islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -9-

  دعوة الحق

34 العدد

غرائز الحيوان ودلائلها على فاطر السموات والأرض
قال المؤلف كريسي مورسن: إن تطور الإنسان قد بلغ في التقدم مرتبة عالية من الوجهة الطبيعية، ويظهر أنه لم يبق هنالك أمل في تطور جديد بالنسبة إلى تكون جسم الإنسان. أما تقدمه من الوجهة الصحية فمؤمل بسبب تحسن الغذاء وعجائب الطب والجراحة التي لا تزال في اطراد مستمر، وذلك يقتضي زيادة تحسن في عقله وتفكيره، وهناك – أمل على الأقل في أن يزداد الإنسان قوة في الذهن ليعرف نفسه ويعبر عما أودعه الله فيه من حكم وأسرار، وبذلك يرتقي الإنسان ويتقدم في الكمال من الوجهتين المادية والعقلية من حيث الفرد ومن حيث الجنس – إن المدنية والأخلاق تسيران تارة إلى الأمام، وتارة إلى الوراء، إلا أن هناك دائما ربحا في الجملة وتطورا ملحوظا في تقدم الإنسان، ولكن عليه أن يسير إلى الأمام مسافات أبعد، ومن حسن الحظ أنه لا يظهر أن هناك حدا لإمكان تطور جديد وتحسن في دماغ الإنسان بمرور الزمن الذي هو المؤثر الأساسي.
لقد وهب الله الطير غريزة الاهتداء إلى الرجوع إلى أوكارها، فالعصفور المعروف بالربين الذي يعشش في أبواب بيوتنا، يذهب عند انقضاء فصل الخريف إلى البلدان الجنوبية فرارا من البرد وطلبا للدفء، ولكنه يرجع في زمان الربيع إلى عشه القديم، وفي شهر أيلول – شتنبر- نرى أسراب الطير معظمها تطير إلى الجنوب، وأحيانا كثيرة تطير فوق البحر مسافة ألف ميل ولا تضل طريقها أبدا، والحمام الزاجل إذا حمل في قفص إلى مكان بعيد قد يتحير أحيانا بكثرة الأصوات الطارئة عليه في سفره البعيد، ولكنه يحوم هنيهة ثم يأخذ طريقه مستقيما تقريبا حتى يعود إلى وطنه، والنحلة لا تضل في عودتها إلى خليتها، ولا يصدها عن ذلك هبوب الرياح العواصف التي تحرك الأشجار وسائر النبات وتطمس أعلام طريقها، أما الإنسان فحاسة الاهتداء إلى العودة إلى وطنه ضعيفة فيه، ولكن الله وهبه عقلا استطاع به أن يصنع آلات الملاحة التي يهتدي بها في ظلمات البحر والجو فكان ذلك عوضا له عما فقده من تلك الغريزة التي منحها غيره، والحشرات الصغيرة لا بد أن تكون لها عيون، مكروسكوبية أي مجهرية، ولكن إلى أي حد تبلغ هذه العيون في كمال الأبصار؟ لا ندري، والنسور والبزاة لا بد أن تكون لها عيون مجهرية أيضا لم يهبها الله الإنسان.
وفي هذا أيضا فاق الإنسان الحيوان بأدواته الميكانيكية، فبتلسكوبه يستطيع أن يبصر سديما بلغ في الدقة إلى حد أن البصر يحتاج إلى أن يضاعف مليونين من المرات ليقدر على رؤيته، والإنسان بمكروسكوبه يستطيع أن يرى مكروبا لا يرى بالبصر المجرد، ويرى زيادة على ذلك مخلوقات صغيرة جدا سلطت على تلك المكروبات تعضها.
ولو تركت الفرس وحدها فإنها تسير في الطريق في أشد الليالي ظلمة، وتستطيع أن ترى ولو في شيء من الإبهام اختلاف درجات الحرارة في الطريق وجانبيه بعينين متأثرتين تأثرا خفيفا بالأشعة تحت الحمراء التي في الطريق، والبومة تستطيع أن ترى الفأرة الجميلة في نظرها حارة الجسم تجري على العشب البارد في أشد الليالي ظلمة، ونحن نقلب الليل نهارا بإحداث إشعاع في تلك المجموعة التي نسميها بالضوء.
وهل تعلم أن إنسان عينك يلقي صورة على الشبكية، وحينئذ تعمل العضلات عملها فترتب الإنسان بطريقة آلية وتوجهه إلى بؤرة متقنة الوضع، وتتألف الشبكية من تسع طبقات ينفصل بعضها عن بعض، ومجموعها لا يزيد في الغلظ على قرطاس رقيق جدا، والطبقة الأخيرة من الداخل تتألف من مادة تشبه الشعر أو الخيوط الرقيقة بعضها مخروطي الشكل، وعددها يبلغ ثلاثين مليونا من الخيوط غير المخروطية وثلاثة ملايين من المخروطية، وكلها قد ألفت ونظمت على غاية التناسب والتناسق والكمال بعضها مع بعض وكلها مع إنسان العين، ولكن كلها قد ولت ظهورها إلى إنسان العين وتوجهت إلى الداخل لا إلى الخارج، ولو استطعت أن تنظر من خلال الإنسان لرأيت عدوك مقلوبا أسفله أعلاه ويمينه شماله وذلك أمر يوقعك في ارتباك إذا حاولت أن تدافع من نفسك.
