islamaumaroc

شعاع القمر (تر. محمد الأمين محمد)

  دعوة الحق

34 العدد

لست أدري إن كان هذا تاريخا يبدو قصة، أو قصة تبدو تاريخا، بيد أن ما أستطيع قوله هو أن في أعماقه حقيقة، وإن تكن حقيقة جد حزينة، وربما أكون أحد من سيفيدون منها إن واتتني ظروف الخيال. وإن فكرة كهذه لكفيلة بأن تكون مادة لسفر من الفلسفة الباكية... كتبت هذا إلى أولئك الذين إن فاتهم أن يكتنهوا الحقيقة، فلا أقل من أن يستمتعوا بالقراءة فترة ما:

كان نبيلا، وله بين قعقعة السلاح، وبين موسيقى الحرب التقليدية المؤثرة، ولم يكن بمستطيع أن يرفع رأسه أو تفارق عيناه لحظة ما كتاب الأناشيد، حيث يقرأ آخر نشيد لشاعر حماسي... ولم يكن من اللازم على من يريدون لقاءه أن يبحثوا عنه في فناء برجه الفسيح، حيث يعنى السيوس بصغار الخيل، أو حيث يقوم الخدم بتدريب الصقور على الطيران أو حيث يقضي الجنود أوقات فراغهم في شحذ حرابهم فوق الأحجار..
ولقد كانت أمه أحيانا تسأل عنه خدمه: أين «مانريكي»؟ أين سيدكم؟ وكانوا يجيبونها: لا ندري، ربما يكون هناك قرب الصخرة جالسا على حافة جوث وقد أرهف سمعه إلى ما عساه أن يدور بين الموتى من أحاديث، عله أن يفاجئ بسماع إحدى كلماتهم أو يكون فوق قنطرة النهر جالسا يتأمل جريان الموج طائفة إثر طائفة وهي تعبر القنطرة، أو مستلقيا فوق إحدى الصخور منصرفا إلى  إحصاء النجوم خلال سحابة يرقبها الفضاء.. أو متأملا اللهب المتواثب من القس المحترق هنالك قرب البحيرة.
سيكون في أي مكان، ما عدا الأمكنة التي ألف الناس جميعا أن يرتادوها.. فقد كان «مانريكي» يحب الوحدة.. يحبها كثيرا.. لدرجة أن في بعض الأحيان كان يتمنى لو لم يكن له ظل .. لأن الظل يتبعه في كل مكان.
أحب الوحدة كذلك لأنه في أعماقه كان يطلق لخياله العنان، فيتصور عالما خياليا تسكنه مخلوقات عجيبة، هي من نسج خياله، وبنات أحلامه الشاعرية.. إذ كان شاعرا تعجبه تلك الصور التي يركز أمامها تفكيره، وإن كان يعجز عن تركيز فكره عندما يكتب .. كان يعتقد أن أرواحا نارية ذات ألف لون تكمن بين الجذوات الحمراء لجذوع الأشجار المحترقة.. أرواحا تسبح كأنها حشرات ذهبية.. وهكذا كان يقضي الساعات جالسا بلا حراك مركزا بصره نحو الضوء.
كان يعتقد كذلك أن في أمواج النهر، وبين الأعشاب الطافية فوق البحيرة نساء خيالية مرحة وغامضة تعيش ثم .. هي عرائس النهر، تغني أو تضحك فتذهب أصواتها مع صوت الماء الجاري الذي يسمع في هدوء وصمت، كأنما الصمت يحاول ترجمة ذلك الصوت.. في السحب، وفي الهواء، وخلال الغابات، وفي فجوات الصخور، كان يتخيل أنه يرى أشكالا أو يسمع إلى أصوات غامضة..أشكالا ليست آدمية .. وأصواتا لا تكاد تفهم..
