islamaumaroc

ابن قتيبة: بين أسلوب التشبيه ومذهب المشبهة وثيقة نقدية مع الدكتور حمادي صمود.

  محمد إقبال عروي

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

«إن التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلف علم عاقل إلا فيها: .....(ومنها) شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه».
«كشف الظنون»
لا يجادل دارس لقضايا البلاغة العربية ونقدها في القيمة النقدية لكتاب«التفكير البلاغي عند العرب» لصاحبه د. حمادي صمود. وتتجلى قيمته في احتوائه على دراسة منهجية لتطور المسائل البلاغية والإشكالات النقدية عند العرب.
وحرصا مني على أن يظل هذا المؤلف آخذا بأسباب الموضوعية في أحكامه والدقة في إسهامه، أقدم بين يدي د. حمادي صمود والقراء الكرام ملحوظة نقدية تتعلق بموقف ابن قتيبة من ظاهرة التشبيه، باعتباره إحدى الظواهر البلاغية التي اهتم بها الأقدمون.
ففي معرض رصده لجهود ابن قتيبة في معالجة أساليب القرآن البلاغية، لاحظ د. حمادي صمود أن صاحب «تأويل مشكل القرآن» لم يفرد في مصنفه هذا مبحثا للتشبيه، يعرض فيه لنماذج من التشبيهات القرآنية تماثل صنيعه مع المجاز والاستعارة والكناية.
وباعتقاد صمود، وهو اعتقاد من يتجاوز ظواهر القضايا للبحث في أسرارها وعللها، فإن هذه الظاهرة، ظاهرة غياب مبحث التشبيه في مصنف ابن قتيبة، تحتاج إلى تفسير وتعليل، وهذا ما قام به د. حمادي صمود، وهو موقفه من المشبهة. يقول:«والغالب على الظن أن سكوته (يعني ابن قتيبة) عن باب التشبيه في مؤلف يتناول النص القرآني يعود إلى أسباب عقائدية لا بسن نشاطه اللغوي ومشاركته في البلاغة. فبعض المصادر القديمة تتهمه بالانتماء إلى المشبهة، واصل هذه التهمة وقوف ابن قتيبة بن بعض الآيات المحتوية على تشبيه الذات الإلهية عند ظاهر النص دون تأويل...(1)
والمتأمل في هذا التعليل يلاحظ أنه يعوزه غير قليل من الاحتياط المنهجي، فهو لا يقوم على استقراء دقيق للمدونة البلاغية عند ابن قتيبة، ثم إنه يبالغ في ربط الإنتاج البلاغي بأصوله العقائدية، نقول يبالغ، ونحن واعون بجدلية البلاغي والفكري في الإنتاج البلاغي العربي. (2)
ودليلنا على ذلك:
1- إن المتأمل في المدونة البلاغية لابن قتيبة يلاحظ أنه لا يغيب الحديث عن التشبيه، والنصوص المستشهد بها هنا شاهدة على ذلك، فقد توقف عند قوله تعالى: "إنما ترمي بشرر كالقصر".(3) فقال:
«ثم وصف النار...» فمن قرأه بتسكين الصاد، أراد القصر من قصور مياه الأعراب، ومن قرأه القصر شبهه بأعناق النخل، ويقال بأصوله إذا قطع، ووقع تشبيه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، وهي السود، والعرب تسمي السود من الإبل صفرا».(4)
وعرض في مناسبة أخرى لقوله تعالى: "وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا"، (5) فقال:«يعني السحاب، يقال شبهت بمعاصير الجواري، والمعصر: الجارية التي دنت من الحيض».(6)
فهذه الآثار تدل على نفسية مطمئنة إلى أن التشبيه أسلوب من أساليب العربية، يوجد بأنماطه المختلفة في الشعر والقرآن.
ولا نريد أن نغادر هذا الدليل الأول دون التذكير بأن التشبيه داخل عند ابن قتيبة في دائرة الاستعارة. ويتجلى ذلك في تحديده للجامع بين المستعار والمستعار له، كما في قوله تعالى "والمرسلات عرفا"،(7) فقد تم استعارة عرف الفرس، وهو السطر المستوي بعضه في إثر بعض، للملائكة الذين يتوافدون بشكل منظم يتبع بعضهم بعضا بجامع التشابه الحاصل بينهم(8) على المستوى السيميائي.
2- لو كان ابن قتيبة مستحضرا لتهمة نسبته إلى المشبهة، لفرض عليه منطق البحث، فضلا عن طبيعة الإنسان المستنكرة للتهم، والعاملة جهد الإمكان على دفعها، أن يرد على القاذفين له، ويرفع الإشكال بما من شأنه أن يحق الحق ويزهق الباطل، وذلك بالعكوف على التحليل للتشبيهات القرآنية، واهتبال الفرصة لتحديد موقفه الذي يعتقده ويدين به شهادة له بين يدي خالقه.
ونستدل هنا، على سبل التمثيل، بكلامه في لمجاز ومعالجته له وفق ضوابط تركيبية دون إغفال للبعد العقائدي في المسألة.
فقد انتقد بعض المتوسعين في حمل كلام الله على المجاز، من الذين ذهبوا «في قول الله وكلامه إلى أنه ليس قولا ولا كلاما على الحقيقة، وإنما هو إيجاد للمعاني، وصرفوه في كثير من القرآن إلى المجاز»،(9)
وأبرز موقفه الواضح بن المجاز من خلال المستويات الآتية:
أ – إن المجاز وسيلة مساعدة على التأويل السليم ومن لم ينتبه إلى هذه القاعدة فقد فتح على نفسه وعقيدته باب التعسف والتحريف، ومن هنا نبع خطأ أهل الإنجيل، فهم يفسرون «الأبوة» في بعض النصوص على الحقيقة، «ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة، دون غيره، ما جاز لهم أن يتأولوه هذا التأويل في الله، تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، مع سعة المجاز، فكيف هو يقوله في كثير من الواضع لغيره، كقوله: «إذا تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإن أباك الذي يرى الخفيات يجيزك عليه علانية»..(10)
