islamaumaroc

مغاربة بالشام:"إتحاف ذوي العناية" ثبت الشيخ العلامة محمد العربي العزوزي…-3-

  عبد السلام الهراس

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

دخل الشيخ إلى بيروت آتيا إليها من الشام، وذلك فاتح رمضان 1333هـ أثناء الحرب العالمية الأولى، إبان تبعيتها للخلافة العثمانية ضمن الشام، وإن كان قضاء جبل لبنان – حيث النصارى المارون – يتمتع بحكم ذاتي بتدخل الدول الاستعمارية، ولاسيما فرنسا وانجلترا اللتان انقضتا على المناطق العربية التي كانت ضمن الخلافة العثمانية، فكانت العراق والأردن وفلسطين من نصيب انجلترا، وسوريا وجبل لبنان بالإضافة إلى بيروت وطرابلس والبقاع وعكار وصيدا وصور من نصيب فرنسا، حيث تأسست دولة لبنان جديدة لم تكن من قبل.
 ورغم ظروف الحرب الطاحنة، واضطراب الأحوال في بيروت، فإن الشيخ اتصل ببعض علمائها، منهم: الشيخ عبد الرحمن الحوت الذي أهداه كتابه:«أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب»، واستطاع الشيخ أن يقتني كتابين جليلين من تأليف الشيخ محمد بن درويش الحوت، والد الشيخ عبد الرحمان المذكور، وهما من أنذر الكتب في الحديث:
أولهما: في تراجم الإمام البخاري، وبيان العلاقة بين الترجمة والحديث.
 والثاني: في الوضاعين، رتبه على حروف المعجم.
لكن سطا على «الكتابين» من يئس من استردادهما منه !!
 كما زاد الشيخ محمد أبا طالب الإدريسي الجزائري صهر الأمير عبد القادر، وقد سأله عن علماء المشهورين ببيروت.
 فأجابه بحدة المغاربة: بيروت مدينة تجارة لا مدينة علم ! إذهب إلى الشام ! (دمشق) إذا أردت الاجتماع بالعلماء، والشيخ يوسف النبهاني الشهير عند المغاربة لتأليفه الكتاب الكبير في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
 وسمع منه «الأوائل العجلونية» من كتابه «أربعين الأربعينيات»، وقد كان يسمع معه صاحب الشيخ توفيق الهبري المغربي البيروتي، وهو من أخلص طلاب الحافظ محمد بن جعفر الكتاني، واحفظهم للعهد، وقد أدركته متجاوزا السبعين من عمره، وهو إلى علمه كان ذا يسار وتجارة.
 والشيخ يوسف النبهاني هو والد الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس ومنظر حزب التحرير الإسلامي، وقد اجتمعت به في بيروت في بيت الأخ الصديق وفيق برغوث، إتحاف ذوي العناية: ثبت الشيخ محمد العربي العزوزي أمين الفتوى بالجمهورية اللبنانية ومنها عرفت مبادئ هذا الحزب وتعاليمه، وحضرت – أنا وإخواني – مجالسهم كثيرا، إلا أني لم أقتنع بهذا الحزب وبمشروعيته لأسباب ذكرتها في مناسبة أخرى.
- ومنهم الشيخ مصطفى نجا العلامة المفتي الصالح الزاهد، رئيس «المقاصد الإسلامية»(1) له شرح على الصلاة المشيشية، توفي سنة 1350هـ
- ومنهم الشيخ توفيق خالد، مفتي الجمهورية اللبنانية وهو اجل شخصية دينية في لبنان مازال المسلمون اللبنانيون يتحدثون عما أسداه لهم أثناء توليه منصب الإفتاء في ميدان الأوقاف والتعليم الإسلامي، والمرافق الإسلامية.
يقول فيه الشيخ العزوزي: 
«مؤسس الكلية الشرعية في بيروت... أحيا الله به ما درس من العلم في هذه البلدة...».
ويختم إشادته بقوله:
«ولم يأتي بعده من يشابهه أو يدانيه، أدامه الله آمين».
