islamaumaroc

أبو عبد الله محمد بن سعيد السلاوي وسفارته بفرنسا

  نجاة المريني

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

يتناول هذا العرض يوميات رحلة سفير سلاوي مغربي إلى الديار الفرنسية، وما تضمنته هذا اليوميات من معلومات سياسية وثقافية وحضارية، وسأركز الحديث على ثلاث عناصر:
أولا: صاحب اليوميات.
ثانيا: السفارة وموضوعها.

ثالثا: اليوميات/الرحلة.

أولا صاحب اليوميات:
القائد أبو عبد الله محمد بنسعيد السلاوي المتوفى سنة 1310هـ / 1892م، من رجال السلطة والسياسة والدبلوماسية في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، اشتهر بخدمته لثلاثة ملوك مغابرة هم: خولاي عبد الرحمن بن هشام، وابنه سيدي محمد، وابن المولى الحسن، ونال عندهم حظوة ومكانة، تولى وظائف سلا سنة 1962م.
ويظهر أن القائد بنسعيد كان من رجال الدولة الثقات، فقد استندت إليه، إضافة إلى مهمته الرسمية الأولى (والي مدينة سلا)، مهمة سفير ثان أو باشدور كما نعته الناصري في الاستقصا 9/116، وهي مهمة لا تخلو من مخاطر، لحساسية الظرف، وصعوبة المسؤولية، وعن هذه الحضوة يقول جعفر الناصري في مؤلفه: «بنو سعيد السلاويون»(1): «كان محظوظا – أي محمد بنسعيد – عند الملوك، يقدمونه في المهمات، ويعتمدون عليه في علاج الملمات، وخصوصا منها ما كان يرجع إلى مباشرة بعض المسائل، وحل بعض المشاكل الدولية مع المغرب، ومن ذلك تعيينه في السفارة التي وجهها السلطان المولى محمد الرابع إلى ملك فرنسا نابليون الثالث يقدمونه».
ويذكر المؤرخ الشيخ أحمد الناصري في كتابه «الاستقصا»(2) أن المولى الحسن الأول زار مدبنة سلا في عهد ولاية العامل محمد بنسعيد، وزار صلحاء المدينة، ودخل مسجدها، وأدى به صلاة الظهر سنة 1293هـ1876 م، ودخل خزانة الكتب العلمية بالمسجد، وأمر بزيادة شراء الكتب، يقول الناصري: «وكنت قد أنشأت قصيدة في غرض من الأغراض، فلما اتفق قدوم السلطان حولتها إلى مدحه، مطلعها:
قلب كراه من النوى مقباس
               فغدا به الوسواس والخناس
ونحول جسم يشتكي ألم الضنى 
               وجوى به تتصاعد الأنفاس
إلى أن يقول في مدح السلطان:
وإذا قصدت أخا النوال بمدحه
               فاقصد فتى له في الندى آراس(3)
مثل الإمام أبي علي الرضى
               حسن الذي هو العلي نبراس
الماجد الملك الهمام المرتضى
               فخر الملوك سنامها والراس
ثم قال:
سعدت بمقدمه سلا وتقدست
               مراكش الحمراء منه وفاس
أما عن زيارة السلطان سيدي محمد الرابع لسلا، فيقول عنها الناصري(4) «ولما قدم السلطان سيدي محمد رحمه الله من مراكش إلى مكناسة اجتاز بمدينة سلا، ونزل برأس الماء في الثالث والعشرين من صفر سنة 1276هـ، وبعد الزوال دخل في جماعة من حاشيته، وزار الشيخ أبا محمد عبد الله بن حسون، والشيخ أبا العباس أحمد بن عاشر رضي الله عنهما، ودخل البستيون الكبير، ورأى مدافعه منصوبة على عجلات الحديد، وكانت تغوص في الأرض إذا جرت من شدة ثقل المدافع، فأشار بأن يفرش لها بساط من العود الجيد المحكم الصنعة والتركيب، حتى يتأتى جريانها عليه بلا كلفة، فصنعت لها، كما أشار رحمه الله، وقد كنت مدحته بقصيدة لم يبق على ذكري الآن منها إلا بيتان، وهما:
حوى العلويون المعالي كلها
               وما منهم إلا ذرى المجد صاعد
ولكن أمير المؤمنين محمدا
               هو البدر في العلياء وهي الفراقد
كان محمد بنسعيد صارما شديدا، متواضعا، طيب العشرة، مشهورا بالعدل، يصفه الناصري فيقول(5) «وهو حفظه الله من أمثل الناس وأعدلهم وأتقاهم، وله المنزلة الكبيرة عند السلطان وعند الناس، حرس الله مجادته، وأدام بمنه عافيته وسلامته».
