islamaumaroc

ووجدك ضالا فهدى

  دعوة الحق

34 العدد

يقول الصوفية ليس المريد بمريد، إن لم يجد في القرآن كل ما يريد. وقال حكيم قديم «النعمة تاج يبصره من فقدها، وربما لا يشعر به من يرتع في بحبوحتها... ومن عرف حقيقة المنة، وعرف حقيقة نتائج فقدانها فذلك الحكيم الذي أوتي خيرا كثيرا».
إن لكل كائنة حسناتها وسيآتها وليس في دار الدنيا حسنة لا تصاحبها سيئة، ولا سيئة لا ترافقها حسنة، وإنما الحكم للغالب، وإلا فإن الذهب لا بد أن يختلط بأجزاء مجهولة القيمة أما الندرة فشذوذ عارض، ولقد كنا معشر المغاربة قبل مصيبة الحماية في نعمة الاستقلال والحرية، فكفرنا بأنعم الله، وبذرنا تبذيرا، ولم نشكر النعمة باتخاذ أسباب المحافظة عليها، فابتلينا ببلاء الاستعباد والتبعية، وباض وأفرخ، وكان غازيا خبيثا، لم يكتف باستعباد الأجساد، بل استعمر حتى الأفكار، ودس السم في العسل، أما عسله مظاهر الحضارة المحبوبة، وأما السم فاختلاق فرية أن الإسلام ينافي التقدم، وأن لا سبيل لحياة صحيحة مركزة إلا بعداوة كل ما هو إسلامي وعربي، وكان الاستعمار مسيطرا في أمة مغربية وديعة، كان من كفران الذين استكبروا فيها أنهم لم يعلموا جمهورها، ولم يحيطوا الحرية بسياج تتبع الثغرات التي تهاجم منها هذه الحرية، وبدلا من العمل للقضاء على الحزازات، والتقريب بين وجهات النظر المختلفة، وإفهام الشعب فهما كاملا بأن دينه ودنياه في خطر إن لم يقم دعائمه الاجتماعية ويصن حريته واستقلاله بدلا من هذا كله تركت السيادة للأنانية الجامحة، وما خدم الاستعمار شيء كما خدمته الإقطاعية التي شعرت بحاجتها إلى الإسناد الجهنمي، وإلا فإن الشعوب ألهمها الذي ألهمها فجورها وتقواها أن تكره التفاوت العظيم بين الطبقات، وألقت الفطرة في روعها الإشرئباب إلى العدل والمساواة والحرية فإذا بالنتائج المفجعة تتوافر والنكبات تترى، وإذا بأمم تطورت مع الزمان، تضع يدها على المغربي الحيران المضطهد، حيران، لأنه لم يهتد إلى العلاج، مضطهد، دون أن يضطهده إلا جهله وفساد الفلسفة التي كان يبني عليها نظرياته في الأخذ بالعزلة، وغلق الباب في وجه الصحافة والأقوال الحرة، وأقبل ليل البلاد في ظلمات ثلاث: الجهل والفقر والاستعباد. وكان وجود الليل بشيرا بانفلاق الفجر، كما أن الزوبعة العاصفة مبشرة بالجو الصحو والبحر الرهو، لأن الأشياء كامنة في أضدادها –كما يقول الصوفية-. ويقول الفلاح المغربي (إن الشتاء يولد في السمائم، وأن الصيف يولد في الليالي) وقياسا على هذه النظرية، فإن الحرية نبتت مع الاستعمار فإنه كان صفعة هائلة تنبه منها الغافلون وجاءت الحرب العالمية الأولى (1914/1918) فهدمت أسوار العزلة، وركب الجندي المغربي السيارة والباخرة والقطار، وقاتل في كل مكان، وأسر منه من أسر، فإذا بالجيش المغربي يعود ويحكي مغامراته في البر الكبير وبلاد الفرنجة، وإذا بفريق تعلموا اللغات الحية، وإذا بالأوروبيين يشعرون بالحاجة إلى توسيع نطاق اللغة العربية، فأخذت الأفكار تتنبه وطفق المغاربة يتحللون من عزلتهم. ولرغبتهم في معرفة شؤون العالم صاروا يلتهمون قراءة كل ما وصل إلى يدهم من مؤلفات ونشرات، فإذا هم في عالم حقيقي لا خيالي، وإذا بهم يتنازلون عن كثير من آرائهم، كما تتناثر أوراق الشجر في فصل الخريف، استعدادا للاكتساء بحلة ربيعية جديدة، وقارنوا بين وضعيتهم ووضعيات الأمم المتقدمة، فقرروا في واعياتهم الخفية أن يسيروا بالمغرب إلى حياة منسجمة مع الواقع الحضاري، ولم يكن لهم موجه يوجههم.
