islamaumaroc

مستقبل الإعجاز العلمي في القرآن

  أحمد بودهان

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

هناك ظاهرتان اثنتان، ملحوظتان بكثرة، في أيامنا هذه، أكثر من ذي قبل، تتعلقان بالقرآن الكريم:
الظاهرة الأولى: «التغني بالقرآن»، وهذه الظاهرة، سبق أن تحدثنا عنها في الملحق الأسبوعي (ملحق الفكر الإسلامي، لجريدة «العلم») بتاريخ الجمعة 19 ذي الحجة 1415 موافق 19 ماي 1995، تحت عنوان «التغني بالقرآن والغاية منه»، وللمهتمين واسع النظر في ذلك.
المهم – كما بينا - هو أن يكون ذلك التغني هادفا إلى الغاية منه، وهي أن يكون باعثا على الخشوع والتدبر والفهم والتطبيق والانقياد والطاعة، حتى لا يصبح غاية في حد ذاته، أي حبا في الصوت وحلاوته...
الظاهرة الثانية: وهي أيضا كثر التركيز عليها أكثر من ذي قبل، وتتعلق كذلك بالقرآن، هي ظاهرة الحديث عن «الإعجاز العلمي في القرآن»، في نطاق ما يسمى «بالحديث العلمي في القرآن الكريم»، حسب تعبير أستاذنا الجليل الدكتور السيد إدريس الخرشاف، أو ما يسمى «بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة»، على حد تعبير الشيخ عبد المجيد الزنداني، في سلسلة محاضراته، تحت عنوان «علم الإيمان»، أو ما يسمى عند المفسرين المعاصرين «بالتفسير العلمي» المقابل لـ «التفسير بالمأثور» عند المفسرين القدامى، ويسمون أيضا هذا «الإعجاز العلمي في القرآن» ب«مطابقة آيات القرآن للاكتشافات العلمية الحديثة»، ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي.
وبيت القصيد في موضوعنا المتواضع هذا، يتعلق أساسا بهذه الظاهرة التالية، ظاهرة الإقبال الملحوظ على «الإعجاز العلمي في القرآن»، ضمن وسائل الإعلام السمعية منها والبصرية والمكتوبة، سواء على مستوى العالم الإسلامي ككل، أو على مستوى ما ينشر على صفحات هذا الملحق الأسبوعي، بجريدة العلم، من طرف الدكتور إدريس الخرشافي، وخاصة بعد نشر كتابه «المنهج العلمي الرياضي في دراسة القرآن الكريم» سنة 1984، وتأسيس «هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة» في الخليج.
كما أن بحثنا المتواضع «نشأة الكون ونهايته بين العلم والدين» المنشور في الملحق المذكور ربما شجع المهتمين أكثر في هذا المجال.(1)
سوف نتحدث هنا في هذا الموضوع، المتعلق بالإعجاز العلمي في القرآن، كظاهرة لافتة للأنظار، أكثر من ذي قبل، حول موقف العلماء من هذا النوع  من أوجه الإعجاز القرآني، ومستقبله على ضوء العصر، انطلاقا من المحاور التالية:
أولا: القرآن معجزة المعجزات.
ثانيا: الهدف من الإعجاز.
ثالثا: نظرة على وجوه الإعجاز.
رابعا:الإعجاز العلمي ومفهومه.
خامسا: موقف العلماء من هذا الإعجاز العلمي.
سادسا: مستقبل الإعجاز العلمي في القرآن.
وسنأخذ كل محور على حدة، ابتداء من كون القرآن معجزة المعجزات.
1- نعم، إن القرآن معجزة المعجزات، على حد تعبير «أحمد ديدات»، في كتابه الذي يحمل نفس العنوان،
ترجمة علي عثمان، وعلى حد ما اتفقت عليه كلمة المسلمين منذ أن أنزل القرآن إلى يومنا هذا.
ولا أعتقد أن أحدا يقرأ القرآن ويفهمه بتدبر وتمعن، ثم ينكر هذه الحقيقة من كون القرآن المعجزة الكبرى الوحيدة «معجزة المعجزات» ومن كونه المعجزة الكبرى والوحيدة، التي ما تزال باقية وخالدة، ومتحدية ومستمرة وصامدة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!!
ولا أعتقد أن أحدا ينكر هذا في قرارة نفسه، حتى ولو كان ملحدا في الظاهر، أو متظاهرا في الإلحاد، تجبرا وتكبرا وعنادا !!!
القرآن معجزة المعجزات، لأن الواقع يثبت عبر التاريخ أنه يقدر ما يتقدم الإنسان ويتطور، بقدر ما يزداد إقبالا على دراسة القرآن بعمق أكثر، وبالتالي يكتشف وجوها جديدة من وجوه إعجازه، وخاصة هذا الإعجاز العلمي المتمثل في مطابقة آياته للاكتشافات العلمية الحديثة.
وإلى هذا يشير الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب.