كانت له علاقة متينة بالمؤرخ الناصري، يستشيره «في كل ما يتعلق بالمصلحة العامة السلاوية، وشؤون الدولة السياسية، الرابط بين المغرب والدول الخارجية، حسبما يؤخذ ذلك مما بقي محفوظا من الرسائل التي كانت متبادلة بينهما، وما هو مسجل في دفتر وادنا الخاص بتقييد مذكراته الشخصية والتاريخية».(6)
ويقول جعفر الناصري(7) ابن المؤرخ أحمد الناصري عن علاقة القائد محمد بنسعيد بملوك عصره(8):«كانت بين القائد بنسعيد وبين ملوك عصره مواصلة ومراسلة مسترسلة، متصلى متواصلة، وكانوا يستشيرونه فيما حدث من الحوادث، وما يتجدد من تقلبات الأحوال، وما ينقل ويقال من الإشاعات والأقوال الداخلية والخارجية، اقتصادية كانت أو سياسية، لما كان لهم من الثقة فيه والاعتماد عليه».
ويلخص الأستاذ جعفر الناصري رأيه في القائد بنسعيد قائلا(9)«كان محمود السيرة، طيب السريرة، مشهورا بالعدل والإنصاف، محبوبا عند كافة الأعيان والإشراف، محفوظا ملحوظا عند الملوك، يستشيرونه في القضايا ويعملون برأيه، ولا يحيدون عما يشير عليهم به».
وقال عنه الأستاذ أبو بكر القادري(9م):«من أبرز الشخصيات التي كان لها وزن واعتبار لدى رجال المخزن الشريف».
ويعنى الباحث مصطفى بوشعراء باسرة بني سعيد وبوثائقهم ومراسلاتهم، (10) فيعمل على نشرها، وضمنها تأليف مخطوط للأستاذ جعفر الناصري عن هذه الأسرة، وقد قسم السيد بوشعراء هذا التأليف – الذي يعود الفضل في نشره إلى حفذة القائد بنسعيد، قسمين:
القسم الأول: عبد الله بنسعيد: جياته ومراسلاته يضم هذا القسم المخطوط الذي ألفه الأستاذ جعفر الناصري عن أسرة بنسعيد، ويتضمن ترجمة للقائد الحاج محمد بنسعيد، وتعريفا بسفارته.
القسم الثاني: الحاج محمد بنسعيد، سفارته ومراسلاته.

ثانيا: السفارة وموضوعها:
أولا: معروف أن علاقة الملوك المغاربة بغيرهم من الملوك المسلمين أو الأوربيين مبنية على تأمين المصالح، والعمل على افتداء الأسرى، والاستفادة من الثروات المادية وغيرها، لذلك كان تبادل الوفود، وكانت الرحلات السفارية معالم في تطور العلاقات بين المغرب وغيره من البلدان، نشدانا للصداقة وتبادل المصالح، وتمتينا لأواصر التقارب والتعاون، ودفعا للمتاعب والمشاكل، واتقاء للمكامن والدسائس، وقد عالج موضوع هذه السفارات دراسة وتحقيقا وتعليقا كثير من الباحثين: أبرزهم الأستاذ المرحوم محمد الفاسي، والأستاذ الدكتور عبد الهادي التازي.
 لقد اهتم الأستاذ الفاسي بالرحلة المغربية،(10) وخصها بدراسات وتحقيقات لنصوص، منها رحلة ابن عثمان المكناسي،(11) ورحلة محمد الطاهر الفاسي، (12) إلا أن الملاحظ أن الأستاذ الفاسي عندما تحدث عن الرحلات المغربية وأنواعها وأبرز كتابها، فإنه لم فإنه يشر إلى رحلة القائد الشركي والقائد بنسعيد إلى فرنسا في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن.
وأول من أشار إلى هذه الرحلة المؤرخ أحمد الناصري في كتابه الاستقصا (9/116)، موردا مقتطفات قصيرة من رواية شفوية للقائد محمد بنسعيد حول هذه السفارة وكذلك نص الكتاب السلطاني الذي بعثه لسلطان محمد بن عبد الرحمن إلى امبراطور فرنسا نابليون الثالث.
كما أشار إلى هذه السفارة عبد الرحمن بن زيدان في تاريخ«إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس» (3/534) في ترجمة السلطان يدي محمد ابن عبد الرحمن.