وأحسن ما فعلوه أنهم لم يقفوا مترددين، بل تحركوا بعد ركود وأخذوا في المسير لا إلى جهة معينة وإنما لغاية معينة هي حياة محترمة في إطار محترم: واختلفت تعابيرهم  فمن داع إلى الرجوع إلى سلفية الإسلام ومن صارخ بتطبيق الشريعة على طريقة فهم المالكية، ومن داع إلى التخلص من ربقة الدين بالجملة، ومن مستحسن للنصرانية، واختلفت التعابير والقصد واحد وهو النهوض والترقي بالمغرب وما كان اختلافهم إلا كاختلاف أصحاب التعاريف في تعريفاتهم فبعضهم يرسمه رسما ناقصا، وبعضهم يحده حدا غير مطرد ولا منعكس، ومن مجموع التعاريف ستتخلص حقيقة المعرف، ومن جملة الأفكار تتكون الفكرة، حيث أن هنالك نقطة التقاء هي القدر المشترك.
وفي هذا الظلام من الحيرة والارتباك، برقت بارقة الوطنية المباركة، ثم أخذت تتألق نجما ساطعا في عبارة موجزة، وهي التحرر من سيطرة الاستعمار، فمعه لا يمكن أي نهوض ولا أي تقدم، وبهذا تحدد المثل الأعلى ولكنه مثل أعلى يمكن الحصول عليه، ومن شأن الشيء إذا وقع عليه الحصول أن يفقد قوته كالسيارة تقف في سيرها وكالكهرباء يسيطر عليها وكالمحبوبة تصبح زوجة، وكالطفل يصير رجلا، فقد تأدت الغاية ونفذت قوة المثل الأعلى، لكن الإسلام نقل المثل العليا من الدنيا ووضعها في الآخرة، وجعل المثل الدنيوية وسائل إلى غاية لا تدرك ما دام الإنسان على قيد الحياة، وعليه إن يظل عاملا دائبا إلى أن يلفظ نفسه الأخير، وما دام المثل الأعلى يطير بأجنحة من ذهب في عالم الأحلام فهو طاقة جبارة، حتى إذا وضع في قفص الإمكان شأن أسد البادية يسجن في القفص، صار هملا وذكرا من الذكريات، فمن الحق أن ترتفع الفلسفة المنطقية بالمثل الأعلى إلى الحد الذي يستهلك العمر كاملا، خشية نفاذ الطاقة قبل نفاذ العمر، وهذا يوجب أن نكون مسلمين لنومن بالحياة الآخرة التي يسمو فيها من يتوسلون بجلائل الأعمال في خدمة المجتمع البشري إلى أن يتم قصد من مقاصد الإسلام في أن نصطبغ بفكرة أخوة بشرية لا شائبة فيها للطبقية ولا للعنصرية، وإن أفضلنا وأكرمنا على الله هو أكثرنا استقامة وتمشيا مع قوانين الأخوة في أخلاق متينة وحياة مبسطة مركزة لا حقد فيها ولا حسد.
