبيعيا إذن أن يحتد التنافس الدولي من جديد حول قارتنا الفتية وإن كان هذا التنافس لا يتخذ اليوم سبيلا له حركات الفتح والغزو كما كان الشأن خلال القرون الأخيرة يوم كانت القارة مرتع السباق التسلطي الحاد بين دول الاستعمار الغربي كفرنسا وانجلترا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا وغيرها، إن التسابق الدولي الحالي حول إفريقيا يستمد أهدافه ومظاهره من الحقائق البارزة التي تنطبع بها الحياة الإفريقية الحديثة ومن طبيعة الجو الدولي الحاضر وظروفه وملابساته.
ويتجلى من استقراء كل ذلك الظواهر الآتية:
1) ارتكاز التدخل الأجنبي الجديد في افريقيا على أساليب الغزو الفكري والمعنوي ووسائل الاستغلال الاقتصادي غير المباشر.
2) ظهور قوى دولية جديدة في الميدان الإفريقي كاليابان والصين الشيوعية وغيرها.
3) بروز نوع من التدخل الدولي يمكن أن نسميه بـ «التسللي» ذلك الذي تمارسه إسرائيل منذ سنوات على أوسع نطاق ممكن وتنفذ بواسطته إلى آفاق اقتصادية واسعة في قلب إفريقيا.
ولكن هل يكتسي التنافس الدولي حول إفريقيا صبغة التدخل الواقعي بما لهذه الكلمة من مدلول سياسي مألوف؟ هل يجوز أن نسمي الارتباطات الدولية الحالية بإفريقيا تدخلا مباشرا في شؤون القارة وإلى أي حد يجوز لنا أن نقول ذلك؟
ليس من الإنصاف أن ندرج في مفهوم التدخل الأجنبي كل ما يتم في القارة من نشاط دولي عادي أو له أهداف عادية مألوفة، وإذا جازلنا –على العكس- أن نعمم هذا المفهوم ليشمل جميع أنواع الاحتكاك الدولي بشؤون القارة والتفاعل الأجنبي مع أحداثها وتطورها فإنه سيكون علينا حينئذ أن نصنف مظاهر التدخل وأهدافه كما يلي:
1) التدخل الذي لا يعدو نطاق الوسائل المشروعة العادية كزيادة توثيق الروابط الديبلوماسية ومجاراة التيارات السياسية المحلية واستغلال ذلك كله للأغراض التجارية العادية: ومثال ذلك –كما يبدو- اليابان.
2) التدخل ألمصلحي الذي يبلغ إلى درجة التصارع الحاد ويستهدف الأغراض النفوذية والاستئثارية معتمدا في الغالب على وسائل الحرب الباردة وأساليب الغزو المعنوي (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، الصين الحمراء).
3) التدخل الذي يعتمد الوسائل الودية والتفاهمية ولكن أهدافه قد توجد متأثرة أحيانا بالمشاريع الاحتكارية الدولية كمشروع السوق الأوربية المشتركة ولهذا يكون منطويا على بعض الأغراض الاستغلالية غير المباشرة (ألمانيا الفيدرالية).
4) التدخل الأخوي الذي يحتمه واجب التضامن والتساند ويستند على الوسائل الدولية المشروعة منسجما في الغالب مع المعطيات المبدئية التي أقرها مؤتمر (باندونغ) وما في نوعه (الهند، أندونيسيا) وعلى ضوء هذا يمكننا أن نجد بعض التعليل لكثير من العوامل المتخفية التي تشكل وجه الأحداث في إفريقيا وتحدد المواقف الدولية من هذه القارة وشؤونها، في إمكاننا إذن أن ندرك أسباب حرص اليابان على تمتين الروابط بالدول الإفريقية الناشئة واضطرار طوكيو نتيجة لذلك إلى تعديل موقفها لفائدة القضايا الإفريقية التحريرية كالقضية الجزائرية مثلا، كما يجوز لنا أيضا أن نكتنه بواعث الحملات الغربية المشنة على الوضع السياسي – الحكومي بغينيا وعوامل الصراع المرير بين نظام أحمد اهيدجو وحزب الدكتور موميي بالكامرون والمشادات السياسية الحادة بين نظام لومومبا في الكونغو (ليوبولد فيل) والمسؤولين في الكونغو الفرنسي السابق (برازافيل) وغير ذلك من التعقيدات السياسية المحلية والدولية بإفريقيا. إن وراء هذه الظواهر الإفريقية المعقدة عوامل دولية وتيارات مذهبية واتجاهية أخرى أكثر تعقدا وتشعبا، هناك التصارع الحاد بين مبادئ الحياد الإيجابي الذي تتبناه أغلبية أعضاء الكتلة الإفريقية الأسيوية وبين نزعات الانحياز للمعسكرات تلك النزعات التي تغذيها مختلف القوات الدولية الكبرى وتجتهد كثيرا لاصطناع الأنصار من الأفارقة لها (الكونغو – ليوبولدفيل – مثلا).