وذكر الرحلة عبد السلام بن سودة في كتابه «دليل مؤرخ المغرب الأقصى»، (13) فقال: «رحلة لأبي عبد الله محمد بن الحاج محمد بنسعيد السلاوي المتوفى سنة 1310/1892، إلى بلاد فرنسا حوالي ينو 1285/1868، بأمر من السلطان الجليل سيدي محمد ابن عبد الرحمن، تقع في سفر صغير، توجد عند حفدته بسلا. كما أن الأستاذ جاك كاي، عندما تحدث عن السفارات والرحلات المغربية،(13م) ومنها سفارة العراوي (1860)،(14) وسفارة محمد بن عبد الله الشركي (1865، 1866)، فإن الإشارة كانت خفيفة إلى أنه «كان مصحوبا بباشا مدينة سلا الحاج محمد بنسعيد»،(15) ولم يشر إلى يوميات بنسعيد في هذه السفارة.
أما الدكتور عبد الهادي التازي، فكانت إشارته إلى سفارة القائد الشركي «معززا بباشا سلا الحاج محمد بنسعيد والكاتب أبي عبد الله محمد السدراتي»،(16)
إشارة عابرة، يقول:
«وفي سنة 1865م، أوفد العاهل المغربي سفارة أخرى إلى باريس».
أما الفقيه الجليل محمد المنوني، فلم يشر في «المصادر العربية لتاريخ المغرب»، (17) إلى هذه الرحلة، مع أنه تحدث عن رحلات العمراوي والفاسي والجعيدي والصفار.
ويذكر الأستاذ أبو بكر القادري سفارة بنسعيد (18) نقلا عن الناصري، ويقول عن اليوميات(19): «ومما ينبغي تسجيله هنا أن الحاج محمد بنسعيد خلف كناشة صغيرة سجل فيها تفاصيل هامة عن رحلته إلى فرنسا...، وفيها وصف دقيق للرحلة ابتداء من خروجه من مكناسة الزيتون إلى أن وصل إلى باريس، والاتصالات التي قام بها هو والشركي، والمذكرات التي جرت بينهما وبين نابليون ووزرائه...الخ».
وأخيرا، هناك رسالة جامعية نوقشت مؤخرا بكلية آداب الرباط،(20) موضوعها:
«صورة أوربا عند الرحالين المغاربة في القرن التاسع عشر»، لم تهتم بهذه اليوميات / الرحلة، بالرغم من أنها نشرت قبل مناقشة الرسالة.
يعود الفضل في نشر هذه اليوميات إلى الأستاذ مصطفى بوشعراء الذي عمل على إعداد كتاب، عنوانه: «التعريف ببني سعيد السلاويين، ونبذة عن وثائقهم»، ويورد نص الرحلة كاملا في الجزء الثاني من هذا المؤلف.
ثانيا: بتقصي مصادر تاريخ المغرب نجد أنه كلما دعت الضرورة إلى إيفاء سفير أو مبعوث إلى إحدى الدول المجاورة أو الصديقة، إلا وكان السفير من خيرة خدام الدولة ورجالها الثقات.
ومن بين هؤلاء الذين وقع عليهم الاختيار في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن ليقوم بمهمة السفير لدى امبراطور فرنسا نابليون الثالث، القائد أبو عبد الله محمد بنسعيد، إلا أن الناصري في الاستقصا(21) ينعث المرافق بالسفير، يقول:«وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين والف، وجه السلطان محمد بن عبد الرحمن قائد جيشه أبا عبد الله محمد بن عبد الكريم الشركي وعامل سلا أبا عبد الله محمد بنسعيد السلاوي باشدورين إلى دولة فرنسا بباريس».
كما أن الرسالة الملكية إلى الامبراطور نابليون الثالث تشير إلى أن مهمة القائد بنسعيد سفارية، تقول الرسالة: (22) «عينا للسفارة إليكم خالنا الأرضي الأنجد القائد محمد بن عبد الكريم الشركي، وهو أحد باشات جيشنا، ومن كبراء دولتنا، مع ما تشرف به من قرابة الرحم لدينا، ومعه خديمنا الأرضي الأمين الحاج محمد بنسعيد قائد سلا، وهو عندنا أيضا بالمكان المكين لما تخلق به من الأدب والعقل الرصين».
كما يقول السفير الشركي في خطابه أمام نابليون الثالث: (23)«إننا أتينا سفيرين من مولانا وولي نعمتنا».