وإن أردنا أن ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس، فعلينا أن نبدأ العمل من النقطة التي نشغلها، دون أن نتقهقر إلى الوراء، فإن الله لما أراد بالناس خيرا، بعث في العرب رسولا منهم يفكر تفكيرهم وينطق لغتهم، وما كانت لغة علم ولا حضارة، ورغم ذلك فبها كانت قيادة العالم بما فيه من مفكرين وفلاسفة ومهندسين، ولم يحتج سيدنا محمد (ص) في دعوته الإسلامية الهائلة القادرة على احتضان البشرية في رفق وطمأنينة إلى الانسلاخ عن قوميته ولغته وعقيدته، بل أرسلها فطرية نقية في إطار لا أثر للتصنع فيه، وإنما أخذتنا الحيرة –معشر المغاربة- بعد اندحار السيطرة الأجنبية البغيضة، لأن تفكيرنا في العمل الإيجابي لم يبلغ درجة النضوج، فإن التفكير الصحيح لا يوحي مطلقا بالتنكر للغة من اللغات ولا لدين من الأديان، فأحرى به أن لا يتنكر للإسلام والعروبة، ولكن بقية غشاوة الاستعمار أخفت المعالم الواضحة في ضباب كثيف، لم يطل أمرها حتى سطعت الشمس واتضحت المسالك، وهذه الغشاوة ناتجة عن مذهب الاستعمار الذي تسيره عقول متحضرة، في نفوس جشعة جشع وحوش الغاب، لأن الحضارة في الأمم، شأنها شأن الدباغ في الجلد الخشن يسري فيه شيئا فشيئا، ولن يصل الدباغ إلى جميع أجزاء الجلد، دون بقية من الشيء إلا في أيام وعصور طويلة، وهؤلاء المستعمرون في حضارتهم كالجلد الغير كامل الدبغ، فأعمالهم في التشييد والبناء من باب الحضارة، وإمعانهم في العنصرية واستعباد الضعاف بقية إنسان الغاب، وإذن فالحضارة خير لا شر فيها، وما يظهر فيها من شر فإنه من بقية الهمجية المتسترة خلف البدلة ووراء اللغة والفكرة، ويكفي الاستعمار بداوة سوء نيته في التوجيه، حيث أطبق المستعمرون على سلب الشباب شحنة طاقة الإيمان، فأفقدوه وطنيته وحرموه الحماس لدينه، وعوضوه عن المثل العليا القمينة به، أفكارا لا صلة بينها وبين تاريخه، ونوموه تنويما مغنطسيا لقنوه أثناءه احتقار قومه وقوميته، ففزع لذلك عقله الباطن فزع المنوم المسحور، وانقادت جوارحه لأنه لا يملك قبيلا ولا  دبيرا، وعاش في ألم نفسي، وفقد راحة الضمير، فليس بقادر على أن يعود إلى جوه الصالح له من الاعتزاز بمقوماته والتمسك بآرائه تمسك البخيل بماله، وليس بقادر على أن يتحلل من الخزعبلات التي لقنها إياه أساتذته الاستعماريون فحاول أن يهرب من هذا الألم الذي وضعه في صف الموسوسين، وود إن لو كان في هناء ضمير رجل الشارع، حين يتوسل بالصالحين، ويلتجئ إلى المشعوذين، وهو مع ذلك راض مطمئن، لكن تناقض أفكاره، ووسوسة ما تلقفه من جو الاستعمار تملكه تملكا تاما، فلا عجب أن يقبل على الخمر والميسر ومطاردة الفتيات، لأنها مقوماته المادية، ومغريات الإباحية، وإنما يتجرع هذه الغصص لأنه لا يملك قوة تعود به إلى أحضان وطنه وقوميته، وإذا كان مجلس جدل في الدين أو الاجتماع أقبل على الموضوع إقبالا جنونيا، وبينما تأخذ أنت وآخذ أنا الموضوع في شيء من قلة الاكتراث إذا به يدخل فيه دخول المتخوف الراجي للأمن، والظالم المؤمل المعفو، والضال الراجي للهداية، فما أحراك بالعطف والحنان يا شباب المغرب في هذه الفترة العصيبة، فلقد كان شبابنا المتفرنج في أيام الاستعباد ناسيا لنفسه، منغمسا في حمأته يخفيه ستار السيطرة الزمنية، أما وقد جاء الاستقلال، وأشرقت شمس الحقيقة، وغدونا نسير على الجادة، فقد تبدلت الأرض –في نظر الغرباء بين قومهم- غير الأرض، ومن أسهل اليسير أن نقول له: أن العلاج سهل قريب