وقد علم الله ما كان سيحدث لو لم يجعل تلك الأجزاء التي تتألف منها العين على ذلك الترتيب الخاص قبل أن تبصر العين بالفعل، ولذلك رتب الله سبحانه الأبصار بواسطة ملايين الأعصاب الدقيقة التي تشبه الخيوط وهي متصلة بالدماغ وهو نظام تتحير العقول في إتقانه وأحكامه، وقد رفع إدراكنا بواسطة ذلك من الحرارة إلى الضوء، ولذلك صارت العين شديدة الإحساس باللون، ونحن لذلك نرى صورة ملونة، للدنيا من الجانب الأيمن إلى الأعلى، وهو ترتيب بصري في غاية الأحكام والاحتياط، وطبقات إنسان العين التي تسمى بالعدسات تختلف في الكثافة.
وبذلك تجلب الأشعة إلى البؤرة، ولا يستطيع الإنسان أن يجد مثل ذلك في جنس واحد كالزجاج مثلا، وكل هذا النظام العجيب في العدسات من الخيوط غير المخروطية والمخروطية والأعصاب وغير ذلك، لا بد أنها وجدت في وقت واحد، إذ قبل وجود كل واحد منها على الترتيب المذكور يكون الإبصار مستحيلا، فكيف استطاع كل عامل متحتم الوجود من تلك العوامل العديدة أن يعرف ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، وما يحتاج إليه ليتفق مع العوامل الأخرى في العمل المشترك وينظم كل واحد نفسه مع شركائه ليتم العمل المطلوب وهو الإبصار.
وهنا استأذن القارئ في التعليق على ما تقدمت ترجمته فأقول: لعل هؤلاء السفهاء الذين يجحدون تصرف الله في ملكه وينسبون كل ما رأوا من عجائب صنعه إلى الطبيعة العمياء الصماء البكماء التي لا وجود لها إلا في مخيلاتهم يظنون أن خلق الحيوان ناطقه وصامته أنما هو مثل صنع لعبة أو دمية تصنع فتجيئها الحياة بعجائبها ودقائقها من سمع وبصر وتفكير ودورة دموية وتنفس وهضم إلى غير ذلك بلا علم ولا تقدير ولا تدبير؟
وقد أهاب الله بهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون فقال جل من قائل في سورة الحج: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) وقال تعالى في سورة الحج أيضا: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) هذه الآية تنطبق انطباقا تاما على مطايا الاستعمار الروحي المادي، فإنهم يجادلون بغير علم وإذا سئلوا عن الدليل أحالوا السائل على مسيو فلان ومستر فلان من أسماء سادتهم المستعمرين وزعموا كذبا وبهتانا أن أئمة الاستعمارين الروحي والمادي تركوا الإيمان بالله فبلغوا ما بلغوا من الرقي فيجب علينا أن نترك الإيمان بالله لنصل إلى ما وصلوا إليه وفي كلامهم هذا من الخداع والبهتان ما لا يخفى على عاقل –أولا أن أئمة الاستعمار لهم دينهم وعقيدتهم ولنا ديننا وعقيدتنا، فلو فرضنا أنهم تركوا دينهم ونجحوا بتركه فلا يلزم من ذلك أننا نحن أيضا ننجح بترك ديننا، ثانيا أنهم كذبوا في زعمهم أن أئمة الاستعمار تركوا دينهم، فهذه كنائسهم وإرسالياتهم ودعاتهم قد ملأوا بلادنا الإفريقية وملأوا البلاد الأسيوية وسائر القارات، وهم ينفقون على ذلك أموالا طائلة عزيزة عليهم يحبونها أكثر من  أنفسهم فلماذا يفعلون ذلك إذا تركوا دينهم، ويفعلونه في بلادنا بعدما فعلوه على أكمل وجه في بلادهم، وهذه الضاحية التي أسكن فيها من ضواحي مكناس تسمى المنزه فيها كنيسة يدير شؤونها قسيس وهي مجهزة أحسن تجهيز قائمة بواجباتها، ولا يوجد في هذه الضاحية مسجد أصلا مع أن عدد المسلمين من سكانها أكثر من عدد النصارى، وهم يشتكون لبقائهم بلا مسجد، ونحن نهيئ عريضة نوجهها إلى وزارة الأوقاف المحترمة لعلها تتلافى هذا التفريط الشائن وتبني لنا مسجدا يرفع ويذكر فيه اسم الله. ولولا كراهية الخروج عن الموضوع والإسهاب في الاستطراد لذكرت من شواهد عناية الشعوب الأوربية المفصلة بدينها ما يمسخ الله به كل مطية من مطايا الاستعمار قردا أو خنزيرا. ولقد صدق الله العظيم فإنهم يجادلون في الله بغير علم ويتبعون كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، هذا بعد عذاب الدنيا كما قال تعالى في سورة الرعد: (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق)، ومن عذاب الحياة الدنيا الاستعمار الذي أذاقنا ولا يزال يذيقنا الأمرين بسبب تركنا الإسلام لا بسبب التمسك به كما تزعم مطايا الاستعمار، ولله الحجة البالغة ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here