الحب .. لقد خلق الحب لكي نحلم به، لا لكي نحسه.. ومن أجل هذا فقد أحب «مانريكي» كل النساء فترة ما .. أحب هذه لأنها شقراء.. وأحب تلك لأن لديها شفتين حمراوين، وأحب ثالثة لأنها تتأدد في مشيتها كغصن البان.. وقد يصل به اضطراب الخيال إلى حد أن يظل ليلة كاملة ناظرا إلى القمر السابح في السماء في هالة قضية، أو إلى النجوم الخافقة في أفقها البعيد كأنها الدرر..
ذات ليلة من لياليه الشاعرية النابغة الأرقة تمتم فيما بينه وبين نفسه: نعم إنه حق .. كما قال لي هاتف الصخرة.. إنه من الممكن أن تكون نقط الضوء هذه عوالم .. وإن يعيش أناس في تلك الهالة المحيطة بالسحب، وستكون فاتنة تلك النساء التي يعشن في تلك المناطق المشرقة.. سوف لا أستطيع أن أراها ولا أن أحبها.. إلى أي مدى ستكون ساحرة؟ وكيف يكون حبها؟ .. على أن «مانريكي» لم يكن مجنونا إلى حد أن يتبعه الصبيان، ولكنه كان من الحمق بحيث يقوم بحركات تعبيرية إشارية إذا خلا بنفسه..فوق النهر الذي يجري ممهدا طريقه بين الجنادل والأحجار السوداء القائمة على ضفافه، تقوم قنطرة تؤدي إلى المدينة بطريق تقود سالكها إلى تلك الدار القديمة التي يقطنها جماعة من رجال الدين ولهؤلاء مملتكات تمتد بعيدا على حاشية النهر.. وفي الفترة التي تتصل بحديثنا هذا كان رجال السلطة قد تخلوا عن سلطاتهم التاريخية، ولكن كانت هناك بقية من جدران قلاعهم العريضة لا تزال قائمة وقد غطيت أصولها ببعض الحشائش وبعض الأزهار البيضاء، فإذا هبت ريح حركت الحشائش والأزهار فأحدثت صوتا كأنه النشيج..
ومن حول تلك القلاع ترى بعض الحدائق أهملت طرقاتها فلم تصلح منذ أعوام طويلة ولم يعن بالزروع، كأنما يخشى أن تشوهها الأيدي الآدمية لو مستها، وكان يعتقد أنها هكذا جميلة، أما الزروع المرتفعة المتسلقة جذوع الأشجار فقد كانت ظلالها تنعكس على الطرقات، كما كانت تعلو حينا حتى تختلط بأغصان الشجر، وكانت هنالك بعض عيون يفيض ماؤها بين الزروع والحدائق، كما كانت طرقات الحدائق مغطاة بالرمل، وترى هنا أو هناك أزهار جافة متساقطة تعلن انتصار الزمن على الكائن الحي..
كانت ليلة من ليالي الصيف المعتدلة تتضوع عطرا وتهمس نجوى، يزينها قمر مشرق أبيض في وسط سماء شفافة مشرقة.. عبر «مانريكي» القنطرة بعد أن تأمل برهة بخياله الشاعري المدينة من خلفه وقد بدت سوداء شاخصة، تحيط بها مجموعة من السحب البيض الخفيفة المتناثرة في الأفق، ثم ما لبث أن لجأ إلى تلك الأنقاض حيث كان يقيم رجال الدين من قبل.. بلغ الليل منتصفه وكان القمر في سيره الهادي الرتيب قد وصل إلى أعلى مكان في السماء فانعطف «مانريكي» في سيره إلى أكمة على جانب النهر حجب عنه الأغصان فيها ضوء القمر، ثم ما لبث أن أرسل صيحة خفيفة مخنوقة، هي خليط من الدهشة والخوف والفرح، فقد رأى تحت ظلال الأشجار شيئا أبيض يتحرك، بدأ ثواني ثم اختفى في الظلام، وقد رأى بعين خياله أن هذا الشيء هو طرف ثوب أبيض.. ثوب امرأة ما لبثت أن اختفت بين الأغصان المتشابكة..
