islamaumaroc

ماذا بعد استقلال موريطانيا؟

  دعوة الحق

34 العدد

في الساعات الأولى من صباح يوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر انتهى آخر مشهد من المؤامرة المخزية التي حيكت ضد الشعب الموريطاني وضد التاريخ الموريطاني وضد العروبة والإسلام.
وفي هذا اليوم بالذات يركب العميل ابن دادة رأسه ويقدم لأعداء التحرر وأعداء العروبة بلادا يحكمها اقتدارا وشعبا لم يقبل في يوم من الأيام أن يكون ذلك الخائن هو المتحدث باسمه أو المعبر عن آماله ومطامحه.
في هذا اليوم الأسود يبيع ابن دادة القطر الموريطاني لجلاديه السابقين ليتولوه برعاياتهم وينفحوه بعطائهم، ويحولوه –بالمقابل- إلى حاجز خطير منيع يقف حائلا بين اتصال شمال القارة الإفريقية بغربها وجنوبها. ويجعلوا منه (ثانيا) منطقة عسكرية تحشد فيها الجيوش والطائرات لتهديد استقلال الدول الحديثة العهد بالانعتاق من السيطرة الأجنبية ويتخذوا منه (ثالثا) مركزا للتجسس على الدول التي رفضت بإباء وشمم أن تنقاد وراء التوجيه الخارجي الأجنبي وفضلت أن تسلك طريق التحرر الكامل وأن تباشر مسؤوليتها الدولية وشؤونها الداخلية بمقتضى مصالحها وحاجاتها الحقيقية وأهدافها المرسومة ويمنعوا بواسطته (رابعا) الزحف الإسلامي وانتشار اللغة العربية في مجاهل إفريقيا ذلك الانتشار الذي كان من الحوافز على اتباع سياسة التبشير الموجهة وتغليفها -أحيانا- بمظاهر الإحسان والشفقة وأحيانا أخرى بالتخويف والإرهاب ولينفردوا (خامسا) باستغلال خيرات هذا الإقليم من حديد ونحاس وبترول محتمل حيث أن انضمام موريطانيا إلى المغرب سيبخر حتما هذه المطامع ويجعل خيرات موريطانيا في خدمة الموريطانيين أنفسهم ومسخرة لرفاهية هذا الشعب الفقير المتخلف.
إن المؤامرة التي تحاك آخر خيوطها في هذا اليوم يراد بها في الواقع تأمين الأهداف الخمسة الرئيسية السابقة، لا إبراز شخصية موريطانيا أو الأخذ بيدها لتحتل مكانها في الأسرة الدولية كما يحاول الاستعمار أن يوهم الأفارقة والعالم الخارجي.
فإقامة دولة مستقلة رمزيا بصحراء شنقيط يمنع تماس المغرب العربي مع أقطار إفريقيا الغربية السوداء، ويبعد حدودها عن بعضها بمقدار ألفي كلمتر، وهذا الإبعاد عرقلة حقيقية في طريق تعاون المنطقتين في الميدانين التجاري والاقتصادي، وفي طريق تطوير القارة الإفريقية، لأن المغرب الذي يتوفر على تجهيزات اقتصادية مهمة، والذي قطع أشواطا بعيدة في مجال التطور الاقتصادي، في إمكانه أن يضع خبرته وتفوقه عن صدق وإخلاص في خدمة الأسرة الإفريقية، ولأن الدول الإفريقية الفتية ذات الإنتاج الخام في استطاعتها  أن تعتمد –إذا ما كانت مجاورة- على هذه الخبرة في تحويل إنتاجها محليا أو تصديره إلى السوق المغربية القريبة منها، الأمر الذي ينجح المجهودات الاقتصادية ويخلق وحدة إفريقية حقيقية ويبعد الأفارقة عن التبعية والارتباط.
هذا من الناحية الاقتصادية البحتة، أما من الناحية السياسية فإن خلق هذا الكائن الغريب في قلب إفريقيا الغربية يباعد جغرافيا بين دول تدين بمبدأ عدم التبعية وهي المغرب من جهة ومالي وغينية وغانا من جهة أخرى، والخطة المرسومة بعناية من الاستعمار هي منع هذه الجبهة المتحررة المحايدة من الالتحام والتجاور حتى لا ينتج عن ذلك تساند موضعي للتيار المعادي للاستعمار من شأنه أن يؤثر في التوازن الاستعماري بهذا الجزء من القارة، وأن يقضي على الترتيبات والتقديرات التي تراود المحتلين السابقين.
