islamaumaroc

…في مسجد البيازين بمدينة غرناطة…

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

 كان أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، قد تلقى دعوة كريمة من الجماعة الإسلامية بأسبانيا لحضوره حفل وضع الحجر الأساس لمسجد البيازين بمدينة غرناطة، فكان لها أطيب الأثر في نفس صاحب الجلالة، فأصدر – حفظه الله – أمره المطاع إلى وزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري لحضور تلك الاحتفال الإسلامي البهيج، وتمثيل جلالته فيه.
وكان مناسبة طيبة ألقى فيها معالي الوزير كلمة مركزة، ضمنها تحية المغرب،: ملكا وحكومة، وشعبا، للجماعة الإسلامية ورئيسها السيد عبد الفريد بير ميخو، وما كان لهذه الدعوة الكريمة من أثر بالغ في نفس صاحب الجلالة، مذكرا بفضل المسجد ورسالته الإسلامية، ومنوها بالجهد المبذول، والتعاون المشكور القائم بين هذه الجماعة الإسلامية وبلدية غرناطة، وما يثمره من ود وتقارب، وتسامح وصفاء، ويحققه من خير وإسعاد لأبناء الديانات السماوية كلها، ولصالح الإنسانية جمعاء، معربا عن وضع خبرة المغرب رهن إشارتهم، فيما يتعلق ببناء المسجد وروعة الفن المغربي الجميل، وطرازه المعماري الإسلامي الأصيل، وعن الاستعداد للتعاون المخلص في هذا المضمار، متمنيا للجمعية كامل التوفيق والنجاح في مثل هذه العمال الدنية الخيرة، وداعيا أن يباركها اله تعالى ويتقبلها وينفع بها المسلمين.
وفيما يلي النص الكامل لهذه الكلمة التي ألفها السيد الوزير في هذه المناسبة الطيبة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
السيد رئيس الجماعة الإسلامية بإسبانيا الحج عبد الفريد بيرميخو.
السيد نائب الرئيس الحاج عبد السلام غوتييرث.
السادة اعضاء الجماعة الإسلامية بغرناطة.
سعادة السيد رئيس المجلس البلدي.
أصحاب السعادة السفراء.
حضرات السيدات والسادة.
أحييكم تحية طيبة، وأحم إليكم تحيات أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني وحكومته الموقرة وإخوتكم في المملكة المغربية، ونجدد في هذا اليوم المبارك وفي هذه البلدة العزيزة ما يربطنا بكم من أواصر القربى ووشائج الأخوة وروابط الصداقة التي استطاع التاريخ المشترك أن ينسجها عبر القرون منذ دخول الإسلام إلى هذه الأرض، ولم تستطع الأحداث أن تمحوها ولا استطاع الزمان أن ينسيها أو ينال من صفائها ونقائها.
إننا ونحن نلتقي اليوم هذا اللقاء اخوي الجميل نشعر بثقل التاريخ، ونكاد نرى ونسمع حركته الخافتة تحت أقدامنا وفي الرجاء المحيطة بنا. وهو تاريخ مشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود، يجب أن نتأمله لنستخلص منه العبرة، ولنأخذ منه الدروس التي تعيننا على ترسيخ جذور المحبة وغرس مبادئ التسامح  والتساكن والتعايش والتعاون، وتقوية روابط الأخوة الإنسانية، وتأكيد العزم على وضع اليد في اليد، والمضي قدما إلى الأمام في طريق السلم والمن والاطمئنان ، ومقاومة كل أشكال الكراهية والحقد والثأر والعدوان.
يقول الله تبارك وتعالى:"إنما المؤمنون إخوة". ويقول عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة". ويقول سبحانه: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
أيها الإخوة الكرام.
إننا ونحن نحضر اليوم للاحتفال بوضع الحجر الأساس لهذا المسجد المبارك، مسجد البيازين في قلب مدينة غرناطة لا يسعنا إلا التنويه بطرفين أساسيين في هذه العملية التي ترمز إلى إمعان إنسانية كثيرة.
الطرف الأول هم أصحاب المبادرة، وهم المسلمون المزدادون بهذه الأرض، والذين تمثلهم الجماعة الإسلامية الإسبانية بغرناطة.
والطرف الثاني هو بلدية غرناطة، وحكومة إقليم الأندلس، وكل من أسهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذه المبادرة.
وإن هذا الموقف النبيل إذا كان يدل على مستوى الديمقراطية في هذا البلد، وعلى تشبع بلدية غرناطة والإدارة بروح المسؤولية فإنه من جهة أخرى يرمز إلى ما ينبغي أن يتشبث به أصحاب الديانات المختلفة من تسامح وتفتح كطريق لبناء الحضارة الإنسانية وتخليد شواهدها، ورفع دعائمها، وإبراز معالمها، والسير بالإنسان على اختلاف دياناته وأجناسه وألوانه سيرا أليفا رحيما في درب التعاون على البر، والاشتراك في الخير وبناء المستقبل الذي ينعم فيه الجميع بالأمن واللاطمئنان، ويشعر فيه الجميع بدفء الأخوة الإنسانية وصفاء المودة الآدمية.
وفي اعتقادنا أنه لولا هذه العقلية السليمة المتفتحة التي تسود في المجتمع الغرناطي على اختلاف مكوناته، لما استطاعت الجماعة الإسلامية أن تقوم بهذه المبادرة التي تستحق من الجميع كل تقدير واعتزاز، كما أننا نسجل بكل إكبار واعتبار هذا التعاون القائم بين الجماعة الإسلامية وبلدية غرناطة بمناسبة وضع الحجر الأساس لمسجد البيازين، وهذا يدل على أن حضارة الأندلس التي اشترك في بنائها المسلمون والمسيحيون واليهود، مازالت حية، ومازالت واعدة بعطاءات رائعة تفخر بها الإنسانية في مستقبلها كما افتخرت بها ماضيها.