أنه صلى الله عليه وسلم، قال: «ستكون فتن كقطع الليل، وقال علي: يا رسول الله، ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم،
وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء، ولا تمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...» الحديث.
 القرآن معجزة المعجزات، لأننا نعلم أن للرسول صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة، إلا أنه انتهى دورها، وانقضى مفعولها بوفاته صلى الله عليه وسلم إلا معجزة القرآن فهي خالدة كما نرى، بالإضافة إلى أن هذه المعجزة القرآنية، تختلف في طبيعتها عن معجزات الرسل السابقين، بكونها معجزة«عقلية»، بينما معجزات الأنبياء الآخرين كانت «حسية» وإلى هذا يشير الرسول صلى الله عليه وسلم في حدسه الشريف الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
2- وإذا كانت المعجزة – أولا وقبل كل شيء- هي إثبات عجز 
المعارض الذي أنكر ربانية القرآن فتحداه هذا القرآن بأن يأتي بمثله أو بشيء منه فعجز، رغم توفر شروط هذه المعارضة التي هي:
• ربانية الرسالة المحمدية المؤيدة بالقرآن.
• إنكارها من طرف المشركين.
• قدرتهم على المعارضة لكونهم عربا بلغاء، والقرآن عربي.
أقول: إذا كانت المعجزة هذا ما تعنيه، وهو إثبات عجز معارضيها، وثبت عجزهم فعلا، فهذا معناه صدق نبوة الرسول، وصدق ربانية المصدر القرآني، وصدق الوجود اليقيني لله سبحانه، ذاتا وصفة وأفعالا، وبالتالي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وهذا هو الهدف من المعجزة، أي تحدي المعارض حتى يعجز، فيعترف بعجزه، ويستسلم، وبالتالي «يسلم» وينقاد ويخضع ويطيع، فيِمن عن اقتناع...
3- وآيات التحدي في الإعجاز القرآني، تختلف مواضيعها ومجالاتها ومعانيها، باختلاف وجوه الإعجاز المختلف في عددها.                                                              
   فالقرطبي مثلا في مقدمة«تفسيره»، حصر وجوه الإعجاز القرآني في عشرة، والحقيقة أن هذه الوجوه العشرة متداخلة، الشيء الذي جعل معظم الدار سين لدلائل الإعجاز يحصرون ذلك في أربعة أوجه. هي الإعجاز الغيبي، والإعجاز والنظمي، والإعجاز التأليفي البياني، والإعجاز الإخباري بما سبق.
وهذا ما ذكره «الباقلاني»  و«السيوطي» وغيرهما من الدارسين القدانى لعلوم القرآن.
والملاحظ أن هؤلاء لم يتعرضوا للإعجاز العلمي إلا نادرا، مع تحفظ، لأن الاكتشافات العلمية المعروفة الآن، لم تكن معروفة في عهدهم.
ومع بداية القرن التاسع عشر الميلادي إلى الآن، وهو زمن ظهور الاكتشافات العلمية المطابقة للآيات القرآنية، أضاف العلماء وجها جديدا لوجوه الإعجاز القرآني، وهو وجه «الإعجاز العلمي»، أو ما يسمى «بمطابقة الآيات القرآنية للاكتشافات العلمية الحديثة»، مثل ما ذكر «السيد رشيد رضا» في كتابه «الوحي المحمدي» وهو يتحدث عن مقاصد القرآن العشرة، ومنها الإعجاز العلمي، وكذلك ذكر نفس
الشيء السيد «عبد الوهاب خلاف»، في كتابه «علم أصول الفقه» حين تعرض لوجوه الإعجاز العلمي، وصار على ذلك علماء العصر، منذ بداية هذا العصر خاصة، كما سيأتي، حين الحديث عن موقف العلماء من التفسير العلمي.
هذا، وهكذا نرى أن آيات التحدي في مجال الإعجاز البياني والنظمي والتأليفي، ليست هي آيات التحدي في مجال الإعجاز الغيبي أو الإخباري، أو العلمي أو الشمولي... الخ.
4- وقبل أن نتحدث عن هذا الإعجاز العلمي، في القرآن، وهو بيت القصيد في هذا الموضوع، وعن أهميته ومستقبله لا بأس من أن نوضح أكتر مفهوم «الإعجاز العلمي في القرآن»، وكيف نشأ وتطور؟ وماذا كان رأي العلماء فيه قديما وحديثا؟
فنقول المفهوم المراد «بالإعجاز العلمي في القرآن». هو مطابقة الآيات لتلك الاكتشافات العلمية الحديثة. التي يتوصل إليها الإنسان من حين لآخر، تدريجيا، وعبر التاريخ في مختلف المجالات، انطلاقا من الذرة وانشطا رها، إلى المجرة أو المجرات وأبعادها، جيولوجيا وقضائيا وكونيا، وانطلاقا من الخلية وأنواعها وأجزائها ومكوناتها بيولوجيا وفيزيولوجيا، في تكوين الإنسان، والحيوان، والنبات، تلك الآيات الدالة على سنن الكون الطبيعية، التي تحكم هذا النظام البديع، الذي يسير عليه الخلق... النظام البديع والعجيب الذي اكتشفه العلم، بخصوص حركات الكواكب والأفلاك حول مداراتها، وبخصوص تطور المخلوقات في نموها، وبخصوص تلقيح النباتات، ونشأة الكون، ونهايته، وإعادة نشأته من جديد عن طريق البعث، انطلاقا من النشأة «الرتقية» الأولى، «الفتقية» الحالية، منذ بداية ظهور الحياة على وجه الأرض، بظهور البحار، والمحيطات، والجبال، والكائنات الحية الأخرى في نشأتها، مثل تكوين الجبال، والمحيطات...الخ.
