islamaumaroc

أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش

  السعيد بوركبة

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

توطئة:
يعتبر جامع بن يوسف من الجوامع الكبرى المعروفة بمراكش وأنه منذ أن أسس من قبل أبي حسن علي بن يوسف بن تاشفين، وهو يقوم بأداء رسالته العلمية إلى جانب رسالته الدينية والتربوية.
ولا عجب أن تتلاقى في رحابه – عبر التاريخ – آلاف مألفة من طلبة العلم، سواء كانوا من مدينة مراكش أو من غيرها، هذه المدينة التي عرفت بأمجادها العريقة وتميزت بحضارتها الأصيلة السامقة، مثلما تميزت بكونها عاصمة المرابطين والموحدين والسعديين معظم دولة العلويين، فكانت بذلك مركز إشعاع علمي حضاري، ومركز كل قرار سياسي، مثلما ضمت رفات أولياء مصلحين، فأصبحت بذلك حقا – كما قال لسان الدين ابن الخطيب في كتابه (مقامات البلدان) عند ذكر مدينة مراكش – تربة الولي وحضرة الملك الأولى.
 أجل لقد شاهد جامعها اليوسفي عشرات الحلقات العلمية التي اكتظت جوانبها بمئات من الطلاب، بغية التلقي العلمي، فدأبوا على ارتشاف معينه صباح مساء، فتنورت به عقولهم، واتسعت بذلك مداركهم.
وقد تجسمت تلك المعرف في كل الفنون العلمية التي عرفتها لغة الضاد.
فمن فنون أولية كالنحو والصرف واللغة العربية، وآدابها والعروض، إلى فنون البلاغة من معان وبيان وبديع إلى فني التاريخ والسير، إضافة إلى علم الكلام والفلسفة والمنطق، إلى مواد الرياضيات وعلم الهيئة والهندسة، إلى مواد الفقه وأصوله والقرآن وعلومه، والحديث ومصطلحه إلى غيرها من بقية الفنون.
وقد كان تدريس هذه المواد وتلك الفنون من خلال المصادر الكبرى المعهودة في كل مادة مادة، فيحصل الطلاب بها في نهاية المطاف على ملكة علمية رصينة، تؤهلهم في مجالات الحياة العلمية والدينية والمجتمعية.
وليس من شك، في أن جامع ابن يوسف عرف - عبر التاريخ – صفوة من خيرة العلماء، كرست حياتها لخدمة العلم ونشره، فكان بذلك منار اهتداء.
أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش
وسألقي في هذا البحث بعض الضواء على من أسهموا بحظ وافر في تنمية الثقافة الإسلامية وسيرها في هذا الجامع الأعظم، سيرا حسنا حثيثا.
وسأقتصر على طائفة من العلماء عاصرت المولى عبد الرحمن بن هشام الملك العلوي وولده محمد الرابع، والحسن الأول ومن أتى بعده.
ومن بين هؤلاء العلماء.

1- السيخ البهلول بن علي بوسلهام الرحماني، 1272هـ
كان الشيخ البهلول علما فاضلا متقنا للقراءات، وقد أخذ ذلك من علماء وقته ومن بينهم: الأستاذ الصالح سيدي محمد بن هدي السرغيني الزرادي بمدرسته بأولاد زراد.
وكانت مقروءاته مرسومة في حائط مجلس درسه بجامع ابن يوسف قرب الباب في جهة الجنوب عندما كان هناك عالما مدرسا فاضلا، وكان يسكن بالمحمديين من قبيلته.
ولما التقى بالسلطان المولى عبد الرحمن بن هشام مع رفيقه الأستاذ ابن حمو الرحماني قاضي الرحامنة، وكان ولاه السلطان على أخذ زكاتهم، وإليه ترجع أمورهم، أخذ السلطان يستشيرهما في تولية عمال أحوز، كما أخذ يحضره في جملة العلماء في قراءة البخاري بمجلسه المنيف، وكان له به عناية ومحط تقدير، حتى إنه كان يفضله على علماء فاس، ويحتج به عليهم.
وقد كان الشيخ البهلول يدرس أيضا بجامع سيدي أبي العباس السبتي، حيث أخذ عنه كثير من الطلبة هناك، فأصبحوا علماء وقتهم، وبقي الشيخ مستمرا في عطائه العلمي إلى أن أصبح هو ورفيقه المشار إليه أعلاه ضحيتي وشاية كاذبة من عاملي الرحامنة: علال بن عبد الله الشيظمي وزروال، حيث أوعزا إلى السلطان، أنهما ما داما في الرجامنة فإنه لا يستقيم لها أمر، فقبضا عام: 1270هـ ثم رحلا لفاس، وبقي البهلول بها إلى وافاه أجله بها عن نيف وثمانين سنة عام 1272، فدفن بمقبرة العلماء هنالك.(1)

