islamaumaroc

احد عشر قرنا في القرويين

  دعوة الحق

34 العدد

منذ ثلاثة عشر قرنا صنع الإسلام – آخر الأديان التي ظهرت في التاريخ بعد اليهودية والمسيحية- أيضا إمبراطورية هائلة فاقت إمبراطورية الإسكندر. واليوم لايزال الإسلام يمثل ثلاثمائة وخمسين مليونا من الرجال موزعين على العالم أجمع. هذه القوة الخارقة النائمة خلال قرون، والتي تستيقظ موشكة أن تصبح إحدى المشاكل العامة للعالم الحديث. هي ثمرة كتاب: «القرآن». هذا الذي أملاه، مجرد جمال، لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة. إنه يسمى محمد، ونحن نسميه ماهومي(1).
هذا الرجل المخيف، الذي خرج على نفسه هو، هذا الفلاقة، يجب أن تراه بوجهه، وأن تفهمه، بالأمس فقط كان فلاحا عندنا، جاني عنب في كرمه، والآن إنه هناك، ظهره للحائط، وعيونه طافحة بالغضب، أي دوار زلزله، اقتلعه من حقله، ليقذف به في الثورة، ثملا لا يحس بأي عنف.
ماذا يوجد وراء هذا المجهول؟
إنه شيء فسيح، غامض، لا يكاد يفهم، إنه: الإسلام.
إسلام يعني: خضوع، مفهوم ضمنيا: لإرادة الله، فالمسلم أصله واحد، إنه الرجل الذي يخضع(2)
ذلك أنهم 350 مليونا في العالم (ثمن سكان الكرة الأرضية، من رمال الأطلس إلى صحراء جوبي(3) ومن المحيط الأطلسي إلى جزائر أندونسيا، يخضعون خمس مرات في اليوم، كل يوم، يجددون قيامهم بالخضوع متجهين لنفس النقطة في العالم، مكة، ماسين الأرض بجباههم؛ إنهم ينتسبون لثلاثين أمة، وعشرين جنسا، يتكلمون مائة لهجة، ولكنها في لغة واحدة العربية؛ وهم يتجهون بنفس الصلاة لنفس الإله ويخضعون بنفس الروح لنفس القانون الذي ينظم حياة الشخص من الشروق للغروب، ومن الولادة إلى الموت –وأبعد من ذلك- فإنه يدير حياة المجتمع بأسرها.
إن الإسلام ليس دينا فحسب، آخر الأديان التي ظهرت في التاريخ، إنه أيضا، وبصفة خاصة، مجتمع روحي واشتراكي، ونظام سياسي، وأسلوب للعيش وكما حدده روني كروسي: «أخوة تتوارثها الأمم والأجناس، في مجتمع متحد تحت رعاية الله، لإنجاز إرادة الله»، وهذا منذ 1300 سنة.
وخلف هؤلاء 350 مليونا من المسلمين النائمين منذ ثلاثة عشر قرنا(4)، مغامرة من أعظم مغامرات الإنسانية: إمبراطورية فاقت إمبراطورية الإسكندر، وحضارة هيأت للنهضة، ودين قام في الشرق، مقام المسيحية في الغرب.
لقد كانوا في سرقسطة وفي سمرقند، وكانوا في بواتيي؛ كانت إمبراطوريتهم تمتد من إسبانيا إلى الهند، ومن روسيا إلى أندونيسيا؛ وكان لا بد من ثمانية عشر شهرا لقطعها على ظهر الجمال، وكانت قوافلهم التي تجوب نصف العالم المعروف، لا تحمل فقط إلى الغرب الحرير والتوابل وحكايات الشرق، فبين شيلان كشمير، وعطور البلاد العربية، كانت توجد الرسائل الرياضية من الهند، والتراجم الأولى لأفلاطون وأرسطو، والأشعار والمذاهب الفلسفية من فارس. إن الطلبة الغربيين كان يجب عليهم تعلم العربية –اللغة العلمية في القرون الوسطى – لحل رموز رسالة بقراط، أحد الكتب الستة الأولى التي كانت تملكها كلية الطب بمونبوليي.
هذه الإمبراطورية المهولة، مع عواصمها ذات «ألف ليلة وليلة» التي تملك كل واحدة منها ما يكفي لمجد مملكة: بغداد مع 27000 من مساجدها وملايينها الثلاثة من السكان. القاهرة مع القصر الذهبي لهارون الرشيد(5)، و 000 500 1 مجلد بمكتبته، قرطبة مع جامعتها التي جاء أحد البابوات(6) ليدرس فيها؛ هذه الإمبراطورية، وهذه الحضارة اللتان غمرتا العالم، وفتحتا عهدا جديدا في تاريخ الإنسانية، إن كل هذا خرج من كتاب صغير يتكلم عنه جميع الناس، ولم يقرأه أحد(7): القرآن.
هذا الذي أملى هذا الكتاب – لا يمكن القول بأنه كتبه لأنه لم يكن يعرف لا القراءة ولا الكتابة –كان جمالا يعيش منذ 1300 سنة، في أوحش صحاري البلاد العربية.
كان يسمى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، نسميه نحن ماهومي، ولكن الرجل كالاسم، هو من نماذج الشرق.
إنه بدوي، رجل رمال، روح من نار(8) وفي دمه حرارة هذه الأرض المحترقة العربية، التي يقرعها الله في كل مرة يريد فيها نبيا. إن مكة التي ولد فيها عام الفيل (571م) ليست إلا على بعد عشرة أيام بالقافلة من جبل سيناء، حيث استلم موسى ألواح القانون، وعلى بعد اثني عشر يوما من القدس، حيث أعلن عيسى الخبر الطيب، ولكن سيناء هي الجبل، والقدس هي بالتقريب أيضا البادية، ومكة، إنها الصخر المحترق، الأتون، لا نهائية الرمال تحت نقمة السماء النارية، إن مكة هي الصحراء.
