islamaumaroc

من النقد إلى البلاغة -1-

  دعوة الحق

34 العدد

فتن العرب بشعرهم فتغنوا به وتراووه وتذوقوه وعرضوه في عكاظ وغيرها من الأسواق، حيث كان يلتقي الشعراء ورجال القبائل، لينظروا فيه مستجيدين أو مستقبحين، ويصدروا في عبارات موجزة بسيطة أحكاما سريعة مرتجلة، صادرة لا عن دراسة وتحليل، وإنما عن فطرة وذوق ساذج لم يتعقد بعد.
وبالرغم من أنها آراء ذاتية خالية من التعليل، في أغلبها صائبة. ففي «موشح المزرباني» إن امرؤ القيس لما كان عند بني طيء، زوجوه منهم أم جندب، وجاءه يوما علقمة بن عبدة التميمي وهو قاعد في خيمته وخلفه زوجته، فتذاكرا الشعر فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليلي مرابي على أم جندب
                نقضي لبنانات الفؤاد المعذب
ثم قال علقمة في نفس القافية والروى قصيدته التي أولها:
ذهبت من الهجران في غير مذهب 
                ولم يـك حقا كـل هذا التجـنـب
واستطرد كل منهما في وصف ناقته وفرسه، فلما فرغ علقمة، فضلته أم جندب على زوجها فقال لها «بم فضلته علي؟» فقالت: «فرس ابن عبدة أجود من فرسك» قال: «وبماذا» فقالت: «أنك زجرت وحركت ساقيك وضربت بسوطك» تعني قوله في قصيدته حيث وصف فرسه:
فللزجر ألهـوب وللساق درة
                وللسوط منه وقع أهوج معذب
وقال علقمة:
فأدركهن ثانيا من عنانـه 
                يمر كـمر الرائح المتحلب
فأدرك فرسه ثانيا من عنانه لم يضربه بسوط ولم يتعبه، فقال:«ما هو بأشعر مني ولكنك له عاشقة» وطلقها فخلفه عليها علقمة الفحل.
وفي نفس المصدر أنه كانت تضرب لنابغة بني ذبيان قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض أشعارها، فكان من أول من أنشده الأعشى ميمون بن قيس أبو بصير أنشده طويلته التي أولها:
ما بكاء الكبير بالأطـــلال
                   وسؤالي وما ترد سؤالي                                  
ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصاري:
لنا الجفنان الغر يلمعن بالضحى
                  وأسيافنا يقطرن من نجدة دمـا
ولدنا بني العنقاء وابني محـرق
                  وأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنـما
فقال له النابغة: «أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن أنجبك».
في «الشعر والشعراء» أن الخنساء أنشدته في هذا المجلس قصيدتها في رثاء أخيها صخر:
قـذى بعيـنك أم بالعـين عوار
                  أم أقفرت مذ خلت من أهلها الدار
فقال لها النابغة: «والله لولا أن سبقك أبو بصير أنشدني آنفا لقلت أنك أشعر الجن والإنس» فقال حسان: « والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدك» فقبض النابغة على يده ثم قال: يا ابن أخي إنك لا تحسن أن تقول مثل قولي:
فإنك كالليل الـذي هو مـدركي
                  وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ثم قال للخنساء: «أنشديه» فأنشدته فقال: «والله ما رأيت أنثى أشعر منك»، فقالت الخنساء، «والله ولا رجلا».