2 – الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد أزنيط المتوفى سنة 1290هـ:
فقد كان هذا الشيخ من العلماء الذين عرفهم الجامع اليوسفي، وكان مشاركا حافظا، تصدى للتدريس والتعليم بالجامع المذكور، حيث كان مجلسه يقع على يسار الداخل من باب زاوية الحضر... فكان آية مشرقة في الفقه المالكي، حتى قيل إنه كان يحفظ شرح الخرشي على مختصر خليل بن إسحاق المالكي.
ومن المعلوم أن من كان في مثل هاته المكانة الفقهية يكون علما من الأعلام المعتمدة في هذه المادة، وقد توفي في عشرة التسعين من القرن 13 الهجري.(2)

3- الشيخ محمد بن الطالب الحربيلي المراكشي المتوفى سنة 1290هـ:
ومن الملاحظ في الشيخ محمد الحربيلي: أنه كانت فيه حدة في طبعه يواخذ بها من يتراخى من المؤذنين في أوقات الأذان، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على حرص الرجل على
 القيام بمهمته المنوطة به في هذا المجال، وقد بقي على ذلك إلى أن وافاه أجله المحتوم في نحو 70 سنة.(3)                                                                  
أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش

4- الشيخ الفقيه محمد بن عبد الرحمن المدغري المتوفى سنة 1299هـ:
يعتبر الشيخ المدغري هذا من ذرية مولاي محمد ابن علي طاهر العلوي... وقد كان مترجمنا يدرس العلوم في بداية أمره بأمسيفي، وهي قصبة من قصبات الغرفة بإقليم تافيلالت، اشتهرت بإنجاب العلماء خاصة في القراءات القرآنية وما يتعلق بها.
وقد كان من الصدف الحسنة أن كتب المولى عبد الرحمن بن هشام لقاضيه بسجلماسة العلامة الصادق ابن محمد المدغري بالنظر فيمن يكون من أهل العلم والدين والشرف ليوجه لحضرته فأشخصه إليه.
فورد على السلطان بحضرة مراكش، فأمره بإقراء أولاده بقبيلة حمر مبادئ العلوم -، فأجابه بأنه يصلح قراءة التفسير والحديث والفقه، فأذن له في التدريس بالجامع اليوسفي، فشرع في ذلك وبقي مكبا على التلقين العلمي إلى أن وافاه أجله قرب غروب يوم السبت في 27 رمضان 1299هـ.(4)