إن إبراهيم الباحث عن الأرض الموعودة، قد توقف هناك، تاركا ولده إسماعيل على حجرة، ومن إسماعيل ولد جنس العرب، ومن الحجرة ظهر الإسلام.
وعندما وضع إبراهيم الطفل على الحجرة –منقطعين، هذا وذاك، إلى الإلاه الواحد، إلى الإلاه الحقيقي – كانت الحجرة بيضاء، وبعد ذلك بألفي سنة عندما شاهد محمد الحجرة، كانت قد أصبحت سوداء: «سوداء من جميع ذنوب الناس»، بيد أن البدويين الناسين لإلاه إبراهيم، كانوا قد جعلوا منها هيكل معبودهم، الكعبة، حيث يضحون بالجمال والتيوس – والأطفال- لـ 360 من  آلهة ضريحهم الجاهلي.
لسان، منذ قرون، حكايات عن التلمود والتوراة والأناجيل؛ ولكنه كان يحس برغبة كالظمأ، يزداد نموها، وشيئا فشيئا، أخذ يبتعد عن أهله، ليذهب وحيدا في الصحراء، نحو الأحشاء المحترقة بجبل حراء، غير البعيد عن مكة، فهناك غار تجتذبه إليه وحشته، يتوغل فيه ويقيم أياما وأحيانا أسابيع كاملة، يعيش وحيدا بالتمر ولبن المعز، ينتظر شيئا لا يعرف ما هو.
وفجأة، يحدث الشيء، فعند غروب الشمس، حيث تكون السماء خضراء، ورياح الرمل تثير غبار المساء الأكلف، كان يخرج من غاره حينما انقض عليه الشيء الوهاج طارحا له على الأرض في سرعة البرق، وعندما فتح عينيه كانت السماء تتلألأ بالنجوم، ماذا حدث له؟ إنه مثل كرة من النار تنفجر من الرأس، ثم شيئا فشيئا يعود كل شيء إليه، ففي ثلاث مرات كان «حامل الأجنحة» يأخذه من الحلق ويهزه حتى يكاد يختنق، قال له: «إقرأ!» ملوحا أمامه بطريقة الراية حيث كانت تسطع حروف من نار (9) ولمرتين تأوه الرجل الطريح نصف مختنق (ما أنا بقارئ) ولمرتين أعاد الآخر، «اقرأ» وارتفع الصوت المفزع، وكل حرف من الراية توغل فيه كسيف من اللهب: «خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‏. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» [العلق: 2-5]
وينهض الرجل مفزوعا، ويفر إلى منزله، ولكن، بينما هو يعدو كان الصوت يتبعه: «يا محمد أنت رسول الله، وأنا الملك جبريل».
ليلة الوحي هذه – التي يقع إحياء ذكراها منذ 1300 سنة في صيام وصلوات شهر رمضان –هي ليلة القدر، الليلة المقدسة في الإسلام.
وخلال وقت طويل، ظل يشك في مهمته(10)، ولكن خديجة زوجته، وورقة المسيحي، هدءا من روعه بلطف، وقالا له: إن الله هو الذي أرسل إليه الملك جبريل. كان يظن أنه وقع فريسة الجن، عفاريت الرمال؛ وخلال ثلاثة أعوام(11) كان يصمت، ويختفي، خجلا من المغامرة التي ذهب ضحيتها، «متكلما ككاهن، أو ساحر، هو الذي يكره الكهنة والسحرة» -غير عارف من أين يأتي الصوت، لم يعد يأكل، وينام بشق النفس، وبلغ من ألمه أنه كان يفكر أحيانا في الانتحار. ما أجمل عنده العودة إلى الصحراء وحيدا، «نحو شجرة العتاب» في الساعة التي تضاعف فيها الشمس –أو القمر – سرابهما، أن النهار فارغ، والليل بدون صوت، وأخيرا في ذات مساء، بينما كان يرتعش من الحمى والضيق، وقد ترك طريحا على الرمل، ورأسه مغطى بعباءته، وعلى حين فجأة، أبرق «الشيء» تحته مفزعا:
«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ،‏ قُمْ فَأَنذِرْ،‏ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ»[المدثر: 1-3].
ووقف الرجل مستقيما أمام الإله، لقد زال الكرب والشك، إنه يعلم بأنه النبي، وأنه يأخذ بمقبض سيف الملك فمن أجل الله، وبواسطة السيف والنار!(12) مهمته؟ إنه يعرفها، إنها جلب الفضيحة والخراب إلى قبيلته أولا، ومدينته ثانيا. ماذا يجب أن يفعل؟ إسقاط الأصنام، واستئصال الوثنيين الذين يكونون الثروة من مكة ومن قبيلته، مهمته؟ أنها الجهاد، الجهاد المقدس.
لم يكن بجانبه إلا خديجة زوجته، وعلي ابن عمه، وزيد ابن المثنى، وأبو بكر صديقه، وعثمان زوج ابنته البكر، هؤلاء الخمسة – أوائل الإسلام – سيكونون أتباعه.
ولكنه وحيد في ساحة الكعبة، في الساعة التي يتزاحم فيها جمهور الحجاج لإهراق دم الضحايا على حجرة الهياكل، إنه وحده الذي فضح خداع الأصنام وأعلن أنه «لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله».
قالوا إنه أحمق. هل من الممكن أن أعقل الرجال وأغناهم في المدينة يصبح هذا المهرج، هذا الرجل الذي يسقط من الذعر، ويتكلم في نوع من الهذيان ويعتبر نفسه رسول الله؟
ويسخرون منه: «إذا كنت نبيا يا محمد، فاصنع لنا على الأقل معجزة –كالآخرين- ويجيب إن كلاما كهذا أخاطبكم به، أنا الأمي، أنا عديم المعرفة، أليس معجزة، أكبر المعجزات؟»
ويتهمونه بالتدجيل. هذا الإله الوحيد الذي يتكلم عنه، إنهم يعرفونه، إنه هو الذي أخبر عنه جميع الأنبياء، وآياته المصوغة في نثر موزون، يخطب بها منطلقا في الأرض، واللعاب في الشفاه، إنها «مقاطع» العهد القديم والعهد الجديد التي علمها له هؤلاء الكلاب من اليهود والمسيحيين، لكي يخلق الفوضى والخراب في المدينة.