والحق أنه ما زال يحمل ذلك الوصف !!
- ومنهم الشيخ عبد الرحمان سلام الشاعر.
- ومنهم الشيخ مصطفى الغلياني، قاضي بيروت، الذي حلاه بأديب العلماء وعالم الأدباء، سيبويه زمانه، وفارس ميدانه، وهو معروف في المغرب بكتابه في النحو.
- ومنهم الشيخ أحمد الحمصاني، علامة، فقيه، وخطيب بيروت وواعظها، لازم في مصر الشيخ محمود الشنقيطي، وله إجازة من الشيخ الحافظ محمد بن جعفر الكتاني، كما لازم الشيخ محمد عبده.
- ومنهم الشيخ محمد علي الأنيس رئيس محكمة الاستئناف الشرعية العليا، عالم جليل متبحر، خدم الحديث تدريسا وتأليفا، وقد أجازه بعض علماء المغرب، وقد أطال الشيخ العزوزي نسبيا في ترجمة هذا العالم، وأورده له بعض أبيات في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، كما أورد له أسماء بعض مؤلفاته.
- ومنهم الشيخ صادق الجبالي الفقيه القانوني الأديب الشاعر، هاجر مع والده من تونس إلى المدينة المنورة أواخر سنة 1324هـ، ثم أتى بيروت، حيث تزوج واستقر، وتولى وظائف هامة في القضاء، ثم تفرغ للمحاماة، وتوفي في بيروت فاتح رجب 1369هـ، أي حوالي سنة 1950م.
- ومنهم الشيخ محمد علايا الدمشقي البيروتي، وقد تولى رحمه الله منصب الإفتاء بعد توفيق خالد، وكان رحمه الله رجلا لينا، سليم الصدر.
- وعندما دخلت إلى بيروت أواخر أكتوبر 1952م، وجدته قد نصب في تلك الأيام مفتيا. لكن بعض المشايخ من البيروتيين، وعلى رأسهم الشيخ محيي الدين المكاوي لم يكونوا على وفاق معه.
وأول جمعة صليتها في بيروت بالجامع العمري شاهدت الشيخ المكاوي رحمه الله يخطب في موضوع الإفتاء والمفتين، فسألت بعض من حضر عن القضية فقال لي: هذا الشيخ يعارض المفتي، ويريد أن يكون مكانه..
وقد وصفه الشيخ العزوزي بأنه «ذو جرأة أدبية، وصدع بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، مع اعتقاد وديانة وعفة ونزاهة وتواضع وغيرة على الدين، ودفاعا عنه...».
 في حين وصف الشيخ علاية – بأنه «سليل الأكابر وينبوع المكارم والفضائل العلامة الفقيه المطلع الخطيب الواعظ».
 ومن الجدير بالذكر أن أستاذي العلامة الأديب البليغ المصلح الشيخ فهيم أبا عبية المصري كان له الأثر الحميد في إطفاء فتنة الإفتاء التي اشتعلت أوارها ببيروت أثناء تولية الشيخ محمد علايا، فقد أقنع المعارضة، بعد جهد مضن، بأن المصلحة الإسلامية العليا تقتضي حل المشاكل بالحوار والهدوء. مع المحافظة على حرمة منصب الإفتاء، لما لهذا المنصب من مكانة وهيبة عند المسلمين وغيرهم، كيفما كانت شخصية المفتي، من حيث القوة والضعف، مادام متوفرا على شروط العلم، والخلاق الفاضلة، والورع، لأن التشهير بالمفتي وانتقاده علانية في المساجد والمنابر، وإشراك العوام والشارع في الموضوع، ستكون نتائج ذلك وخيمة، ومن أخطر العواقب أن الطوائف الأخرى ستستهين بمنصب الإفتاء بعدما كان له تقدير، ومن تم ستسري الاستهانة إلى مشايخ المسلمين وعامتهم ودينهم ... وبذلك أنقذ الشيخ فهيم – بارك الله في عمره- المسلمين من فتنة مبيدة ما كان يدري أحد عواقبها الوخيمة.