وقد وضع هذا التأويل المجازي في تفسير آيات القرآن التي تنسب أفعالا معينة إلى الذات الإلهية.(11)
وفي هذا المستوى، وجد ابن قتيبة المجال خصبا للتعبير عن معتقده السني، ولو كانت شبهة نزوعه نحو المشبهة واردة، لأشهر بيانه للرد على الذين جاءوا بإفكها».
ب – ينطلق مفهوم المجاز عند ابن قتيبة من كونه عنصرا يسهم، إلى جانب عناصر أخرى في رفع المستوى الخطابي للرسالة؟، فيجعلها«غامضة»، حتى لا يظهر عليها إلا اللقن. يقول «ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر».(12)
وفي هذا المستوى إشادة بالأساليب المجازية، ومن ثم، دليل على عدم جمود الإمام على ظواهر اللغة كما تدعي شبهة نسبته إلى الشبهة، ففي تفسيره لقوله تعالى: "سنفرغ لكم أيها الثقلان"،(13) التفت ابن قتيبة إلى مسألة لها تعلق بالموقف الديني في الصفات، فقال:«والله تعالى لا يشغله شأن، ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والإهمال».(14)
فهل ترى لتلك الشبهة من باقية؟
ج – لكن ابن قتيبة يحترز بن الإيحاءات التي قد يخلفها تحليله لخطاب القرآن، فيضع لتأويله المجازي شروطا حاسمة لخصها في عنصرين:
- أفعال المجاز لا تشتق منها المصادر.
- أفعال المجاز لا تؤكد بالتكرار.
ويعلل ذلك بقوله:«فنقول: أراد الحائط أن يسقط، ولا نقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، والله تعالى يقول: "وكلم الله موسى تكليما"، (15) فوكد بالمصدر معنى الكلام ونفى عنه المجاز. وقال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون"، (16) فوكد بالتكرار، ووكد المعنى بإنما».(17)
يبرز هذا المستوى أن ابن قتيبة، وإن كان يصدر في تفسيره من منطلقات عقائدية تنتمي إلى معسكر أهل السنة، فهو يعتمد في نفي المجاز عن بعض الأساليب القرآنية على عناصر تركيبية تدخل ضمن امكونات بينية الجملة لصرف الخطاب جهة الحقيقة أو المجاز...
وإذا تبت أنه مهتبل لشتى الفرص من أجل تحديد موقفه الديني، فكيف يعقل أن يغيب مبحث التشبيه، فلا يتحدث عنه، ولا يبسط قضاياه خشية أن يستغل كلامه لإثبات دعوى كونه مشبها.
3- إن شبهة نسبة ابن قتيبة إلى المشبهة لا تصمد في وجه التحقيق العلمي التاريخي، ويكفي العودة إلى ما كتبه الإمام في مصنفه«الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة». وبعض نصوصه واردة في المقدمة التي كتبها السيد أحمد صقر بين يدي تحقيقه لتأويل مشكل القرآن، وكان على حمادي صمود أن يستحضر أقوال الإمام في رده على المشبهة، مثل قوله:...
«ولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي، عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا، بالتشبيه المحض، وبالأقطار والحدود... وكلا الفريقين غالط... وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها... من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد، أو أن نقتبس على ما جاء ما لم يأت، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدا إن شاء الله تعالى !.
إن مقتضيات المنهج العلمي تمنع بناء الأحكام على مقدمات فاسدة، أو الاشتغال بمسائل ثبت بطلانها.
بعد هذا الاعتراض، نستطيع تلمس أحد السباب الرئيسة التي جعلت ابن قتيبة لا يفرد مبحثا للتشبيه في تأويله لمشكل القرآن... إن الإمام يستجيب في مصنفه لمقتضيات التحدي الموجه للخطاب القرآني في صورة طعون تمس لغته وأساليبه البيانيية، مثل التناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم، والاختلاف في القراءات، والمتشابه والتكرار... وقد افرد لهذه الطعون مباحث، كاشفا عن زيف افترائها، ناقدا لأساسها، محللا ودارسا بما أوتي من بصيرة ونفاذ إلى جوهر البيان وأسرار الخطاب.
وبتأمل نتائح بحثه ونقده، يظهر أنه لم يكن ضمن تلك الطعون ماله علاقة بالتشبيه، وإنما انصب جلها، إن لم نقل كلها، على طرائق القرآن المجازية وأساليبه الاستعارية، فمن الحكمة ألا يشتغل بأمور لم ترد في طعون الخصوم والملحدين، لأنها لم تكن محل نزاع، ولا هي مما يتوجه إليها الإشكال...
لنستمع إليه وهو يحدد وظيفته من مؤلفه، وغايته من تأليفه:«وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول..، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة، واللحن وفساد النظم والاختلاف... فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون..».
فمن الحكمة، إذن، ألا يشتغل ابن قتيبة بأمور لم ترد في مطاعن الخصوم والملحدين، وكانت هذه الحكمة دافعة له بأن يتجاوز مبحث التشبيه إلى قضايا أخرى تعلق بها أصحاب النظر المدخول، وأخذوا بحجزاتها وهو يخبون في حلبة متعسف التأويل.