هناك أيضا مجال التصادم بين النزعات الإفريقية الضيقة الانطوائية كنزعة تضامن الشعوب السوداء الناطقة بالفرنسية وبين الاتجاهات الإفريقية الواعية المتفتحة على العالم والمتفاعلة مع أحداثه وتطوراته كالاتجاه العام الذي يمكن أن يلاحظ في غينيا مثلا.
هذه المصادمات الاتجاهية والفكرية توجد في أساس كثير من الأحداث والتطورات في إفريقيا، ومن البديهي أن مداخلات القوات الدولية الكبرى في القارة كان من شأنها أن تزيد في حدة المصادمات وتضاعف من مفعولها ونتائجها، ولهذا جاز للدول الكبرى مثلا أن تحيل معركة الاستقلال في الكونغو «ليوبولدفيل» إلى حركات صراع مرير بين الشرق والغرب من جهة وبين الدول الإفريقية من جهة أخرى، ولهذا أيضا جاز للأوساط التوسعية أن تؤثر أحيانا على حركات الوحدة الإفريقية وتدس لها حتى تكاد تصبح –في بعض الصور- عبارة عن تنازع على الأسماء والعناوين..(1) .
على أن الصراع الدولي حول إفريقيا لا ينحصر فيما يوجد من تنافس حاد بين الدول الجديدة التي لم تكن لها صلة بالأنظمة الاستعمارية الغربية في القارة، الواقع أن هذا التنافس يوجد على أشده أيضا بين الدول التوسعية التقليدية التي هيمنت من قبل على مصاير الأفارقة حينا من الدهر واضطرها سير التاريخ إلى التخلي عن سيطرتها المباشرة القديمة ويوجد في مقدمة هذه الدول بالطبع فرنسا وانجلترا.
لقد أحرزت جل الأقطار الإفريقية الفرنسية الإنجليزية على مظاهر السيادة الوطنية جزئيا أو كليا، إلا أن التفكير التوسعي الفرنسي الإنجليزي لم يتمكن من هضم مبدأ التخلي عن ممارسة السيطرة المباشرة في هذه الأقطار إلا على أساس انتهاج أساليب جديدة في الإبقاء على استمرار هذه السيطرة ولو في أشكال غير مباشرة ودقيقة وقد نجم عن ذلك نشوء حالات من التنافس الخفي بين الدولتين الاستعماريتين تبرز مظاهره أحيانا وتدق أحيانا أخرى ولكنه –على كل حال- تنافس فعلي يمكن على أساسه تفسير بعض الظواهر السياسية التي تترآى أحيانا في الميدان الإفريقي.
ومن المعقول جدا أن تؤدي هذه الأحوال الجديدة من التنافس الدولي حول إفريقيا إلى نشوء أوضاع سياسية في القارة تختلط تارة بمفهوم الحرب الباردة العالمية وتمتزج تارة أخرى ببعض الصور الإفريقية المعقدة كالصراع الطائفي والقبلي الذي تختفي وراءه كثير من الحقائق الدولية المثيرة.
