islamaumaroc

مصانع الرجال

  دعوة الحق

34 العدد

حديث اليوم عنوانه «مصانع الرجال» وهو عنوان قد يبدو غريبا بعض الغرابة، ذلك أننا اعتدنا أن نقرن الصناعة بالمادة، فهناك مصانع نعرفها جميعا تتناول المادة الخام فتصقلها وتحولها صناعة أو مادة مصنوعة، وكلنا يعرف أن المعدن الأصلي يستحيل مادة مصنوعة تتأثر بأصلها من جهة وتتأثر بيد الصانع من جهة أخرى. والحديث عن صناعة الرجال حديث قديم جديد، صناعة الرجال أو صناعة الإنسان أو المواطن رجلا أو امرأة، صناعة تختلف بعض الشيء بل قد تختلف كل الشيء عن صناعة الأشياء. هذه الصناعة سأحاول أن أحدثكم عنها الليلة، لا حديث الكتب فذلك أمره معروف لكثير منا، وإنما سأحاول أن أحدثكم حديث التجربة، التجربة الواقعية، ثم سأحاول أن أحدثكم حديث التجربة، التجربة الواقعية، ثم سأحاول قدر الإمكان أن أتناول هذا الموضوع من وجهة نظرنا القومية في البلاد العربية.
التاريخ يعلمنا أننا بلاد عريقة في صناعة الرجال، ويعلمنا أيضا أن معاهدنا العلمية قبل أن تتخذ اسم الجامعة وبعد أن اتخذت هذا الاسم كانت مصانع الرجال والنساء في العالم، لأننا في المشرق العربي كنا دائما نتناول الخامة التي نكون منها الرجل أو المرأة المواطن أو المواطنة، نتناولها لا على أنها مادة خام، ولكن على أنها حياة مجسمة في مادة، وحياة إنسانية قبل أن تكون حياة حيوانية. والذي يتابع تاريخ هذه المصانع أو يحاول أن يتابع هذا التاريخ يستطيع أن ينسق صفحاته المتتابعة في نواح ثلاث.
الناحية الأولى هي هدف هذه المصانع، ما الغاية التاريخية من جهة، والمعاصرة الحديثة والمقبلة من جهة أخرى، وإذا اتفقنا على تحديد الغاية في ضوء تاريخنا ذاته فإننا نستطيع أن نتبين طريقنا من الحديث.
سأتحدث أولا عن الغاية، ما الهدف الذي سعى إليه أجدادنا في مصانعهم ونحاول نحن جهد طاقتنا أن نحاكيهم في مصانعنا الجديدة.
الناحية الثانية/ الوظيفة، ما وظيفة هذا المصنع؟ أهو مصنع يصقل المادة الخام صقلا خاصا يتناول مظهرها أم مصنع يحول المادة الخام في صميمها وفي عنصرها ليتخذ منها مادة جديدة؟ ما هي وظيفة الجامعة في تكوين الشباب؟
ثم أخيرا الوسيلة، ما هي الوسيلة أو الطريقة التي نمارس بها الوظيفة لنصل إلى الهدف.
هذا الاختصار ملخص هذا الحديث، ومن عادتي كمعلم قديم أن أبدأ بالملخص ثم أدخل إلى التفصيل. لندخل معا إذن إلى التفصيل، سأتحدث أولا عن الهدف، ثم عن الوظيفة، ولعل حديث الهدف والوظيفة أن يشير إلى الوسيلة فنختصر ختام المحاضرة.