من بين هذه الأمثلة الموجزة نستطيع أن نتبين مظهرين للنقد في هذا العصر: أولهما: ذاتي يمثله حكم أم جندب الطائية ليس مؤيدا ولا مدعما وبالرغم من أنها عللت رأيها في بيت امرئ القيس كما أسلفنا فهي لم تحاول إمعان النظر في القصيدتين لتوازن بينهما وتستقري ما جاء في ألفاظهما ومعانيهما. فكرهها امرئ القيس وحبها لعلقمة وطلاقها من الأول وزواجها من الثاني كل هذا دليل على أن حكمها كان ذاتيا صادرا عن شيء  في نفسها هو هواها. وفي هذا اللون من الأحكام يشترك العرب جميعا يستمعون إلى الشعر، يتذوقونه ويطربون له ويقدرونه فيستحسنوه أو لا يكون شيئا من ذلك فيستقبحوه والثاني موضوعي يمثله حكم النابغة حين يعلل رأيه في شعر حسان. ولكن موضوعيته جزئية لا تبحث ولا تتعمق. وهذا اللون هو لون الأخصائيين من الشعراء الذين كانوا يبدون الملاحظات لا يكتفون بالإعجاب أو السخط.
ومع هذا فالذاتية أهم صفة لهذه الآراء النقدية الساذجة التي ليست وليدة نظرة فاحصة أو دراسة ممعنة. ولعل السبب في ذلك أن حياتهم العقلية أولية. بل وبيئتهم الطبيعية والاجتماعية وما فرضته  من تنقل وعدم استقرار لم تجعل الأمن يعرف سبيله إلى عقولهم وقلوبهم لتنظر في العلوم والفنون وتبحث وتفكر فجاءت لذلك آراؤهم تجمعها كلمات موجزة سريعة لم تكن لتصدر إلا ارتجالا وعن سليقة وملكة. ولا غرابة فحتى هذا الشعر الذي استطاعوا أن يرسلوا القول فيه لم يصدر عنه إلا ارتجالا وعن هذه الملكة نفسها.
وجاء الإسلام فخرج بالعرب من ظلمات الجاهلية وأضاء لهم أجواء جديدة لم يكن لهم عهد بها ونفذ إلى نفوسهم النافرة فأعاد إليها الأمن وإلى عقولهم فارتقى بها وهذبها وكان أن حل الاستقرار والهدوء محل التنقل والاضطراب فنشطت حركة الشعر يمثلها طائفتان من الشعراء –فأما الأولى فكافرة تعادي الإسلام- وتخاصم أصحابه يمثلها شعراء قريش ويردون على أباطيلهم. وكان النبي عليه السلام المهاجرين والأنصار ويرثون قتلى المشركين من أهل مكة وأشهر هؤلاء عبد الله بن الزبعري والحارث بن هشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب وأمية بن أبي الصلت الثقفي الذي كان الرسول ينهي عن رواية شعره وخاصة قصيدته التي ضمنها في قتلى بدر. وأما الثانية فطائفة شعراء الرسول أمثال كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيره من شعراء الأنصار الذين كانوا يقفون في صفه يدافعون عن الإسلام ويناهضون شعراء قريش ويردون على أباطيلهم. وكان النبي عليه السلام يعتز بهم وبحثهم على تأييده ويطلب منهم أن ينصروه بالشعر كما نصروه بالسيف. وفي الخبر أنه قال لحسان –(اذهب لأبي بكر وخذ عنه ما تريد من معرفة مثالبهم ومواضع الذم فيهم) وكان يقول له –(اهجم ومعك جبريل روح القدس).
وإذن فقد نشطت حركة الشعر ونشطت معها حركة النقد وأصبح الدين ميزانا يقيس النقاد به الشعر ينظرون فيه على هديه يستحسنون منه ما لاءم روحه ومبادئه ويستقبحون ما خالف هذا الروح وهذه المبادئ. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع نابغة بني جعدة يقول: 
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى
                  ويتلو كتـابا كالمـجرة نيـرا
بلغنا السمــاء مجدنا وجدودنا
                  وأنا لنرجو فـوق ذلك مـظهرا
فيسأله وقد أحس أنه يفخر فخر الجاهلين: (إلى أين يا أبا ليلى؟) فيقول (إلى الجنة إن شاء الله).
ثم يزداد إعجاب الرسول به ويدعو له بقوله: (لا يفضض الله فاك) حين ينشده:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
                  بوادر تحمي صفوه أن يكـدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
                  حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ناظرا إلى قوله تعالى: «خذ من العفو وأمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين» وإلى قول الرسول: (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من تملك نفسه عند الغضب).