وصل «مانريكي» إلى الحد الذي أصبح فيه ضائعا بين الأشجار والأغصان في البحث عن المرأة الغامضة، لقد اختفت .. ولكن .. في أي مكان؟ هناك بعيدا .. أعتقد أنه رآها بين الأغصان ولو أنه لم يرها بوضوح تام، رآها كشيء أبيض يتحرك .. إنها هي .. إنها هي التي لها في قدميها أجنحة، وقد هربت كالظلال، اندفع يبحث عنها ممهدا بيديه طريقا لنفسه بين الأغصان المتشابكة، حتى وصل إلى مكان مضيء تظهر فيه السماء وجعل يقول: لا أحد! آه من هنا ذهبت أنني أسمع وطأ أقدامها فوق الأوراق الجافة، وحفيف ثيابها وهي تجرها فوق الأرض فتحتك بالكلأ وجعل يجري ويجري من هنا إلى هناك كأنه أحمق ولكنه لم يرها وناجى نفسه ثانية قائلا: ولكن لا زال وطأ أقدامها مسموعا!.. أعتقد أنها تكلمت.. لا شك في أنها تكلمت .. ولكن .. الريح التي تصفر بين الأغصان وخشخشة أوراق الشجر التي تبدو كأنهاصلاة في صوت خافت قد منعاني أن أسمع ما قالت.. لا شك في أنها تكلمت .. قد ذهبت إلى هناك.. قد تكلمت .. بأية لغة تكلمت؟ لا أدري! إنها لغة أجنبية.
ورجع إلى التجوال ثانية عدة مرات باحثا عنها، حينا يعتقد أنه سيراها، وحينا يفكر أنه سيسمعها متأملا الأغصان التي اختفت خلالها، متخيلا أنه يستطيع أن يميز آثار أقدامها الخفيفة فوق الرمل..وأنه قد استنشق عطرا خاصا في فترات متقطعة هو عطر تلك المرأة التي سخرت منه، وكان يجد لذة في هربه بين تلك الأشجار.. ولكن بلا جدوى.. ولقد ظل يتسكع بضع ساعات من مكان إلى آخر .. وهو ذاهل عن نفسه، وكان يتوقف متسمعا أو يزحف فوق الحشائش في هدوء وحذر كبيرين.. هي جولة لذيذة ولكنها بائسة دائما يرى مصعدا بين الحدائق التي لا تحصى .. تلك الحدائق التي كانت بمثابة حاشية للنهر وفي النهاية وصل إلى مقبرة «سان ساتوريو» المنعزلة.
وذات مرة وهو يثب من صخرة إلى صخرة معتمدا على عصاه تمتم قائلا: من هذا المرتفع سأستطيع متابعة بحثي عبر تلك الطرقات الغامضة.. ثم تسلق القمة حيث استطاع أن يكشف ببصره المدينة وما هو أبعد منها وما لبث أن كسر راجعا في طريق متعرج مظلم.
ومرة أخرى كان فوق مكان عال من الصخور فأرسل بصره وأنعم النظر فيما حوله، وثبت عينيه عند نقطة لم يستطع عنها حولا.. كان ضوء القمر يسطع منعكسا صغيرا على المنارة التي وضعت قرب ضفة النهر كي تهتدي بها السفن، وقد رأى خلف المنارة زورقا صغيرا يتحرك مجدافاه في عنف متجه نحو الشاطئ الآخر للنهر، فاعتقد أنه ميز في الزورق شكلا أبيض.. إنها امرأة .. ومن غير شك المرأة التي سبق أن رآها من قبل، إنها امرأة أحلامه.. ثم انحدر من القمة في خفة الغزال وألقى بغطاء رأسه وبحذائه الطويل على الأرض وشرع يجري نحو القنطرة كأنه قذيفة منطلقة فكر أن يعبرها وأن يصل إلى المدينة قبل أن يصل الزورق إلى الضفة الأخرى.. إنه أحمق! وعندما وصل إلى مدخل المدينة ينهج تعبا، ويتصبب عرقا، كان ذاك الزورق قد عبر النهر من جهة «سان ساتورلو» ودخل من فيه المدينة من باب آخر يخترق السور المحيط بها وقد كان سور المدينة في ذلك الحي يصل إلى ما يجاور النهر.