الهدف الأساسي من التربية والتعليم هو أن تمر في مراحل ويخطئ من يتصور أن صناعة الرجال في الجامعات يمكن أن تتم مستقلة عما سبقها من مراحل التربية والتعليم، ذلك خداع للنفس عند المعلم، ويخطئ من يظن أن الجامعة في مرحلتها النهائية العليا تستطيع أن تصلح ما أفسد أو ما اعوج في يد المعلم في المراحل السابقة، ويخطئ من يظن أنه إن ظهر رجل في مصنع الجامعة، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى رجل الجامعة وأستاذ الجامعة، العملية كلها عملية متصلة الحلقات، والتربية والتعليم في الجامعة إن هي إلا ختام لمرحلة التعليم العام قبل ذلك. وهدف التربية أيضا له مراحل، مراحل تقف عندها الأهداف ويتابع بعضها البعض، الإنسان يختلف عن الحيوان في نواح مختلفة، يشترك مع الحيوان في الجسم من حيث أنه حيوان يسعى على الأرض، ولكنه يختلف عنه اختلافات تظهر في مختلف نواحي حياة الإنسان، الاختلاف الأول في العقل، الإنسان حيوان ناطق عاقل، ولكن اختلاف الإنسان في العقل عن الحيوان ليس اختلاف نوع بقدر ما هو اختلاف كم ومقدار. وليس من شك في أن الحيوانات تسير أساسا بالغريزة، ولكن ليس من شك أيضا في أن الإنسان غير المتعلم يسير أساسا بالغريزة، وليس من شك أيضا في أن بعض الحيوانات لها قدر من العقل متصل بالغريزة، وأن بعض الحيوانات يمكن أن نعلمه شيئا ويمكن أن نتفاهم وإياه عن طريق ملكة تشبه العقل أو تقاربه، ولكن الإنسان يختلف في أن الله سبحانه وتعالى وهبه قدرا أكثر كثيرا، قدرا من العقل أكثر كثيرا مما وهب غيره من الكائنات، ولكن العقل ليس هو الذي يميز الإنسان من الحيوان التمييز الظاهر، ولعل كل من اشتغل بالتربية والتعليم أو كل من عاش الحياة ومارسها ممارسة تنطوي على الفهم والإدراك الصحيح، لعله يدرك أن العقل ليس أجل ما يميز الإنسان. عن طريق تربية العقل نخرج البشر من الحيوان، والبشر لا يمثل إلا مرحلة من مراحل الحياة الحيوانية على الأرض، العقل ذاته قد يجعل الإنسان يتفنن ويسير في اتجاهات معينة يستغل بها الطبيعة التي حوله فيما لا يفيد أو فيما يدمر وأمثلة ذلك ظاهرة بيننا، والجامعات الأوربية مثلا تعني أشد ما تعني بتربية العقل عند الحيوان الذي نسميه الإنسان، وهي بذلك تربي البشر، هدفها إخراج البشر من الحيوان. الشيء الذي يميز الإنسان حقا عن الحيوان، الشيء الذي ميز الله به الإنسان حقا، والشيء الذي يحاسبنا الله عليه هو الضمير، الضمير هو الذي يميز الإنسان، الضمير هو الذي لا نجد له مثالا في أي حيوان آخر، ليس هناك حيوان له ضمير يؤنبه إذا أخطأ أو أساء إلى غيره، ليس هناك حيوان له ضمير يعلمه هذا الندم الذي ينطوي على حساب البشر، على أن يحاسب الشخص أو الفرد أو الكائن الحي نفسه، الضمير هو الذي يعلمنا خشية الله، العقل يأذن لنا في أن نرى خليفة الله فإذا ما تأملنا وتفلسفنا فإننا نرى الله عن طريق ما خلق الله على الأرض، أما الضمير فإننا نتعمق به ذات نفوسنا ونرى الله سبحانه وتعالى وقدرته في أنفسنا فنخشاه، هذا هو الإنسان. تربية الضمير هي التي تخرج الإنسان من البشر، وهدف الجامعات كما عرفناه نحن في هذه المصانع الرائعة التي عرفها العرب في تاريخهم قديما وحديثا. الجامعات وظيفتها، هدفها الذي يتمثل في الوظيفة فيما بعد، هو أن تخرج الإنسان من البشر، ولعل هذا هو الدرس العظيم. لعله أن يكون الدرس العظيم الذي نتلقاه ويتلقاه العالم وتتلقاه الإنسانية كلها عن العرب، ولكن الوصول إلى مرحلة الإنسانية، هذا الوصول إلى مرحلة الإنسانية بمرحلة البشر ليس هو كل شيء بالنسبة للجامعات إذا ما نظرنا إليها على أنها المصانع التي تخرج الرجال لأن الله لم يخلق الرجال متساوين في القدرات ولا متساوين في الاستعداد، الله خلق الناس مختلفين لحكمة خاصة عنده، حكمة نلمسها في حياتنا وفي حياة العالم كله، وفي حياة الإنسانية كل يوم، هنا نفر من