ومع ذلك فإن حجاجا بدأوا فعلا يستمعون إليه، وبعضهم أخذ يتحول عن الأصنام، وإذن فقد وقعت الواقعة. إن أعيان المدينة يريدون تصفية الحساب مع هذا الثائر، هذا العدو العام، فإن صلى على حدة قذفت أحشاء الشاة على وجهه، وإن أراد أن يعظ بصق في اتجاهه، ولم يتجرأ أحد على قتله –قانون الصحراء يمنع قتل رجل من القبيلة(13)-. وقد عامل القرشيون بوحشية هؤلاء الذين يستمعون إليه: الفقراء والمتسولين والعبيد – إنهم أنفسهم الذين كانوا قبل ستة قرون يستمعون إلى عيسى.
وإن ما يقوله، لهو تقريبا هذا الذي قاله عيسى مع هذا الفارق القريب من أنه لا يقبل ألوهية المسيح، إذا كان يقبل إدراكا غير مدنس، بأن الله – الإله الذي أخبر به جميع الأنبياء –أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، وليس محمد إلا آخر رسله «خاتم النبيئين». ولم يأت إلى ليذكر الإنسان بما أخبر به هؤلاء الذين سبقوه –من إبراهيم إلى عيسى-: «كونوا مستقيمين، اتقوا الله، تذكروا يوم الحساب الأخير».
ومع ذلك فإنه يشتم، ويرجم، ويقبض على أتباعه، فيمدون عراة على الرمال المحرقة، رءوسهم تحت الشمس، وصدورهم تدق بكتلة من الحجارة، ويتركون إلى أن تأتي الكلاب لتنهش عظامهم، إنهم أوائل الشهداء، أوائل الصالحين في الإسلام، إن اسم واحد منهم وصل إلينا، كان يسمى بلالا، وكان زنجيا، كاد يموت من العذاب والعطش، لقد سحق صدره، كان يردد ليل نهار دون أن يشتكي: «الله أحد!الله أحد!»
وكان محمد قد افتدى العبد من سيده(14) وعالجه حتى شفي، وجعل منه أول مؤذن: الرجل الذي سيظل حتى آخر أيامه ينادي المسلمين إلى الصلاة، خمس مرات في اليوم.
وتتضاعف الاضطهادات والامتحانات، وفي عام الحزن (620) فقد محمد خديجة، زوجته المخلصة، وأولى أتباعه، وفي حالة الألم الذي كان يعانيه وقعت له رؤية: المعراج، فقد رأى نفسه محمولا على البراق فرسته البيضاء قاطعا الصحراء، ومن القدس مرتفعا إلى عرش الإله، إنه هناك تلقى أولى الفرائض الخمس – الدعائم الخمس للإسلام: شعيرة الصلوات الخمس اليومية، حيث يتجه الوجه نحو المدينة المقدسة التي ليست أيضا مكة، ولكنها القدس «مدينة إله إبراهيم».
إن عنف إيمانه هو سبب إنذارات الخطر للقرشيين الذين قرروا قتله؛ وينجو من عدالتهم ويلتجئ إلى الطائف –التي طرد منها- ثم إلى يثرب (واحة على بعد 400 ك.م. من مكة)، المدينة الثانية في الحجاز. وهذا الخروج من مكة إلى يثرب التي ستسمى منذ الآن بالمدينة (مدينة النبي) هو الهجرة.
وإن يوم 25 شتنبر 622 هذا من التاريخ المسيحي هي السنة الأولى للإسلام. إن عهدا جديدا يبتدئ.
يبتدئ بالجهاد: الحرب المقدسة. إن العدو هو الوثني، وضد هذا العدو أخذ النبي يلوح بالسيف ويرفع العلم الأخضر للجهاد.
في هذا الكفاح، الرجل الحنون الحالم الذي هو محمد أصبح شديد البأس(15)، وليس هو الذي يرمي، إنه الله(16)، ويعد أنصاره الثلاثمائة –وهم كل جيشه –بالنصر حيث «الجنة تحت ظلال السيوف». ويقول لهم : هؤلاء الذين لا يعودون سيجزون أحسن الجزاء، وسيحملون اسم الصالحين(17) ويقول أيضا: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» [آل عمران: 169]. إن فقد الحياة معناه ربح الخلود: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ» [التوبة: 111]، ويقول لهم: إن هذه هي الإقامة في النعيم الخالد، في «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا... » [إبراهيم: 23] حيث الحور العين والكواعب والأتراب يستقبلن الأبطال في ظل النخيل، أما الجبناء فسيذهبون إلى جهنم(18) «فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ،‏ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ» [الواقعة: 42-43].
إن معركته خالصة، فليست المدن والبلاد هي التي يطمع فيها، ولكنها الأرواح، وهو يعارض مقدما حملات الاحتلال والسلب من هؤلاء الذين سيدعون القتال باسمه: «إن جندي الله هو الذي يقدم حياته لا للاستغناء، ولكن في سبيل الله»(19). وهو لا يريد جنودا مرتزقة بل شهداء.
وعند العودة من كل غزو يكرر: «لقد عدنا من الجهاد: الحرب الصغيرة المقدسة ضد الكفار، والآن يبدأ الجهاد الأكبر: الحرب الكبيرة المقدسة ضد النفس»
إن المعركة المزدوجة – الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر- هي التي سيقوم بها أثناء العشرين عاما حيث هو مع قبضته من الأنصار، سيطهر الجزيرة العربية من الوثنية وسيجعل من مكة مأوى الجاهلية، المدينة المقدسة للإسلام.