وهذا عمر بن الخطاب ينشده سحيم عبد بني الحسحاس قوله:
عميرة ودع إن تجهزت غــاديا 
                  كفى الشيب والإسلام للمرء هاديا
فيقول له: «لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك».
ونظروا إلى مسألة أخرى في النقد هي مسألة الطبع والتكلف فاستحسنوا كل كلام يجاري الطبع ويساير الفصيح المعروف واستقبحوا كل كلام فيه الغلو والتكلف والغريب. وهذه نزعة جديدة في النظر إلى الكلام لم يعرفها الجاهليون. فقد سأل سائل عمر بن الخطاب: «يا أمير المومنين أيضحي بضبي؟» قال: «إنها لغة» قال: «انقطع العتاب ولا يضحى بشيء من الوحش» هذا من ناحية اللفظ أما من ناحية المعنى فكانوا يحبون القصد والاعتدال ولم يكونوا يحبون الغلو والإسراف فعمر بن الخطاب كان يعجب بشعر زهير لأنه لم يكن يعاطل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام. ولا يمدح الرجل إلى بما فيه، وهذا نقد جديد يعتمد على تعليل الاختيار والتفضيل بناء على مقاييس تتناول كما رأينا الألفاظ والمعاني، ولا نبالغ إذا قلنا أنه أساس للنقد الموضوعي الذي يتعمق فهم عناصر الفن الأدبي. وبصفة عامة فقد بقي النقد في هذا العصر الإسلامي الأول قريبا من نقد الجاهليين فالنقاد يجملون في كلمات موجزة سريعة أحكاما يصدرون فيها عن أذواقهم التي لا زالت قريبة من الفطرة لا يبحثون عن العلل والأسباب، وكان انصراف المسلمين للفتح والجهاد لم يترك لهم مجالا لإطالة النظر في الأديب واستقراء ألفاظه ومعانيه، واستخلاص عناصره وخصائصه والوقوف على عيوبه وتعليلها. 
وفي العصر الأموي تلونت الحياة بألوان جديدة وتغيرت المظاهر وتحولت الأهداف بعد أن استقر العرف في المدن والأمصار وتأثروا بحضارات مختلفة صقلت عقولهم وهذبت أذواقهم فتطور شعرهم ونما وازدهر في بيئات لم يكن يعرفها قبل الفتح الإسلامي فقد أخذت الشام والعراق والحجاز تزاحم بيئة نجد التي نبغ فيها أكثر الشعراء وكانت الحجاز أسبق هذه البيئات إلى التطور بظهور أدب جديد فيها أهم ما يميزه أنه يدور حول الحب وحوادثه مما كان له أثر في النقد الذي اتخذ مظهرين:
أولهما يمثله النقاد من الشعراء أمثال كثير الذي سمع مرة عمر بن أبي ربيعة يقول:
قالت تصـدى له ليعرفـنا 
                  ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قـالت لها قد غمزته فأبـى
                  ثم اسبطرت تشتد في أثري
فقال له: «أتراك لو وصفت بهذا حرة أهلك ألم تكن قد قبحت وأسأت وقلت الهجر؟ وإنما وصفت الحرة بالحياء والخجل والامتناع».
والثاني يمثله النقاد من غير الشعراء كابن عتيق فقد ذكر بحضرته شعر عمر بن أبي ربيعة والحارث ابن خالد فقال رجل من قرابة الحارث: «صاحبنا أشعر» فقال ابن أبي عتيق: «دع قولك يا ابن أخي فلشعر ابن أبي ربيعة نوطه بالقلب. وعلق بالنفس ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من رق معناه ولطف مدخله وسهل مخرجه وتعطفت حواشيه وأنارت معانيه وأعرب عن صاحبه» وقد تحدث بعض المحدثين عن ابن أبي عتيق، فقال عنه أنه لم يكن في نقده يقصد إلى الألفاظ والتراكيب ولم يكن يطلق الأحكام إطلاقا من غير تعليل. والحق أن هذا النقد الذي ازدهر في مجالس الشعروالغناء كان يصدر عن ذوق وإحساس. ولكنه ذوق راق طريف وإحساس مرهف مصقول.