5- الشيخ العلامة محمد بن عزوز الرباطي المراكشي:
كان الشيخ ابن عزوز من الفقهاء والأدباء المفلقين، من المحاضرين المرموقين، وقد كان منظوما في سلك أنماط العدول بمراكش في عهد المولى عبد الرحمن بن هشام، لاسيما وأن العدالة وقتذاك كانت من الأهمية والمكان، ولا يسجل فيها إلا الفقهاء العارفون بالفقه معرفة كاملة، والمتقنون كافة الوثائق التي يقع التوثيق عليها في مختلف عقود التعامل بين الناس، وقد كان مجودا للقرآن تجويدا رائعا، درس بجامع ابن يوسف، كان من جملة شيوخ السلطان الحسن الأول في عهد فيه، ثم أصبح ملازما له بعد أن قلده الله أمر رعيته، كان يبساطه كثيرا حيث وهب له بعض إمائه ثم جعله من بطانته، فأضحى بعد ذلك مثال الوفاء والإخلاص، وأخذ ينتقل معه في بعض حركاته، وهو معدود في ديوان الكتاب إلا أنه مراح من الخدمة في الكتابة، وكان الملك يوجهه لفصل القضايا المهمة، فاحترمه الناس من أجل ذلك، وبقي كذلك إلى أ، أدركته وفاته في أوائل العشرة الأولى من القرن الرابع عشر الهجري.(5)

6- الشيخ محمد بن علي الزعراوي الجرني المراكشي 1323هـ:
ذكر عنه صاحب (الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الإعلام) قوله?6) كان رحمه الله فقيها مدرسا مفتيا مشاركا في عدة فنون، أخذ عن علماء مراكش كالفقيه السباعي، والسيد سعيد جيمي وغيرهما.
وقرأ بفاس على علمائها، وأجازه الفقيه كنون والسباعي والهواري، وابن الخياط، وعبد الله ابن الشاوي بدكالة، ثم رجع لمراكش فصار مفتيا بها، والشيوخ إذ ذاك متوافرون في أعوام التسعين، وبقي كذلك إلى أن صار أحد المرجوع إليهم فيها، ثم لما وليت الفتوى عام 1321هـكنت كثير الانتقاد عليه في فتاويه، لجريانه فيها على مراد الخصم، وينصب لذلك شبهات تظن دلائل بقوة فطنته، وكنت لا أسلم منها إلا القليل، وربما أجاب عن بعضها تعسفا.
وبتأمل هذا النص، نلاحظ أن الشيخ الزعراوي كان على إلمام كبير بالفقه، وكان كثير الذكاء والفطنة حتى إنه يكاد يصور الباطل في صورة الحق بما كان يتوفر عليه من معرفة وجدل...
ولم يكن رصيده العلمي مقصورا على الفقهيات وإنما متبحرا في عدة علوم أخرى.
كان مجلسه العلمي بجامع ابن يوسف بمراكش غاصا بالطلبة، وكان كثيرا ما يدرس الفقه بمختصر خليل كما كان كذلك يدرس النحو بألفية ابن مالك، مما أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش
يدل دلالة واضحة على أنه كان من ذوي الكفاءة والاقتدار.
استمر على حياته تلك في التدريس والافتاء إلى أن وافاه أجله فجأة بمراكش يوم الخميس في 9 جمادى الثانية عام 1323هـ، فدفن بمقبرة باب أغمات من هذه المدينة.

7- الشيخ محمد بن المهدي بن الطيب ابن شقرون المراكشي 1324هـ:
كان هذا الشيخ من الذين أسهموا في نشر الثقافة بالجامع اليوسفي وبغيره من بقية الجوامع الأخرى، وقد كان له القدح المعلى في النحو وعلم التنجيم والحساب والفقه، حيث درس الألفية لابن مالك، والمقنع لأبي مقرع السوسي، ومختصر الحساب للقلصادي، وعقود الجمان للسيوطي، والمرشد المعين، وفرائض المختصر، وغير ذلك، وكان يرجع إليه من مشكلاتها.
حلاه صاحب الأعلام بقوله:
كان رحمه الله فقيها مدرسا مشاركا في عدة فنون... أخذ العلم عن علماء مراكش كالفقيه البوجمعاوي والفقيه السيد سعيد جيمي، والفقيه سيدي محمد بن إبراهيم السباعي، والفقيه سيدي عبد الوهاب ابن البهلول،والفقيه الحاج محمد أزنيط، والنحوي السيد عبد الله ابن ناصر، والفقيه النحوي سيدي أحمد ابم مبارك، والقاضي الحاج علي الرجراجي وغيرهم....(7)
كما حلاه بقوله:«كان رحمه الله عارفا بإلقاء الدروس، حسن التفسيح، حسن النغمة بالقرآن، عارفا باللحان حافظا للأناشيد، صلى التراويح بالجامع اليوسفي أعواما، ودرس به وبغيره».
من بين مؤلفاته:
1- منظومة في التوحيد.
2- كتاب صلاة الأنوار على الحبيب المختار صلى الله عليه وسلم، وقد فرغ منه ليلة الأربعاء ثامن ربيع الثاني عام 1299هـ جمعه من صحيح البخاري وجامع الترمذي، والذخيرة، ورتبه على القوافي والأشكال وجعله على أربعة أرباع.
1- في المعجزات وولادته صلى الله عليه وسلم وتوسل الأنبياء به.
2- في إسرائه.
3- في شمائله وخلقه وتواضعه ودعواته المستجابة.
4- في وفاته.
5- توفي ابن شقرون في 26 ربيع الثاني سنة 1324هـ عن نحو 60 سنة.(8)