وفي المدينة، كما في مكة، ظل عرضة لمهاجمات الأعيان الذين ألفوا، للقضاء عليه، حزب المنافقين، وبقوة الدبلوماسية، نجح محمد في تخفيف وطأة المتعصبين منه، ومنح البلد ميثاقا حل محل النظام القديم القبائلي، مصدر الخلافات الدائمة، وجعل منها مجتمعا إلاهيا، حيث القبائل المتنازلة عن منافساتها المتوارثة، يجب أن تتعاون وتتبادل  المساعدة للدفاع عن البلد(20) وميثاق الدولة هذا هو في آن واحد ديني وسياسي، إنه سلفا القرآن؛ فهذه الأخوة تحت رعاية الله، لرجال متحدين لتنفيذ إرادة الله، دون تمييز بين الأجناس أو القبائل، هي الإسلام.
ويهاجمه اليهود بدورهم، رافضين الاعتراف بأنه النبي المخبر عنه في الكتب فيقاطعهم، ومنذ الآن لن يتجه المسلمون نحو القدس لإقامة الصلوات اليومية الخمسة، ولكن نحو مكة، متخلصين من اليهودية(21) ذلك أن المذهب أصبح دينا قائما بذاته: الإسلام.
وتزداد المعركة اتساعا، وإن مكة التي أصبحت المدينة المقدسة للإسلام، لا يمكن أن تظل بين أيدي الجاهلين، إن فرسان الله سوف ينتزعونها من عبدة الأصنام. هذه الحرب التي تستمر عشر سنوات، إنها حرب الصحراء، الهجوم على القوافل، السلب والقتل؛ ففي بدر، وفي المدينة معارك شديدة، إن جنود النبي المتسابقين في ضراوة(22) مع القرشيين الوثنيين، يتصرفون كعفاريت حقيقيين، ففي نار المعركة، محمد نفسه، المنتصب فوق ناقته، يستثير الحماس الحربي لأنصاره، ملوحا بالسيف، إنه الجهاد: الحرب المقدسة. ولكن عند الرجوع يبدأ الجهاد الأكبر، المعركة ضد النفس التي يجب أن يقوم بها المومن ليلقى الله، الله الذي أملى على رسوله «أنظمة القتال» هو الذي أملى «أنظمة السلام» إنه يكرر «أفضلكم الذي يبدأ بالصلح». -«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» - «المسلم من اجتنب ما حرم الله». ويقول متذكرا عيسى: «من قتل رجلا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أنقذ رجلا فكأنما أنقذ النوع الإنساني» وأيضا: «أحسن إلى من أساء إليك تجده قد تغير إلى حام وصديق». ولكن عندما يقع الهجوم لأجل الله، فإن كل شفقة تزول، فالعلم الأخضر يرفرف، وأسنة الرماح تتوهج في الشمس، والدماء تسيل والجرحى يحتضرون، والأسارى مبتورون بشناعة(23).
وباستثناء مكة، فقد فتح الإله الحق جميع الصحراء العربية؛ إن محمدا الذي أصبح ملك الرمال وأمير المومنين، يعيش مثل أفقر رعاة الجمال، لقد رفض ثياب الصوف الرقيقة والخضاب، ويرى لابسا جلبابا مستعملا، وجالسا القرفصاء على عتبة بيته، يرفع ملابسه، وفي المساء يذهب لجلب الماء من الآبار، ثم يتكئ على نخلة، يتكلم مع الإله الحق –إله إبراهيم- إلى الباعة وإلى القوافل.
وفي ذات مساء يقول لأصحابه: «اعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبدا، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غدا»(24) ومن المعتقد الإصغاء إلى سينيك(25).
ولكن عندما «يكلمه الله» فذلك الرعد والصاعقة حينئذ، أنه يرى شاحبا مرتعدا، يتفصد جبينه عرقا، ثم يسقط إلى الأرض كحيوان مذبوح، ويستلقي على ظهره مزبد الشفاه، ويغط بـ «هذا الذي يتلقاه» إنها رسائله التي يتلقاها عنه أتباعه، ثم تنسج على أوراق من سعف النخل، أو على عظام كتف الجمال، والتي أصبحت فيما بعد القرآن.
وهو خارج المعركة، أكثر الكائنات لطفا، وأكثرها وداعة، إنه لم ينس قط خديجة، خديجة النبيلة، لقد ترمل بعدها فتزوج أخريات، بعضهن معمرة مثل سودة، وبعضهن صغيرة كعائشة، والتاريخ يحفظ أسماء حفصة وزينب وأم سلمة وريحانة وصفية وأم حبيبة وميمونة، وثلاث حظايا منهم مارية القبطية التي أنجبت له طفله الوحيد الذكر، الذي مات في سن صغيرة. وفي نهاية حياته سيقول: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة».
إن النصر يقترب – والنهاية.
إن مكة التي يهاجمها منذ سنوات، تعود في النهاية، ففي يناير 630 (السنة 8 من الهجرة) كان محمد راكبا على ناقته يدخل دخولا رسميا إلى مدينة مولده، يتبعه عشرة آلاف من الحجاج، ويزور الكعبة، ويأمر بإسقاط الثلاثمائة والستين صنما، ويقبل الحجر الأسود، ويحتفظ من جديد بالمقام لعبادة إله إبراهيم «الإله الحق».
وفي السنة التالية، كان على رأس تسعين ألف رجل، يعود إلى مكة ليحتفل فيها بأول حجة إسلامية، ويحدد فيها الشعائر التي لا تزال تطبق حتى اليوم، من طرف مئات الملايين من المسلمين، الذين يقومون كل سنة في شهر ذي الحجة بالسفر إلى مكة.
وهذه هي حجة الوداع، إن النبي الذي أنهكته المعارك التي قام بها ضد الوثنيين، وضد نفسه هو، كان يشعر باقتراب أجله، كان يوجه وصاياه الأخيرة إلى أصحابه، عاري الرأس تحت الشمس، لابسا كفنه، لقد حثهم قبل كل شيء على البقاء متحدين، ثم أخذ يذكر بحقوق وواجبات الأزواج، وإبطال الربا، والأخذ بالثأر، ولمرتين طالب الجمهور: «ألا هل بلغت؟» وإن المومنين الواقفين أمام الله (كما هم اليوم حجاج مكة في سهل عرفات) ليهتفون له، في الوقت الذي كان يرى فيه شاحبا مرتعشا، وفي رجفة كان الرجل يعلن آخر كلام تلقاه عن الله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» [المائدة: 3].