إن المناورات الأجنبية لها أكبر الارتباط بهذه الأوضاع، أما الهدف الرئيسي من كل هذه المناورات فهو ضمان استمرار إفريقيا مورد طاقة لا ينضب للاحتكارات الصناعية الكبرى، هذا بالنسبة إلى الغرب أما بالنسبة للعالم الشيوعي فتهدف المناورات إلى تهيئ القارة كمجال رحب لاستقبال الإيديولوجيات الأجنبية وجعل القارة ميدانا واسعا للصراع بين هذه المذاهب وبين خصومها الرأسماليين والبورجوازيين.
بقي علينا الآن أن نتساءل: هل من الضروري للشعوب العربية أن تعنى بمراقبة التطورات الجارية في إفريقيا وتشارك بدورها في تعديل مجرى هذه التطورات؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو واقع السياسة العربية العامة في القارة السوداء؟ وما هو دور هذه السياسة ومدى كفاءتها في مواجهة الحقائق التي تحدد مستقبل القارة وتساهم في تكييف مصيرها؟ وإذا كان للعرب دور في السياسة الدولية الإفريقية فما هي القيمة الفعلية لهذا الدور؟ وهل يمكن أن يكون في مستوى الأهمية التي تكتسبها علاقات العرب بالقارة الإفريقية؟
أما أن على العالم العربي أن يعني شديد العناية بتطورات الأحداث في أفريقيا السوداء فهذا شيء يبدو طبيعيا ومعقولا جدا، فإذا كانت مختلف الدول في أوربا وآسيا وأمريكا تبدو مقتنعة بأن مستقبلها يرتبط في بعض النواحي بمستقبل علاقاتها بإفريقيا فإن من حق العالم العربي أن يبالغ في تقدير قيمة الارتباطات التي يجب أن تصله بهذه القارة فأكثر من نصف أبناء الأمة العربية يعتبرون مواطنين أفارقة، وكذلك فإن ملايين الكيلومترات المربعة من الأراضي العربية توجد في صميم القارة الإفريقية، هذا بالإضافة إلى اتحاد مصالح العرب بمصالح الشعوب الإفريقية وارتباط قضاياهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بقضايا هذه الشعوب وانتساب الجميع إلى عالم الأمم الشرقية وإلى دنيا الأمم المتخلفة التي تربط برباط متين كثيرا من شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولهذا كان من البديهيات الأولية أن تكون عناية العرب بالشؤون الإفريقية أكثر من عناية أية أمة أو مجموعة من الأمم الأخرى بمشاكل هذه القارة، ولكني لا أظن أن واقع السياسات العربية في إفريقيا السوداء يوازي هذه الأهمية التي تكتسيها مصالح العرب في هذه المنطقة الهامة من العالم، فالحكومات العربية ليست على درجة واحدة من الاهتمام بالقضايا السياسية والإنسانية الكبرى في ربوع إفريقيا الزنجية، ويكاد يكون مقياس عنايتها بمشاكل هذه المنطقة الموقع الجغرافي والارتباطات السياسية المباشرة فقط، وهكذا نجد الدول العربية الإفريقية أكثر اهتماما من شقيقاتها الأسيويات بالقضايا الإفريقية العامة وذلك بالطبع نتيجة العامل الجغرافي لا غير، بل أن البعض من هذه البلاد العربية الإفريقية كليبيا لا تجد من موقعها الجغرافي أيضا ما يحفزها إلى تحديد سياسة خاصة تتفق ووجهتها الإفريقية الطبيعية، وإذا كان لنا أن نشعر بكثير من الاعتزاز والتقدير للسياسات الإيجابية التي ينتهجها المغرب والعربية المتحدة والجمهورية الجزائرية وتونس في المضمار الإفريقي فإننا نلحظ –مع ذلك- أن مجموع الدول العربية الأخرى وخاصة الجامعة العربية لا تتوفر على تخطيط منهجي واضح يبين الاتجاه العربي العام من المشاكل الإفريقية السوداء ويضمن سلامة المصالح القومية والدولية للأمة العربية في ربوع القارة الإفريقية، وليس من حاجة للتأكيد بأن الكتل الدولية قد أضحى لها من الوزن في العمليات السياسية العالمية أكثر بكثير مما يمكن أن تأتي به السياسات المنفردة الخاصة، والكتل الدولية اليوم تقوم في ربوع إفريقيا السوداء بعمليات واسعة تستهدف فرض أنماط من التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية على الجماهير الإفريقية المتوثبة، واعتبار هذه الحقيقة يحتم على الدول العربية ككتلة دولية لها وزنها في هذا المضمار أن تضاعف من اهتماماتها الإفريقية وتزداد شعورا بمسؤولياتها إزاء تطور الأحوال العامة في الدول الجديدة بإفريقيا السوداء.