8- الشيخ الطاهر بن حمو الدكالي الصديقي 1336هـ:
إن الشيخ الطاهر بن حمو الدكالي كان من العلماء الذين أعطوا دروسا كثيرة في الجامع اليوسفي، ومن بين المواد التي درسها فيه: مادة النحو بألفية ابن مالك.
وقد كان عارفا بالطرق التعليمية والتبليغية لطلبته، وكان من بين شيوخه: العلامة سيدي محمد ابن إبراهيم السباعي الذي يعتبر أستاذ العلماء في وقته كما درس على كثير من طبقة السباعي.
وهو إلى جانب تدريسه ونشره العلم، كان قاضي الجماعة بمراكش، يفصل بين الناس، وكان هذا بعد أن عين قريبه العلامة الكبير الشيخ سيدي بوشعيب الدكالي الصديقي وزيرا، آخر سنة 1330هـ حيث استقل الشيخ الطاهر بقضاء مقصورة المواسين، واستمر في مهنته هذه إلى أن ارتحل لدكالة مسقط رأسه قرب مدينة مشنزاية الخربة، فتوفي هناك رحمه الله عام 1336 في العهد اليوسفي.(9)   
أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش

9 – الشيخ العربي السرغيني البوكريني المراكشي 1332هـ:
إن الشيخ السرغيني كان قد تلقى العلم عن جهابذة العلم في كل من فاس ومراكش، ولما حصل على ملكته العلمية، انتصب للتدريس بجامع ابن يوسف بمراكش، وكان متخصصا في دراسة النحو، حيث كان ملازما لتدريس الألفية بالتصريح، وهو من بين المصادر الهامة في النحو، وكان مجلسه العلمي يعرف اكتظاظا وازدحاما من الطلبة الذين يحلقون حوله، فأفادهم كثيرا، ولم تكن دروسه تقتصر على جامع ابن يوسف بل كانت تتجاوزه إلى جوامع أخرى، كجامع تشنباشت، حيث درس به عقب موت اليخ الفاضل بن عبد المجيد وبقي على حالته تلك إلى أن مات في 11 شعبان عام 1332هـ(10)

10 – الشيخ سعيد بن محمد بن أحمد جيمي المتوفى سنة 1313هـ:
يعتبر السيخ سعيد جيمي من العلماء المشاركين في العلوم والمتبحرين في فنونها، إضافة إلى كونه مفتيا بارعا وناظما ناثرا.
وقد أخذ علومه عن عدة شيوخ، منهم: شيخ مصر العلامة أحمد منة الله، ومنهم والده العلامة محمد بن أحمد الروداني، كما أخذ عن عالم فاس: بدر الدين الحمومي وغيرهم. ولما تصدى للتدريس، بدأ الناس يقبلون عليه للاستفادة منه والتحصيل، حتى تخرج على يده كثير من الفقهاء كصالح بن المدني السرغيني، وعبد السلام ابن المعطي السرغيني، ومحمد بن علي الزعراوي، وغيرهم من نجباء وطلبة مراكش وسوس وغيرهما.(11)
وقد كان يعصره علامة فقيه جليل هو محمد بن إبراهيم السباعي، الشخصية البارزة الفذة في عالم الفكر والثقافة كما سأشير إليه عقبه، وكانت بينهما انتقادات: بعضهما ينتقد الآخر، فيرد كل منهما على الآخر بقوله:
«جعجعة ولا أرى طحنا».
وقد درس بجامع ابن يوسف، كما درس بجامع الشرفاء بمراكش وبجامع الزاوية العباسية وغيرهما وقد توفي رحمه الله في ليلة 28 رمضان عام 1313هـ (12)