 وقد تولى الشيخ العزوزي أمانة الفتوى مع صديقه الشيخ علاية.. رحم الله الجميع.
 ومنهم الشيخ محمد كمال دارغوت المغربي، مفتي صيدا، وقاضي البقاع، متأصل تونسي.
 وآل دارغوت مشهورين إلى اليوم في طرابلس الشام، ومنهم: الشيخ عبد القادر الكاتب الأديب السياسي صاحب جريدة: «ثمرات الفنون»، التي كان يصدرها أيام الحكم التركي.
كما تعرف بفتية أجلاء نبلاء علماء أدباء بعد دعوتهم من مصر، فمنهم وهو – كما يقول – أعلاهم، وأنبههم، وأذكاهم، واذكاهم، وأعلمهم بجميع الفنون، ولا سيما اللغة والأدب.
ويمضي الشيخ العزوزي واصفا الشيخ عبد الله العلايلي، «مافاوضته في علم إلا وجدته بحرا زاخرا، يعرف الحديث والتفسير والأصول معرفة ما رأيت من يجاريه فيها، أو يدانيه».
كما يعتبره بلغ النهاية في الأدب واللغة والنحو، أما حفظه للتاريخ وأيام العرب ووقائعهم.. فحدث عن البحر ولا حرج.
ثم يقول:«إنه أعجوبة الدهر، بل مفخرة هذا العصر على العصور الماضية» (ص:83 – 84).
والشيخ عبد الله العلايلي هو كما وصفه الشيخ العزوزي، وقد عرفته أثناء إقامتي بلبنان، كما قرأت له كثيرا وحضرت محاضراته وخطبه السياسية، التي كانت يلقيها ولاسيما مع الحزب الاشتراكي الدرزي: الذي كان يتزعمه كمال جنبلاط صهر الأمير شكيب أرسلان رحمه الله ويبدو أن المسلمين اللبنانيين يتطلعون إلى أمثال الشيخ توفيق خالد للدفاع عن دينهم، ومجتمعهم، والاهتمام بأوقافهم، ومعاهدهم الإسلامية، مع متانة دين وورع وصراحة وإخلاص وتجرد.. لذلك لم يستطيع أحد من المشايخ أن يملأ فراغ الشيخ خالد رحمه الله تماما كما أشار إلى ذلك الشيخ العزوزي، لذلك فإن أعجوبة الدهر ومفخرة لبنان في الأدب واللغة والفكر الشيخ العلايلي لا يحضى بما يناسب مستواه العلمي في الوسط الإسلامي، لكونه لا يمثل النموذج المطلوب لديهم، وإن كان محترما عند الجميع، لعلمه وعفته، وبعده عن الاتجار بالدين. !!
وقد عرفت أخاه الكبير الشيخ مختار العلايلي، الذي وصفه الشيخ العزوزي بالصلاح، والتقوى، وسلامة الطوية والسخاء، والجود، وبالعلامة المشارك، ثم قال عنه:«وهو رفيقي بل شقيق روحي، بل مؤانسي في غربتي...»(ص:84)
وقد ذكر مشايخ آخرين، منهم: بعض أساتذي.
ومن الجدير بالذكر أنه ذكر السيدة فاطمة بنت الشيخ علي نور الدين وشقيقتها العابدة الزاهدة مريم، وقد أطلعته السيدة فاطمة على تأليف لها في التصوف، يقول عنه: «فألفيته جميعا لآداب القوم، ولمعرفة السير والسلوك».
وآخر ما تعرف به من العلماء ببيروت: الشيخ محمد نمر الخطيب من فلسطين، ووصفه بأنه شاب، كان ذلك سنة 1950م.
ويبدو أن الشيخ محمد نمر الخطيب كان فيآخر الثلاثينيات من عمره، فقد عرفته في لبنان، وهو من المجاهدين في ميدان اللسان والسنان، وقد زار المغرب إبان الاستقلال، وكان يعمل بوزارة الأوقاف مكلفا بمهمة، وقد قدره المغاربة تقديرا كبيرا على عادتهم الأصيلة مع أمثاله رحمه الله (ص:90/91).