وفي العراق نرى لونا من ألوان الشعر يزدهر تحت تأثير الثقافة الحديثة هو الشعر السياسي الذي نظم في خصومات الخوارج والشيعة مع بني أمية وأنصارهم. وقد بدأت تظهر للخوارج في النقد الأدبي نزعة تهزأ بالشعراء الذين يقفون بأبواب الخلفاء والولاة ليمدحوهم سعيا وراء الشهرة والعطاء ميزانها الدين والأخلاق ومقياسها «أن الشاعر الحق من صدق في قوله واتقى الله في شعره» فقد مر عمران بن حطان على الفرزدق وهو ينشد والناس حوله فوقف عليه ثم قال:
أيهـا المادح العـباد ليعطى               إن لله مـا بأيــدي العبـاد
فاسـأل الله ما طلبت إليهـم               وارج فضـل المقسـم العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه           وتسـم البخيل باسم الجـواد
ولكن هذه النزعة لم تدم طويلا ولم يكتب لها البقاء فقد ضاعت مع ضياعهم.
وفيما عدا هذا فقد كان الشعراء يسيرون على نهج فحول الجاهلية يفخرون ويهجون ولكن في معان جيدة وألفاظ مهذبة تأثرت بأسلوب القرآن. وكان طبيعيا أن يتبع النقد فيسير كذلك على هذا النهج. فقد كان الشعر ينشد في المربد وغيرها من الأسواق فيعرض له النقاد ليصدروا فيه عن ذوق حضري مهذب أحكاما تبين ميزة الشاعر ووجود ضعفه وقوته. وأخرى تتجه إلى التفضيل بين الشعراء فأي الثلاثة أشعر: جرير أم الفرزدق أم الأخطل. وإذا نظروا إلى المعاني فإلى الجزئية منها. أما في الشام فبالرغم من أننا لا نجد فيها شاعرا مشهورا غير عدي بن زيد الرقاع شاعر الوليد بن عبد الملك. فقد ازدهر فيها المديح بسبب الشعراء الذين كانوا يزورون دمشق ليمدحوا الخلفاء متنافسين وراء العطاء والشهرة، فقد كانت مجالس الخلفاء تعمر بالشعراء والأدباء الذين كانوا يجدون في القصر منتدى لهم يتناشدون فيه الشعر ويتدارسونه، مما جعل لهذه المجالس أثرا كبيرا في الأدب والنقد، ولا غرابة فهي عند العرب كالصالونات عند الغرب. ففي العقد الفريد أن عبد الملك بن مروان سمر ذات ليلة وعنده كثير فقال له: «أنشدني بعض ما قلت في عزة» فأنشده إلى هذا البيت:
هممت وهمت تم هابت وهبتها
                     حياء ومثلي بالحيــاء حقيق
فقال له عبد الملك: «أما والله لولا بيت أنشدتنيه قبل هذا لحرمتك جائزتك» قال:
«ولم يا أمير المومنين؟» قال: «لأنك شركتها معك في الهيبة ثم استأثرت بالحياء دونها» قال: «فأي بيت عفوت به عني يا أمير المومنين؟» قال «قولك:
دعوني لا أريد به سواها  دعوني هائما فيمن يهيم»
واجتمع مرد في مجلسه جرير والفرزدق والأخطل فأمر بإحضار كيس فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: «ليقل كل منكم بيتا في مدح نفسه فأيكم غلب فله الكيس».
قال الفرزدق:
أنا القطران والشعراء جربي
                  وفي القطران للجربى شفاء
وقال الأخطل:
فـان تك زق زاملة فاني
                  أنا الطاعون ليس له دواء
وقال جرير:
أنا الموت الذي أتي عليكم
                  فليس لهارب مني نجاء
فقال له عبد الملك: «خذ الكيس فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء».