ويعود إلى المدينة فيقع مريضا – يقال بذات الجنب – ويموت بين يدي عائشة، زوجته الشابة، وبجانبه فاطمة، أحب بناته إليه، كان ذلك يوم الإثنين 13 ربيع الأول من السنة 11 من الهجرة (8 يونيه 632) وعنده واحد وستون سنة (26).
هكذا ذهب هذا الذي كان «أكثر من رجل، وأقل من إله: كان نبيا» لقد مات محمد ولكن رسالة محمد بدأت، هذه الرسالة هي الإسلام، والإسلام هو القرآن.
ها هو ذا الكتاب، إنه مفتوح على سعته بجانب القبلة (النافذة الرمزية المتجهة نحو الكعبة) في أقدم المساجد الخمسة بجامعة الأزهر، بالقاهرة، إننا هنا في قلب الإسلام، إن الأزهر هو فاتيكان العالم الإسلامي. ومن هنا منذ ألف عام يقوم ثلاثون دكتورا في العلوم القرآنية –هيأة كبار العلماء- يجهل العالم(27) دائما أسماءهم، بضمان استمرار الإسلام، وإدارة المجتمع الإسلامي بواسطة البحث والتفسير ونشر القانون.
إن القانون هو القرآن، والقرآن يعني: التلاوة، القرآن ليس فقط توراة (كتاب) المسلمين، إنه صوت وكلام الله، إنه عبقرية الآداب العربية، ولا يمكن اعتباره كعمل أدبي دون المساس بحرمته، إنه نص مقدس «غير مخلوق، أزلي الوجود، تلقاه النبي»(28). إن القرآن هو «خطاب الله للإنسان بلغة العرب» وتلاوة القرآن هي القربان المقدس الوحيد في الإسلام، وقراءة آية من القرآن هي توسل، وهي عشاء رباني، وبمعنى دقيق: الاتصال بالله.
إن القرآن، شريعة الديانة الإسلامية، هو أيضا القانون المدني، والقانون الجنائي، وميثاق هذا «المجتمع العالمي الذي تتوارثه الأمم والأجناس» الذي هو الإسلام، إنه القانون المدني الذي يوجه في أدق الجزئيات حياة الشخص، وحياة المجتمع بأسرها، إنه دين وحياة يومية، إيمان وسياسة، كلها مرتبطة ارتباطا غير قابل للتفكيك في المائة والأربعة عشرة سورة. والستة آلاف والمائتين والستة والثلاثين آية من «كتاب الحياة» هذا، الذي هو بالنسبة للمومن المسطرة المطلقة التي لا يمكن مخالفتها ولا مناقشتها لأن كل كلمة من سبعة وسبعين ألفا وستمائة وتسعة وثلاثين من الكلمات التي تتألف منها هي كلمة الله.
القرآن، إنه البازار(29) كما يقول (هوجو)، فيه كل شيء. ولكن تحت هذه الكثرة وهذا الاختلاط تختفي قاعدة الإسلام: الوحدة. إله واحد، كتاب واحد، قانون واحد، لغة واحدة، شعب واحد.
إن الإسلام، آخر الأديان الكبيرة التي ظهرت في الوجود، هو أكثرها بساطة على الإطلاق، إلاهه «الله، ومحمد رسول الله» وشعائره تعود إلى أركانه الخمسة :
1) إقرار العقيدة: الشهادة بالله ثم برسوله.
2) الصلاة، خمس مرات في اليوم، في اتجاه الكعبة.
3) صيام شهر رمضان.
4) الإحسان الإجباري «الزكاة».
5) الحج إلى مكة.
إن إقرار العقيدة وحده هو المفروض إجباريا، فالذي ينطق به مرتين(30) أمام شهود هو مسلم، أما الفرائض الأربعة الأخرى فإنها تحتوي على تسامح واسع. «إذا تركت الصلاة فتب» - إذا لم تستطع أن تصوم فكفر». «إذا لم تستطع أن تساعد أخاك، قل له كلمة طيبة». - «قم بالحج مرة في عمرك إذا كانت وسائلك تساعدك».
وليس للإسلام كهنوت (رجال الدين)، فالإمام الذي يؤم الصلاة في المسجد ليست له أية صبغة كهنوتية و «العلماء الكبار» سادة الإسلام الحقيقيون –هم اجتماعيون وسياسيون بقدر ما هم لاهوتيون.
«وعلى كل  الأحوال، ابذل ما في وسعك».
إن هذه البساطة، هذه المرونة، هي التي تفسر النجاح الذي عرفه الدين الجديد؛ ففي أقل من عشرين عاما بعد وفاة محمد –الذي لم يترك عقبا من الذكور- فتح خلفاؤه أبو بكر وعمر وعثمان للإسلام سوريا والعراق وفلسطين ومصر- وبعد قليل الإمبراطورية الفارسية؛ إنها ليست فقط ممالك قام بفتحها هؤلاء «أمراء المومنين» الأوائل، والأوفياء لكلام النبي: إنها شعوب اقتلعوها من الوثنية ليقدموها إلى الإله الحق، فبواسطة أمم كاملة، قام هؤلاء، صيادو الأرواح بهذه الانقلابات، إن كل شعب تكتسبه العقيدة الجديدة يمنح للإسلام مع ثقافته، وعبقريته. وهكذا يتأسس مجتمع روحي شاسع الأطراف، سوف يصبح بالنسبة للشرق، مثلما هي المسيحية بالنسبة للغرب. وخلال قرون سوف تقوم هاتان القوتان –المسيحية والإسلام – بتنازع العالم، وفي ذات لحظة، في بواتيي Poitiers كان العالم على وشك التراجع، لو أن فرسان النبي عبروا هذا الخط من الأشجار، التي وضعتها المسيحية، ولكنهم لم يعبروه، لقد أوقفهم أبطال شارل مارتل أقل مما أوقفتهم أشجار التفاح وأعشاب فرنسا، فالإسلام، دين الصحراء، رد إلى الصحراء، إن المسلمين الذين لا يقهرون ما داموا يجاهدون ابتغاء مرضاة الله، أخذوا يهيئون لسقوطهم، بفعل انتصاراتهم نفسها، منذ أن هاجموا «أهل الكتاب» (اليهود والمسيحيين الذين أحاطهم النبي بحمايته وذمته) للاستيلاء على أراضيهم وأموالهم(31).