ثالثا: موضوع السفارة:
لعل السبب الرئيسي لهذه السفارة، يعود إلى استياء السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن من تصرف بعض السفراء الفرنسيين أثناء قيامهم بمهمتهم، خاصة وأنهم كانوا دائما ينظرون إلى المغرب نظرة المحمي، وتسجل الرسالة الملكية التي حملها السفيران إلى نابليون الثالث موضوع السفارة(24) «كما أننا نتحقق أنكم لحسن معاملتكم ومزيد محبتكم توصون نوابكم الذين توجهونهم للخدمة بإيالتنا السعيدة بحسن المعاملة، والتقصي في ترحيب الصدر والمجاملة، والوقوف عند الشروط والعمل بمقتضاها.
ولا شك أن الظروف الصعبة التي كان يعيشها المغرب في هذه الفترة، بعد هزيمتي إيسلس وتطوان، كانت عنصرا اساسيا في تعنت الفرنسيين الذين كانوا يعيشون في المغرب أو يزورونه، وفي استبدادهم بالمصالح المغربية طمعا في بسط نفوذهم وسيطرتهم على الأراضي المغربية، وكان شعور السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن بالوضعية المتأزمة يقضي بلفت الانتباه إلى مثل تصرفات هؤلاء السفراء، والتفكير في وسيلة أو طريقة يرتدعون بها أثناء قيامهم بمهمتهم.
وينقل الناصري عن القائد بنسعيد أن سبب السفارة كما أخبره(25) «كان سيدنا أمير المومنين سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله، قد اصبحنا كتابا إلى طاغية الفرنسيس، وأمرنا بالكلام معه في شأن هؤلاء النواب الذين يبعثهم إلى المغرب، وأ، يكون ينتخبهم من بيوت الأعيان، وممن يتصف بالتأني وحسن السيرة، والوقوف عندما حد لهم». ويؤكد بنسعيد ذلك في قوله: (26) «ثم سألنا وزير الخارجية عن سبب الزيارة وما نريده من ملك فرنسا، فأجبناه بأن التداعي لمجيئنا هو الزيادة في تأسيس المحبة، وتشييد أركانها بين الدولتين حتى يشاهدها الخاص والعام».
أما الدكتور عبد الهادي التازي فيقول عن موضوع هذه السفارة: (27) «تفيد الوثائق المغربية أن السفارة كانت لهدف طلب تعديل اتفاقية 3 ربيع الأول 1280هـ/19 غشت 1863م».
أما الوثيقة فقد نشرها المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في كتابه:«إتحاف إعلام الناس بأخبار جمال حاضرة مكناس»(28) يقول:«وقد عثرت على تقييد ببعض دفاتر دار النيابة هذا النص:«وقد عثرت على تقييد ببعض دفاتر دار النيابة هذا نصه: «في 19 غشت عام 1863م، الموافق 3 ربيع الأول عام 1280هـ، تقييد في الحماية التي يجب أن يسير عليها نواب الفرنسيس الذين هم في إيالة المغرب».
وتشمل بنود هذه الاتفاقية نطتين:
الأولى: أولاد البلد الذين يخدمون في دار الباشدو، وديار القنصوات، نوابه، مثل الكتاب والمخازنية والمتعلمين وشبههم.
الثانية: السماسرية المستخدمون عند التجار الفرنسيين في أمور تجارتهم.
ثالثا اليوميات/ الرحلة:
تتضمن اليوميات أخبارا وأحداثا عاشها الكاتب، ودونها في كناشته منذ اليوم الأول للسفر، إلى أن قرب موعد العودة إلى المغرب، وهي مبتورة الآخر، وتكمن أهميتها فيما دونته من أخبار ومشاهدات، وما حفلت به من إضافات وتعليقات وتوجيهات وآراء.
يقول ناشر هذه اليوميات السيد مصطفى بوشعراء(29) «خلف الحاج محمد بنسعيد كناشة صغيرة بحوزة حفيده الأبر السيد الحاج العربي، ضمنها كثيرا من العناصر والإفادات التاريخية عن إقامته بفرنسا سنة 1865 – 1866، وأحوال سفارته مع محمد الشركي إلى باريس»، ويصفها الأستاذ أبو بكر القادري فيقول(30) تتطرق هذه الرحلة إلة اقتراح بعض الإصلاحات التي يجب أن يهتم بها وشراء السفن الصالحة، وتوجيه بعثات إلى أرض الإفرنج قصد تكوينها في مختل المجالات العلمية والصناعية والعسكرية، وإصلاح الفلاحة وتعمير الأراضي، وجلب آلات الحراثة...الخ».