وهو أن تؤمن بمغربيتك، وتعتز بعروبتك، وتعود إلى إسلامك، في نفس حماس رجل الشارع، وعقلية الرجل المهذب العالم بأن الحياة لن تستقر بدون مثل عليا، منسجمة مع واقع الحياة العامة، غير متناقضة للوضعية الاجتماعية الخاصة، هذا سهل لمن كان خالي القلب، غير متسمم بآثار الأفكار الاستعمارية، أما الذي امتلأ دماغه حتى لم يبق فيه متسع فإن تنقية قلبه من الشكوك أمر في غاية الصعوبة، ولطالما علم إخواني رأيي في الشعوب المتوحشة وبعدهم عن الحضارة، فقد حدثتهم أن هنالك فرقا عظيما بين حياة التوحش والبشرية البدائية، فإن الإنسان البدائي ورقة بيضاء قابلة لأن يكتب فيها كل خير إذا وجدت التوجيه النزيه الرشيد، أما الوحشية، فلها قوانينها، ولها خرافاتها، ولها سحرها وشعوذتها، ومن العسير كسر الأباطيل والأوهام لبناء المثل العليا الصالحة، ولهذا فإن الفكر الإسلامي في مجموعه مرن سهل، لأن مثله العليا مركزة متشعبة في كل منحى من مناحي الحياة، فإنه ما كاد المسلمون يسمعون صيحة الإصلاحيين حتى استجابوا وساروا في طريق الهداية.
إنه ليس من الحق في شيء أن نزيد شبابنا عقدا نفسية على عقده، والنفوس البشرية لا تعالج بالعنف، وقد قال الله سبحانه مخاطبا لرسوله (ص) (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فكفى من رمي الشباب بالكفر والإلحاد، فإنه في ألم نفسي لا يبالي بعد أن ينتصر للكفر ضد الإيمان، وللإلحاد دون الاعتقاد الصحيح، كالمريض الآيس من العلاج يعمد إلى الانتحار ولنرفق بالشباب فلا نأمره ولا ننهاه، ولنتقدم لبناء مجتمع مغربي على أسسه التي بها قيام كيانه، فلنكن عربا مسلمين في غير تردد ولا هوادة، ولنتق الجدل مع أبنائنا، فإنهم إن رأونا عاملين في بناء متماسك على أسس عتيدة فإنهم يقبلون، وهذا وحده هو الذي ينعش مثلهم العليا، وينقي من ضمائرهم رواسب الاستعمار الفكري، ولكن قلما وجدنا أبطالا صرحاء نادوا بالحق في غير مواربة، على أننا بحمد الله وجدنا بالمغرب بقية رزقها الله سبحانه قوة المناعة، فلم تتلوث بأوبئة الاستعمار، وإن كانت تعيش في جسمها، وقواها القوى المعين حتى أكلت كرياتها النافعة كل ما خالطها من جراثيم الطواعين، فتحولت إلى غذاء ينفع ولا يضر، قوم أسلم شيطانهم فلا يأمرهم إلا بخير، وكلنا نتذكر الانهيار النفساني الذي كان شائعا في الأيام الأولى للاستقلال، والحيرة الفكرية التي كانت منتشرة بين الشبان، حتى كانت بعض الأندية تتبرأ من العروبة والعربية، تجاهر الإسلام بالعداء، إلى الحد الذي أخر انضمام المغرب للانخراط الرسمي في جامعتنا العربية.. وما هو إلا أن تعين في سفارة القاهرة الأستاذ الطريس، الذي كان تعيينه في منصبه إحدى كرامات مولانا محمد الخامس، حتى أخذ المغرب ينقه من داء مركب الشعور بالنقص، ثم انضم المغرب للجامعة العربية فكان انضمام لها أمنية حقيقية للمغرب الحقيقي، ورضي عن هذه الخطوة كل مغربي ومغربية، لأن الجميع يعتقد أن الوجود الدولي للمغرب محتاج إلى إسناد حقيقي ولا يرتكز على العلاقات المادية وحدها، فإذا بالمغرب يجد هذا السند في العالم العربي الذي ينتمي إليه المغرب سدى ولحمة، وكان تعاضد المغرب مع إخوانه أقطار العروبة من خيرة العوامل في قدرته على مجابهة مشاكل سياسية داخلية وخارجية ما كان يستطيع أن يتغلب عليها لولا قوة التآزر الأخوي، وكان المغرب بدوره قوة ضخمة في بناء الجامعة العربية، وهكذا يكون التآزر، ينتفع منه المتآزرون كلهم في نسبة واحدة.