ثم استدرك في صفحة 128 ما رغب عن خلده، فذكر عالمين جليلين عظيمين، أحدهما أجل قدرا من الآخر، وهما:
- الشريف أحمد الشنوسي المجاهد الليبي الشهير، اجتمع به في بيت الحافظ محمد بن جعفر الكتاني بدمشق، وأودعه ثبته الكبير بقصد طبعه، وهذه فائدة عظيمة يجب الاهتمام بها (199- 130).         
- والثاني الشيخ حسن جبران الفيتوري الشهير بأعودان.
ثم استرسل من هنا في ذكر بعض علماء طرابلس الشام التي زارها سنة 1350 الموافق 1931. (ص:131) فمنهم:
- الشيخ عبد الفتاح الزعبي إمام طرابلس وخطيبها وعالمها، وشيخ شيوخها، له «شرح على المشيشية».
- والشيخ محمد الحسيني، له «تفسير» بلغ خمسة عشر مجلدا، وهو سلفي المشرب، طبع منه الجزء الأول.
- والشيخ عمر الرافعي القاضي والحقوقي الشاعر، له في رسول الله من «المدائح» ما يفوق على عشرة آلاف بيت.
- والشيخ كاظم الميقاتي.
- والشيخ مصطفى بن محمد أبو النصر اليافي، الخطيب المؤثر، وقد تعرف ببعض هؤلاء في بيروت.
وهناك علماء طرابلسيون أجلاء، سيبا وشبانا، لم يذكرهم ولعله فعل ذلك اختصارا.
وفي سنة 1353 هـ أي حوالي 1934م زار مدينة حمص، التي لها نفود ومكانة وتقدير، وقد تولى رئاسة جمهورية روسيا شخصيتان من هذه الأسرة، ومنهم الشيخ أحمد عبد الله الدائم الحلبي أصلا (ص: 132 – 133)، وفي تلك السنة زار مدينة حماة، وزار مفتيها الشيخ محمد سعيد النعساني وأمين فتواه الشيخ السيد مراد (ص:133).
وينتقل الشيخ العزوزي بعد ذكر شيوخه ومن لقيهم من العلماء والمشايخ في دمشق وبيروت إلى ذكر ثبته، وقدم له بذكر بعض الفوائد العلمية (ص:92).
• الفائدة الأولى: في الكلام على شروح الموطأ: (ص:92 – 93)، والبخاري (ص:93)، ومسلم (ص94)، مع الإشارة إلى بعض الاختصارات وبعض الجموع.. وقال: «إنه جمع بين البخاري ومسلم على طريقة لم يسبق إليها»والكتاب مطبوع. (ص:26)
ثم «شروح باقي السنن»، كأبي داوود والترمذي والنسائي، و «المسند» لابن حنبل وابن ماجة.
وبالمناسبة ذكر الشيخ أنه درس في بيروت الكتب الستة مرتبة من جميع هذه الأصول المذكورة، (ص:99) ثم تكلم عن كتب  
 الزوائد، وعلى باقي كتب الحديث كـ «كتاب البيهقي»(100).
• الفائدة الثانية: في بيان ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، وهل تصدى أحد إلى جمع جميعها؟ (130)، وأشار إلى السيوطي الذي قال عن كتابه «جمع الجوامع» أو«الجامع الكبير»، و: «قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها».
قال شارحه المناوي معلقا على قوله «بأسرها»: «أي جميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه، لا باعتبارها في نفس الأمر لتعذر الإحاطة بها (ص: 106).
وهنا أفاد الشيخ العزوزي إفادة عظيمة وهي أن لعلامة المغرب ومفخرته إدريس بن محمد بن حمدون العراقي (1120 – 1184) كتابا: سماه: «الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع»، وكتاب «فتح البصير في التعرف بالرجال المخرج لهم في الجامع الكبير»، ويوجدان بخط المؤلف في خزانة الشيخ عبد الحي الكتاني.