وليس هناك –في الواقع- ما يوجب كل هذا الاكتراث للشؤون الإفريقية لو لم تكن كثير من الأحوال القائمة في القارة مما يمس المصالح العربية ويتهددها أحيانا في الصميم بل ومما يرتبط بمستقبل الوطن العربي وضمان سلامته واستقراره وتطوره.
إن هناك الكثير من الصور التي يتمثل فيها هذا الارتباط بين المصالح العربية وبين تطورات الأوضاع العامة في إفريقيا السوداء، ومن بين هذه الصور:
1) التسلل الاقتصادي الإسرائيلي إلى الدول الإفريقية الجديدة
2) التمركز السياسي الغربي في القارة وتقمصه أشكالا جديدة أكثر خطورة وأهمية.
3) التهديدات الاقتصادية الناشئة عن تضخم الاحتكار الغربي لإفريقيا (السوق الأوربية المشتركة)
4) التسريات الإيديولوجية الأجنبية المضادة في الغالب لمبادئ القومية العربية والحياد الإيجابي وقد بدأ الرأي العام العربي يحس فعلا بالأهمية البالغة التي تكتسيها المناورات الدولية في أقطار إفريقيا السوداء وما تجسمه من أخطار على المصالح الجوهرية للعالم العربي، وقد تركز الانتباه خاصة حول النشاط الصهيوني المتزايد في ربوع  القارة فاتخذت الجامعة العربية في شأنه سلسلة من التدابير المضادة التي تستهدف مقاومته وتحديد خطورته تحديدا حاسما.
إن القرارات المتخذة لا تغني –في الواقع- فتيلا إذا لم تكن خاضعة لمنهج تطبيقي صارم واضح المعالم مضمون النتائج، وعلى افتراض أن القرارات العربية المتعلقة بالنشاط الصهيوني فإفريقيا يمكن أن تكون كفيلة بتحقيق نتائج إيجابية في هذا السبيل فهل يجوز أن تكون هذه القرارات كافية للحفاظ على مجموع مصالح الأمة العربية وسلامتها الإقليمية والدولية وخاصة في القارة الإفريقية؟ كان من الممكن ذلك لو أن النشاط الصهيوني كان كل ما يتهدد العرب في إفريقيا السوداء، لقد رأينا –فيما تقدم- أن هناك مصادر أخرى لتهديد المصالح العربية في إفريقيا لا تقل عن التسلل الصهيوني إساءة وخطورة، ومن أبرز مظاهر هذا التهديد: المناورات الدولية الرامية إلى اصطناع الثغرات في الوحدة الاتجاهية بين الشعوب العربية والأمم الإفريقية الملونة والتواطؤ الدولي المكشوف الرامي إلى تصفية الوجود الفعلي العربي في الصحراء الإفريقية الكبرى والاستحواذ على ينابيع الثروة والرخاء فيها بالإضافة إلى الاعتماد عليها كمركز انطلاق لتهديد البعث العربي المتوثب واستخدامها أداة لعزل الشعوب العربية في الشمال الإفريقي عن الشعوب الإفريقية الملونة في الجنوب.
والواقع أن سياسة العزل هذه قد غدا لها وزن كبير في مخططات التآمر الاستعماري على روح التضامن العربي الإفريقي، وقد كانت هذه السياسة –في الواقع- ذات مقام كبير في الأساليب الاستعمارية الكلاسيكية التي تمت مجربتها من قبل في المغرب وسوريا ولبنان وغير هذه الأقطار، إلا أنها تعتمد اليوم في أفريقيا لتطبق على نطاق واسع الهدف منه عزل الشعوب العربية في الشمال الإفريقي عن الشعوب الإفريقية الملونة في الجنوب.