استغرقت الرحلة ستة أشهر منذ خروج السفيرين من مكناس في غشت 1865م. إلى حين عودتها إلى المغرب أوائل يبراير 1866، فيما يظهر.
أ – لقد حرص القائد بنسعيد على تدوين مشاهدته وإبداء آرائه في هذه الرحلة، مثبتا إيجابيته في التفاعل مع مظاهر الحظارة الفرنسية، وإعجابه بالتقدم العلمي الملموس في مجالات مختلفة، ودعوته الصادقة إلى الاستفادة من معطيات هذه الحضارة في المغرب.
كما أن هذه الرحلة تكشف عن فكر متطور، وعن وعي دقيق بمستجدات العصر، وتطلع كبير إلى انتهاج طريق العلم والدرس وتوظيف المعارف في إصلاح أحوال البلاد، والاقتداء بالنهج الفرنسي في ذلك.
لم يكن الرجل منغلقا وإنما كان متفتحا، يشاهد ويلاحظ ويدعو إلى التغيير والتطور، لم يكن سلبيا في إبداء آرائه، بل كان إيجابيا، واثقا من نفسه، مؤكدا إيمانه بأن المغرب والمغاربة قادرون على تحرير أنفسهم من وضعية التخلف، والعمل على ارتقاء السلم الحضاري.
يقول الأستاذ الاقدري عن الرحلة وصاحبها(31):«تعطينا هذه الرحلة صورة واضحة عن تفكير الرجل في ذلك الوقت، واهتماماته المتعددة، وتطلعه إلى أن يسير المغرب في المنهج الذي يوصله إلى التقدم والنماء في مختلف الميادين، كما تدلنا على أن الرجل كان متفتحا كل التفتح، يلاحظ ويستفيد».
ب – تفيد اليوميات حرص الملك نابليون الثالث على تمتين أواصر العلاقة الودية بين المغرب وفرنسا، وقد أشار إلة ذلك وزير البرانية الفرنسي(32)«مراده هو تمام المحبة لحصول الراحة وحسن المجاورة، فإن الإيالتين قريبتا الاتصال، وللجار على جاره حقوق وزيادة...».
جـ - أعجب القائد بنسعيد بمظاهر الحياة السياسية والحضارية والثقافية التي شاهدها عن قرب، وعمل على تسجيلها بدقة متناهية، ويمكن تصنيف هذه المشاهدات:
- سياسيا: تتضح ظاهرة الاستقبال الرسمي الذي خصص للسفيرين أينما حلا ويصف ذلك بتفصيل:
- بخصوص مراسيم الاستقبال بميناء مرسيليا يقول:«اصطف العسكر بشاطئ البحر، وحضرت الموسيقى وضربت، ووجدنا عربية ركبنا بها، ومررنا بوسط العسكر إلى أن وصلنا إلى محل نزولنا...».(33)
- ويقول بشأن زيارة الوفد لوزير البرانية الفرني(34)«فحين وصلنا لداره، ودخلنا على بابه، ودنا أناسا واقفين مصطفين عن يمين الداخل ويساره، لابسين لباسا علجة وسراويل بيضا، وفيهم رجل خارج من الصف فهو كبيرهم، بيده عصا مخزنية».
- دعوة السفيرين إلى إلقاء خطاب أمام الملك نابليون الثالث يضمن سبب الزيارة،وما لقياه من استقبال حسن في فرنسا.
- مراسيم الاستقبال الرسمي يوم 3 يناير 1866، يصف السفير بنسعيد ذلك فيقول(35)«ودخلنا الصالة – قاعة العرش – فوجدنا سلطان فرنسا بوسطها عن يمين الداخل، بمحل مرتفع من الأرض؟، قدره شبران، وبه شوالي اثنان، عن يمينه ولده، وعن يساره زوجته، الكل في المحل المرتفع، ونسوة آخرونا أنهن نساء كبراء الدولة مصطفات إلى أن وصلنا إلى حائط رفع الصالة، وبإزاء ولده – إلى أن دارت الصالة – كبراء الدولة، فقصدنا المحل الذي هو به واقف، مزيلا برنيطته، قابضا لها بيده، وكذلك ولده، وزوجته واضعة يدها اليمنى على يدها اليسرى فوق صدرها، لابسة ثيابا بيضا، ولعلها من الحرير، وعلى رأسها تاج مكلل بالحجر».
ويذكر صاحب اليوميات أنه كلما زار الوفد مسؤولا أو وزيرا إلا وكانت مظاهر الحفاوة بادية للعيان، وكان الاستقبال رسميا على العموم.