فعبد الملك في الشام كابن أبي عتيق في الحجاز ناقد خبير يتذوق، ويتعمق، فلقد عاب على بعض الشعراء عدم براعتهم في الاستهلال وعاب على آخرين إطالتهم في مدح أنفسهم. وفي رأيه أن المدح يجب أن يكون خالصا للممدوح.
وإذن فالنقد في هذا العصر لم يبعد كثيرا عن النقد الجاهلي والإسلامي فهو لازال يعتمد على الفطرة والذوق والشعور، ولازالت أحكامه بسيطة غير معقدة ولا معللة تتأثر في أغلبها بهوى الخليفة أو الولي وإن كانت في أغلبها صادقة مؤيدة. وحتى الموازنة التي رأيناها تنتشر في مربد العراق لم تكن تعتمد على دراسة أو بحث وإنما كانت تتأثر بفكرة المنافسة بين القبائل.
ثم وضع العلماء النحو في آخر العصر الأموي وضبطوا قواعده فظهر لون جديد من النقد كانوا يلاحظون فيه على الشاعر أخطاءه النحوية وعدم مسايرته لمنحى الأعراب. فقد نقدوا النابغة في بيته:
فبت كأني ساورتني ضئيلة    من الرقش في أنيابها السم ناقع
وقالوا إن الصواب أن يقول ناقعا بالنصب على الحال. وهو لون قد أخذ يظهر فيه عنصر الموضوعية وإن كانت موضوعية جزئية. فالناقد لا ينظر إلا من زاوية معينة، لا يحاول أن يفحص النص أو يبحث في جوه وما جاء فيه من معان وخيال وابتكار وتقليد، مما يجعلنا لا نغلو إذا قلنا إن النقد في عصر بني أمية كان لا يزال في طوره البدائي ولم ينتقل بعد إلى طور التعمق في فهم الأدب.
أما في العصر العباسي فقد ازدهرت الحضارة وانتشر الترف واتسعت الثقافة لتشمل جميع ألوان المعرفة وقد نضجت آداب العرب ونقلت علوم غيرهم إلى لغتهم بعد أن نظمت الترجمة وشجعتها الدولة فأسس المأمون في بغداد مدرسة للمترجمين تضم مكتبة وتشرف عليها هيئة نظامية وجمعت مادة اللغة كما جمعت مادة الشعر الجاهلي والإسلامي وما أصدر عليه النقاد من أحكام. وتأثرا بهذه الثروة العلمية والأدبية، تحول الذوق الفطري إلى ذوق مثقف وتشعبت فنون الآداب لتشمل الرسائل والخطب والحكم والوصايا والأمثال، إلى جانب الشعر الذي لم يعد يصدر عن الطبع والسليقة، وإنما أصبح فنا وصناعة. واتخذ النقد في تناوله لهذه الفنون اتجاهين مختلفين:
فأما الأول فتقليد لنقد الأقدمين من جاهلين وإسلاميين ولكنه أوسع وأعمق، فقد أخذ علماء اللغة ينظرون في شعر السابقين ويبدون رأيهم فيه، فأبو عمر بن العلاء يقول في ذي الرمة: «إن شعره نقط عروس تضمحل عما قليل أو أبعار ظباء لها شم في أول شمها ثم تعود إلى أرواح الأبعار» وتنازعوا في أفضيلة شاعر على آخر، فعلماء البصرة يقدمون امرأ القيس وعلماء الكوفة يقدمون الأعشى وعلماء الحجاز يقدمون النابغة وزهيرا. ونظروا في شعر الشعراء وبحثوا الموضوعات التي نبغوا فيها وأتقنوها والموضوعات التي فشلوا ولم يوفقوا فيها فقالوا: «امرؤ القيس يحسن وصف المطر، وعنترة يحسن ذكر الحروب وطفيل الغنوي يحسن وصف الخيل وعمر بن أبي ربيعة يحسن ذكر الشباب». ثم نظروا في المعنى الواحد عند أكثر من شاعر وفي الألفاظ ما يستحسن منها وما يستقبح وإلى أخطاء النحو والإعراب وإلى ما وقع في الشعر من إخلال بالوزن والقافية وكان الخليل بن أحمد  قد وضع علم العروض وحدد أوزانه وقواعده، ونظروا إلى ناحية الدين والأخلاق فعابوا على الشعراء الذين يمدحون ويسرفون ورأوا أنهم بغلوهم يجاوزون حدود الدين كما نظروا إلى الشعر من زاوية عناصره الفنية الخالصة كالخيال والاستعارة والكفاية والمجاز والابتكار والتقليد.