الناس قليل جدا حباهم الله بقدر أوفر من العافية في الجسم بوصفهم حيوان ومن الصحة والنفاذ والبصيرة في العقل بوصفهم بشر، ومن الحساسية في الضمير بوصفهم إنسان. هذا النفر القليل في عهود ماضية كان الله يصطفي منهم الأنبياء الذين يصطفون اصطفاء من عند الله، ولكن هذا الزمن انقضى لم نعد في عهد نبوة، كانت هناك وسيلة أخرى يبرز بها هؤلاء الرجال هي العبقرية، ولكن العبقرية لا تتوافر ولا تبرز إلا إذا أتيح لها الوسط الملائم، الوسط الذي يمليها فتبرز، أو الذي يعاكسها ليسيطر عليها فيتحداها فتبرز أيضا، ولكن اللجوء إلى هذه الوسيلة، وسيلة انصهار العبقرية حتى تظهر يضعنا تحت رحمة ظروف لا نتحكم فيها دائما، وكثير من العبقريات ولد ومات دون أن يحس به الناس، وكثير من العبقريات تحداها الوسط فغلبها فماتت أو اتهمت بالمروق أو الجمود، لذلك فإن هذه الوسيلة في إبراز قلة القلة وصفوة الصفوة بالاعتماد على العبقرية لا يفيد كثيرا، إذن فإن الاعتماد على اصطفاء الله للأنبياء أمره قد انتهى، فالاعتماد على العبقرية لتبرز أمر غير مضمون، فلم تبق إلا الوسيلة الأخيرة وهي إتاحة الفرصة عن طريق هذه المصانع التي تنتقي الرجال وتنتقي النساء تصطفيهم وترعاهم وتهيئ لهم فرصة النبوغ، وفرصة البروز، وفرصة العمل الناجح في خدمة أنفسهم وفي خدمة أهلهم وفي خدمة أوطانهم وفي خدمة الإنسانية.
الجامعات إذن هي مجال اصطفاء الصفوة من الإنسان، تربية العقل تخرج البشر من الحيوان، وتربية الضمير تخرج الإنسان من البشر، والتربية الجامعية الشاملة التي تشمل الجسم وتشمل العقل وتشمل الضمير والتي تهذب النفس وتتناول ناحية التأديب الناحية التي تختلف عن ناحية التعليم، فالله علم الإنسان ما لم يعلم، ولكن عندما جاء الحديث عن الأنبياء، الأنبياء لم يبرزوا بالتعليم وحده، وإنما برزوا بالتأديب (أدبني ربي فأحسن تأديبي) تأديب النفس في الجامعة، هذا هو الذي يخرج صفوة الإنسان من الإنسان، أو هو الذي يخرج الإنسان من الإنسان، هذه هي إذن مراحل فلسفة التربية الجامعية، وأظن أنني لست بحاجة إذا أو إلى أن أذكركم بأن تاريخنا وتاريخ مصانعنا تمثلت فيه هذه الأهداف، أوربا التي يقال لنا قلدوها، أوربا هذه بمصانع البشر فيها لم تسر في طريقنا، سارت في طريقنا الخاصة قد تكون لذلك أسباب، قد يكون سر ذلك أن أوربا لم تعرف تربية الضمير للنفس عادة، أما نحن فنحن موطن الديانات السماوية المنزلة، وختام هذه الديانات الإسلام الذي قام أساسا وبدأ حيث ينبغي أن تنتهي التربية الجامعية، فبدأ بتهذيب النفس وبتهذيب الروح وبحساب الضمير للإنسان ثم انتهى بعد ذلك إلى العقل الذي يتابع تاريخنا الإسلامي الأول، إذا نظرنا إلى الإسلام ذاته على أنه الجامعة الكبرى للبشر الذي يريد أن ينتقل من مرحلة البشرية إلى مرحلة الإنسانية، إذا نظرنا إلى الإسلام على أنه الجامعة الكبرى لتلك الصفوة التي تريد أن تجد طريقها لأن تتحقق عن طريقها حكمة الله، المدرسة الكبرى التي تسعى فيها الصفوة لأن تخرج الإنسان من الإنسان في ذات نفسها، إذا نظرنا إلى الإسلام على هذا النحو فإننا نرى روعته نرى حكمة الله في أنه اختار هذا الدين وارتضاه لنا وارتضاه للإنسان، نرى حكمة الله في أنه جعل هذا الدين ختام الأديان التي تربي الإنسان وتخرجه من الإنسان، هذه هي صورتنا نحن، وواجبنا أن نعمقها، ليس في التربية الجامعية تعليم مدرسي ولا قواعد بيداغوجية، ذلك شأن المرحلة السابقة التي تعنى بالصغار، أما نحن في الجامعة في هذا المصنع فنتناول الشباب وهو في عهد النورانية في عهد التفتح في عهد الانطلاق في عهد البحث عن الحقيقة والبحث من وراء ذلك عن الله، في العهد الذي يبدأ الضمير في يستيقظ بعد أن تفتح العقل، في العهد الذي يسعى فيه كل طالب أو طالبة إلى أن يحقق في نفسه وعن طريق ذاته أروع ما يستطيع الإنسان أن يحققه كمخلوق على الأرض.
