islamaumaroc

مسيرة الحق حالفها النصر والظفر

  عمر بنعباد

العدد 323 جمادى 2 1417/ نونبر 1996

في تاريخ كل بلد وشعب مسلم أيام مشهودة، وذكريات وطنية مجيدة، حافلة بالمعاني والعبر، ويبتهج بها، ويستحضرها في مناسباتها، ويرى فيها جانبا من تاريخه الإسلامي الحافل، وجهاده الوطني المتواصل، الهادف إلى الحفاظ على وجوده وشخصيته، وعزته وحريته، وكرامته وحضارته ويستخلص منها ما يشحذ هزمه، ويقوي إرادته، ليواصل مسيرته الحضارية، وبناء صرحه الشامخ من السؤدد والفخار، في خطوات موفقة نحو مدارج الرقي والكمال المنشود.
والمغرب بفضل عرشه المتأصل العريق، وشعبه المومن الأبي الوفي، يحفل في تاريخه المديد بكثير من الأيام المشهودة، والذكريات الوطنية الخالدة التي سجلها التاريخ في صفحاته المشرقة، ودونها بمداد الفخر والاعتزاز.
وإن من أجل تلك الأيام وأبرز تلك الذكريات التي يستحضرها المغرب في تاريخه الحديث المعاصر، ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء، وذكرى عيد الاستقلال المجيد.
فالمسيرة الخضراء التي انطلقت في السادس نونبر من سنة 1975 كونت تلك المسيرة السلمية المعجزة، المسيرة القرآنية الباهرة، التي أدهشت العالم، وأعطت مغربا جديدا، قويا متماسكا، ويرجع الفضل في إبداعها وتنظيمها إلى العبقرية الفذة لرائد الأمة المغربية، وقائدها الملهم جلالة الحسن الثاني، أدام الله نصره وتأييده.
لقد كانت المسيرة الخضراء حدثا بارزا متميزا في الربع الأخير من هذا القرن العشرين، جعل العالم كله ينظر إلى المغرب وعاهله المحنك نظرة تقدير وإعجاب، وكانت أسلوبا حضاريا فريدا ورائعا، برز به المغرب، وهدف من خلاله استكمال وحدته الترابية، واسترجاع أقاليمه الصحراوية المغتصبة، وصلة الرحم مع أبنائها الأصلاء، وسكانها البررة الأوفياء الذين ظلوا دائما وأبدا متمسكين بوطنيتهم المغربية الصادقة، ومتشبثين بوفائهم وبيعتهم لملوك الدولة العلوية الشريفة، كما كانت تلك المسيرة ترتكز على الواقع الجلي والحقيقة التاريخية الناصعة والوثائق المقنعة، والحجج المغربية الدامغة، وتستند إلى الشرعية الدولية المنصفة.
فقد كان القرار الحكيم لصاحب الجلالة بتنظيم المسيرة الخضراء، ومشاركة ثلاثمائة ألف وخمسين ألف مواطن ومواطنة إثر الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، وأبانت فيه عن الحقيقة الواضحة التي أفصحت عن وجود روابط قانونية قائمة على أساس البيعة الشرعية، وخضوع تلك الأقاليم الصحراوية لسلطة المغرب، ولملوك الدولة العلوية الشريفة، واعتبارهم من رعايا جلالة الملك، وأفرادا من شعبه الوفي النبيل.
وذلك ما جعل منها مسيرة سلمية ظافرة، استمد جوهرها وروحها، واستوحت أسلوبها ومنهجها من سيرة النبي المصطفى الأمين، ومن مبادئ وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي جاء بالسلم والمسالمة، ودعا أمته إلى دحض الباطل، ومناصرة الحق بالعقل والإقناع والحوار، ودفع العدوان بالمنطق والحجة والبرهان، ثم بالقوة والسنان إن اقتضى الحال، مصداقا لقول الله تعالى خطابا لنبيه وأمة الإسلام :"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين"، وقوله سبحانه :"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم".
وعلى ذلكم الأساس المتين، والمنظور السليم انطلقت المسيرة الخضراء نحو الصحراء، وتكللت في تنظيمها وانطلاقها وهدفها بالتوفيق والنجاح، وحالفها النصر والظفر، وتحقق بها استكمال الوحدة الترابية، واسترجاع الأقاليم الصحراوية المغربية، وصلة الرحم بين كافة المغاربة، وأبنائها الأوفياء المخلصين البررة.
وها هو المغرب والمغاربة قاطبة في أقصى شماله وصحرائه، وشرقه وغربه، احتفل هذه السنة (96) في اعتزاز وسرور، وصمود وابتهاج بالمسيرة الخضراء في ذكراها الواحدة والعشرين، وها هي تلك الأقاليم الصحراوية المغربية المسترجعة تشهد سنة بعد أخرى، ومنذ عودتها إلى الوطن المغرب – مشاريع تنموية عظيمة، ومنجزات اجتماعية ?
هائلة، وينعم فيها أبناءها بحياة آمنة مزدهرة، ورخاء واستقرار، وتقطع باستمرار أشواطا كبيرة وسريعة نحو المزيد من النماء والنهوض، والارتقاء والازدهار في كل مجال وميدان بفضل الرعاية الخاصة لمحررها جلالة الحسن الثاني، وتدعو أبنائها المغرر بهم إلى العودة إلى نضجهم ورشدهم وصوابهم، وإلى بلدهم ووطنهم العزيز، وتناديهم بلسان ملكهم العطوف السموح، بأن المغرب يفتح لهم صدره وقلبه، ويرحب بهم في عطف وتجاوز وتسامح كريم، وأن الوطن غفور رحيم.
