islamaumaroc

كلمات وإشارات-13-

  عبد القادر زمامة

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

53 جغرافي رحالة من القرن الرابع:
كان القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، عصرا فريدا في تاريخ العالم الإسلامي، نضجت فيه ثمار الحضارة وثمار المعرفة بسائر أنواعها....، وكان ميدان الرحلة من الميادين التي نالت حظا وافرا من طلاب المعرفة: الأدبية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية... ، والاجتماعية...،
ويرجه سبب ازدهار الرحلة بالخصوص شرقا وغربا إلى عامل أساس...، وهو عامل الصراع السياسي بين الدول التي تعمل في فلك العباسيين...، وبين التي تدور في فلك العبيديين...، والأخرى التي تعمل لإرضاء السياسة الأمويين في الأندلس...، وكان بعض هؤلاء الرحالين يكتمون أهدافهم ولا يكتبونها في الكتب التي يظهرونها للناس...، ولكن قرائن الأحوال، وبعض التلميحات والإشارات في رحلاتهم الباقية إلى الآن تشير إلى ما أضمروا....، وما موهوا به على الناس أثناء رحلاتهم البرية والبحرية.. في تلك العصور...
والحديث هنا في هذه الإشارة منصرف إلى جغرافي رحالة، هو ذلك الأديب الذكي الداهية الذي جاب أقطار العالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، وجمع من المعلومات والأخبار والمعارف المتنوعة ما يشهد به كتابه الباقي بين أيدينا إلى الآن. والمسمى:
أحسن التقاسيم إلى معرفة الأقاليم...
واسم مؤلفه: محمد بن أحمد المقدسي البشاري... فهذا الأديب ببراعته حكاية ووصفا جعل الجغرافية عموما....، والرحلة خصوصا فنا وسطا عنده بين العلم والأدب... والموضوعية، والذاتية...، يتحدث عن نفسه حديث الواثق المفتخر الجاد أحيانا...، كما يتحدث عنها حديث الهازل الساخر المختال أحيانا أخرى.. ! يعرف اللغة الفارسية...، وبسبب ذلك زار أقطار العجم مستوعبا الأمصار والبلدان والقرى والحصون والثغور...، وكان يزور بلدانا يعرفها...، وأوطانا يمت إليها بصلات لا تبلى...، وقد كانت أمه فعلا خراسانية الأصل... ومعلوماته الاقتصادية والسياسية والجغرافية عن الأقاليم العجمية: بخارى، وسمرقند... وأذربجان وأرمينية. والسند. والهند... معلومات طريفة ومفيدة...، نستفيد منها نحن الآن كما استفاد منها الذين كتبت إليهم... !!
وقد قال بعض الباحثين...
إن المقدسي قدم كتابه هذا إلى السامانيين الذين سيطروا على قسم واسع في الأقاليم العجمية التي كانت في الأصل تابعة للعباسيين في بغداد... !!!
كما أنه قدمه أيضا إلى الفاطميين الذين كانوا قد أقاموا دولتهم في القاهرة...
فإذا صح هذا...، ولا مانع من صحته.. !!، فمن حقنا أن نتساءل...:: هل هذا النص الذي بين أيدينا هو النص الذي قدمه المقدسي إلى كل من السامانيين... الفاطميين؟ أو هو نص آخر...، به تحويرات لما قدمه إليهم في النسخة الأصلية...؟؟؟؟
ومن ذهاء المقدسي أنه لا يقدم كتابه هذا في شكل رحلة، لها بداية... ونهاية...، ولكن يقدمه وكأنه تقرير مفصل عن الأقاليم التي زارها حسب ما يظن أنه مستوعب ومفيد...، بحيث لا يمكننا أن نخطط خطا جغرافيا للطريق التي سلكها في ذهابه وإيابه...
والمقدسي – حين رحلته – كان شابا قوي الشخصية، حاضر البديهة... ومن الطريف أنه يذكر بعض الغمرات التي غامرها...، والضرورات التي لاحقته في عدة مواقف...، والألقاب التي لقب بها...، وفيها الجد والهزل. والحق والباطل. والمفهوم وغير المفهوم...
عرف المقدسي المحاسن والمساوئ والملل والنحل والمذاهب والجماعات.. كما عرف من الاصطلاحات التي اختلفت من إقليم إلى آخر شيئا كثيرا..، وهو حريص على ذكر هذه الاصطلاحات، ولاسيما فيما يرجع لأسماء النبات والفواكه والأدوات والمكاييل والموازين والتقسيمات الإدارية والخطط القائمة للحكم في الناس...
وصل المقدسي إلى الشمال الإفريقي، ولكن لم يعبر إلى الأندلس..، وتحدث عن القطار العربية في العراق والشام ومصر وجزائر البحر الأبيض المتوسط كما تحدث عن القيروان وفاس...
وأسلوب المقدسي أسلوب أدبي، فيه صنعة وتصنيع، ولكنه على الجملة مقبول.. ويعجبك فيه أنه ينظم المعلومات، ويرتب الأفكار، غير أن قلمه لا يخلو من لدغات وانتقادات، وتطرق إلى المساوئ والعورات، عاش، المقدسي 55 سنة، وكانت وفاته سنة 390هـ كما يقول المؤرخون...