وخلال القرن التاسع والعاشر والحادي عشر –العصر الذهبي للإسلام- كانت إمبراطورية العرب عظيمة الاتساع، فمن الهند إلى إسبانيا يعبد نفس الإلاه، ويتكلم نفس اللغة، ويطاع نفس القانون، لقد طهر المسلمون الشرق الأوسط كله من الوثنية، وهم يسودونه بقوة الأسلحة. وإن كل وثني أسلم لفخور بأن يقول إنه عربي، وأن يحمل إلى الأمة (المجتمع الديني العالمي) معرفته وخبرته؛ فمصر، وفارس، والمغرب، وإسبانيا، تقدم نفسها للإسلام مع علمائها، وأطبائها وفلاسفتها وشعرائها: فابن سينا، والغزالي، وابن رشد، وعمر بن الفارض، وابن خلدون، وابن العربي الحاتمي، «أمة وسطا» بقول القرآن، وأن الإسلام بإنقاذه لروائع آداب اليونان والروم، والبيزنطيين وفارس والهند، من الضياع، وبترجمته ونشره لها، أصبح المركز الدولي العظيم للثقافة، فإلى جامعات القاهرة وقرطبة وفاس ومراكش، سيذهب الغرب ليغترف من هذه العبقرية للعصور القديمة التي سوف تزدهر في عصر النهضة(32).
لقد استطاع الإسلام في ذلك الحين أن ينقش على رأس واجهة إمبراطوريته: «العالم مسند على أربعة
أعمدة: معرفة الحكيم، وعدالة العظيم، وصلاة التقي وبسالة الشجاع(33).
ولكن هذه الإمبراطورية قد حكم عليها سلفا، فالصليبيون سيتحطمون عليها، ومع ذلك فستكون هي التي ستنهار؛ إن صلاح الدين –المعادل في الشجاعة والفروسية- سيستطيع سبق سان لوي، ولكن الشوط قد خسر، وأفلس.
وأفلس خلفاء النبي(34) في مهمتهم، فلم يعودوا يحاربون قط من أجل الله، بل لأنفسهم، ولم يعودوا قط حواريين وشهداء، ولكن أجراء، أجراء لمطامحهم، وقد تنبأ محمد نفسه بخسارتهم.
إن «الشيعة» ولدت من المنافسة بين خلفاء النبي، وقد أخذ النزاع يستمر أيضا بين الهاشميين سلالة علي، والأمويين سلالة عثمان، الصهر الآخر للنبي.
لقد قاد أمويو دمشق الإمبراطورية إلى أوج قوتها، فإفريقيا الشمالية خاضعة، وإسبانيا مفتوحة، ونصف فرنسا محتل؛ وفي الشرق، أصبحت فارس وأفغانستان والبنجاب الهندية، والتركستان الصينية، أراضي إسلامية، والأسرة العباسية التي جاءت بعد ذلك تسود في بغداد نصف العالم المتحضر، وهارون الرشيد، خليفة ألف ليلة وليلة، يتعامل على قدم المساواة مع شارلمان إمبراطور الغرب؛ ولكن الترف، والتهاون، والمؤامرة، تقود هذه الإمبراطورية العظيمة التي لا يمكن أن تحكم، إلى حيث تنتهي لتفترس نفسها، فالشعوب المفتوحة تتحرر الواحد تلو الآخر(35)، والطوائف –القرامطة والمتعزلة والصوفية- والمذاهب المتكاثرة، تنجز تفكيك أوصال الجسم الكبير المنهوك، وإن الإسلام الذي أنقذ العرب من هجوم المنغول، تبدد تحت وطأة البرابرة الذين قضوا على سمرقند ودمشق وبغداد، وسودوا مياه دجلة بملايين الكتب والمخطوطات التي رميت فيها». هذا الهيجان العنيف الماضي، هذا الشعب، شعب الفاتحين، الموقع على ورقة بيضاء، ناضج لكل سيطرة(36)، فسيطرة العثمانيين ستستمر عشرة قرون(37) وإمبراطورية صلاح الدين المهولة اختفت من العالم، وخلال قرون، إنه النوم.
إن الإمبراطورية العربية لم يعد لها وجود، ولكن الإسلام لا يزال، متفرقا في الصحراء، عائشا في مخدراته أو في عظمة عواصمه الضائعة، ناسيا مجده، يحس على مضض بوجوده الخاص، خاضعا لأسياد آخرين، مطيعا لقوانين أخرى؛ ولكن خمس مرات في اليوم تتلى نفس الصلوات في نفس اللغة، وتمس الأرض بالجبهة في نفس الساعات مع الاستدارة نحو نفس النقطة من العالم. ومن بعيد إلى أبعد يقام الحج إلى مكة، وكل حاج يذهب في مكة يتوقف في القاهرة، ويقيم في هذه المحطة (خان القوافل) التي هي جامعة الأزهر. وهناك، في صمت جامعهم العتيق، يجاهد العلماء الكبار، في خلال جميع الانقلابات، للمحافظة على الاستمرار الحي للإسلام، محاولين على الدوام أن يوجدوا الانسجام بين العقيدة والتشريع والفقه، وبين مقتضيات الساعة، وعاملين على تكوين البعوث: أساتذة، وعلماء شريعة، ومجرد أئمة، الذين سيذهبون في أطراف الأرض يسمعون الناس كلام الرسول، وكل حاج يعود لمحله مع لقب حاج، يصبح شيخا لهذه «الخلية» الاجتماعية، الدينية، والسياسية، التي هي كل الخلاصة الإسلامية.