وإلى جانب هذه الذكرى العظيمة الخالدة، عاش المغرب في هذا الشهر ذكرى وطنية أخرى جليلة، لها مكانتها البارزة هي عيد الاستقلال في ذكراه الواحدة والأربعين.
في الثامن عشر من شهر نونبر من كل سنة، ومنذ سنة 1955 يكون المغرب على موعد مع هذه الذكرى الوطنية المجيدة، ومع أحيائها وتخليدها في شمم وإباء وفي فرح وسرور واعتزاز وابتهاج.
ذلك أنها تنتقل بالمواطن المغربي إلى فترة وحقبة طويلة من الجهاد والكفاح الذي خاضه العرش العلوي، ومعه شعبه الوفي في مواجهة الاستعمار ومقاومته لنيل الحرية والاستقلال منذ تولي جلالة المغفور له محمد الخامس ملك المغرب، وولاه الله مقاليد أموره، ومنذ أن أخذ الوعي الوطني يستيقظ ويتنامى في أبناء المغرب، وقياداته الوطنية، وأحزابه المكافحة، وأخذ الحماس الديني والوطني يتقوى ويزداد مع مرور الأيام والشهور والأعوام، يذكيه، وينفخ فيه من إيمانه وحماسه، رائد التحرير والاستقلال جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه، ومعه بجانبه ولي عهده آنذاك وارث سره ورفيقه في الجهاد والتضحية والنضال جلالة الحسن الثاني حفظه الله.
وقد أخذ المستعمر من جراء ذلك يضايق محمدا الخامس وأسرته الملكية الشريفة، وكافة المواطنين المناضلين، ويصعد من معاكساتهم ومواجهتهم لمختلف الوسائل الضاغطة، والأساليب الماكرة المخيفة. ويحاول إطفاء شعلة ذلك الحماس النضالي الوطني، ويسعى لإخماد جذوته المتقدة، ويضع العراقيل والدسائس والمؤامرات والصعوبات تلو الأخرى، حتى ضاق ذرعا بمحمد الخامس وأسرته وشعبه، فأقدم على المساس بالعرش وملكه الذي هو رمز السيادة الوطنية، وضامن الوحدة واستقرار الأمة، ونفى محمدا الخامس وأسرته الملكية إلى مكان بعيد خارج المغرب العزيز في غشت 1953.
وذلك ما جعل المغرب والمغاربة قاطبة ينتفضون انتفاضة واحدة، ويثورون ثورة عارمة، ويقفون وقفة واحدة صامدة، فأعلنوها صيحة مدوية، وغضبة صارخة في وجه الاستعمار وجبروته ومساسه بالعرش الذي هو من مقدسات الأمة المغربية، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وقدموا أرواحهم في سبيل وطنهم، واسترخصوها فداء لملكهم ووفاء لعرشهم المجاهد، وانتقاما من المستعمر وتصرفه الماكر الطائش.
وما هي إلا سنتان من الجهاد والنضال المسلح ضد الاستعمار، كانتا تتويجا لمسيرة الكفاح المستميت الذي خاضه العرش العلوي والشعب المغربي يدا في يد، وفي تماسك وتلاحم منقطع النضير، حتى كلل الله ذلك بالظفر والانتصار، والفتح والاستبشار، فرجع محمد الخامس إلى أرض الوطن، وعاد متوجا ومكللا بتاج العز وإكليل الفتح المبين، حاملا إلى وطنه وشعبه الوفي الكريم، بشارة الحرية والاستقلال، وهو يحمد الله تعالى  ويلهج بشكره، ويتلو في ذلك قول الله تعالى : "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنا ربنا لغفور شكور"، ويردد ما جاء في الأثر :"ورجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" : جهاد التشييد والنماء، وبناء المغرب الحديث. على أسس متينة سليمة، وفي ظل ملكية دستورية.
وهكذا كان يوم سادس عشر من نونبر 1955 يوم العودة الميمونة المظفرة، وكان يوم 17 منه يوم انبعاث الأمة المغربية، ويوم ثامن عشر منه يوم الحرية والاستقلال، مما جعل منها أياما مجيدة، وذكريات خالدة، ومفخرة للعرش العلوي المجيد، وللشعب المغربي العزيز، يستحضرها ويحتفل بها كلما دارت السنة وحلت مناسباتها، وستظل نبراسا ساطعا، وعنوانا ورمزا بارزا لذلكم التلاحم المتين، والترابط المكين القائم بين القمة والقاعدة، واستمرارا لتلك المسيرات التنموية المتجددة، والهادفة إلى النهوض بالأمة المغربية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية وفي ظل رمز سيادة الأمة المغربية، وضامن وحدتها واستقرارها جلالة الحسن الثاني حفظه الله، وأعاد عليه أمثال هذه الذكريات الوطنية المجيدة بموفور الصحة والعافية، وبارك في عمره وأمد في حياته وحقق على يديه الخير للإسلام والمسلمين، إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here