      ومع أن أمله كان ضعيفا في إدراك من كانوا في الزورق، وأنه لم يستطع أن يعرف أية دار من دور المدينة ستكون نزلا لهم، إلا أن فكرة دارت في رأسه جعلته ينخرط بين جماعات الناس ويتجه نحو حي «سان خوان» ليبدأ في التجوال بين طرقاته على غير هدى، وقد كانت طرقات المدينة ضيقة مظلمة، متعرجة يخيم عليها صمت عميق، صمت لا يقطعه إلا عواء كلاب يأتي من بعيد بين الفينة والفينة، أو صرير باب يغلق، أو صهيل فرس يتجاوب مع سلسلة من الصهيل تتصاعد من إسطبل ..
أما «مانريكي» فقد كان يسمع من طنين يسمع عادة في سكون الليل، يهيأ له أنه يسمع خطوات شخص ما.. خطوات تأتيه من منعطف طريق خال .. وأحيانا كان يخيل له أنه يسمع خلف ظهره أشخاصا يتحدثون بأصوات مبهمة، وأنه يتوقع أن يراهم إلى جانبه، هكذا قضى عدة ساعات يسعى على غير هدى.. وفي النهاية توقف عند باب دار قديمة مظلمة، وما كاد يقف حتى لمعت عيناه بانطباع من الفرح لا يكاد يوصف، فقد رأى من نافذة عليا للدار التي يمكن أن يسميها قصرا.. ضوءا هادئا يتراقص شعاعه فيخترق ستائر حريرية في لون الورد وينعكس على الدار المقابلة، فهمس فيما بينه وبين نفسه: هنا تنزل مجهولتي.. هنا تعيش.. ولم تبرح عيناه النافذة لقد دخلت المدينة من باب «سان ساتوريو» ولا بد أنها جاءت إلى هذا الحي .. ولا زال بعض الناس ساهرين .. أناس ساهرون ما عداها .. أناس يأتون من عملهم أو من جولاتهم الليلية، ويستطيعون قضاء الساعات الباقية من الليل هنا .. ليس ثم مزيد .. إنها دارها بإيمانه بفكرته هذه وبخياله الأحمق انتظر مطلع النهار أمام تلك النافذة التي لم ينطفئ ضوءها طيلة الليل، كما أن بصره لم يتحول عنها لحظة ما.
وعندما طلع النهار كان من السهل أن يرى الشعار الذي يميز صاحب الدار منقوشا على الحجر الذي يغلق الباب بواسطته.. الباب العام المؤدي إلى الدار .. تحركت الأبواب في ثقل محدثة صريرا لفترة ما .. وقد ظهر خادم يحمل في يده حزمة من المفاتيح تقدح عيناه بالشرر وهو يتثاءب فيبدو فمه وكأنه علبة الأسنان رؤيتها كفيلة بأن تبعث الغيرة في قلب تمساح..
وما كاد «مانريكي» يراه حتى انطلق نحوه مسرعا وبدأ يسأله: من يعيش في هذه الدار؟ وما اسمها؟ من أين هي؟ لماذا جاءت إلى هذه المدينة؟ أهي متزوجة؟ أجب.. أجب يا حيوان! ثم لطمه بقوة.. وبعد أن نظر إليه الخادم فترة ما بعينين خائفتين بلهاوين أجابه في صوت متقطع بما فاجأه:
في هذا الدار يعيش السيد العظيم «السونسودي فالديكويس» الرائد الأكبر لمولانا الملك، وقد جرح في إحدى الحروب وهو هنا للاستدواء والاستجمام ..