التربية الجامعية إذن شيء آخر يجب أن نتناولها في ضوء هذا الهدف الفلسفي العميق نحن الذين أنعم الله عليهم بنعمة التربية الجامعية، وأنعم عليهم  بأن يتأملوا هذه المرحلة إن هذه النعمة الكبرى من الله سبحانه وتعالى علينا أن نحقق عن طريقها آياته في الأرض، هذه النعمة سيترتب عليها حساب عسير، لست أشك في أننا سنكون أول من يحاسب في الآخرة، ولست أشك في أن حسابنا سيكون عسيرا، ولولا لطف الله لأصابنا ما أصابنا في دنيانا وفي آخرتنا إن نحن قصرنا، صحيح أن علينا أن نسعى لنكشف عن الحق وعن الخير وعن الجمال في إبداع الله في هذا الشباب الذي هو فيء بين أيدينا، ولكن السعي وحده لا يكفي، علينا أن نؤمن بهذه الرسالة فالإيمان أساس النجاح، الأستاذ الذي لا يؤمن بالله ولا يؤمن بحكمة الله في الخير ولا يؤمن بأن لهذا الشباب رسالة ولا يؤمن بأن هذا الشباب ورسالته هو أمانة في عنق الأستاذ، هذا الأستاذ لا يصح أبدا أن يؤذن له في أن يتولى التربية الجامعية، فالمسألة إذن – وهذا ينقلني إلى الوظيفة – ليست مجرد وظيفة تؤدى، ليس الأمر مجرد أن نقيم قاعة أو قاعات أو معملا أو مختبر ثم نأتي بأي أستاذ ليعلم ويربي، شأن الجامعة إذن في هذه الحالة لن يختلف عن شأن المدرسة العالية أو المدرسة الثانوية، فيكون الأمر مجرد تعليم لا تربية، وفرق كبير جدا بين التعليم والتربية، التربية هي التي تتناول الإنسان في مجمله، في جسمه، وفي عقله، وفي ضميره، وفي أدب نفسه، أما التعليم فيقف عند العقل، لا ينطلق إلى الضمير، وبعض الناس يتصور خطأ ونقلا عن بعض معاهد أوربا الجامعية أننا نستطيع في الجامعة أن نكتفي بالمختبرات أو أن ندرس المادة، أو أن نربي الشخص على أن يكون صاحب حرفة ممتازا فيها دون أن يكون صاحب روح، ذلك خطأ كبير، وذلك لا يساير تاريخنا ولا يتفق معه ولا تقاليدنا ولا ينمي هذه التقاليد ولا يثبت  جذورها في الأرض ليكون أصلها ثابتا وليرتفع فرعها إلى السماء، تربيتنا الجامعية إذن مختلفة كل الاختلاف، وظيفة الجامعة عندنا في عالمنا العربي وبحكم إسلامنا وبحكم رسالتنا في الأرض وبحكم أن الله تعالى جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تعليمنا الجامعي وتربيتنا الجامعية يجب أن تسير في الطريق الشامل، وظيفتنا أن نتناول الشباب في كله لا في أجزائه، تربيتنا الجامعية يجب أن تكون تربية شاملة، ولكن يسبقها أن يربي الإنسان نفسه قبل أن يتصدى لتربية الآخرين، هذا سر الأستاذ الناجح، الأستاذ الذي إذا نصح تلميذه بشيء أخذ به قبل أن يتصدى إلى النصيحة، إذا نصحه أن يقرأ وأن يستزيد من العلم وجب عليه أن يستزيد من العلم قبل أن ينصح الطالب، إذا نصحه بأن يحاسب نفسه على ما أفاء الله عليه من نعمة وجب عليه أن يبدأ نافعا أو جامعا للخير لنفسه، هذا الأستاذ يجب أن يبدأ بحساب نفسه هو، إذا طلب إلى الطالب أن يكون في خدمة غيره من الناس وأن تكون حياته حياة تقوم على الإيثار لا الأثرة، وأن يكون نافعا لغيره قبل