54 بدر الدين بن جماعة 733هـ/1333م
من قضاة العدل المشهورين في كتب التاريخ والطبقات بالذكاء والنبل والتعمق في معرفة الأصول والفروع والكتاب والسنة القاضي بدر الدين ابن جماعة الذي جمع إلى خطة القضاء الخطابة والتأليف، وعرفته مجالس ومنابر: القدس الشريف. ودمشق. والقاهرة. وغيرها...
وقد قضى حياته في ظروف سياسية وفكرية واجتماعية اختلت فيها الموازين والقيم، واختلطت فيها الأوراق... !!، ولكنه كان يمارس أداء رسالته بوعي ولطف، وأناة، وحكمة، كانت مضرب الأمثال، في عصره، وبعده...
ومن الطريف في سيرته التي اهتم بها تلامذته وغيرهم ما يحكيه المؤرخ ابن كثير في حوادث سنة 707هـ وذلك أن القاضي ابن جماعة ترأس في ظروف دقيقة محاكمة في القاهرة كان المدعي فيها هم جماعة من الصوفية يتقدمهم:
- الشيخ الصوفي الشهير ابن عطاء الله السكندري، صاحب الحكم وغيرها من كتب التصوف، والمدعى عليه فيها هو:
الإمام الشهير ابن تيمية صاحب المؤلفات الكثيرة، والمواقف الشهيرة، والأفكار الشهيرة... والمعارف الواسعة... والقلم السيال...                         
    وكان حكم هذا القاضي الذكي الواعي بالغ النهاية في النزاهة والفهم واللباقة ومراعاة الظروف، وبذلك أحبط سعي الذين كانوا يرغبون في إيقاد نيران الفتن، وقد تحدث الناس بذلك كثيرا، وضربوا المثل بنزاهة ابن الجماعة وذكائه وتفهمه للظروف الدقيقة التي تكثر فيها الحساسيات، وتبرز فيها رؤوس أفاعي الفتن والأهوال تعمل عملها المعهود في تشتيت الأفكار، وتمزيق الوحدة.. ولهذا أشرنا إلى هذا القاضي الذكي النزيه علينا... !!
وقد كان شافعي المذهب في الفقهيات، اشعري المذهب في الاعتقاديات، وكان ابن تيمية حنبليا سلفيا، لا يتحرج من إبداء رأبه باللسان والقلم، مع نقد احتجاج بالنصوص.. ! ومع ذلك كله أبى القاضي بدر الدين بن جماعة إلا أن ينطق بكلمة الحق في تلك الظروف العصيبة... ! فأرضى ضميره. وأطفأ نيران التمزق والفتنة..
أما نوع حكمه فهو مشهور في كتب التاريخ والطبقات، ونحن الآن هنا في مقام الإشارات فقط...

55 مدلول الحوالة:
لهذه الكلمة وجود معروف في كتب الفقه وفي كتب اللغة. كما أن لها دلالة اصطلاحية خاصة، ولا سيما أمصار المغرب. التي لها في تاريخها عدد كبير من الأوقاف، والمبرات التي خلفها المحسنون والمحسنات.
- فالمعنى اللغوي للكلمة يدل على أن الغريم حينما طالبه دائنه بأداء ما في ذمته لم يمكنه منه، وإنما أحاله على شخص آخر وصرفه إليه ليقبض منه ما كان في ذمت غريمه.. !
- والمعنى الفقهي الذي ذكره الفقهاء عند تعرضهم لأحكام الإحالة هو معنى مأخوذ من المعنى اللغوي ولا...ك. ويعبرون عنه غالبا باسم الحوالة. أو الإحالة...
- أما المعنى الاصطلاحي فهو ما نشير إليه في هذه السطور باقتضاب...
وقبل ذلك لابد أن نشير إلى أن هناك كلمتين اثنتين هما:
- الإحالة. وهي مصدر أحال يحيل.
- والحوالة، وهي اسم مصدر لهذا الفعل، وقد صارت هذه الأخيرة الحوالة في الاصطلاح تدل على نقل نسخة من سجلات الأملاك التي بها أحباس، على المساجد أو المدارس أو الحمامات، أو على غيرها من مرافق البر والإحسان، إلى سجل خاص يحتفظ به في كل مدين ناظر الحباس، وذلك السجل الحبسي يسمى بهذا الاسم – الحوالة – اصطلاحيا...
وهذا السجل – الحوالة – يبقى محفوظا: جيلا بعد جيل. وعصرا بعد عصر... وهو مرآة لما هو لجانب الأحباس من أراض وأملاك متعددة، مع النص على كل ما يعين ذلك، سواء كان ناجزا أو مؤجلا أو معقبا أو تاما أو مشتركا.
ولا يخفى ما لهذه الحوالات من أهمية: دينية، واجتماعية، وتاريخية؟، وحضارية، ولا سيما منها ما كان مسجلا منذ أحقاب مرت. فمنها نعرف عدة أسماء، وعدة مصطلحات، وعدة بيوتات، وعدة خطط..، وما إلى ذلك... !، وبعضها اندثر الآن... وبعضها ما يزال قائم الذات. وأبو العباس أحمد بن يحيى الوشريسي الفقيه النوازلي الشهير المتوفى سنة 914هـ... يسمي هذه (الحوالة الحبسية) في كتابه«المعيار»هكذا:
«زمام تكسير الأحباس»، ويعبر عنها آخرون بتعابير أخرى... !
وعلى كل، فمدلول (الحوالة) مدلول حضاري متميز في البدايات والنهايات...