أما أهم موضوع لفت انتباه القائد بنسعيد هو استفسار المسؤولين لفرنسيين عن الأحول العسكرية بالمغرب، وعن عدد العسكر في المغرب،(36) وعن ظروف الاستقرار، وعن العناية بالأمور البحرية، وعن علاقة المغرب، وغير ذلك من الأسئلة التي لم تكن الأجوبة عنها مرضية للسائلين.
فماذا يمكن أن يفهم من هذه الأسئلة؟ هل كان الفرنسيون يجسون المغرب، خاصة وأن هزيمتيه في إيسلي وتطوان كانتا تبعثان على ذلك؟ هل كان سلطان المغرب محمد الرابع يشعر بعداء الفرنسين ورغبتهم في احتلال المغرب في فترة ضعف صعبة، والجزائر قد احتلت سنة 1830م.
- حضاريا: لعل إعجاب السفيرين بمظاهر الحياة الحضارية في فرنسا، جعل السيد بنسعيد يصف مشدوها ما لمسه وما رآه وما أثار اهتمامه:
- ما يصاحب كل استقبال من حضور للجوقة الموسيقية.
مظاهر الحفاوة في دار الضيافة، الكل والسرب والخدم، مكان الإقامة، وقد رأى بنسعيد أن في ذلك بذخا:(إنما في كثرة الناس إضافة إلى المصاريف  والأكرية).37) وكان يشرف على رعاية الوفد المغربي وزير البرانية الفرنسي وترجمانان وغيرهم.
- كثرة فابريكات الحرير بمدينة ليون، والإعجاب بالحياة الاقتصادية، (الكل تحار فيه العقول).(38)
- الإعجاب بدار الضيافة بباريس، وصفها: (لفراش اللباس، طباخان كاتبان – أعوان... الخ)، يقول:«كان مقامنا بدار كثيرة الفراش والأثاث من الفضة والمعدن، ووكل بنا أمين يصير علينا حسب نظرنا، وقومه يباشرون فرش المنزل وتنظيفه وغير ذلك»،(39) وكذلك وصف قاعات الاستقبال عند أي مسؤول: الكراسي – اللوحات – الحسك – كؤوس القهوة – طريقة الخدمة... الخ.
- الترفيه ووسائله يقول(40) «وفي كل يوم تستدعينا الدولة للفرجة ليلا، بمحل يسمى «التياترو»، وفيه مواعظ وعبر لمن تبصر، ومتعة للنفس لمن كان حظه النظر«.
- الانبهار بمشاركة المرأة في الحياة العامة الرسمية والعادية، فهي تحضر استقبالات مع الرجال:زوجة نابليون الثالث تحضر استقبال السفيرين ونسوة أخر»،(41) كما أنها تحضر المآدب الرسمية«نساء الباشدورات وزوجة الأمير»،(42) وعند زيارة وزير الحرب تستقبلهم زوجته: «وبنفس ما دخلنا التقينا بزوجته ورحبت بنا... ودخلنا ووجدنا نسوة كثيرات مجتمعات جالسات على شوالي، واخرى قائمات ترقصن مع الرجال، كل امرأة قابضة على رجل وهي ترقص معه».(43)
- وصف مظاهر حضارية أخرى، السيرك، المسرح.إن ما أثار الانتباه عند الاستمتاع بالألعاب البهلوانية في السيرك أو في المسرح، مشاركة الفتيات في تقديم لوحات فنية بهلوانية، وقد تقمصن أدوار مغنيات وراقصات.
ثقافيا:
- يدعو صاحب اليوميات بعد مشاهداته، وإعجابه بالحياة الراقية في فرنسا، إلى وجوب الاستفادة من العلوم والصنائع ، ويدعو إلى إرسال بعثات«بقصد علم الصنائع والحرف واللسان وعلم البحر والعسكر والطب والتاريخ والسلاح»،(44) كما يرى أن الاستعانة بأولي العلم ضرورة ، وذلك «بجلب المعلمين من الأقطار، ويتعلم منهم أهل الدولة سيدنا».(45)
الاستفادة من التجربة المصرية بعد أن دخل نابليون بونابرت مصر:«فقد جلب محمد علي أرباب الصنائع والعلوم من بلاد الإفرنج، وبعث أناسا من رعيته لباريز والندريز، وجعل مدارس للتعليم، وأرسل على معلمين من الإفرنج، عارفين بعلم الهيئة والبحر والهندسة والطب وسائر العلوم».(46)
- الدعوة إلى الاطلاع على كتب النصارى ومعرفة قوانينهم ووشرعهم ليرجع إليها وقت الاحتياج:«الاستفادة من رحلة الطهطاوي المصري (تلخيص الإبريز إلى تلخيص باريز).(47)
- مظاهر التمدن والحضارة بادية في كل مرافق الدولة، والشعب الفرنسي يشتغل بالحرف والعلوم والصنائع والتجارة، وقد سجل السيد بنسعيد دعوة وزير البحر الفرنسي لسلطان المغرب إلى«أن يرسل أناسا يتعلمون الحرف بيد الإرنج، فإن الناس بالتعليم والبحث عن أمور الترقي والاقتداء بما استحسنوه من ذلك يرتقون».(48
- الاهتمام بالبعثات العلمية: العلوم، الآداب، التاريخ، الطب.