وكلما توصل العلم إلى اكتشاف هذه الحقائق، إلا ونجد أن القرآن سبق أن أشار إليها منذ أربعة عشر قرنا، ونحن داخلون في القرن الخامس عشر. وهذا من أجل استحضار عظمة الله، والإيمان بوجوده، لأن تطابق الآيات لتلك الاكتشافات برهان قاطع على أن هذا القرآن ليس من كلام بشر، وإنما هو وحي إلهي سماوي رباني، وأن محمدا صادق في نبوته، وأن الله موجود، وأن البعث حق، لأن القرآن أخبر بتلك الاكتشافات قبل أن تكشف، وقبل أن يتوصل الإنسان إلى معرفتها، وباكتشاف الإنسان لتلك الحقائق العلمية، ومعرفته بأنها مطابقة لما اخبر به القرآن منذ خمسة عشر قرنا، يكون قد اكتشف وجها آخر من وجوه الإعجاز العلمي،، ألا وهو «الإعجاز العلمي في القرآن»، هذا الإعجاز العلمي، أو التفسير العلمي، كان العلماء يتحفظون منه في بداية الأمر، لأنهم هم أنفسهم كانوا يجهلون تلك الحقائق العلمية، ومن جهل شيئا عاداه، ولأنهم أيضا كانوا حذرين من الوقوع في المحضور، وهو القول في القرآن بلا علم وبلا سند مأثور، ولأنهم من جهة ثالثة، يريدون أن يبقى القرآن كتاب عقيدة وإيمان وتوحيد وشريعة وأخلاق، لا كتاب علم بمفهوم العلم التجريبي المخبري البحث...
5- نعم، كانوا يتحفظون قديما من هذا التفسير العلمي للقرآن، رغم أنهم كانوا يعلمون أن القرآن بحر كل العلوم، ورغم أن عجائبه لا تنقضي، كما جاء في حديث الرسول وأقوال الصحابة والتابعين، وسبب تحفظهم هو ما قلناه آنفا...
إلا أنه مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأت معالم الاكتشافات العلمية الحديثة، ومع ظهور مميزات جديدة للتفسير القرآني المعاصر، مثل التفسير المذهبي، والإشاري، والرمزي، والأدبي، والاجتماعي، والتفسير بالرأي، والتفسير الباطني الخ... أقول:
هناك ظهر التفسير الإلحادي المناهض للقرآن، على غرار ظهور النزعة العلمية التي حاربت الكنيسة وكل الأديان، وبرزت العلمانية. ولما علم العلماء أن اكتشافاتهم العلمية الحديثة في مجال الكون، مطابقة لما ورد في القرآن، اندهشوا واستغربوا وتعجبوا، فكان ذلك سببا في ظهور رواج التفسير العلمي للقرآن، لتأكيد ما أخبر به الله والرسول والصحابة، من أن القرآن لا تنقضي عجائبه...
فبعد«أبي حامد الغزالي »، الذي ذكر في «الإحياء» العديد من علوم القرآن الكونية، وكذلك «السيوطي»، و«المرسي» يأتي «الإسكندراني» من علماء القرن 613هـ ليركز على هذا الإعجاز العلمي الكوني في القرآن، ثم «عبد الله باشا فكري » في «رسالته » الخاصة بعلم «الهيئة»، «والكواكبي» في «مقالاته» المنشورة والمطبوعة عام 1318هـ في الإعجاز العلمي في القرآن، ثم « مصطفى الرافعي» الذي قيل عن تفسيره «إنه تنزيل من التنزيل»، وخاصة في مجال الإعجاز الكوني «إعجاز القرآن» ثم « الدكتور عبد العزيز إسماعيل» الطبيب الشهير الذي ألف كتابه «الإسلام والطب الحديث».
إلا أن كل هؤلاء العلماء، الذي استحسنوا هذا الاتجاه الإعجازي العلمي للقرآن لم يصلوا إلى الحد الذي وصل إليه المفسر العجيب للقرآن، من الناحية العلمية الإعجازية الكونية، وهو « الشيخ طنطاوي جوهري»(1870 – 1940).
ولعل اندفاعه واستنتاجاته وآرائه التي بالغ فيها أحيانا، هو الذي جعل بعض الجهات يرفضون تفسيره هذا، بالإضافة إلى تلك الطائفة القليلة من العلماء الذين ينكرون التفسير العلمي للقرآن، أمثال «الشاطبي»، والدكتور «الذهبي» في كتابه «التفسير والمفسرون»، وغيرهما...