إن هناك من الشواهد ما يدل على أن هذا العزل بين الكتلتين الإفريقيتين العربية والسوداء قد غدا من أكثر الضرورات إلحاحا واشتدادا في وجهة النظر التوسعية الغربية، وذلك بالنظر لما يسيطر على أذهان التوسعيين من اقتناع بخطورة الدول القيادي والتوجيهي الذي تمثله الشعوب العربية والأثر الكبير الذي تحدثه الثورة الفكرية والحضارية العربية في كثير من بقاع القارة الإفريقية.
وعلى ضوء هذه الملاحظة يمكننا أن نجد بعض التفسير لما يمكن أن نسميه بسياسة «الحاجز الأوسط» بين الشمال الإفريقي والأقطار التي إلى الجنوب تلك السياسة التي يبدو أن الغرب يعتمدها كثيرا من مخططاته المقبلة في القارة الإفريقية، وتهدف هذه السياسة إلى اصطناع «جدار» سياسي واقتصادي يمتد على جنوب الأقطار العربية في إفريقيا ليساعد على تكوين نوع من الانفصام والانقطاع بينها وبين الأقطار الواقعة في الجنوب، وفي سبيل ذلك نلاحظ ميل الغرب وخاصة فرنسا إلى زيادة تركيز النفوذ السياسي والاقتصادي الأجنبي في مناطق الصحراء الكبرى وفي بعض الدول الإفريقية حديثة العهد بالاستقلال حتى يتم بذلك كله أحكام «الجدار» وتعزيز حصانته على أوسع نطاق ممكن.
ومن هنا تبدو إحدى العوامل التي تحدو بفرنسا إلى الإصرار على حماية نظام ابن دادة في موريتانيا المغربية وتدفعها إلى التعاون المطلق مع إسبانيا في سياستها التوسعية بالمناطق الجنوبية للمغرب والواقع أن السياسة الفرنسية ليست معزولة في هذا الميدان من الناحية الدولية بل إنها تنعم بتأييد شركائها الغربيين  بصورة علنية أو خفية، ومن دلائل ذلك إسراع المصرف الدولي إلى منح القروض للشركات الاحتكارية التي تحظى برضى ابن دادة وذلك في سبيل استنزاف الثروات الطبيعية التي تزخر بها موريتانيا وربطها بعجلة الاقتصاد الاستعماري الغربي، وإذا تذكرنا جيدا قصة هذا المصرف الدولي مع مصر في قضية تمويل السد العالي وعلاقة ذلك بموقف الشقيقة العربية من الاستعمار الغربي أدركنا جيدا حقيقة العوامل التي ساعدت ابن دادة على الحظوة برضى المصرف ومسيرته والأسباب التي جعلت هذا القرض الغريب شيئا ميسور المنال.
وإذا كانت موريتانيا تهيأ هكذا لتكون أوثق الحلقات في سلسلة التطويق الاستعماري لأقطار المغرب العربي فإن هناك مجالات أخرى للعمل تستغلها القوات التوسعية في الغرب كثيرا لأحكام العزلة بين شطري القارة في الشمال والجنوب ومن ذلك ما يجتهدون في بثه من أفكار انطوائية وانعزالية بين بعض الزعماء الأفارقة السود وما يصطنعونه من أجواء الريب والحذر بين الكتل الديموقراطية الإفريقية وخاصة بين الشعوب العربية والشعوب الملونة في القارة، وقد اتخذت هذه الخطة أشكالا متعددة من قبل وكان آخر مظهر لها ما لاحظناه خلال مؤتمر الشعوب الإفريقية الناطقة بالفرنسية.. ذلك المؤتمر الذي تم انعقاده في «ابيدجان» عاصمة ساحل العاج في أواخر أكتوبر الماضي. لقد كان المؤتمر بادرة إفريقية محدودة يبدو أنها قد اتخذت لمحاولة العثور على حل سلمي لقضية الجزائر في نطاق الجامعة الفرنسية، وعلى الرغم من أنه لم يتوصل إلى نتائج إيجابية معينة فقد كان مجرد انعقاده أساسا لانبعاث الأحاديث في الغرب عن الفروق بين شعوب الشمال وشعوب الجنوب في القارة الإفريقية وتكاثر الإشارات في أقوال المعقبين الفرنسيين خاصة عن «التضامن الأسود» ضد الانتشارية العربية و «التوسع» المغربي في الصحراء وأشياء من هذا القبيل..