ولا يمكن لفرنسا ومن ورائها مصالح الغرب كله أن تجد ميدانا للتربص والانتظار أحسن من هذه المنطقة التي تحتل قلب إفريقيا الغربية، وهي إذا حشدت أربعين ألفا من الجنود بمعداتهم خلال الشهرين الماضيين وهي إذ تركت ابن دادة وكيلا عام «دائما» عنها فهي متيقنة من أن هذه القوة الضاربة بمقدورها أن تعمل بسرعة وتتجه إلى أي مكان تجد فيه فرصة للتدخل وإعادة السيطرة من جديد.
وهكذا فإن إيجاد كيان مموه لما تسميه فرنسا بالجمهورية الإسلامية هو الخاتم السحري الذي ينتصب عند إدارته البعبع الاستعماري وينشب أظفاره إذا ما اقتضت الظروف في أي جسم من هذه الأجسام الفتية التي فتحت أعينها أخيرا على النور.
فتحويل مليون كلمتر مربع من الأراضي ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى إلى قاعدة حربية هو أحد الدوافع الحافزة بالاستعمار إلى الاستماتة في «إجهاض» هذه الدولة وفي المبادرة إلى إنالتها الحرية لتقول إنني في خدمة مصالح الاستعمار.
وتأتي بعد ذلك قضية التجسس على الأقطار «المتنطعة» كما يسميها غلاة الفرنسيين وهذه القضية يشرحها بوضوح القرار الذي اتخذه برغارال المشرف الحقيقي على الشؤون الداخلية في إقليم موريطانيا، فهذا القرار يعطي للمكتب النفساني الفرنسي الذي طردته حكومة مالي من ترابها ترخيصا بالعمل –في الإقليم- ومكتب من هذا النوع لا يهتم بشيء اهتمامه بتنظيم حرب الأعصاب وجمع المعلومات بواسطة العيون وأفلام المخابرات، وإزاء هذا فليس هناك ما يحملنا على الاعتقاد بأن مؤامرة الاستقلال ستوجه قبل كل شيء لضرب الثورة الجزائرية التي تجري عملياتها الحربية قريبا من حدود موريطانيا.
وتأتي بعدئذ الدوافع الأخرى ذات المدى البعيد من حيث النتائج المتوخاة، وهنا نتذكر المؤامرة الاستعمارية في كاطانكا التي سعى البلجيكيون وأصحاب المصالح من الرأسماليين إلى فصلها عن جمهورية الكونغو للاستئثار بخيراتها، وسلب معادنها تحت قناع المشروعية والتعاون الطبيعي مع المالك الحقيقي.
وهنا نتذكر كذلك الخوف الذي ساور المستعمرين من إمكانية استئناف الانتشار الإسلامي داخل القارة، وعودة المنبع الذي يقع في الشمال إلى إرسال موجات الدعوة كما كان الحال قبل التسلط الأجنبي. فالإسلام الذي لم يعرف توقفا أو انحسارا كان دائما عرقلة أساسية في إخضاع الأفارقة وإدخال الثقافة الأجنبية والعادات الاجتماعية الأوروبية في حياتهم. والملاحظة التي أدهشت المستعمرين هي أن الدول الإسلامية في إفريقيا أكثر من غيرها مجافاة للرجل الأوروبي والتقاليد الغربية، وأكثر من غيرها أخذا بمبدأ الحياد.
وإذاً فإذا تمكنت الجمهورية «المجهضة» من الوقوف ولو بعض الوقت على قدميها فذلك سيصرف الجوار الى تطاحن فيما بينهم حول الحدود وتضارب في ميدان الاجتهاد القانوني ما سيسمح بالمضي بالمؤامرة إلى نهايتها هذه المؤامرة التي تستهدف كما مر بنا المغرب والقارة الإفريقية والقيم الروحية وأخيرا الشعب الموريطاني. ولكن هل ستمر الأحداث على هذا المنوال؟ هذا السؤال سيجيب عنه عمليا الشعب الموريطاني، والتاريخ ينتظر من هذا الشعب الأبي الواعي لخطورة ما سيقوله أن يكتب فيه صفحاته وأن يثبت صفحات أخرى كانت قد بترت منه طيلة نصف قرن.
إرادة الشعب الموريطاني هي التي ستقرر كل شيء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here