- الاهتمام بالشؤون البحرية: تكوين البحارة وتعميق تجاربهم، خاصة وأن أهل سلا من البحارة المشهورين، تكوين التقنيين في إصلاح الفن وصناعتها.
- الاستفادة من السياسة الفلاحية، وكذا من خبراء الفرنسيين، وفي ذلك يقول بنسعيد:
- «وجميع الأمور بفضل الله تصلح بأرض المغرب، وتشغل جميع الرعية بالكسب والفلاحة والتجارة، ومن لم يكن عنده مال، فبيت المال يقرضه، وخصوصا التجار».(49)
أما وزير الحرب فيلح على العناية بالأرض والزرع، يقول:«إن جميع ما يغرس بها ينتج، إلا أن الرعية لا تكثر من الفلاحة، ولا تبحث عما يعينها على غلتها من الماكينات والدواليب، ولو علمت ذلك واستعملته لحصل لها الغنى التام كأرض مصر وغيرها»...(50)

خلاصة
لهذه اليوميات التي سجلت أخبار ومشاهدات القائد بنسعيد أثناء رحلته موفدا رسميا إلى بلاد فرنسا أهمية كبيرة، فهي:
- تسجل وعي رجل سياسة قدير بالقضايا العامة للبلاد، فهو لا يستعرض مظاهر التقدم والحضارة في بلاد فرنسا، ولكنه يدعو إلى مجاراة الفرنسيين وإلى الاقتداء بهم في ميادين كثيرة: التعليم،التجارة، الصناعة، الفلاحة، الشؤون البحرية...الخ.
- تقترح إصلاحات جذرية عاجلة للارتقاء بالمغرب إلى مدارج الدول المتقدمة، وتفصل الحديث في مجالات هذا الإصلاح على المستويين: النظري والعملي.
- إيمان المؤلف بالتطور الحضاري: فهو يروي كل المشاهدات وكل ما لتقطه بصره، وسجلته ذاكرته، دون حرج أو تعصب أو انقباض.
- تتميز هذه اليوميات بالصدق والوضوح، وهي تمثل نموذج الحاكم اليقظ المتبصر المتفتح.
- ولعل الطريف في هذه اليوميات، والتي اعتبرت كناشة يسجل فيها صاحبها أخبار يومه، أنها تتضمن تقاييد مصاريف استلزمتها الرحلة (الصدق – شراء كتب – الهدايا – أسماء الأشخاص المرافقين – مشتريات مختلفة...الخ).
- أن هذه اليوميات تسعفنا بالتعرف إلى شخصية الكاتب، فهو لم يكن حاكما فقط، ولكن كان قارئا يستفيد مما قرأ، ويوظف ذلك لصالح بلده.
بالرغم من بساطة أسلوب اليوميات، وركاكته في بعض الأحيان فقد كان واضحا قريبا إلى الأفهام.                                    
تتميز هذه اليوميات بالجرأة في تناول الموضوع من حيث إلحاحه على إحداث إصلاح جذري في بلاد المغرب، يشمل كل المرافق، ويوجه الخطاب بطريق غير مباشر إلى ملك البلاد محمد بن عبد الرحمن كي يعجل بالاستفادة من التجربة الفرنسية في التعليم والصناعة والفلاحة، ومن الكفاءات الفرنسية باستقدامها، وكذلك بإرسال بعثات طلابية إلى فرنسا، هذه البعثات التي ستزهر في عهد السلطان المولى الحسن الأول فيما بعد.

1) التعريف ببني سعيد السلاويين: إعداد مصطفى بوشعراء، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ج 1/17 – 1991.
