islamaumaroc

الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة

  عمر بنعباد

العدد 319 ذو الحجة 1416/ مايو-يونيو 1996

في موسم الحج من كل عام تتوق نفوس المسلمين، وتهفو قلوبهم المومنة، إلى زيارة البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وسنة العمرة، والصلاة في المسجد النبوي، والوقوف أمام روضته الشريفة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وفريضة الحج عبادة عظيمة الإسلام، وقاعدة من قواعده الخمس، أوجبها الحق سبحانه، وفرضها على من استطاع إليها سبيلا من عباده المسلمين، فقال في محكم كتابه الحكيم: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" وقال سبحانه: "وأتمو الحج والعمرة لله".
وهذه العبادة، من أحب الأعمال الصالحة إلى الله تعالى، وأكثرها ثوابا وأجرا عنده سبحانه، وفي مقدمة ما يتقرب به العبد المسلم إلى ربه ومولاه، بعد أداء الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، إن كان له مال، باعتبار هذه العبادات هي أركان الإسلام، وقواعده الأساسية، والتي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إلاه إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، لمن استطاع إليه سبيلا»، وقال فيه النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه القدسي الذي يرويه عن ربه أن الله سبحانه وتعالى يقول:«ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..»(الحديث).
وعبادة الحج وفريضته كسائر العبادات المأمور بها في الإسلام تنطوي على حكم إلاهية، وتشتمل على أسرار ربانية، يرجع بعضها إلى علاقة العبد بخالقه، وبعضها إلى علاقة الناس بعضهم ببعض، حصول منفعة وصلاح لهم بها في الدنيا.
فمن الحكم الإلاهية في علاقة الإنسان بربه إظهار العبودية والخضوع لله تعالى، والامتثال بالطاعة لما أمر به سبحانه عباده، وأوجبه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف من صالح الأعمال التعبدية، وإخلاص العبادة كلها لله، فريضة كانت أو نافلة، إذ هو سبحانه الأهل لها والمستحق لها وحده، فلا إلاه غيره ولا معبود بحق سواه، وهو القائل سبحانه خطابا لنبيه الكريم، "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد اله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص".
والعبادة إلى جانب ذلك يتزود الإنسان منها بما يجب أن يكون عليه من صلاح وتقوى في أمور دينه ودنياه، ففي الصلاة وحكمتها يقول الله تعالى:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، وفي الزكاة يقول سبحانه وتعالى"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم". وفي الصيام:"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وفي الحج يقول الحق سبحانه:"وتزودوا فإن خير الزاد التقوى".
وإلى جانب هذه الحكم المتجلية في العبادات، وما تثمره في قلب المومن من خشية الله ومراقبته، وتحقق في نفسه من ضمير حي يراقب الله في الظاهر والباطن، ويستحضره في السر والعلن، فإن هناك حكما أخرى تعود بالخير على أمة الإسلام في علاقتها وحياتها اليومية مع بعضها.
ففريضة الصلاة، وإلقاء المسلمين عليها في المسجد خمس مرات في اليوم، لتأديتها جماعة، تخلق بينهم مزيدا من التعارف والمودة، وتقوي بينهم أواصر الأخوة الإسلامية، وتجعل عراها وثيقة متماسكة، وفريضة الزكاة تحقق ذلكم التضامن والتكافل الاجتماعي بين المسلمين، بين الغني والفقير، وتشعر الضعيف والمسكين بأنه محل رعاية وعطف من إخوانه الميسورين.
وفريضة الصيام تحقق ذلك الشعور بالمساواة والعبادة لله، وبما يحس به الضعيف من الجوع والحاجة، فيؤدي المسلم تلك العبادة، ويخرج إثرها زكاة الفطر، ويجود بما يمكنه أن يجود به من التصدق بالمال، وإنفاقه في وجوه البر والخير والإحسان.
والحج كذلك يحقق المزيد من التعارف بين المسلمين الوافدين من كل فج عميق ومكان سحيق، ومن الشعور بالمساواة البشرية أمام الله تعالى، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على اسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، كما يتحقق في هذه الفريضة المزيد من التآخي وتبادل المنافع والمصالح الدنيوية، مصداقا لقول الله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم".
والحج لا يكون مبرورا مثابا عليه بجزيل الثواب ويحقق حكمته من العبودية لله، ومن لتعارف وتبادل المنافع بين الناس إلا إذا كان حجا من الكسب الطيب، وكان خالصا لوجه الله الكريم، وعلى الكيفية والحكام التي شرعها الإسلام، وبينها النبي عليه الصلاة والسلام، في حجة الوداع، وأوضحها لأمته قولا وعملا، وقال«خذوا عني مناسككم».
ولا يستكمل الحاج حجه على الكيفية المشروعة، ويحرز ثوابه كاملا غير منقوص إلا إذا تحلى في أثناء تأديته بالآداب والأخلاق الإسلامية المطلوبة، وتحلى بالفضائل والمكارم المرسومة، فتجنب الرفث والفسوق والجدال، وابتعد عن الشقاق والنزاع والخصام، وتحلى بجميل الصبر وحسن السلوك والفعال في الأقوال والأعمال، تحقيقا لقول الله تعالى: "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج  فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله،وتزووا ، فإن خير الزاد التقوى"،ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
وهكذا تتجلى للمسلم والمسلمة جوانب من الحكمة الإلاهية، وتظهر له بعض الأسرار الربانية في الحكمة من تشريع العبادات،وفي تثبيت الأخوة بين المسلم وأخيه المسلم، وتدعيم رابطة الوحدة الدينية بين المسلمين أينما كانوا وحيثما كانوا، بما يجعل كل واحد منهم مهتما بأمر الآخر وأحواله، يعيش معه ظروفه وأوضاعه في حالة السراء، فيشاركه الفرح والسرور فيها، ويشاركه الأسى في حالة الضراء فيتألم لها، ويواسيه ويخفف عنه آلامها بما يمكنه من المساعدة المادية والمعنوية، باعتبار المسلمين وأمتهم جسما واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وباعتبار المومن كالبنيان يشد بعضه ، بعضا كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم. وعسى الله أن يحقق للمسلمين بالعبادات كلها، واجتماعهم عليها، والتقائهم في المساجد وفي مواسم الخير والبركة، كموسم الحج، وشهر رمضان، وزيارة المصطفى عليه السلام، ما أمرهم به ودعاهم إليه من اجتماع الشمل والكلمة، وصفاء النفوس والقلوب، والتعاون على البر والتقوى وعلى الخير والصلاح في شؤون الدين والدنيا، حتى يحيى المسلمون دائما تلك الحياة العزيزة الكريمة الطيبة التي قال فيها الحق سبحانه: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here