لعل بعض القراء يحسب جعلنا للأستاذ الطريس في صف الأبطال، بمجرد تحمسه لقضية ضم المغرب للجامعة العربية، من باب التراشق بالزهور، والعذر بين لمن تخيل ذلك، لكن الأمر أكبر من هذا الاعتبار، فإن وقوف رجل من رجال الدولة في قضية ما موقفا صارما لابد أن يكون معتمدا على يقين من رضى الجانب الذي يمثله،وهذا صحيح مآلا،ولكنه في حق الطريس غيرمنطبق،فقد وجد عدة دوائر تكره إثارة هذا الموضوع وتود أن لا تمسه بنفي ولا بإثبات، فأطلقها مدوية، وكانت جرأة نادرة في باب الإصلاح السياسي والاجتماعي، ولن يقدر على ذلك إلى بطل من أبطال الكفاح الوطني، وهكذا قيض لهذا البطل أن تكلل دعوته بالنجاح، شأنه في ذلك شأنه في القضايا الوطنية التي امتلأ بها تاريخه النقي الوطني، فإذا بالمغرب كله يسنده ويؤيده، وإذا به يستحق بذلك من مليكه وشعبه كل وجوه التقدير والإجلال، وبموقف الطريس ومداخلته للساسة من المغاربة والعرب تخلص المغرب من موقف الحيرة، وسار في طريقه التاريخي، المتناسق مع أمجاده في الماضي وآماله في المستقبل، ولنا بطل آخر، هو الأستاذ بوستة وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري: فقد وقف موقفا عظيما في إرجاع المغرب إلى شخصيته الحقيقية، حيث شن حملة شعواء في سبيل تعريب الإدارة بصفة عملية منتجة، فكان تصريحه الأول في هذا الميدان قبسا من نور إلهي أضاء جانبا من ظلمة الحيرة التي يخبط فيها المغرب وهي عملية هدم وبناء في آن واحد، عملية هدم، لأنها ستطرد السيطرة الدخيلة من الإدارة بما فيها من دسائس وجرح للكرامة الوطنية، وعملية بناء، لما اشتملت عليه من مسطرة اللغة العربية في ربع عظيم عزيز من ربوعها، فإذا مجدنا أبطالنا كان علينا أن نجعل في صفهم الطريس وبوستة.