أن يكون نافعا أو جامعا للخير لنفسه، هذا الأستاذ يجب أن يبدأ بذاته، هذا الأستاذ إن بدأ بذاته فإنما هو يسعى إلى نجاة نفسه، هذا الأستاذ في الجامعة لم يبلغ ما بلغ إلا بفضل الآخرين، إلا أنه أتيحت له الفرص متجمعة حينما حرم غيره منها، فتصوروا أن التعليم الجامعي ومن يصل إليه تسبقه مراحل، المرحلة الابتدائية يقدر أن سبعة عشر في المائة من أبناء أية أمة هم الذين يجب أن تتاح لهم فرصة التعليم الابتدائي لخمس أو ست سنين، فإذا كانت هناك أمة مثلا تعدادها عشرة ملايين، فهذه الأمة، فيها على وجه التقريب مليون ونصف يجب أن يكون في المعاهد الابتدائية، وما أظن أرضا عربية واحدة بلغت فيها نسبة التعليم الابتدائي هذا القدر الملائم، كلنا في البلاد العربية لا نتيح الفرصة لجميع الصبية أن يدخلوا المدارس لأسباب مختلفة قد ترجع إلى قدرة الدولة وقد ترجع إلى سوء تصرف الدولة، يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا فالعلم يعلمنا الصراحة والصدق، ولا يجوز حين نتصدى لحقائق كالتي سأحدثكم عنها أن نخفي الحقائق لأن هذا لا يتلاءم وطبيعة الأستاذ، إذن هناك جانب كبير من الصبية تضيع عليهم الفرصة لا يتعلمون لا لذنب جنوه ولكن لأن الظروف لا تواتيهم قد تكون بينهم كفايات تولد وتموت قبل أن تتاح لها الفرصة ثم من هذا العدد خمسة عشر في المائة من المليون ونصف المليون تتاح لها الفرصة للانتقال إلى التعليم الثانوي إلى المرحلة الوسطى في تعليمها العام أو في تعليمها الفني، تعلم الحرف وغيرها، فإذا كانت الأمة تعدادها عشرة ملايين فستكون نسبة من يصلون أو يجب أن يصلوا إلى المرحلة الوسطى أكثر من مائتي ألف، وما أظن بلدا عربيا قد بلغ هذه النسبة فهناك إذن من هذه القلة خمسة عشر في المائة من خمسة عشر في المائة، هذه القلة لا تحصل كلها على فرصة التعلم في المرحلة الثانوية أو الوسطى ثم من هذه القلة تخرج قلة القلة، خمسة عشر في المائة أخرى من الخمسة عشر في المائة، من الخمسة عشر في المائة من الأصل تبلغ المرحلة الجامعية، فمن العشرة ملايين يبلغ حوالي ثلاثين ألفا إلى الجامعة أو المرحلة العليا في الجامعة أو ما يعادلها من المعاهد، وما أظن بلدا أيضا عربيا أتيحت فيه هذه الفرصة، إذن هناك تنازع، ثم من قلة  القلة خمسة في المائة،  من الخمسة عشر في المائة، من الخمسة عشر في المائة، من الخمسة عشر في المائة من الأصل، تحصل على مرحلة إتاحة الفرصة للصفوة، الصفوة التي نخرج بها الإنسان من الإنسان، صفوة إنسانية في هذا المجتمع الصفوة التي تبلغ مرحلة الأستاذية أو مرحلة القيادة، تقود الأمة في كفاحها وفي حياتها، في مختلف النواحي، تقودها في ميدان الإنتاج مهندسين وغيرهم، تقودها في ميدان رعاية الصحة الأطباء وغيرهم، تقودها في ميدان التربية والتعليم الأساتذة، تقودها في الميدان الجامعي البحث العلمي الذي هو من أخص خصائص الجامعة، هذه قلة القلة، نعمة كبرى بالطبع أن يأخذ الإنسان فرص غيره في الحياة.