56 هذه المخففات....
يلفت النظر أننا نسمع النطق ببعض الكلمات التي تنتهي بهاء التأنيث قبلها ياء، نسمعها أحيانا – بتشديد هذه الياء -... ويظهر أن ذلك سبق لسان فقط...
من ذلك على سبيل المثال يقولون:
- أرض مستوية.... ! 
- وشجرة ندية... !
- ورجل يفعل المعروف طواعية...
- وهذه رباعيات ناصعة البياض في فم هذا الإنسان... المهتم بنظافة أسنانه...
- وهذا رجل يحف أن يتغلى بالغالية وهي العطر المعروف الذي كان له عند الأقدمين شأن... !
- لثة الأسنان، وجمعها لثات، لما نشاهد حول السنان من لحم... !
- ويقولون: فعل هذا الرجل نحوك هذه الفعال كلها طماعية في مجازاته والإحسان إليه...
- ويقولون: إجتنب في سلوكك هذه الطرق الملتوية التي لا تؤدي إلى غاية نبيلة...
هذه الياءات الواردة قبل تاء التأنيث حقها التخفيف، وبعض اللسنة تسبق إلى تشييدها كما أشرنا إلى ذلك...
وهناك ياءات أخرى حقها التشديد. وبعض اللسنة تسبق إلى تخفيفها...
وكما اشرنا إلى بعض الأمثلة من المخفف سنشير إن شاء الله إلى بعض الأمثلة من المشددة التي ينبغي ألا تخفف إلا لضرورة كما هو معلوم...

57 مطيب الأندلس... !
عبد الواحد التميمي المراكشي الأديب المؤرخ. أملي كتابه:«المعجب» في المشرق سنة 621هـ والكتاب في حقيقة الأمر مجموعة من المعلومات الجغرافية والحضارية والتاريخية والأدبية أتحف بها المراكشي من ندبه لذلك من الأمراء أو الوزراء ليطلع على أخبار المغرب بالمعنى العام والأندلس....
وقد ضم كتاب المعجب نظرات وإشعاعات وملاحظات مفيدة أملاها من ذاكرته..، من جملتها تلك المشاهدات التي مرت أمامه في كثير من مدن المغرب والأندلس أيام تطوافه بها...
ونشير هنا إلى ما ذكره عن«مطيب الأندلس». يقول المراكشي:
«مدينة بلنسية، وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء، كان أهل الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان: (مطيب الأندلس)، والمطيب عندهم: حزمة يعملونها من أنواع الرياحين، ويجعلون فيها. النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات... ! سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها... !!
ومعلوم أن المغاربة يسمون الباقة من الأزهار والرياحين.. (بالمشموم) كما كان الأندلسيون يسمون الحزمة من الرياحين (المطيب).

58 كاتب السر... !
من المعروف المتداول في تاريخ الحضارة الإسلامية في دول المشرق: دولة العباسيين.، ودولة الفاطيين، ودولة الممالك، وغيرها من الدول المشرقية التي كانت لها دواوين، أنه كان من جملة تلك الدواوين ديوان يسمى ديوان الإنشاء... ! وصاحب هذا الديوان يعني رئيسه، كان يلقب أحيانا بلقب كاتب السر... !
وبعض الكتاب يلقبونه كاتم السر... بالميم هكذا.
ويظهر حسب الاستقراء أن لقب كاتم السر بالميم إنما هو من أثر الاتصال في العصر الحديث باللغات الأجنبية ومحاولة ترجمة (Secrétaire) بتجزئتها إلى قسمين:
الأول: Secré التي تعني السر...
الثاني: taire التي تعني الكتم... !
وهكذا صاروا يتحدثون عن رئيس ديوان الإنشاء الذي كان يلقب في عصره بلقب كاتب السر، يتحدثون عنه بلقب مترجم وهو: كاتم السر.. !!! وهذا اصطلاح حديث، والفرق واضح بين اللقبين: القديم والحديث..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here