هذا باختصار ما يتعلق بموقف العلماء من التفسير العلمي قديما وحديثا.
والسؤال المطروح الآن، والذي هو بيت القصيد في موضوعنا هذا، هو:
o  ما رأى علماء العصر الحالي في التفسير العلمي الإعجازي للقرآن؟
o  وما مستقبل هذا النوع من الإعجاز العلمي؟
o  وما آفاقه؟
o  وإلى أي حد يمكن القول بأن القرن المقبل قرن الدين؟
هذا ما سنراه في المحور الرئيسي الموالي المتعلق بـ «مستقبل الإعجاز العلمي في القرآن».
6- سبقت الإشارة إلى أن للقرآن وجوها إعجازية، أوصلها البعض إلى عشرة وجوه أو أكثر استقلالا. ومع مراعاة التداخل والتقارب فيما بينها تختصر لتصبح أربعة أوجه
قبل ظهور الوجه الخامس الذي هو وجه «الإعجاز العلمي».
وكل هذه الوجوه الإعجازية – قامت وما تزال- تقوم بدورها، متحدية كل من يزعم أن القرآن ليس من عند الله، انطلاقا من الإعجاز البياني والنظمي والتأليفي، الذي أعجز العرب البلغاء والفصحاء، حتى أراحهم الله من عناء المعارضة، فقال سبحانه لهم: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إلى الإعجاز الغيبي والإخباري، الذي حير عقول المشركين والكتابيين معا، حتى هدى الله من شاء، وأضل من شاء.
 إلا أن هذه الوجوه الإعجازية، رغم استمرار تحديها، فهي تكاد تصيح ذا طابع كلاسيكي تقليدي، يجعل بعض الملحدين يزعمون بأنها متجاوزة أمام لغة المنطق، ولغة المادة، وسلطان العقل، وهيمنة العلم، وتطورات العصر، إيديولوجيا وتكنولوجيا وفلسفيا، نتيجة ظهور عوامل إلحادية خطيرة ومتطورة، تتمثل في الغزو العقدي، والثقافي، والعسكري، والسياسي، والمادي، والحضاري عموما.
 والله سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية، بخصوص شؤون خلقه، وأحوال عباده، عبر كل العصور والأحقاب، اقتضت حكمته أن يكون لكتابه العزيز أكثر من وجه من أوجه الإعجاز، حتى إذا لم يناسب هذا الوجه لعصر من العصور أو ضعف دوره لأسباب ما، ظهر وجه آخر من أوجه الإعجاز القرآني، متحديا بشكل أقوى يلائم وسائل المعارضين المعاندين المتعنتين، ليتفوق عليهم.
 وبما أن العصر الذي نعيشه يمتاز على كل العصور السابقة بكونه عصر العلم والتقدم العلمي، والتطور العلمي، والاكتشافات العلمية، والاختراعات العصرية،
حتى أصبحت النزعة العلمية تكاد تقدس كمعبود، حيث العلم هو كل شيء، وكلمته فوق كل كلمة، وسلطانه فوق كل سلطان، لأنه لا يترك مجالا للشك أو للظن أو للاحتمال، فإن الوجه الإعجازي للقرآن في هذا العصر، هو «الإعجاز العلمي»، وطبعا بجانب وجود الأوجه الأخرى المذكورة، حتى يبقى القرآن بتنوع أوجه إعجاز، بمثابة «مادية» كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «القرآن مأدبة الله، فخذوا من مأدبة الله ما شئتم».
 وتلك هي الحكمة الإلهية من تنوع هذه الأوجه الإعجازية وتطورها بتطور العصور، وآخرها هذا الوجه الإعجازي العلمي الملائم للعصر...
هذا، وإن الإعجاز العلمي في القرآن، الذي نتحدث عنه هنا، والذي يعتبر الوجه الأنسب لتحديات العصر، هو وجه يستغرق جل التخصصات العلمية، إن لم نقل كل الشعب والفروع المتخصصة على اختلاف ميدانها
 ومجالاتها التجريبية، سواء تعلق الأمر بالمجالات الجيولوجية في الأرض، أو المجالات الفضائية في السماء، أو تعلق الأمر بالمجالات البيولوجية، بخصوص نمو الكائنات الحيوانية والنباتية والإنسانية، بالإضافة إلى الإعجاز الطبي، والعددي، والرياضي... كما لا ننسى «الإعجاز السني»، الذي نجده في الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي هي إما من قبيل الإعجاز الغيبي، أو الإعجاز الإخباري بما سبق للأمم الماضي أو الإعجاز العلمي، كالإعجاز الطبي والصحي وغيرهما.
 وقد جمع الشيخ عبد المجيد الزيداني الكثير من هذه الأحاديث، وحللها تحليلا علميا مناسبا ضمها إلى «الإعجاز العلمي القرآني» في محاضراته، تحت عنوان «الإعجاز العلمي في القرآن والسنة»، من سلسلة كتاباته وندواته «علم الإيمان».