أحب أن أعترف بين يديكم أني أخذت فرصة ما لا يقل عن ألفي فرد من المواطنين في الوطن الصغير في الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة أخذت هذه الفرصة منهم، لم تتح لهم وأتيحت لي لأستزيد من العلم ولتتاح لي فرصة التأمل في خلق الله وفي نفسي، ولتتاح لي الفرصة لأعرف تاريخ أمتي وتاريخ الإنسانية، ولتتاح لي الفرصة لأحكم حكما مستنيرا وحكما يحدده العقل، ولكن يحدده أيضا ويوجهه الضمير، هذه الفرصة نعمة كبرى، ولكن هذه النعمة قادرة على أن تنقلب بلاء وشقاء، معناها أنني على الأقل سأحاسب كما يحاسب أمثالي أي إخواني المواطنين يوم لا ينفع مال ولا بنون، سيكون الحساب عسيرا، والأستاذ الذي يريد أن ينجو بنفسه في الجامعة هو الأستاذ الذي يحاسب نفسه في الحياة الدنيا قبل أن يحاسبه الله في الآخرة، هذا حديث قد يبدو حزينا، أو حزينا!(1) ولكنني إن كنت صادقا فيه بيني وبين نفسي فإنني لا أحب أبدا أن ينطلق الحزن من نفسي إليكم، وأنتم ليس لكم ذنب لأني لم أنتزع فرصة الأخذ منكم ولم ينازعني أحد منكم فرصتي.
أردت بهذا أن أنتقل إلى أننا أردنا أن نمارس في الجامعة وظيفة الجامعة بمفهومها العربي الإسلامي الذي هو أقرب المفاهيم إلى الإنسانية، وإلى تحقيق كلمة الله في الأرض، إذا أردنا ذلك فيجب أن نبدأ بالأستاذ، إذا أردنا أن ننشئ مصنعا، مصنعا للرجال، مصنعا يخرج الإنسان من الإنسان أو على الأقل يخرج الإنسان من الإنسان أو على الأقل يخرج الإنسان من البشر، فيجب علينا أن نبدأ بالأستاذ، ولن تقوم قائمة لجامعة ليس فيها شيخ أو أستاذ، هذا هو الأساس وهذه نقطة البدء، إذا ربينا الأستاذ حقا، إذا وجدنا من الرجال من يقومون على هذه الصناعة حقا في مصانعنا فإننا نضمن النجاح للجامعة، وهذا ينقلني إلى أمل آخر هو جامعتنا الحديثة.
في جامعتنا القديمة كنا نحصل على أساتذتنا من بيننا، كان شيوخ تلك الجامعات في القرويين وفي جامع الأزهر وفي الزيتونة وفي غيرها من المعاهد، معاهد الدراسة كانوا عربا ومسلمين، كانوا منا، جامعاتنا
الحديثة مضطرة اضطرارا إلى أن تنقل العلم الحديث من الخارج، لا نستطيع أن نقاطع هذا العلم لأن فيه نفعا لنا، لا نستطيع أن تقاطع العلم الأجنبي عنا، العلم الحديث، ولا أن نقاطع أهله، لا بد لنا من أن ننقل عن أساتذة الجامعات في الخارج، أما أن ننقل عنهم نقل الكتب عن طريق القراءة، وأما أن ننقل عنهم نقدا نقل الاتصال الشخصي عن طريق إيفاد البعثات إلى الخارج لتتعلم في جامعات أوربا، وأما أن ننقل عنهم عن طريق نقلهم هم إلى جامعاتنا، فلا شك في أن هذا أمر ضروري للغاية ليستقيم المصنع ويستطيع أن ينتج وأن يعمل، وأن يعمل في خبرة لأن الأمر في الجامعات – وقد أكون أنا أحدثكم حديث خبرة –ليس أمر ارتجال وإنما هو أمر خبرة طويلة وإعداد طويل وعمل شاق، ولكن جامعاتنا إذا بقيت عند هذا فإنها لن تستطيع أن تضيف جديدا إلى ما خرجت به على العالم جامعات أوربا، ونحن نعرف ما خرجت به تلك الجامعات على العالم، الجامعات التي عنيت أول ما عنيت بإخراج البشر من الحيوان، الجامعات التي وقفت أو وقف أغلبها عند ذلك. لن نستطيع أن نبلغ غاياتنا، ولا أن نحمل رسالتنا، ولا أن نحقق كلمة الله في الأرض، لن نستطيع أن نفعل شيئا من هذا إذا ما اعتمدنا اعتمادا كليا على أساتذة مستوردين أو على علم مستورد، أو على كتب نقرأها، أو على آراء نستجلبها من الخارج، إننا يجب أن نضع خطتنا وأن يكون تخطيطها في إنشاء هذه المصانع تخطيطا عربيا إسلاميا ينبع عن ذاتنا ويراعى ظروفنا ويستجيب لاحتياجاتنا، ويحقق أهدافنا في الحياة، يجب أن تكون جامعاتنا عربية، يجب أن يكون القوام الأول للأستاذية في جامعاتنا الحديثة هو الأستاذ العربي.