1) د. حمادي صمود: «التفكير البلاغي عند العرب، أسسه وتطوره إلى القرن السادس»، المطبعة الرسمية، تونس، ط1. 1981. صفحة: 337.
2) يرتبط جانب من جهود أستاذنا د. أحمد أبو زيد بإشكالية الكشف والتدليل على جدلية البلاغي والفكري في البلاغة العربية، ويمكن العودة إلى كتابيه:«المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن»«مكتبة المعارف»، الرباط، ط 1، 1986، و«مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن»، دار الأمان، الرباط، ط1 1989.
3) المرسلات، الآية: 32.
4) ابن قتيبة:«تأويل مشكل القرآن»، تحقيق: أحمد صقر، دار الكتب العلمية، ط 1978، صفحة: 320 – 321.
5) سورة النبأ، الآية: 14.
6)ابن قتيبة:«تأويل مشكل القرآن»، صفحة 506.
7) سورة المرسلات، الآية: 1.
8) «تأويل مشكل القرآن»، ص: 166.
9) المرجع نفسه، ص: 86.
10) المرجع نفسه، ص: 103.
11) انظر مثلا صفحتي 105 و 138 من «تأويل مشكل القرآن».
12) المرجع نفسه، ص:86.
13) سورة الرحمن، الآية: 31.
14) «تأويل مشكل القرآن» ص: 105.
15) سورة النساء، ص: 164.
16) سورة النحل، الآية: 40.
17) «تاويل مشكل القرآن»، ص: 111

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here