 ولإبراز هذا الوجه الإعجازي العلمي في القرآن، ينبغي التذكير
بأن معظم العباقرة ممن كانوا على دين غير دين الإسلام قد هداهم الله إلى الإيمان بهذا الدين، فأعلنوا إسلامهم حين علموا بوجود تلك الآيات القرآنية، المطابقة لتلك الاكتشافات العلمية الحديثة.
مثل قوله تعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يومنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون.(2)
 وقوله سبحانه: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون.(3 وقوله جل علاه في شأن انفصال الأجرام عن بعضها البعض، بعد وحدة الكون: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إيتنا طوعا أو كرها، فقالتا أتينا طائعين....(4)
 ويقول سبحانه في شكل كروية الأرض: يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل.(5) والأرض بعد ذلك دحاها.(6)
ويقول القرآن في شأن الماء الذي هو الأصل الأول للحياة: أخرج منها مائها... .(7):وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين(8)
ويقول سبحانه في شأن وظيفة الجبال: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم...(9)،: والجبال أرساها(10)،:والجبال أوتادا.(11)
 وبخصوص نشأة الحياة، وهو اللغز المحير يقول تعالى: ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .(12)
 وبخصوص النشأة الأولى من الماء يقول سبحانه: وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يومنون(13)
 وفي مجال قصة خلق الإنسان يقول رب العزة:ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمل مسنون.(14): ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين.(15):وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.(16)
 وفي مجال مطابقة الآيات لما توصل إليه العلماء، بخصوص نهاية الكون في الأخير، يقول تعالى: فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر، كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر .(17)وفتحت السماء فكانت أبوابا، وسيرت الجبال فكانت سرابا.(18)ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي فيدرها قاعا صفصفا....(19)اقرأ سور («الزلزلة» - «الانفطار» - «التكوير» - «الانشقاق»).
وفي مجال مطابقة آيات القرآن لما توصل إليه العلم، بخصوص استخلاص اللبن من بين «الفرت» و«الدم» من بطون الأنعام، بعملية فيزيولوجية معقدة، يقول القرآن: وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث(20)ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين....(21)
وفي مجال مطابقة الآيات القرآنية لما توصل إليه العلم مؤخرا في مسألة «كلوروفيل» المنتج للثمار في النباتات، والمسمى في القرآن «باليخدر» قال تعالىوهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا...(22)
وفي مسألة وجوب ذبح الحيوان بدل الصعق أو الخنق أو الضرب، كما يفعل غيرنا لما في الدم من جراثيم، يقول القرآن:حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به إلى: إلا ما ذكيتم(23)
 ومرة أخرى، أذكر أن مطابقة هذه الآيات للاكتشافات العلمية الحديثة أقنعت الكثير من العباقرة والعلماء الذين كانوا ملحدين، فآمنوا بأن هذا القرآن من الله، وأن الذي أنزل عليه هذا القرآن رسول حقا.
وهذا يعني أن العلم في خدمة الإيمان، وأن هذا الوجه الإعجازي العلمي في القرآن سيكون له دور وأي دور وأي دور في صالح مستقبل الإسلام...
ولإبراز – أيضا- الدور الإيجابي المتوقع لهذا الإعجاز العلمي في القرآن مستقبلا، لا بأس من التذكير ببعض أقوال المفكرين، بخصوص توقعاتهم المستقبلية، اعتمادا على مسؤولية علماء، والدور الذي يجب أن يقوموا به، من أجل الدعوة إلى الله، وترسيخ الإيمان عن طريق العلم...
وفي مجال، يرى بعض المفكرون، أنه إذا كان القرن العشرون قرن التقدم العلمي، والاكتشافات العلمية، وكانت معظم هذه الاكتشافات مطابقة لآيات القرآن كإعجاز علمي، فإن هذا يعني أن هذا القرن سيمهد للقرن الواحد والعشرين، قرن 2000، ليجعل منه قرن الدين.
وهذا ما نبأ به الأستاذ والكاتب المصري المشهور «توفيق الحكيم» في بعض توقعاته، حين قال في مقدمة كتابه «مختار تفسير القرطبي» منذ سنة 1976م:
«إن هذا القرن يكاد ينبئ بقرن قادم، يصل فيه مستوى العلم الحديث إلى درجة من النفوذ، والكشف عن أسرار الكون، تجعل علمائه أقرب الناس إلى باب الله والدين، وقد علمت أن هذا أيضا كان رأي جل الباحثين والمؤرخين الغربيين، منهم «أرنولد توينبي» الذي قال: إن القرن الحادي والعشرين، سيكون قرن الدين... ».
ثم يستشهد الكاتب الكبير بالآية الكريمة: إنما يخشى الله من عباده العلماء.فيرى أن المراد بالعلماء هنا ليس فقط من نطلق عليهم علماء الدين، بل إن ما ورد في القرآن من الحث على التأمل والتفكر في الكون وسننه يوحي بأن الآية تلمح أيضا إلى المختصين من العلماء في مختلف المجالات العلمية التجريبية البحتة...