وأما الثاني فاتجاه علمي، لم يسبق إليه القدماء يعتمد على المناهج ويقول على التأليف ووضع الكتب. ولعل أقدمها كتاب:(طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي وقد تناول فيه طبقات الشعراء فجعل الجاهليين عشر طبقات وكل طبقة أربعة شعراء وزاد على هذه الطبقات العشر طبقة أصحاب المراثي ثم شعراء القرى العربية وجعلها خمسا مكة والمدينة والطائف واليمامة والبحرين ثم شعراء المدينة الفحول من أوس وخزرج. ثم قسم شعراء الإسلام فجعلهم كالجاهليين عشر طبقات وكل طبقة أربعة شعراء، وقد اعتمد في تقسيمه على كثرة شعر الشاعر وجودته وتعدد أغراضه دون إحصائها كلها مقتصرا على المجيدين في المراثي وكأنه رآها أغزر الأغراض بالعاطفة. والذي يؤخذ عليه أنه غلب الكثرة فجعلها مقياسا لقيم الشعر دون أن ينظر إلى التوفر الفني فيه في وقت لم يوفق في حكمه بالقلة على شعر بعض القرى كمكة مثلا وكأنه لم ينظر إلى شعر عمر بن أبي ربيعة وغيره من الغزليين. كما أنه لم يقف طويلا عند النصوص التي أوردها لينقدها ويدقق البحث فيها ويكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها. وابن سلام في نقده يعتمد على الذوق في تقدير القيم الفنية والإحساس بالجمال، وعلى الدربة والبصر بالشعر وعلى النظر في النصوصلتحقيق نسبتها وفي ظواهر الصحة والانتحال وتفسيرها منقبا عن العوامل ومدللا على الأسباب في روح علمية ونهج قويم. والدارس لطبقات ابن سلام يلاحظ أنه أسس نقده على عناصر أربع: عنصر ذاتي في نظرته إلى الكثرة والجودة، وعنصر تاريخي في تحقيقه في صحة الشعر ونسبته. ثم عنصر موضوعي في تقسيمه الشعراء إلى بدو وحضر. ولعل هذه أول مرة يلاحظ فيها الناقد العربي أثر البيئة في أسلوب الشاعر كما في تعليله لسهولة شعر عدي بن زيد بان كان يسكن الحيرة ومراكز الريف.
وبالرغم من أن ابن سلام عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث فإنه لم يعرض بالنقد والتحليل لشعر معاصريه أمثال أبي نواس وبشار وأبي تمام ولعله لم يتصد لهم خشية أن يصاب يهجوهم المقذع ولعله كذلك لم يكن يعتد بشعر المحدثين جريا على ذوق اللغويين المحافظين. وابن سلام وإن لم يبعد كثيرا عن حدود المنهج الفني، ولم يعتمد على منهج مستقيم فقد أصاب في التبويب وتحقيق النصوص واستطاع أن يعطي صورة للنقد العربي وتطوره منذ الجاهلية حتى أوائل القرن الثالث ضمت أذواقا مختلفة وأفكارا مبعثرة لم شتاتها ووطد أصولها. ولعل هذا كفيل بأن يجعل كتابه من أهم ما كتب في النقد الأدبي عند العرب أفاد النقاد بعده كثيرا مما جاء فيه.
 
   

 


    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here