11- الشيخ محمد بن إبراهيم السباعي المتوفى سنة 1332هـ:
يعتبر الشيخ السباعي، شيخ الجماعة بمراكش، وهو كما ورد في الإعلام من فخذ يعرفون بالبيدات من أولاد أبي السباع جد سيدي المختار السباعي صاحب الضريح في طريق الصويرة بمراكش.
ولد حوالي سنة 1245هـ، وقد ترعرع وشب في أحضان العلم، حتى أصبح نجما لا معا، ورمزا من رموز العلم متفردا، إذ أصبح له باع كبير في الحديث وفي التفسير والأصلين والعربية والتاريخ، والفقه، وكان له ثقة بنفسه كثيرا، حيث يستنبط الأحكام من النصوص يستدل بالمعقول على المنقول، ويعارض ويرجح ويرد ويزيف، ويقول:«نحن رجال وهم رجال».
انتهت إليه رئاسة الفتوى في مراكش.
وقد كانت ترد عليه الأسئلة، فيجيب عنها حالا وارتجالا دونما تسويد في ذلك، نظرا لكثرة رصيده المعرفي، وكان يجتمع حوله أذكياء الطلبة ونقادهم، فيشفي غليلهم، إذ يبقى في درسه الفقهي 3 ساعات.
ختم شفاء القاضي عياض ليلة الخميس 19 شعبان عام 1299هـ.
أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش
كما ختم صحيح البخاري عام 1308 بحضرة الحسن الأول.
وختمه أيضا يوم الاثنين 4 مرات بشرح الخرشي تارة، وبشرح الزرقاني وحاشية البناني والرهوني تارة أخرى.(13)
فدرس العلم بمراكش 50 سنة حيث عاصر أربعة من الملوك العلويين: المولى الحسن الأول، والمولى عبد العزيز، والمولى عبد الحفيظ وأول فترة المولى يوسف.
وأنه استجابة لأمر الحسن الأول له بوضع تاريخ في دولته العلوية – ألف تأليفا في هذا، فسماه: البستان الجامع لكل نوع حسن، وفن مستحسن في عد بعض مآثر السلطان مولانا الحسن». وتوجد نسخة منه تحت عدد 1138 بالمكتبة الزيدانية بمكناس – عليها خط مؤلفها وضبطها، واستخراج كنوزها الثمينة من طيات العدم وإبرازها إلى الوجود.(14)
وقد حلاه صاحب الاعلام بقوله:
«الفقيه الذي تمشي تحت علم فتياه العلماء الأعلام، حامل لوء الفتيا، ومالك أزمة المنقول والمعقول من غير شرط ولا ثنيا...» الذي ترينت بدروسه المساجد والمدارس، واحتاج إلى منطوقه ومفهومه كل مذاكر ومدارس، وجمع شمل العلوم ونسق نظمها، ورفع منار الإفادة ونشر أعلامها، مفرد زمانه إلا أنه قام مقام الجمع، المستغرق لأوقاته في الإفادة والتصنيف لما يشنف السمع الساعي في ذلك أشرف المساعي.(15)
وخلاصة القول فيه: أنه رحمه الله كان علما من الأعلام النادرة الوجود، مكرسا حياته لخدمة العلم ونشره بين الناس مدة 60 سنة، 10 منها بفاس و 50 بمراكش، فكان بحر علم وطود فهم، يعلم ويفيد من غير ملل ولا كلل، إلى أن لبى داعي ربه في الساعة 1 من ليلة الاثنين 6 رجب عام 1332هـ عن نحو 87 سنة، فدفن بضريح الغزواني بمراكش داخل قبته على يمين الداخل لها قريبا من الشيخ عند رجليه.(16)