وفي موضوع الإعجاز العلمي في القرآن ومستقبل هذا الإعجاز، نجد السيد «محمد رشيد رضا» في كتابه«الوحي المحمدي» يقول منوها بفوائد هذا الإعجاز العلمي القرآني:
«ومن هذه الآيات الكونية ما لا يمكن التعمق في علومها والوقوف على حقائقها إلا بالاستعانة بعلوم العصر، وبالآلات العلمية التي لم تكن معروفة عند المخاطبين الأولين بالوحي...» (24)
ثم أشار السيد «محمد رشيد رضا» إلى الكثير من الاكتشافات العلمية الحديثة، التي جاءت مطابقة لآيات القرآن، في مجال نشأة الكون والحياة والإنسان، بالإضافة إلى هذا النظام العجيب الذي تسير عليه الكواكب والنجوم والأفلاك.
أما السيد «عبد الوهاب خلاف» في كتابه «علم أصول الفقه» فنجده يقول ردا على الذين يتحفظون من التفسير العلمي للقرآن:
«لا أرى هذا الرأي، لأن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية، ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معنى هذا الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه من الوجوه، فإذا ظهر خطأ الآية نفسها...»(25)
وفي هذا المجال دائما، مجال مستقبل الإعجاز العلمي في القرآن، نلاحظ أن هناك مؤشرات خير، تؤشر فعلا إلى أن القرن الواحد والعشرين سيكون بإذن الله«قرن الدين» كما قيل،
وذلك نظرا لهذه الصحوة الإعجازية العلمية القرآنية التي بدأت تغزو العالم    
بأسره بما في ذلك العالم الغربي، الذي بما في ذلك العالم الغربي، الذي خذ علماؤه الكبار يندهشون كلما علموا أن اكتشافاتهم العلمية التي توصلوا إليها جاءت مطابقة للآيات القرآنية التي نزلت منذ 1400 عام! بل إن معظم هؤلاء العلماء اعترفوا بأن القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله، فأسلموا ونطقوا بالشهادتين أمام الملأ، كما أنهم عكفوا بسبب هذا الإعجاز العلمي في القرآن على دراسته، وتأليف مألفات هامة في مجال إعجازه العلمي.
 فمن خلال المجهود الذي تقوم به «هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة» في لقاءاتها وندواتها ومحاضراته وتنقلاتها واتصالاتها مع العلماء الكبار، المختصين في علوم الكون، ومن خلال الدور الهام الذي يؤديه الأستاذ الجليل، الشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني، أمين هذه الهيئة الإعجازية القرآنية والسنية، من إعداد وتقديم لتلك الندوات واللقاءات، زيادة على اهتمامه بالكتابة والتأليف في هذا المجال الإعجازي، وأيضا من خلال ذلك التعاون الذي تقدمه بعض الجهات العربية لتدعيم دور هذه الهيئة الإعجازية، تدعيما ماديا ومعنويا، فإننا رأينا وسمعنا الشيء العجيب، من العديد من العلماء، على اختلاف تخصصاتهم الجيولوجية والبيولوجية، بخصوص موقفهم من الإسلام، حين علموا بمطابق آيات القرآن لتلك الاكتشافات العلمية التي توصلوا إليها في مجال نشأة الكون ككل عموما، ونشأة البحار والمحيطات والأنهار والجبال والحياة وأطوارها، والمجرات والكواكب...الخ، ضمن البرنامج التلفزي «علم الإيمان» و «أنه الحق» (CECI EST LA VERITE).
فهذا البروفسور «تاجمون» العالم التيلاندي المختص في علم الأجنة، ينطق بالشهادتين، معلنا إسلامه أمام الملأ، ويؤلف كتابه «مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة» حين علم بما ورد في القرآن، بخصوص أطوار نشأة الجنين، في قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر...، (26) ثم يقرر عن اقتناع وإيمان بأن ورود هذا في القرآن، منذ 1400 عام، يدل دلالة قطعية على أن محمدا الذي أنزل عليه هذا القرآن «رسول الله»، وأن القرآن
وحي من الله»، وأنه تعالى موجود وعليم وخبير... ثم أسلم !
ثم هذا البروفسور«كيث مور» KEITH L. MOORE يضيف إلى كتابه «علم تطور الجنين» THE
DEYELOP  INGHUMAN   (EMBROLOGY) زيادات خاصة تتعلق بشرح أطوار الجنين كما ورد في القرآن ISLAMIC    ADDITIONS WITH.
وكذلك البروفسور «ألفريد كرونو» العالم الجيولوجي الشهير قد اندهش لما علم أن القرآن تحدث منذ 1400 عام، عن «وحدة الكون الرتقية» و«وحدات الانفصالية الفتقية»، ولما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه مسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا»! ثم قال: نعم هكذا نشأ الكون، وهكذا كانت أرض العرب، وستعود كما
 كانت، ثم قال: «إن هذا له تفسير واحد، وهو أن القرآن وحي من الله، وأن محمدا رسول الله».