ولعل أحسن ما استفدناه –نحن مغاربة شمال المغرب – من الاحتكاك بالإسبانيين، إننا تأكدنا من وطنيتنا، وعرفنا آفة الدعوة الانفصالية: فلقد شاهدناهم يبذلون في سبيل وطنيتهم كل مرتخص وغالي، ففكرنا وعلمنا أن القوم على صواب، فازداد حماسنا الوطني، ورأيناهم يشرحون آفات الانفصال، حيث كانت الدعوة الانفصالية تهدد بعض الجهات الإسبانية، ففكرنا فوجدنا القوم على حق وازددنا تمسكا بالوحدة القومية، مهما كلفت هذه الوحدة من ثمن حتى إذا من الله على المغرب بنعمة الاستقلال، كانت وطنية الشمال وطنية ناضجة تمقت الانفصال إلى درجة أنها تنكره ولا تكاد تعرفه، وكانت الوطنية المخلصة تعم المغرب بالجملة، فلما جاء الاستقلال سترت لألاة الكراسي العيون عن رؤية نور الوطنية: وعلينا أن نعود إلى الوطنية كلنا سواء منا أصحاب المناصب الكبرى وغيرهم، وأن نجعلها وطنية عملية فعالة، مثل ما سيصبح التعريب والعروبة عنصرين عامين يؤديان وظيفهما في الجهاز الحيوي للمغرب فنصبح: عربا، مغاربة، لا بالقول فقط، ولكن بالفعل أيضا أما ثالثة أثافي القومية وأعزها وأكرمها وأمتنها فهي الدين.
إن الفترة الاستعمارية أفسدت علينا كل شيء حتى شؤون ديننا، ولنبدأ في الدين من أسسه الأولى، وأحسب أن علينا في نهضتنا الدينية إلى جنب نهضتنا العربية والوطنية، أن تشن غارة شاملة لتركيز قواعد الإسلام الخمس عن طريقة استعمال الطرائق الحديثة، والتخاطب إلى العقلية الجديدة المتكيفة بما ساد في عصر انفلاق الذرة، وغزو الفضاء، ولقد شاهدنا الإسلام في بنائه الأول، فإذا حياة الكفاح المرير في سبيل تطهير الفكر العربي من الأوثان والأزلام وانكسار البعث من فترة الإسلام المكي، أما تحريم الخمر فإنه إحدى عمليات الكمال، فأنه لم يشرع تحريمها إلا بعد فترة استقرار الإسلام في المدينة، وقد مات قوم مجاهدين وهي في بطونهم، فعلى الوعاظ أن لا يركزوا وعظهم في ذم الخمر، فإن تحريمها يحتاج إلى صدور ممتلئة بالإيمان، فليكن عملنا الأساسي في الوعظ والدعوة للسنة هو العمل على إنعاش المعتقدات وتقويتها، وأيما امرئ قوي إيمانه فإنه ينزع عن شربها في أول ما يعمل.
إن الدعوة الإسلامية يجب أن تقوم أولا على التقشف والتقلل من الدنيا، وعلى العمل المنتج، ومعنى هذا أن كل واحد منا عليه أن ينتج مائة، وأن لا يستهلك أكثر من عشرة، وإذا كان إنتاجنا أكبر من استهلاكنا فقد أصبنا هدفا من أهداف الإسلام، فهو عمل كثير لفائدة المجموع، وقناعة الفرد بما لا يزيد عن الحاجة، وإلى جنب دعوة الدعاة يلزم أن يتعلموا مبادئ العلاج، ليعالجوا المرضى، وأن يعرفوا العلوم ليعلموا الجاهلين، وأن يصلحوا بين الناس، وأن يؤسسوا جمعيات للخير، ومشاريع للتعاون، وعليهم أن يكونوا رياضيين جغرافيين ليتدبروا آيات الله، وأن يسيروا في الأرض سائحين ليروا أمما أشد منا قوة، فإذا كانت الدعوة بهذه الدرجة، فإن المعاصي سوف تقل جدا، والمشاكل الاجتماعية ستخف إلى حد بعيد، وتصبح الجرائم شيئا غريبا قلما يقع، وعلينا أن نفهم جيدا أننا إذا أردنا أن تكون السيارة مثلا تؤدي وظيفتها أتم الأداء، صحيحة الأجزاء، سليمة التركيب، سواء في ذلك أجزاؤها