12 – الشيخ مولاي أحمد العلوي المتوفى بعيد سنة 1358هـ/1939م:
كان لهذا العالم مجلس حافل بالعلم يقصده الخاص والعام من الناس للاستفادة من رصيده المعرفي والنهل من معين عليه الغزير.
فقد حدثني عنه مشافهة، الفقيه الجليل العلامة السيد امحمد بلقزيز، أحد أعلام مراكش، وقضاتها فقال:
«إن الشيخ العلامة الشريف مولاي أحمد العلمي ولد بفاس، وانتقل بمراكش يعلم فيها إلى لقي ربه بها، ثم قال عنه:
«إنه عالم متبحر مشارك في كل العلوم، كان يقرئ تفسير القرآن الكريم بتفسير ذي الجلالين، ويسرد تفسيره الخاص به في القرآن على الطلبة وغيرهم.
وكانت دراسته في التفسير ليلا بجامع ابن يوسف، كما يدرس فيه بالنهار: المنطق، والبلاغة، وعلم الوضع، وتحفة ابن عاصم واختصر الشيخ خليل، وأصول الفقه بجمع الجوامع، وورقات إمام الحرمين.
أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش
 ومن بين مؤلفاته: المولد النبوي، وشرح تحفة الحكام للإمام ابن عاصم، وما زال هذا الشرح مخطوطا، وعنده عدة فتاوي، لذا يعتبر من المفتين الكبار بالحضرة المراكشية، ومن اكبر مشايخ العلماء في وقته... وقد عاصر عدة ملوك علويين، وهم المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ وامولى يوسف والمولى محمد الخامس رحمه الله جميعا، إذ كانت وفاته عقب إنشاء النظام في المجال التعليمي بالجامعة اليوسفية بمراكش سنة 1358هـ/1939م.