ثم هذا البروفسور «مارشان جوسون» رئيس قسم التشريح بأكبر جامعات أمريكا، يستغرب أطوار الجنين، بخصوص النطفة المخلقة وغير المخلقة، في تعالى قوله: فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى.....(27)
ثم يقرر أمام لجنة «الإعجاز العلمي في القرآن والسنة» في «المؤتمر الطبي السابع» بالسعودية، بأن هذا القرآن من الله، وأن الذي أنزل عليه رسول الله   !        
وقس على هؤلاء العلماء الكبار أيضا موقف علماء آخرين، مثل العالم
اليباني«يشيري كوزان» الجيولوجي الشهير، حين علم بمطابقة آيات القرآن لما توصل إليه العلم، بخصوص النشأة «الفتقية» من الدخان في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ايتنا طوعا أو كرها، قالتا آتينا طائعين .(28)
ثم قال:«إنه الإله حقا، إنه فوق كل شي، ويصف بدقة كل شيء، وإلا فإن هذا العلم لم يكن يعرفه الإنسان قبل1400 عام أنه وحي!!!
وكذلك قرر العالم البيولوجي المختص في « الكرموزمات»«جولي جزنسون»، حين علم أن الرسول حدد الشكل النهائي للجنين في أربعين يوما، منذ 1400 عام في حديثه الشريف الذي رواه مسلم: « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ...»، والحديث الآخر: «إذا مر اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا شق سمعها وبصرها... » الحديث.
ثم قال: « انطلاقا من هذين الحديثين الشريفين، وما توصل إليه علم الأجنة الخاص بالكروموزومات حديثا، لا فرق ولا خلاف بين العلم والوحي.. الدين يقود العلم!!!
ثم هذا البروفسور«فيد» العالم الأمريكي الجيولوجي المختص في علوم البحار والمحيطات والأنهار، يتعجب حين يطلع على معنى قوله تعالى:  مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان،(29) وذلك بخصوص تهذيب الخصائص والمميزات والصفات المتعلقة بماء البحرين على حدة، لتتوافق قبل مرجها وخلطها مع الآخر بغيا وعدوانا، وبشكل فوضوي، ثم يؤمن ويسلم!!!!
ثم هذا البروفسور «دارسان» المختص في أمراض الرحم في أكبر جامعات كندا، يندهش، حين علم معنى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من الزنا وتعاطي الفاحشة، بسبب ما ينتج عن ذلك من الأوبئة تنتج عن الاتصال الجنسي، والإباحية في الغرب، وهذا له معنى واحد، وهو أن محمدا رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى!!! ونفس الاندهاش والاستغراب والاعتراف بربانية القرآن، حصل للعالم الجيولوجي الأمريكي «دالما» حين علم أن القرآن أخبرنا بأخفض منطقة في الأرض منذ 14 قرنا قبل أن يعرفها العلم الحديث في قوله تعالى: ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض... ، (30) وأدنى الأرض أخفضها، وهي القدس.
ونفس الشيء حصل للعالم الجيولوجي الياباني «سياهو»، حين علم بوظيفة الجبال كأوتاد للأرض في قوله تعالى: والجبال أوتادا.(31)
ونفس الشيء أيضا حصل ل«مسترونك» العالم الفضائي الأمريكي الذي وصل إلى القمر، حين علم بقصة إنزال الحديد في الآية وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد... ، و«بلا نهاية»، حافة الكون في عدم تحديد أبعاده في قوله تعالى: الذي خلق سبع سماوات طباقا، ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير...(32)
والذي يريد أن يتوسع أكثر في هذا الميدان الإعجازي القرآني والسني يتابع ما كتبه المفسرون  المعاصرون، أمثال «الرافعي» و«الجوهري الطنطاوي» والسيد«محمد رشيد رضا» و «عبد الوهاب خلاف»، و «وحيد الدين خان»، و «مصطفى محمود»، و «سعيد حوس» الخ...
وكذلك يتوسع في الكتابات والأبحاث الصادرة عن «هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة» المذكورة، مثل كتاب «التوحيد» وكتاب «توحيد الخالق» للشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني، و«الندوات المسجلة» تلفزيونيا، ثم ما يكتب على صفحات «ملحق الفكر الإسلامي» بجريدة العلم، وخاصة ما يكتبه الدكتور إدريس الخرشافي، بعد بحثنا المشهور بهذه الجريدة بتاريخ (يناير – فبراير 1994) في 6 ملاحق، تحت عنوان: «نشأة الكون ونهايته بين العلم والدين».