الظاهرة أو الباطنة، أما أن نريد أن نستعمل آلة عطبة في استخدام أغراضنا، فلنكن واثقين من أننا سنلقى تعبا عظيما، فقبل الاستعمال يجب التعهد، ولن يستجيب المسلمون لما يخاطبهم به خطباؤهم من بيان شعب الإيمان، إلا إذا استطاعوا أن يحيوا في القلوب نور الإيمان، وعندئذ تكفي الإشارة الخفيفة، والإلماعة  العابرة، ولعل البعض منا حين يقرأ في كتب الوعظ أن رجالا ماتوا وآخرين غشي عليهم، وطائفة تابت إلى الله التوبة النصوح بمجرد سماع آية أو حديث أو موعظة حسنة، لعل أولئك البعض يكادون لا يصدقون بهذا الواقع، وعليهم لكي يعرفوا السر في ذلك أن يتذكروا أن النفوس التي انقادت ورجعت إلى الله بسهولة، لم يحصل ذلك منها إلا بعد مران طويل، بوسائل متعددة مختلفة، حتى صاروا لا يحتاجون في تجريب هممهم إلا إلى شرارة  مهما كانت ضئيلة من الإرجاء بالموعظة والذكرى، وهذا يفسر لنا شدة إقبال الناس على الخمر والفسوق وبقية المعاصي، في نفس الوقت الذي يكثر فيه الوعظ والإرشاد، فقلما جلسنا مجلسا إلا وسمعنا فيه التنديد بتزايد انتشار الفسوق، فالناصحون الأذكياء عليهم أن يفسدوا الآلة التي تنتج الشرور والفسوق، وهذه الآلة هي المادية وقلة تعهد الإيمان بزيت الإيقان ودهن التقشف والورع، بصفة تتناول رجال الحكم قبل أفراد الشعب، ولتعلم الحكومات أن الأمن العام، واستقرار الأوضاع لا يتم لهما أمر في شعب كله متبلبل الأفكار، نسي الآخرة وأغفل المثل العليا في الرحمة والشفقة والأخوة والعمل الإيجابي لرفع الآلام عمن لا يقدر على دفعها، فيجب أن يكون الطب والدواء مجانين للجميع، ويجب أن نحارب العطلة ووجوه الخصاصة، ويجب أن نبحث عن عمل منتج تشتغل به الأمة جمعاء فيدر عليها الأرباح وتأتيها الرفاهية، وإذا لم يكن من رفاه فلا أقل من تقريب جدي بين مختلف طبقات الأمة حتى لا يبقى فيها جائع ولا عريان ولا جاهل ولا مريض، وليست هذه المهمة مهمة الحكومة وحدها، بل إنها مهمة جميع الناس، فكل واحد منا يخصص جزءا من قوته للمعوزين، وجزءا من وقته لخدمة العاجزين، وبيتا من منزله لإيواء من لا مأوى لهم، وعلى الحكومة أن تحدد وجوه الترف للأغنياء، فلهم أموالهم، ولكن ليس لهم أن يتظاهروا بالترف الكبير في الملبس والمطعم والمسكن، فإن كل وجه من وجوه التفاوت البعيد بين طبقات الأمة يخلق العقد النفسية الصعبة العلاج في نفوس الفقراء والمحتاجين.
إن الذين يعالجون المشاكل الاقتصادية عليهم أن يدرجوا في الحساب الاعتماد في جانب عظيم من أعمالهم على نفسانيين يعالجون العقد النفسية بترضيتها من جانب وبإزالة الأسباب الرئيسية التي تخلفت عنه من جانب آخر، فإذا شفي استعب  من أمراضه البدنية والفكرية، فإذ ذاك تنفع الموعظة، وإذ ذاك نجد أمة تصيخ لأقوالنا، لأنها اقتنعت بأن واعظيها يقصدون توجيهها توجيها صالحا دون أن يكون قصدهم إظهار مخازيها وعيوبها، ودون أن يكون الواعظ قصده أن يتجمل بالقول الحسن ليثبت براءته من العيوب.
لست أدري كيف ذهب بي القلم هذا المذهب ولكنني اعتدت أن أسلس له قيادي، فيتصل بقلبي ولهما أن يتناجيا في نجوة مني، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here