13 – الشيخ محمد بن نوح السرغيني:
يعتبر العلامة محمد بن نوح السرغيني من أكبر علماء مراكش بعد الشيخ السباعي، وقد كان السارد له في مجلسه العلمي.
أن مجلس ابن نوح كان يحضره كثير من رواد المعرفة بمراكش.
فقد حدثني عنه مشافهة العلامة السيد امحمد بلقزيز – أطل الله عمره – فقال: «إنه كان فقيها كبيرا مشاركا وكان يحفظ مختصر الشيخ خليل في الفقه عن ظهر قلب، إذ كان رحمه الله آية في الحفظ، وكان آخر من شارك في مباراة حفظ مختصر خليل في عهد الحسن الأول، فنال بذلك جائزة مالية هامة منها.
وإلى جانب ذلك، كان يستظهر شراح خليل وحواشيه، أكثر مما يستظهر أصابع يده، وهذا ناتج بالضرورة عن كثرة تدريسه بهذه الشروح وتعامله معها، وقد كان يدرس بجامع ابن يوسف بمراكش.
وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة في مراكش كانت غالبا ما تبتدئ عقب صلاة الصبح مباشرة، ومنها ما تكون بهد شروق الشمس.
وأن دروس محمد بن نوح كانت بعد الشروق، وكان درسه في هذا الوقت دائما هو شرح مختصر خليل بشرح العلامة الخرشي.
ويدرس بين الظهيرين ألفية ابن مالك بشرح العلامة عبد الرحمن المكودي، ويسرد الموضح لابن هشام مع شراحه.
أما عن دروسه الليلية، فقد كانت بجامع «الزكندري» قرب ضريح مولاي عبد الله الغزواني مولى القصور، وقد كانت المادة التي يدرسها فيه هي رسالة ابن أبي زيد القيرواني... وعند ختمها يقرئ المرشد المعين للإمام عبد الواحد بن عاشر، ثم يقرئ الزقاقية في فقه المسطرة الشرعية بجامع الصطايلية قرب سوق الشكايرية آخر سوق السمارين.
كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن الشيخ أبا شعيب الدكالي الصديقي رحمه الله كان قد اقترح عليه تدريس الحديث، فأخذ في تدريس صحيح البخاري، فكان فيه كأنه تخصصه، كما أخذ في تدريس الجوهر المكنون في الثلاثة فنون في البلاغة مع الطلبة، وظهر فيه فارس الميدان، وكأنه تخصصه أيضا.
وقد تتلمذ عليه ثلاث طبقات من العلماء أعلام مراكش، وقد عاصر من الملوك العلويين: المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ والمولى يوسف والمولى محمد الخامس مثل سابقه.
وهكذا بقي مستمرا في العطاء العلمي إلى أن أدركه أجله المحتوم، إلا أنني لم أقف له على تاريخ وفاته، ولعله يمكن العثور عليه منقوشا على رخامة قبره، وقد دفن عند مدخل ضريح شيخ الكيمياء الولي الصالح سيدي عبد العزيز التباع بمراكش.
وبعد، فهؤلاء الشيوخ قليل من كثير ممن كان يزخر بهم الجامع اليوسفي الذي أصبح فيما بعد، الجامعة اليوسفية، حيث أخذت تنافس مراكز الإشعاع العلمي في العالم الإسلامي، وقد كان الجامع اليوسفي توأم جامع القرويين الذي كان يزخر بالمعرفة في المجال العلمي بفاس، إلا أ،ه يلاحظ أن الجامع اليوسفي ، في عهد رئيسه العلاة محمد بن عثمان المراكشي مع أضواء على بعض العلماء الذين أسهموا في تنمية الثقافة الإسلامية بجامع ابن يوسف بمراكش
كاهيته (مساعده) ومراقب الدروس فيه: العلامة الأديب الحاج امحمد بن عبد السلام بوركبة (1900 – 2 ماي 1956م) رحمهما الله، عرف في هذه الفترة ازدهارا وتفوقا علميا إلى جانب صنوه جامع القرويين، ولو أن المقام يسمح بالتوسع في هذا الموضوع لذكرت بعض الشواهد، وأتيت ببعض الأمثلة على ذلك.
هذا ، وإن جامع ابن يوسف عرف إلى جانب العلماء السابق ذكرهم علماء آخرين أسهموا بحظ وافر في الثقافة وفي إبلاغها لمختلف طلاب العلم.
وسأسرد أسمائهم فقط تاركا المجال للبحث عنهم والتنقيب عن حياتهم وعن نشاطهم العلمي، وهؤلاء، العلماء هم السادة:
محمد أكنسوس السوسي المراكشي الوزير 1294هـ، وبوشعيب الشاوي البهلولي، وشيخ الجماعة بمراكش العلامة الحاج العربي الرحماني، وسيدي أحمد بن المحجوب المراكشي، والطيب بنكيران المراكشي، والرياضي الكبير مولاي المكي البوعناني، واليزيد الروداني، وعمر ابن الحاج ابراهيم الدباغ، ومحمد بن القرشي السرغيني وغيرهم.
وقد أنجب هؤلاء العلماء جليلي القدر، ذائعي الصيت وهم الشيوخ السادة:
عبد الجليل بلقزيز، ومحمد بن الحسن الدباغ: شيخ الجماعة في وقته بمراكش، ومحمد بن عثمان المراكشي، والحاج امحمد بن عبد السلام بوركبة السالف الذكر، وعبد القادر المسفيوي رئيس الجماعة اليوسفية بعد ابن عثمان، ومحمد بن عبد القادر مسو، وسيدي أحماد اكرام، العالم السلفي؟، والحاج عمر الجراري، ومولاي أحمد القاضي، ومولاي امبارك، الرئيس الأول لجامعة ابن يوسف، وعبد الوهاب الصحراوي، محمد بلهاشمي، رئيس الجامعة المذكورة بعد عبد القادر المسفيوي، وعبد الرحمن الصويري، والطاهر مولى «لخطية»، ومحمد بن عبد الرزاق، والمهدي حاتم الرحماني، والجيلالي الدكالي، وعبد الرحمن الدكالي، والحسن الزهراوي، والرحالي الفاروق، وعبد السلام المسفيوي
«جبران» وعبد السلام السميج، وأخوه الضرير محمد السميج، وعلي السباعي، ومحمد العاقب الشنكيطي، وامحمد بلقزيز القاضي سابقا بمراكش ومولاي أحمد العلمي وابن نوح السرغيني، وعماد الدين ابن الدراوي، والجيلالي الهاشمي السرغيني، وعمر الخلوفي، ومحمد المختار السوسي، وأخوه إبراهيم السوسي، والحاج عمر السرغيني، ومولاي مبارك العدلوني، ومولاي الصديق العلوي، ومحمد بن رحال، ومحمد بن لحسن بجيج، وبوبكر الجرموني، ومولاي الطيب المريني دنيا، ومحمد البروي، وأحمد كسوس، وعباس بن محمد الشباني، وأحمد الشرقاوي إقبال، وأحماد أملاح، وحسن بن بيه، ومحمد كيكي، وعبد اللطيف التباع، وعبد الكبير احربيل الضرير، ومحمد عبد الرفيع البصري، وإبراهيم الهلالي، وأحمد الأمغاري الهاشمي الهواري، ومحمد السعيدي ومولاي عبد العزيز البوسرغيني، وغيرهم من جلة العلماء.
فهؤلاء العلماء يعتبرون من بين من أنجبهم الجامع اليوسفي على يد قمم العلم السابقة، ولولا التطويل لأتيت على ذكر أسماء مجموعات أخرى منهم، ولكن «يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق».