والذي نستنتجه من هذا كله هو أنه قد آن الأوان، لهذا«الإعجاز العلمي القرآني والسني» بأن يؤدي دوره،كغيره من الوجوه الإعجازية القرآنية البيانية منها، والغيبية، والشمولية، والتشريعية، والإخبارية، بما سبق الخ... ما دام أن الهدف من وجوه الإعجاز القرآني واحد، وهو إثبات نبوة الرسول، ووحي الله، ووجوده تعالى ذاتا وصفة وأفعالا، وبالتالي الإيمان بالوحي المتمثل في أركانه الأربعة، التي أوضحناها في كتابنا«ظاهرة الوحي عند الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتي هي:
o «الموحي»: وهو الله سبحانه كركن أول.
o ثم«الموحي بإذنه»: وهو الملك وكل الملائكة كركن ثان.
o ثم«الموحي به»وهو القرآن المهيمن على كل الكتب السماوية، كركن ثالث.
o ثم «الموحي إليه»: وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وكل الرسل، كركن رابع.
نعم، قد آن الأوان، لحصول التصالح بين العلم، والإيمان، بعد تلك القطيعة المزعومة، منذ القرن التاسع عشر، إلى أيامنا هذه، ونحن في أواخر القرن التاسع عشر، إلى يومنا هذه، ونحن في أواخر القرن العشرين، حيث كان العلم يعادي الدين، ويثمر الإلحاد، ويحارب الإيمان، قياسا على تصرف الكنيسة، ضد العلم والعلماء وضد التقدم العلمي، والاكتشافات العلمية، فأراد العلماء الإبقاء على نفس هذه القطيعة،بين العلم والإسلام، قياسا على ذلك.
 إلا أن الذي حصل هو العكس – والحمد لله- حيث أن القرآن بإعجازه العلمي، وبمطابقة آياته للاكتشافات العلمية الحديثة قد أثبت أن العلم يخدم الإيمان، وأن الدين يقود العلم، وأن التصالح قائم بينهما خدمة للدين والحياة، لصالح الإنسان.
وبهذا تصبح مهمة العلماء الآن مهمة عظيمة أكثر من ذي قبل، مادام أنهم قد أدركوا أن العلم لا يتناقض مع هذا الدين بل هما معا في خدمة الحياة البشرية والحياة الأخروية على السواء، وأنه حق عباد الله بمعرفة الله سبحانه، مصداقا لقوله جل وعلا: إنما يخشى الله من عباده العلماء .
قلت... آن الأوان ليقوم هذا الإعجاز العلمي بدوره، لأنه الوجه الإعجازي الأنسب لهذا العصر... عصر العلم والتقدم العلمي، حتى يمكن أن يكون فعلا القرن القادم قرن الدين، قرن الإسلام، ومستقبله، حسب ما تنبأ بذلك المفكرون والباحثون المعاصرون، نتيجة هذا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة... ولا غرابة في هذا مادام أنه صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي أوردناه آنفا عن علي بن أبي طالب: «...لا تنقضي عجائبه...»، وما دام أنه سبحانه يقول: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، (33) ويقول جل وعلا:  وقل الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها، (34)
أجل، آن الأوان لمستقبل الإعجاز العلمي في القرآن، ليؤدي دوره كغيره من وجوه الإعجاز الأخرى، لكن شريطة أن يحقق الهدف المتوخى منه، وهو الاقتناع والإقناع والاعتراف بأن هذا القرآن وحي إلهي، وأن الله حق، وأن هذا الدين حق، وأن الرسول حق، وأن الساعة حق، لا مجرد القول بتطابق النصوص للعلم دون إيمان...


(1) انظر أعداد الملاحق بجريدة العلم (من 93 حتى 98) يناير- براير 1994
(2) سورة الأنبياء – الآيتان:30- 31.
(3) سورة يس – الآيات: 38 – 39 – 40.
(4) سورة فصلت – الآيات: 11 – 12.
(5) سورة الزمر – الآية: 5.
(6) سورة النازعات – الآية 30.
(7) سورة النازعات – الآية 30.
(8) سورة الحجر – الآيتان: 22- 23.
(9) سورة النحل – الآية 15.
(10) سورة النازعات – الآية 32.
(11) سورة النبأ – الآية 7.
(12) سورة الإسراء – الآية: 85
(13) سورة الأنبياء – الآية: 30.
(14) سورة الحجر – الآية: 26.
(15) سورة المؤمنون – الآية: 12.
(16) سورة البقرة – الآية: 30.
(17) سورة القيامة – الآية 7.
(18) سورة النبأ – الآية 19.
(19) سورة طه – الآية: 105.
(20) فرث: فضلات.
(21) سورة النحل – الآية: 66.
(22) سورة الأنعام – الآية: 99 سور
(23) سورة المائدة – الآية: 3.
(24) محمد وسيد رضا: الوحي المحمدي: ط/5 – سنة 1955- ص261.
(25) عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه: ط/10 – سنة 1972 /ص: 300.
(26) سورة المومنون – الآيتان 12-13
(27 ) سورة الحج – الآيتان 5 – 6.
(28) سورة فصلت – الآيتان: 11– 12.
(29) سورة الرحمان.
(30) أول سورة الروم.
(31) سورة النبأ.
(32) سورة الملك.
(33) سورة فصلت – الآية:53.
(34) سورة النمل – الآية:93

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here