فقاطعه «مانريكي» في قلق : ولكن ابنته .. أو أخته .. أو زوجته .. أو كائنة ما كانت ؟ فأجابه الخادم: ليس معه أية امرأة. إذن فمن الذي ينام هناك؟ هناك في تلك الحجرة حيث رأيت الضوء طول الليل لم ينقطع؟ هناك؟؟.. هناك ينام سيدي.. ولأنه مريض يترك الضوء حتى يطلع النهار.. فلو أن صاعقة نزلت على «مانريكي» لما سببت له ما سببته هذه الكلمات..يجب أن ألقاها .. يجب أن ألقاها .. وإذا لقيتها فأنا على يقين من أني سأعرفها بماذا؟ ذاك هو الذي لن أستطيع قوله.. ولكن .. يجب أن ألقاها .. صدى خطواتها أو كلمة واحدة من كلماتها أعود إلى سماعها من جديد .. أو جانب ثوبها أراه ثانية شيء من هذا يكفيني أن ألاحقها ..
في الليل والنهار تتراءى أمام ناظري طيات ثوبها الأبيض الناصع.. في الليل والنهار ينعكس في رأسي حفيف ثوبها.. وهمساتها الخافتة التي لا تفهم.. ماذا قالت؟ ماذا قالت آه .. لو أنني استطعت فهم ما قالت .. ربما.. ولكن من غير أن أعرف ما قالت سألقاها.. قلبي يحدثني بذلك، وقلبي لا يخدعني أبدا .. حقيقة أنني قد جلت كل طرقات المدينة بلا جدوى.. قضيت ليالي وليالي كأنني عمود مقام على ناصية الطريق، وأنفقت كثيرا من النقود الذهبية في سبيل كسب معرفة وخلق أحاديث مع ربات الدور والخدم فقد لقيت مرة سيدة عجوزا مدثرة بثوب صوفي من ذلك الذي يستعمله رجال الدين، فأعطيتها ما كان معي من ماء مقدس نظير ماركتها لي.. وعند خروجي من إحدى الكنائس ذات ليلة تابعت بحمق محفة يحملها خادمان ويبدو منها طرف ثوب نسائي أبيض معتقدا أنه طرف ثوب مجهولتي .. ولكن لا يهم.. يجب أن ألقاها.. وستفوز لذة لقائها على متاعب البحث عنها..
كيف ستكون عيناها؟ يجب أن تكونا زرقاوين.. زرقاوين منعشتين كالسماء الصافية في الليل، إذ يعجبني كثيرا أن تكون الأعين في هذا اللون.. ستكون عيناها معبرة جدا.. وحيوية .. بلا شك زرقاوين يجب أن تكونا، وهما زرقاوان بالتأكيد.. وشعرها فاحم فاحم جدا وطويل قد استرسلت غدائره هنا وهناك يبدو لي أنني رأيته على هذا النحو تلك الليلة.. لست مخدوعا.. كان شعرها أسود.. وماذا تحس به عينان زرقاوان ناعستان؟ وخصائل من الشعر مطلقة فاحمة؟ وامرأة فارعة؟ لماذا؟ لأنها فعلا فارعة معتدلة القوام جذابة.. كأنها ملك من الملائكة.. صوتها! قد سمعته.. صوتها هادئ كأنه همس النسيم في أوراق الشجر، ومشيها، مشيتها رتيبة كأنها رجع الألحان الموسيقية.. هذه المرأة الجميلة كأجمل ما دار في أحلامي هي في ربيع العمر مثلي، تفكر كما أفكر.. ويعجبها ما يعجبني، وتكره ما أكره، إنها روح آدمية من روحي، إنها متممة لوجودي..لست أدري أي شعور يجب أن يخامرها عندما تلقاني؟ سوف لا تحبني كما أحبها.. وكما أحبها فعلا بكل كياني وبكل قوى روحي.. هيا.. هيا إلى المكان الذي رأيتها فيه لأول مرة.. وهي المرأة الوحيدة.. من يعلم؟ لعلها مثلي مولعة بالوحدة والغموض ككل الأرواح الحالمة، لعلها محبة للتجول بين الأنقاض في هدوء الليل..