هكذا استمرت، تحت أنقاض الإمبراطورية العربية، هذه الأمة الأساسية، هذا «المجتمع الديني العالمي» الذي ظل الحج إلى مكة رمزه الحي، حيث يجتمع المسلمون كل سنة من العالم أجمع، دون تمييز بين العناصر والطوائف والجنسيات أو الثورة، أرجل حافية، وجماجم محلقة، يلبسون أكفانهم، «كلهم متساوون وإخوة أمام الله».
ومنذ أن بدأ الغرب يعطي الإشارات الأولى للانقسام والضعف، -مع الحملة المصرية وسقوط الإمبراطورية النابوليونية – فإن الأزهر هو الذي دق أجراس يقظة الإسلام.
لقد أراد القضاء التاريخي أن يتجه الامتداد الاستعماري مرارا نحو البلاد الإسلامية، ويرى زعماء القومية الإسلامية والقومية العربية في ذلك الفرصة لفضح «الاستعمار المسيحي» - «الموجه ضد الإسلام» وإيقاظ الوطنية العربية، مع الأمل في تحقيق هذا الحلم الألفي: وحدة العالم الإسلامي.
فبعد الحربين العالميتين، حيث فقد الغرب الواجهة متخليا عن مستعمراته واحدة بعد أخرى، خرج الإسلام فجأة من سربته، وله الآن حليف قوي: النفط. ولكن ... «إله الشقاق» هذا، إن فرق الغربيين، فإنه أوقع مرة ثانية في التنازع «إمبراطورية المومنين» هذه، حتى قبل بعثها، هذه الإمبراطورية التي نذرت إلى «الشيعة» بمجرد ميلادها.
- إن الاستعمار المسيحي هو عدوك! يصيح القادة!(38) ملوحين بالعلم الأخضر للحرب المقدسة.
ولكن النبي قال:«ليس لك إلا عدو واحد: عدو الله!» ذلك، أن المسيحيين واليهود- «أهل الكتاب» -لن يكونوا أعداء الله(39)
ذلك الرجل الذي هناك –هذا الإرهابي، هذا الخارج على القانون- هل يعلم ذلك؟(40).
بالأمس كان فلاحا عندنا، جاني عنب في كرمه، والآن إنه هناك ظهره للحائط، وعيناه طافحتان بالغضب ماذا حدث له؟ شيء مريع، ذات مساء، قال له صوت صادر من إذاعة: «إن أخاك المسلم قد ظلم، يجب أن تساعد أخاك».
هذه الكلمات، إنه يعرفها، إنها كلمات القرآن، هذا الصوت الذي كلمه في لغة صلاته، إنه يعرفه، هو صوت الله، وكلام الله لا يناقش، إنه يثني ركبتيه، ويمس الأرض بجبهته، ويذهب ليقتل –أو ليتسبب في القتل- من أجل أخيه المسلم.
لقد أطاع الرجل.
ولكن كان يطيع بنفس الروح، ويظل مقيما بين أهله، لو كان الصوت أسمعه كلام الرسول الحقيقي – مكملا استشهاده بالقرآن بالاستشهاد بالسنة-: «وإذا كان أخي المسلم هو الظالم، يسأل المومن، هل يجب علي أيضا أن أساعده؟ -نعم، يجيب الرسول، يجب أن تساعده بمنعه من فعل الشر»(41).

(1) نشرت هذا العرض القيم أكبر المجلات الفرنسية المصورة باري ماتش « Paris Match »التي توزع نحو مليون نسخة، والمعروفة بنزعتها الاستعمارية، بتاريخ 11 يناير 1958. والفضل في نشرها لهذا البحث النزيه –في الجملة- بالنسبة لما تنشره الصحافة الغربية عادة عن الإسلام، يرجع للثورة الجزائرية التي هي في نظر الفرنسيين ثورة شعب مسلم. ونظرا لأهميته التاريخية، ورغبة في اطلاع الرأي العام العربي على ما يقوله كتاب الغرب عن الإسلام، والحضارة العربية، والنهضة العربية المعاصرة، فقد عربته لمجلة «دعوة الحق» التي حصلت على إذن بترجمته ونشره من مجلة «باري ماتش» وعلقت في طرة المقال على أهم الانحرافات والأخطاء التي اشتمل عليها.  
«المعرب»
(2) لا يعيب المسلم أنه يخضع لإرادة خالقه، ولكنه يعيبه أن يخضع لإرادة النفس الأمارة بالسوء.
(3) وتسمى أيضا شامو وهي صحراء منغوليا الكبرى بين سيبيريا ومنشوريا.
(4) هذا غير صحيح بدليل ما سيذكره الكاتب نفسه فتراجع المسلمين لم يبدأ إلا في عصور أخيرة. ولكن ما هي الدولة التي عمرت في التاريخ أطول مما عمرته دولة الإسلام؟!
(5) كانت بغداد –لا القاهرة- هي عاصمة الرشيد.
(6) يعني سلفستير الثاني وهو الذي نقل الأرقام العربية المستعملة في المغرب العربي.
(7) يعني من الغربيين.
(8) بل من نور لو كان يعلم.
(9) تخيل الكاتب أن جبريل عندما كان يطلب من الرسول أن يقرأ، كان يحمل راية كتبت عليها الآية الكريمة بحروف متوهجة، كان يشير إليها طالبا قراءتها.
(10) هذا الشك فهم من قول النبي لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» فاختلف في معنى هذه الخشية، وقال الحافظ الإسماعيلي أنها كانت قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملكم من عند الله.
(11) يعني المدة التي انقطع فيها الوحي حسب بعض الروايات، وبعضها يقول أنها 40 يوما فقط.
(12) يريد أن يقول أن الإسلام قام بالقوة، ولكن في أ ي بلد وفي أي تاريخ انتصر ا لحق بدون قوة؟! وإذا كان من طبيعة الإنسان أن يذعن للحق بدون قوة فما هي البلد التي لا تحتاج محاكمها إلى الاعتماد على قوة الدولة في تنفيذ أحكامها؟ إن القوة التي استعملها الإسلام لم يستشعرها من أحد، وإنما انبعثت من إيمان المومنين به، إي من عقيدته ومبادئه وحدها.