ثم تحدث عن أعلى ما عند البخاري ومسلم وغيرهما مع الإشارة إلى الأنزل عند البخاري.
• الفائدة الثالثة: في فضل علم الحديث على سائر العلوم (ص: 108).
• الفائدة الرابعة: في بيان علماء الحديث (ص: 111)، وقد أورد فائدة هنا في تعليق على ذكر محيي الدين لابن عربي، بأنه رأى بخط يده رحمه الله في آخر جزء من «فتوحاته»: ابن العربي بالألف واللام، قال: «وهذه التفرقة محدثة للتفرقة بينه وبين ابن العربي المعافري» (ص: 113) تعليق رقم 1.
• الفائدة الخامسة: في وجوب تعليم أحاديثه الشريفة.
• الفائدة السادسة: في آداب المحدث وطلابه.
وفي صفحة 119: ذكر ذكر غرائب الكتب التي أكرمه الله بالإطلاع عليها، ويبدو أن هذه النواذر مخطوطة، فمنها: رسائل، وعليها سماعات وبخطوط الحفاظ وموضوعها: «الأحاديث والآثار الواردة في أركان الصلاة وما يمنع  منها»،. عدد أوراقه 15، ومؤلفه الحافظ أبو نعيم الفضل ابن ذكين.
ومنها الجزء العاشر من«مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» للحافظ يعقوب ابن شيبة بن الصلت، وعلى ظهر الورقة الأولى عشرة سماعات، منها: كتاب «العلم» للحافظ أبي خيثمة زهير بن معاوية بن حرب النسائي (تـ173)، وعلى ظهر الورقة الأولى « خطوط » ابن حجر والزبيدي، وبها من الصفحة الأولى «سماح»السخاوي بخطه من شيخه ابن حجر، وبآخر الصفحة الأخيرة «سماع» منقول من خط الحافظ عبد الغني المقدسي و «سماعات»أخرى.
وذكر معاجم وكتبا أخرى هامة مخطوطة اطلع عليها وختم ذلك بذكر «الجامع الصحيح» للإمام مسلم، وهي نسخة نفيسة بخط منسوب رقيق، مضبوط بالشكل، كتبت الآيات الواردة فيه بخط الثلث، وكذلك سائر الفواصل بعضها بالذهب، وبعضها باللازورد، وألوان أخرى، وتحت كتابته في أوائل ربيع الآخر سنة 786هـ، عدد أوراقها 554 بتجليد ذكر فيها اسم صاحب النسخة، وأبيات في مدح الحديث الشريف، وقد اشتراها الشيخ العزوزي بعشر ليرات ذهبية، وأهداها للعارف بالله والمجاهد في سبيل الله الشيخ أحمد السنوسي. (ص: 128)
وبعد الاستدراك السابق، ذكر الشيخ بعض الوظائف التي تقلدها، فقد كان إماما ومدرسا بجامع أبي عنان بظهير سلطاني مع نظارة أوقافه ثم تولى أثناء الحرب العالمية الأولى رئيسا على جميع المغاربة الموجودين في الشرق برتبة (بيك باشا) – ولعل هذه الرتبة هي المعروفة في مصر «باكباشي»- وهو كولونيل في الجيش، وكان مقيما بلبنان كما يبدو. وكانت تصحبه خالته وجاريته التي توفيت في بيروت، ولعلها كانت سوداء لأنه كان يحن أن يتزوج بامرأة سوداء. كما كشف لي مرارا عن رغبته تلك أثناء زياراتي له.. فاضطر أن يتزوج. فأصهر لأسرة دندن، وهي أسرة بيروتية كريمة، ورزق منها أربعة ذكور وثلاث بنات، توفي منهم: عز الدين سنة 23 بعد تخرجه في الكلي الشرعية، والجامعة المصرية.