(1) أصل هذا البحث كان عرضا قدمه الأستاذ المحترم، السيد السعيد بوركبة إلى ندوة علمية نظمتها نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمدينة مراكش في إطار النشاط العلمي الإقليمي الذي تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمختلف النظارات للتعريف بالتراث العلمي الإسلامي والحضاري، وبالشخصيات العلمية الإسلامية بصفة عامة، والمغربية بصفة خاصة، وإلقاء الأضواء على ما قدمته من خدمات علمية لبلدنا للإسلام والمسلمين.
2) انظر كتاب (الإعلام بمن حل مركش وأغمات من الأعلام) للقاضي العباس بن إبراهيم الطعارجي، تحقيق الأستاذ عبد الوهاب بنمنصور ج 3 ص 78 – 79.
3) أنظر كتاب المرجع أعلاه.
4) انظر المرج أعلاه ج 7 ص 5.
5) علاه ج:7 ص:38 مع بقية ترجمته في ص 39 – 40.
6) انظر المرجع أعلاه ج:7 ص:88.
7) ص 135 وانظر بعض اجوبته الفقهية في ص: 136 و 137 من المرجع الآنف الذكر.
8) ج 7 ص: 139 – 140.
9) نفس المرجع أعلاه ونفس الجزء ص 140.
10) انظر المرجع أعلاه ج7 ص49.
11) أنظر المرجع أعلاه ج 2 ص 40.
12) أنظر الاعلام... للعباس بن إبراهيم الطعارجي، ج 10 ص 150.
13) راجع كتاب الإعلام... ج 10 ص 152 – 153. لترى المساجد التي كان فيها خطيبا، وذلك في فترة الحسن الأول الملك العلوي.
14) أنظر المرجع أعلاه ج 7 ص 190.
15) أنظر كتاب (الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة) تأليف عبد الرحمن ابن زيان ص 106 الطبعة الاقتصادية بالرباط – 1356هـ / 1937م.
16) أنظر الاعلام... ج 7 ص:190.
17) ج 7 ص 191 – 193 – 207.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here