ولأنتقل من الأستاذ إلى الطالب، وليس أحب إلى نفسي من أن أتحدث عن الطالب، أؤكد لكم أنني انفعل أمامكم الآن انفعالا عميقا حين أرى بعض هذه الوجوه التي هي وجوه المستقبل، الطالب، ليس أحب إلى الأستاذ من أن يرى أحد فردين أحسن منه في الحياة ابنه وتلميذه، هذه حكمة الله أودعها أنفسنا، والأستاذ الصادق مع نفسه المستجيب لحكمة الله فيه هو الأستاذ الذي يحب دائما ويعمل دائما على أن يصبح تلميذه خيرا منه في الحياة خيرا منه بكل معاني الكلم، خيرا منه عقلا مصقولا صقيلا، خيرا منه ضميرا حيا، خيرا منه أدبا في النفس، الطالب نريد أن نعلم فيه هذه النواحي المختلفة وأن نصقلها، لا صقل أوربا الذي يتناول المادة في ظاهرها، ولكن صقل الإسلام وصقل العروبة الذي يتناول المادة من الداخل، نريد أن نصقل هذا الطالب، ننمي جسمه وعقله، ونحيي ضميره، ونؤدب نفسه، ولكننا إلى جانب ذلك نريد أن نخرج منه إلى جانب الإنسان الفاضل مواطنا صالحا، نريد أن نكون عمليين، فهذا المصنع لا يتناول الأفراد ولا يتناول هذه الصناعة هواية لوجه الهواية، إنما يتناول هذه الصناعة لفائدة، العلم الذي لا يفيد ليس علما يحقق رسالة الله في الأرض، العلم يجب أن يفيد، يجب أن يفيد صاحبه ويجب أن يفيد الناس، وهذا ما يجعل تربية الطالب في هذا المصنع تتجه أول ما تتجه بالنسبة لظروفنا الحالية إلى تكوين ما نسميه المواطن الصالح.
ولأحاول أن أنقل إليكم صورة بسيطة جدا عن مفهوم هذا المواطن الصالح في رأيي وفي تجربتي التي أسير عليها الآن في جامعتي الناشئة، العلم يستطيع أن يعقد الأمور وأن يجعل التعريفات صعبة المفهوم ولكن هذا ليس علما إنما القدرة العلمية حقا هي في التبسيط، وكلما كانت الأمور بسيطة كلما أصبحت في متناول الناس جميعا، المواطن الصالح في رأيي هو بكل بساطة المواطن الذي يعطي أمته أكثر مما يأخذ منها، لا بد لكل مواطن من أن يأخذ في الحياة قبل أن يعطي، يأخذ أثناء طفولته من أمة أولا ثم من أبيه ثم من أهله ثم من المجتمع المدرسي ثم من الدولة، وقد يأخذ من الإنسانية كلها إن أتيحت له الفرصة، ولكنه حين يبلغ أشده ويبلغ مرحلة الرجولة يجب أن يبدأ العطاء، ويجب أن يكون العطاء أكثر من الأخذ، أنا أخذت فرصة ألفين فيجب أن أعطي على أقل تقدير ألفي فرصة لأشخاص ليبلغوا ما بلغت إذا أردت أن أكون إنسانا نافعا في الحياة. علمني أهلي لأنهم كانوا أقدر من غيرهم على تعليم أنبائهم، وعلمتني الدولة لأنني نشأت في دولة سمحت ظروفها بذلك، أنفق علي المجتمع ورعاني، ثم أعطاني عملا طويلا قد يكون متعبا من ناحية الضمير ولكنه مريح من ناحية الجسم، أعطاني عملا ويعطيني مرتبا ويعطيني مكانا مرموقا، يحترمني تلاميذي وتقدرني الدولة ويحبني الناس وهذه كلها نعم مضاعفة، فخرجت بي هذه النعمة من النطاق الضيق الذي أعمل فيه إلى نطاق واسع، خلقني الله في أمة عربية يمتد وطنها العربي من الخليج إلى المحيط، ويتألف الناس فيها ويقدر بعضهم بعضا ويحب بعضهم بعضا، هذه كلها نعم كبرى لم تتح لغيري من الأساتذة في أجزاء أخرى من العالم، علي إذن أن أرد الجميل مضاعفا، علي أن أرده لأهلي، وعلي أن أرده لوطني الصغير، وعلي أن أرده لوطني الأكبر الوطن العربي الكبير، صدقوني أنه ما ضر الأمة العربية والأمة الإسلامية شيء كما ضرها أن