مر شهران بعد الحوار الذي وقع بين «مانريكي» وبين خادم السيد (السونسودي فالديكوس) شهران شيد  خلالهما «مانريكي» قصرا في الهواء ما لبثت الحقيقة أن ذهبت به في نفخة.. شهران قد بحث خلالهما عبثا عن تلك المجهولة، وكان حبه الموهوم خلالهما ينمو في روحه بفضل خياله الواهم حتى أصبح ضائعا في خيالاته وأوهامه.
كان الليل هادئا جميلا، والقمر يتلألأ في كبد السماء وقد بدأ في اكتماله، والنسيم يداعب أوراق الشجر فينبعث منها حفيف كأنه الهمسات الحلوة..
وصل «مانريكي» إلى تلك الدار التي كان يسكنها رجال الدين، وجال ببصره في فنائها، ثم مد عينيه بعيدا خلال الأعمدة الصماء التي تتناثر هنا وهناك في فناء الدار، فقد كانت الدار خالية، ثم خرج واتجه نحو أكمة مظلمة تؤدي إلى النهر،  ولم يكد يدخلها.. حتى ندت من شفتيه صيحة فرح، فقد رأى شيئا تراءى لناظريه هنيهة ثم تلاشى.. جانب ثوب أبيض.. هو ثوب فتاة أحلامه.. ثوب المرأة التي أحبها بجنون.. جرى هنا وهناك يبحث عنها.. وصل إلى المكان الذي اختفت فيه من قبل، دقق نظره الخائف في الأرض وظل فترة بلا حراك، غشيته رعشة عصبية هزت أعضاءه، غشية تزايدت كأنها ناتجة عن حمى تدب في جسمه ثم أرسل ضحكة عالية وقبيحة.. ذلك الشيء الأبيض الذي تراءى له من قبل قد عاد يلمع ثانية تحت قدميه هنيهة.. لم يكن ذلك إلا شعاع القمر، شعاع القمر الذي تسلل من بين أغصان الأشجار عندما حركت الريح هذه الأغصان..
قضى بعد «مانريكي» بضعة أعوام وهو يجلس في مكان معين من برجة بلا حراك تقريبا، ينظر نظرات بلهاء قلقة كنظرات المعتوه، ولم يكن يعير اهتماما لا إلى حب أمه له وعطفها عليه ولا إلى تفاني خدمه في خدمته..
قالت له أمه ذات يوم : أنت شاب جميل، فلماذا تنفق وقتك وحيدا؟ ولماذا لا تبحث عن امرأة تحبها وتحبك وتستطيع أن تجعل منك إنسانا سعيدا؟ فهمس كأنه يحدث نفسه: الحب.. الحب إنه شعاع القمر.
وقال له أحد ذويه مرة: لماذا لا تفيق من هذا الوهم؟ لقد ألبست نفسك ثوبا حديديا من قدمك إلى رأسك، فلماذا لا تأمر بأن ينشر في الهواء علم سلالتك النبيلة فتذهب إلى الحرب وفي الحرب المجد؟ المجد..المجد .. إنه شعاع القمر.
هل تحب أن أسمعك أنشودة في النيل هي من آخر ما أنشأه الشاعر الفنان (أرنالدو) .. فاعتدل في جلسته في حركة عصبية وقال: لا.. لا.. لا أحب شيئا.. أعني إذا كنت أحب شيئا فإنما أحب أن تدعوني في وحدتي.. شعر غنائي .. نساء.. مجد.. سعادة.. كل هذا كذب وخيال لا طائل تحته، شيء نتصوره في أخيلتنا ونضفيه على أمزجتنا ثم نحبه ونجري وراءه فلماذا؟ لأجل أن نجد شعاع القمر.. مانريكي.. كان أحمق .. أو على الأقل كل الناس قد اعتقدوا أنه كذلك .. أما أنا فعلى الضد من ذلك .. فما قام به هو في رأيي فلسفة للواقع..

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here