حضرات السيدات ولسادة:
إن المملكة المغربية وعلى رأسها صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله، كانت وما تزال متحملة لمسؤولياتها في الإسهام في كل أعمال الخير، وإن بناء المساجد لمن أعظم وجوه الخير التي يتنافس المؤمنون فيها يقول الله تبارك وتعلى:"إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش لإلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين". التوبة 18.
ولاشك أنكم تدركون مستوى الفن المعماري الرفيع الذي تحرص المملكة المغربية على تجليته في بيوت الله. وما مسجد الثاني بالدار البيضاء، إلا نموذج حي وشاهد ماثل للعيان، لذلك فنحن نضع خبرتنا في هذا الميدان رهن إشارتكم، ونحن على استعداد كامل للتعاون معكم تعاونا مخلصا صادقا حتى تتحقق إن شاء الله هذه المعلمة في الحلة الجمالية التي تفتخر بها مدينة غرناطة، ويسعد بها سكانها وزوارها من مختلف الديانات.

حضرات السيدات والسادة: 
إن الدعوة الكريمة التي تلقاها جلالة الملك الحسن الثاني من الجماعة الإسلامية بغرناطة لحضور هذا الحفل أو إيفاء من يمثله فيه، كان لها بالغ الأثر في نفسه، إذ عبرت على صدق المحبة والوفاء، ولقد عبرتم بحسن استقبالكم وكريم ضيافتكم لشخصي كممثل لجلالته في هذا الحفل على تقديركم لاستجابة جلالته وما أولاه لدعوتكم من عناية واعتبار.
وإنني شخصيا لمتأثر بالغ التأثر بما أحطتموني به من مشاعر الأخوة وحفاوة الاستقبال، كما أنني متأثر بجمال وجلال هذه المناسبة، واسأل الله تبارك وتعالى أن يثبت أقدامكم، ويقوي إيمانكم، ويحقق آمالكم، ويجمع كلمتكم على الحق، وينشر عليكم ألوية الأمن والأمان والسلم والاطمئنان، وأن يجعلكم دعاة مخلصين لرسالة السلام والتسامح والمحبة والتعاون والتعايش والتساكن.
اللهم كما باركت عمل سيدنا إبراهيم وهو يرفع قواعد البيت الحرام بارك عمل أبناء هذا البلد، وهم يرفعون قواعد هذا المسجد البارك "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وارنا مناسكنا، وتب علينا إنك أنت الثواب الرحيم" (سورة البقرة: 127).
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here