وقبل ذلك بكثير كانت العلاقات بين غانا والجمهورية العربية المتحدة هدفا لبعض المحاولات «التسممية» من هذا النوع، بل إن الأمر بدأ يعدو ذلك عند بعض إلى حد القيام بالمقارنات الخيالية بين الخطر الذي يمثله الزحف الشيوعي العالمي في القارة الإفريقية وبين المخاطر التي تتمثل في انبعاث الروح الإسلامية وانتشارها في ربوع القارة.
إن هذه المدعيات والتقولات الغربية لا تنحصر في ضمن الحدود اللفظية المجردة فقط، بل إنها تمثل فعلا الواجهة السطحية لمنهج تطبيقي منظم لا شك أن القوات الاستعمارية العالمية تعتمده لتصفية بذور التضامن الإفريقي العربي ونسف قواعده من الأساس، وتعتمده هذه المناهج –في جوهرها- على اصطناع أنواع من التناقض في المصالح والرغبات بين بعض الدول في الشمال والأخرى في الجنوب.
وتجتهد المصالح الدبلوماسية الغربية بالفعل في الحصول على نتائج إيجابية في هذا المجال، وتبدو قضية موريتانيا – في الوقت الحاضر-التجسيم الفعلي لهذه السياسة التي تقتفيها فرنسا في القارة الإفريقية، فهذا الاستقلال الوهمي الذي منحته لهذه المقاطعة المغربية الصرفة لا يستهدف فقط إقامة الحواجز المادية دون امتداد الصلات المباشرة بين المغرب والشعوب الإفريقية في الجنوب، بل ان الوضع الدولي الناشئ عن هذا الاستقلال يستخدم وسيلة لاختلاق جو من الاختلاف في الرأي والتناقض في المصالح والتباين في الأهداف بين المغرب وبعض البلاد الإفريقية المتأثرة باتجاهات الجامعة الفرنسية.
وقد أتى مؤتمر «أبيدجان» في أواخر أكتوبر المنصرم ليؤكد أن هذه الاحتمالات السيئة قد يوجد هناك أحيانا ما يبرر إمكانية وقوعها على شكل من الأشكال، فقد استطاع ابن دادة أن يتسرب إلى المؤتمر واستطاع بذلك أن يغالط –بعض الشيء- قطاعا دوليا إفريقيا له وزنه وقيمته، على الرغم من أنه لم يحصل في الأخير على أية نتائج إيجابية تهم قضية الاستعمار الفرنسي في موريتانيا، وقد كان من الممكن أن لا يتسلل العميل الموريتاني إلى مؤتمر من هذا النوع يضم دولا مستقلة ومتمتعة بسيادتها ومتعرفا بوجودها قانونيا ودوليا، كان من الطبيعي ألا يتم هذا لسبب بسيط وهو أن المقاطعة التي يحتكر ابن دادة لنفسه تمثيلها لا يصطبغ وجودها الدولي بأية صبغة قانونية ما دام أن استقلالها الوهمي – في حالة انعقاد المؤتمر- لا يزال دائما موضوع مؤاخذات قانونية خطيرة ومحط حقوق وطنية ثابتة ومثار نزاعات دولية جدية وواسعة، كان معقولا إذن ألا تكون موريتانيا ممثلة في مؤتمر إبيدجا، إلا أن الجوالسياسي المفعم بالمغالطات ذلك الذي يصطنعه التوسعيون الفرنسيون في إفريقيا لم يكن من شأنه إلا أن يساعد على إمكانية وقوع غلط فادح من هذا النوع، وقد اعترف السيد هوفويت بوانيي رئيس حكومة ساحل العاج البلاد التي تم فيها انعقاد المؤتمر –اعترف فيما بعد- لوفد الصداقة المغربية بما سماه هو نفسه غلطا صادرا عن حسن نية، ونحن ندرك مقدما أن الإخوان الأفارقة ينطوون على كثير من حسن