(13) ما دام في جوار القبيلة أو جوار أحد زعمائها، وإلا أصبح دمه هدرا.
(14) بل أبو بكر هو الذي اشتراه من أمية بن خلف الذي كان يعذبه وأعتقه كما هو معروف.
(15) يستغرب الكاتب أن يحارب النبي أعداءه، لأنه يريد أن يفهم الإسلام كما يفهم المسيحية: من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.
(16) يشير لقوله تعالى: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى».
(17) يشير لمضمون آيات في هذا المعنى.
(18) من البديهي أن الإسلام لم يهدد الجبناء بجهم، فالجبن ليس جريمة في حد ذاته، ولكن خيال الكاتب الشعري جعله يحكم على الجبناء بجهنم، ما دام الأبطال يدخلون الجنة!
(19) عبارة مقتبسة من مضمون بعض الآيات.
(20) يشير إلى معاهدة «عدم الاعتداء» التي أبرمها النبي (ص) مع يهود المدينة الذين كانوا يتعاونون سرا مع منافقيها ضد المسلمين.
(21) ظل النبي بالمدينة يستقبل بيت المقدس 16 شهرا قبل أن ينزل عليه الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: «سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب» «وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلى لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه» وكان الرسول يتمنى هذا التحويل يدعو لذلك متجها للسماء: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فنولينك تقبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره».
(22) إنه يسمي البطولة والتضحية بالوحشية، كما يذكر كلمات الذبح والنهب، ناسيا أنها حرب وغنائم مشروعة. ولذلك  اضطررت لحذف عبارات مغرضة أو قليلة الأدب من هذا النوع، لا يستغرب أن تصدر عن كاتب فرنسي لا يجرؤ، في نفس الوقت، أن يسمي مذابح الجزائر وعمليات التعذيب والتشويه، وقتل النساء والأطفال، بأسمائها الحقيقية، بل ينعتها كزملائه بعمليات «التهدئة»!!
(23) لعله نسي أنه يتكلم عن حرب لم تكن فيها قنابل ولا متفجرات، وإنما هي نبال وسيوف تقتل أو تجرح دون أن تبتر الأعضاء في الأغلب. والإسلام هو الذي سن قانون حماية الأسرى. ولكن الكاتب يريد أن يعرض بأن هذه الحرب تتنافى مع الشفقة والرحمة التي جاء بها الإسلام، وهو بذلك لا يريد أن يفهم الإسلام إلا كما يفهم المسيحية.
(24) لفظ الحديث غير صحيح وينسب أيضا إلى علي بن أبي طالب.
(25) سينيك أحد بلغاء اللاتين ولد حوالي 61 قبل الميلاد، والجملة في معرض المثل.
(26) يعني شمسية، أي 63 سنة قمرية.
(27) يعني العالم الأوربي! وإلا فأسماؤهم لم تكن في وقت من الأوقات سرية.
(28) الغريب أن الكاتب هنا يقول برأي أهل السنة في مسألة خلق القرآن.
(29) كلمة فارسية الأصل تطلق على السوق العمومية المغطاة في الشرق، ونقلت للفرنسية لتطلق على المتجر الكبير الذي يبيع كل أنواع السلع، وتطلق عندنا في المغرب على المتاجر الخاصة بالتحف والصناعات الوطنية.
(30) تكفي مرة واحدة كما هو معلوم.
(31) لا شك أن تجاوز حدود الإسلام، ونسيان مبادئه، كان السبب الأصيل في تأخر المسلمين، ولكن الكاتب نسي أن رسالة محمد عامة لا تخص الوثنيين وحدهم وإنما تشمل «أهل الكتاب» أيضا، ولم يهاجم المسلمون هؤلاء إلا بدافع نشر الإسلام وليس للاستيلاء على أموالهم وأراضيهم، ولم يحدث هذا إلا في حالة الحرب التي يجوز فيها مصادرة أموال المحاربين كغنائم حرب.
(32) هو عصر الإصلاح في أوربا وكان حوالي القرن الخامس والسادس عشر.
(33) هذه الجمل وجدت مكتوبة على أبواب معاهد العلم في الأندلس وقد أشار إليها الدكتور فيليب حتى في كتابه «العرب».
(34) يعني المتأخرين.
(35) من حكم الخلافة وحكومتها المركزية الضعيفة، لا من الإسلام.
(36) هذا حكم مغرض، إذ أثبت التاريخ أن الشعوب الإسلامية قاومت باستمرار جميع المهاجمين والمسيطرين، واستقلال هذه الشعوب اليوم أكبر دليل على بطلان ما يزعمه الكاتب.
(37) مجرد خطأ إذ لم تطل أكثر من أربعة قرون (922-1343هـ 1516-1924)
(38) يعني الجزائريين
(39) هذه سفسطة من المؤسف أن يلتجئ إليها الكاتب في ختام بحثه القيم، فالمسلم ليس من الغفلة بحيث يعتقد بأن المسيحيين واليهود الذين يحتلون بلاده بالحديد والنار ليسوا أعداء الله لمجرد أنهم من «أهل الكتاب»!.
(40) هناك فلاقة فرنسي خرج على القانون سنة 1940 وثار ضد المسيحيين الألمان الذين احتلوا بلاده معتبرا إياهم أعداء الله، رغم أنهم من «أهل الكتاب» بل من معتنقي دينه الخاص، ألم يكن الجنرال دوكول في حاجة – هو الآخر- إلى أن يعلم ذلك؟!
(41) الاستدلال بهذا الحديث مغالطة سخيفة قد تنطلي على الفرنسيين الذين يعتقدون بأن في إمكانهم تضليل الجزائريين، ولكن يستحيل أن تنطلي على أي مسلم جزائري مخلص، فهذا لا يشك في أن الظالم الوحيد والعدو الوحيد في الجزائر هو المستعمر الأجنبي لا المجاهد المسلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here