 وتخرج سهيل والمهدي من الكلية الشرعية والتحق بجامعة القاهرة، وقد أدركتهما سنة 1954 هناك، وقد توفي سهيل منذ ست سنوات في بيروت، كما التحق الأستاذ المهدي بالمغرب للعمل منذ خمس عشرة سنة تقريبا أثناء الفتنة اللبنانية، وكان يعمل في أحد البنوك بالرباط وهو من الخبراء الممتازين في الأبناك.
ومن غرائب ما يذكر أن الأستاذ المهدي العزوزي المذكور تزوج في المغرب، ومن سيدة طيبة من أسرة زرهونية كريمة، وله معها أولاد بارك الله فيهم جميعا.
ثم عينته السلطات الفرنسية بلبنان مفتيا للجيش برتبة كومندار، ثم معاونا للمراقب العام للأوقاف بلبنان.
ولم يرق له هذا التعيين فعاد إلى المغرب رفقة شيخه الأثير الحافظ محمد بن جعفر الكتاني سنة 1345هـ.
وهنا في المغرب عينه الصدر «المقري» باشا على سطات والقبائل المجاورة لها رعاية لصداقة قديمة، بظهير شريف.
ثم عاد إلى بيروت بسبب مرض زوجته، ولم ينص على تاريخ رجوعه، وقد طلب منه بعض ش شباب بيروت الناهض مثل: الأستاذين عبد الله المشنوق الأديب والصحفي، والكاتب مؤسس «المقاصد الإسلامية» والمربي الكبير «مدير المعارف» واصف البارودي، وبعض الأعيان والأساتذة أن يقرأ لهم البخاري، وذكر أنه جلس لإقراء هذا الكتاب العظيم، وبين منهجه في التدريس.
ثم عين في الكلية الشرعية ببيروت عند تأسيسها مدرسا للحديث الشريف ومصطلحه والتوحيد والتفسير والفقه الحنفي، كما عين خطيبا وإماما ومدرسا في بعض المساجد.
وفي سنة 1942م عين أمينا للفتوى ورئيس المجلس العلمي بالجمهورية اللبنانية، وعندما زرته وجدته أمينا للفتوى. (ص:137)
ثم ذكر أسماء مؤلفاته إلى ذلك الحين منها:
1- حاشية على سنن أبي داوود.
2-  قبس الأنوار وتذليل الصعاب في ترتيب أحاديث الشهاب (طبع بحلب).
و«شرحه»(في مجلدين)                                                                       
3- بلوغ غرامي في الكشف عن معاني غرامي في مصطلح الحديث.
4-  شرح على منظومة المرادي في الذال المعجمة.
5- الجمع بين الصحيحين: وهو أعظمها، يقع في خمسة أجزاء، كل جزء خمسمائة صفحة، كان إذاك موعودا بطبعه، وقد سلك فيه – كما قال- منهجا جديدا، ولعله طبع.
6- وفي سنة 1375هـ الموافق 1956م صدر له كتاب بعنوان:«دليل مباحث علوم القرآن المجيد»أو «الحجج الواضحات في الدلالة على مواضيع علوم الآيات»، رتبه حسب العلوم التي رآها، الواردة في القرآن الكريم، طبعته دار الإنصاف – بيروت، وذلك مثل: «مباحث التوحيد» - «مباحث العلم»، «مباحث النكاح»، «مباحث الطب»، - مباحث « الحقائق و الرقائق »، وختمه «بمباحث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم»، و «مباحث الفتن وأشراط الساعة»، و «مباحث القيامة». ويقع في 256 ص من الحجم المتوسط.
وقد أهداني إياه مع هذا الثبت، كما حملني منهما نسختين هدية لبعض الشخصيات المغربية بالقاهرة.
وأهدى الأستاذ علال الفاسي رحمه الله هذين الكتابين كما أخبرني بذلك، ولاشك أنهما في مكتبته العامرة.
وختم ثبته الصغير الحجم، الكبير الفائدة، بالإجازات التي نالها من علماء المغرب وعلماء المشرق:
• بدأها بإجازة شيخ الشيوخ العلامة التهامي بن المدني كنون (توفي في رجب 1331هـ).