النوايا نحونا، كما نفهم جيدا أن العديد من الأغلاط التي قد يرتكبونها في حقنا لا يكون مصدرها –في الغالب- إلا حسن الإرادة وسلامة الطوية، غير أن هذا لا يجوز أن يصرفنا –نحن العرب- عن إدراك الحقائق الدولية القاسية التي يفاجئنا بها الغرب أحيانا في إفريقيا، والإمكانيات السيئة التي يصطنعها التوسعيون العالميون في القارة، فإدراك هذه الحقائق وتقدير تلك الإمكانيات يمكننا –ولا شك- من التمرس على أساليب الكفاح الدولي ضد الأشكال الجديدة من التوسع الأجنبي في عالمنا العربي والإفريقي، هذا التوسع الذي يأخذ شكل تغلغل اقتصادي وسياسي وفكري بعيد الأثر والمفعول بالإضافة إلى امتزاجه أحيانا بحركات التسرب الاقتصادي الصهيوني وامتدادها في مختلف شرايين القارة وأوردتها، ومن مظاهر هذا التمازج بين الحركات التوسعية الغربية والصهيونية ما أمكن استشفافه من عزم الإدارة الديموقراطية المقبلة في أمريكا وتصميمها على استغلال التسرب الاقتصادي الإسرائيلي للقارة الإفريقية لأغراض دولية واسعة النطاق، فقد بدأ يلوح في الأفق أن الديبلوماسية الأمريكية قد تتبنى – في هذا الموضوع- وسائل متعددة تستهدف في جوهرها توسيع رقعة الاختلافات النظرية بين العرب وبعض البلدان الإفريقية حول موضوع التعاون الاقتصادي مع إسرائيل واستغلال ذلك كله لنسف الوحدة العقائدية والمصلحية التي تربط بين وحدات المعسكر الحيادي الدولي في القارتين الإفريقية والأسيوية.
على أنه ليس من المعقول – بالرغم عن ذلك –أن تعزى جميع هذه المداخلات الأجنبية التي تعقد الجو السياسي بإفريقيا –إلى المعسكر الرأسمالي الغربي وحده أو القوات الاستعمارية القديمة بمفردها، إن الكتل الدولية الأخرى وخاصة الكتلة الاشتراكية الماركسية لها هي الأخرى تأثيرها الفعال في هذا المجال، هذا بالإضافة إلى الآثار الناشئة عن استمرار بعض الأوضاع العتيقة التي لا تزال طافية على سطح إفريقيا المستقلة كالوضع في «انكولا» و «غينيا» البرتغالية واتحاد جنوب إفريقيا وإفريقيا الشرقية البريطانية وغير هذه المناطق.
إن التسابق نحو القارة السوداء على أشده اليوم بين مختلف الدول ذات المطامع والأغراض المختلفة وليس من ريب في أن الدوافع الأساسية التي تتحكم في تحديد مواقف الدول الأجنبية من القارة ليست على أية درجة معقولة من التجرد والنزاهة لأنها تتصل في الغالب عند البعض بالأغراض الاحتكارية الاستغلالية وعند البعض الآخر بمبادئ التغلغل السياسي والتبعية الإيديولوجية والفكرية وما إليها.
أما الخط الذي نود السير فيه نحن العرب في علاقتنا مع القارة السوداء فلا يمت طبعا بأية صلة إلى هذه الميادين وإنما هو طريق التعاون الخيري والتفاهم المثمر والتضامن الإيجابي في سبيل العمل من أجل القارة وضمان حمايتها من شرور المنافسات الأجنبية المعقدة والمناورات الدولية المحبوكة والمشاريع الاستغلالية العدوانية كمشروع السوق المشتركة والتجارب الذرية الفرنسية في الصحراء وغير ذلك.