المواطنين والمتعلمين منهم بصفة خاصة لم يكونوا مواطنين صالحين تقوم حياتهم على العطاء بعد أن قامت على الأخذ في الصغر، حاول كل منا أن يأخذ أكبر قدر ممكن في الحياة، أصبحت فلسفة التربية والتعليم في بيئتنا العربية في وقت من الأوقات فلسفة منعكسة، يعلم الرجل ابنه لا ليعمل ولينتج وليخدم الناس، وإنما ليستغل المجتمع عن طريق التربية والتعليم، يستغل غيره، ليعيش حياة هينة لينة، ليتوب الله عليه من الشفاء في عبارة واضحة، هذه فلسفة معكوسة، تقلب النعمة نقمة، ليس هذا إسلام –أؤكد لكم – وليس هذا عروبة تقوم على الشهامة التي نعرفها والعطاء والبذل، إنما هو لون من ألوان الكفر بنعمة الله، وهو لون من ألوان الكفر بالعروبة وتنمر لها. ليس هذا تربية ولا هو تعليم، إنما يجب أن نربي في الجامعات المواطنين الصالحين، وما أحوج مجتمعنا هذا إلى العطاء لأنه إذا ما حاول كل منا أن يأخذ أكثر مما يعطي فلن يكون هناك شيء يعطى، سنستنفد قدراتنا وسنستنفد خيراتنا وستبقى غالبية عظمى من شعبنا العربي لا تجد ما تأخذ لأن كل شيء يؤخذ منها أخذا، والمتعلم أقدر على أن يستغل غيره من الجاهل وبذلك تصبح الجامعات على الأمة العربية بدلا من أن تكون لها.
هذه وظيفة الجامعات فيما يتصل بالأستاذ من حيث أنه يمارس وجوده كأستاذ اصطفاه الله وأتاح له الفرص بين الناس واختارته الأمة وحبته بعطفها وأكرمته، ثم من ناحية الطالب الذي نتيح له مزيدا من الفرص في الجامعة، فإذا ما عودناه في الجامعة على أن يستمر في الأخذ فإنه لن يكون مواطنا صالحا، ولن ينفع أمته، إنما يجب أن نربيه على أساس العطاء على أساس أن يكون مواطنا صالحا حقا، هذه هي الوظيفة فلننتقل إلى الوسيلة، ما وسيلتنا في هذه المصانع حينما تتناول الرجال حينما تتناول الشباب من البنين والبنات وهم ذخيرتنا وعدتنا للمستقبل، ما الوسيلة؟ الوسيلة يجب أن تكون صورة منعكسة من الهدف وإننا إذا أردنا أن نحقق الهدف فيجب أن تكون الوسيلة مكافئة له، من هدفنا أن نربي جيلا ثمينا صحيحا، فالجامعة يجب أن تتناول الطالب في حياته الجسمية، الملاعب التي ننشئها للرياضة البدنية هي جزء من كيان الجامعة، وقد تعجبون إذا ما ذكرت لكم أنني في جامعة أسيوط أنشأت الملاعب الرياضية قبل أن أنشئ شيئا آخر، هذا هو أساس التربية، عنيت بتغذية الطلاب لأن كثيرا منهم فقراء من بيئة فقيرة على حظ كبير من الذكاء، ويعوق ذكاءهم عن أن ينطلق من قلة اليد في التغذية، شاعرين بهذه الناحية، الحياة المريحة حياة الطالب في الجامعة حياة الأروقة التي عرفها أجدادنا حين  أقاموا المساكن للطلاب وحين أجروا الأرزاق على الطلاب، وحين هيئوا لهم فرص الحياة المريحة نوعا ما ليستطيعوا أن يفرغوا للعلم.
هذا أساس عرفه أجدادنا ويجب أن نعرفه في جامعاتنا الحديثة في هذه المصانع، وسيلتنا بعد ذلك أن نربي العقل لنخرج البشر من الحيوان، هذا الحيوان الشاب الذي تحسن عشرته والذي حين نختلط به في الجامعة نحس أننا عدنا شبابا، هذا الشباب له عقل متفتح في هذه المرحلة لابد أن نفتح هذا العقل على منافذ الخير، لأننا إن لم نفعل ذلك فإنه سيتفتح بنفسه وقد يتفتح على نوافذ لا تؤدي إلى خير.

(1) بتشديد الياء المكسورة، يريد المحاضر نفسه

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here