2) تحقيق ولدي المؤلف: جعفر الناصريين، دار الكتاب . الدار البيضاء، ج 9/ 152 – 1956.
3) آراس: ج رأس، على القلب، رأس، رؤوس وآراس، وانظر كذلك التعريف ببني سعيد 1/23.
4) الاستقصا 9/83.
5) الاستقصا 9/116.
6) التعريف ببني سعيد السلاويين 1/26.
7) المتوفى سنة 1980.
8) التعريف ببني سعيد السلاويين 1/5 – 21. 38.
9) 1/29 مجلة الكاديمية – عدد 9 – سنة 1992 – ص: 53.
10) التعريف ببني سعيد السلاويين، جزءان، مطبعة المعارف، الرباط. 1991.
11) مجلة البينة، السنة الأولى، العدد 6. 1962، ص: 11 إلى 24 وأعيد نشر هذا المقال في كتاب
«دراسات مغربية لمحمد الفاسي» بعنوان «أدب الرحلة والجغرافية» 1990ص: 68 وانظر كذلك تقديم كتاب «الإكسير في فكاك السير لمحمد بن عثمان المكناسي» تحقيق محمد الفاسي 1965.
12) الإكسير في بلاد الأسير، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي 1965.
13) الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية 1276/1860، منشورات جامعة محمد الخامس فاس – 1967.
14) الطبعة الثانية، الدار البيضاء 1965، ج2/352. تحت رقم 1527.
15) مجلة تطوان عدد 6 – 1961.ص: 182.
16) تحفة الملك العزيز بمملكة باريز، طبعت بفاس بالمطبعة الحجرية 1327ه، 1909م، ثم أعيد طبعها بتقديم وتعليق الأستاذ زكي مبارك سنة 1989. طنجة
17) مجلة تطوان، عدد 6 – 1961 – ص: 182.
18) التاريخ الدبلوماسي للمغرب، مطبعة فضالة 1986 -10/21.
19) منشورات كلية الآداب، الرباط، سلسلة الدراسات البيليوغرافية رقم 1/ 1989 – 2-117 – 118.
20) مجلة الأكاديمية عدد 9 – 1992، بحث بعنوان: «أحد أعلام المغرب الحديث، ص.53 –54 ».
21) نفسه ص: 54 – 55.
22) أنجزها السيد أحمد بنعبد الغني لنيل دبلوم الدراسات العليا في لآداب، تحت إشراف الأستاذ سعي علوش (يوليوز 1994) – خزانة كلية الآداب الرباط: «تعرض البحث لرحلات القرن التاسع عشر بالدرس. ومنها رحلة الصفار والعمراوي والكردودي والفاسي).
23)  9/119.
24) نفسه 9/117.
25) التعريف ببني سعيد 2/20.
26) الاستقصا 9/118، وانظر كذلك نص الرسالة الملكية.
27) نفسه 9/116.
28) التعريف ببني سعيد 2/17.
29) التاريخ الدبلوماسي للمغرب 10/21. لم يشر الدكتور التازي إلى مصدر هذه الاتفاقية، وبعد استفساره كتابة أجابني بأنه سيورد نصدها في المجلد 15 من ملاحق كتابه الموسوعة، وأخبرني بأن نص الاتفاقية نشر بمجلة الوثائق عدد 4، ص: 192 – 193
وتوجد أيضا بكتاب«إتحاف أعلام الناس بأخبار حاضرة مكناس» لابن زيدان 3/528.
30) إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، ط2، الدار البيضاء 1990، ج3/528.
31) التعريف ببني سعيد 2/5.
32) القائد عبد الله بنسعيد مجلة الأكاديمية، عدد 9 – 11992، ص: 55.
33)  نفسه، ص: 56.
34) التعريف ببني سعيد 2/22.
35) نفسه 2/14.
36) نفسه 2/16.
37) نفسه 2/21.
38) نفسه 2/25 – 26 – 28.
39) نفسه 2/15
40) نفسه 2/14
41) الاستسقا 9/116 هاتان الفقرتان لم يثبتهما في اليوميات وذكرهما صاحب الاستقصا رواية شفوية عنه.
42)  نفسه 9/116 هاتان الفقرتان لم يثبتهما في اليوميات وذكرهما صاحب الاستقصا رواية شفوية عنه.
43) التعريف 2/21
44) نفسه 2/34.
45) نفسه 2/36.
46) نفسه 2/9.
47) نفسه 2/11.
48) نفسه 2/12.
49) نفسه 2/13
50) نفسه 2/26.
51) نفسه 2/11.
52) نفسه 2/27.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here