أن سبيل التعاون بين العرب والأفارقة لا يخلو من عراقيل وصعوبات ولكنه بالرغم عن ذلك ممكن وجائز إلى أقصى الحدود، بل انه تتوفر له كثير من الفرص والإمكانيات التي لا تتوفر لأمم أخرى تبدو أشد طموحا في سياستها الإفريقية وأكثر حماسا واندفاعا.
على أن كل ذلك لا يجوز أن يصبح حقيقة دولية واقعية إلا إذا اهتمت الحكومات العربية جميعها في آسيا وإفريقيا على السواء بمراجعة سياستها الإفريقية العامة وعنيت بتخطيط مناهج تطبيقية مشتركة لها القدر الكافي من القدرة على مواجهة الحقائق الإفريقية الجديدة بكل ما يتطلبه ذلك من فاعلية وضبط وأحكام.
ومن الضروري –لكي تتوفر للسياسة العربية في إفريقيا مثل هذه المقتضيات أن تلتزم في تطبيقها المقتضيات الآتية:
1) تقدير الرسالة التاريخية التي على العرب أن يواصلوا تأديتها في إفريقيا كما فعلوا من قبل خلال العصور الخالية.
2) وضع مشاكل المداخلات الأجنبية في القارة في إطارها الحقيقي الواسع الذي يشمل جميع أنواع التسلل السياسي والاقتصادي وكافة ألوان التسرب الإيديولوجي والفكري والحضاري سواء كان مصدره الشرق الاشتراكي أو الغرب الرأسمالي أو من يدور في فلكها.
3) تقييم أهمية القضية العربية في القارة الإفريقية وتوسيع النظرة إلى هذه القضية توسيعا يتناول جميع نواحيها الحضارية والفكرية والروحية وغيرها، وبهذا نخرج بها عن النطاق التقليدي –المتمثل في النضال ضد الاستعمار العادي – إلى آفاق واسعة تشمل جميع أنواع الكفاح من أجل القيم العربية الخالدة ومن أجل المثل الحضارية الشرقية الرفيعة ومن أجل السلام الإفريقي المتحرر من الرقابة الأجنبية ومن المؤثرات المعنوية والمادية الدخيلة.
4) اعتبار قيمة الإمكانيات المعنوية التي تتوافر لنا في مجموع القارة الإفريقية واعتماد هذه الإمكانيات في تحقيق الرسالة السلمية التي يفرضها علينا مركزنا الدولي والإقليمي ومن بين هذه الإمكانيات:
أ – الروابط الجغرافية والسلالية والروحية التي تلحم وحدتنا العاطفية والمصلحية.
ب – الروح التحريرية الاستعمارية التي وحدت بين كفاحنا في الماضي وتوحده في المستقبل.
ج- الأهداف المشتركة التي تجمعننا على صعيد الكفاح من أجل النهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والانعتاق السياسي والتفوق الدولي.
إن الأمة العربية –في انطلاقتها الفكرية المعاصرة لم يعد يعوزها الإدراك الواعي لمثل هذه المسؤوليات الضخمة التي تنتظرها في جميع الميادين، لكن على هذا الوعي أن يخرج من النطاق الفكري المجرد ليتبلور في تخطيطات عملية منهجية يمكننا تطبيقها من الوقوف على أقدامنا في خضم المعركة الحضارية الكبرى التي يصطخب بها جو الحياة العالمية في عصرنا الحاضر.
فهل يمكن أن تكون اهتماماتنا الإفريقية الحالية مقدمة لانطلاقة شاملة تستهدف تصفية تخلفنا الدولي في الميدان الإفريقي وفي غيره من ميادين الصراع العالمي الحالي؟.
ذاك ما ننتظر.

1 ) كالنزاع الموجود بين الكونغو الفرنسي السابق والكونغو البلجيكي السابق حول من هو أحق بهذا الاسم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here