• إجازة الشيخ المهدي الوزاني.
• إجازة الشيخ عبد الحي الكتاني.
• إجازة الشيخ أحمد سكيرج.
• إجازة والده الشيخ محمد المهدي العزوزي.
• إجازة الشيخ الحافظ السيد محمد بن جعفر الكتاني وهو شيخ الشيوخ المغرب والمشرق.
• إجازة الشيخ يوسف النبهاني.
• إجازة الشيخ أحمد البرزنجي.
• إجازة الشيخ الأكبر بدر الدين الحسيني (ص 139 – 180).
ثم يأتي بنص إجازة الشيخ يوسف النبهاني له، ثم يأتي بنص إجازة الشيخ يوسف النبهاني له، ثم يأتي ببعض أسانيده للكتب الستة، وموطأ الإمام مالك (ص:187).
وختم كتابه «بالأربعين حديثا» المسلسلة بالسادة الأشراف.
وانتهت من تأليفه في 18 رجب الفرد عام 1354هـ/1935م.
وانتهى تبييضه في 15 رجب الفرد سنة 1369هـ/1950موهي سنة الطبع.
وقد عاش الشيخ منذئذ ثلاثا وعشرين سنة، إذ توفي في 18/2/1963م ببيروت.
وبعد،
فإن هذا الثبت يعكس النشاط العلمي الكبير الذي كان يسود المغرب خلال الثلث الأول من القرن الرابع عشر للهجرة، وقد أدركت كثيرا من شهود هذه الحقبة، بل وبعض من عاش أواخر القرن الثالث عشر.
وقد تبين من خلال هذا الثبت اهتمام المغاربة بالقرآن وعلومه، والحديث وعلومه، مع أنهم عرفوا فقط بالنحو والفقه والتصوف والتوقيت، إلا أن الحقيقة هي أن المغاربة أبانو عن مقدرتهم ومكانتهم السامية في الحديث وعلومه، وإن أواخر القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر كان المغاربة يحتلون مقاما عظيما في الحديث كان لها أكبر الآثر والصدى في المشرق !!
كما تبين لنا إسهام المغاربة الوافر في التأليف والشرح والتعليق في عدة فنون.
ويشهد هذا الثبت بالحضور العلمي لعلماء المغرب بالمشرق، ولا سيما في الحرمين الشريفين، وفي دمشق الفيحاء.
كما يؤرخ لهجرة بعض العلماء والمجاهدين إلى المشرق من المغرب العربي كله، أي: من شنقيط إلى ليبيا، وإن كان جل هؤلاء اختار المدينة المنورة أو دمشق، وقليل منهم استقروا في غيرهما.         
وفي أثناء الثبت نعثر على فوائد هامة، كذكره بعض المكتبات الهامة، وأسماء بعض المخطوطات النادرة التي اطلع عليها سواء في المغرب أو المشرق، وقد اشترى بعضها، ومن أهم ما ذكره ثبت الشيخ المجاهد أحمد السنوسي.
وفي الثبت جوانب هامة من تاريخ «أسرة العزوزي» وإن كان قد اقتضب الحديث عنها، كما أنه أرخ لجوانب من حياته بالمغرب وبالمشرق.
وبهذا الثبت نظرات ثاقبة فتح الله بها عليه أثناء مناقشاته لبعض المتعلمين المتسرعين، وأجوبة علمية تدل على إطلاعه الكبير، وسرعة بديهيته، مما جعل كبار العلماء يعلنون الثناء عليه، والاعتراف بعلمه.
وأخيرا، فإن الشيخ العربي العزوزي الفاسي الزرهوني الإدريسي كان من أجل المنصب الديني والشرعي الثاني: أمانة الفتوى ورئيس المجلس العلمي، وحيث تزوج من اسرة كريمة، وأنجب أولادا نجباء، يعيش منهم في المغرب ولده لأستاذ الخبير في البنوك السيد المهدي العزوزي، وحفيده السيد منير المهدي العزوزي، وقد شاء الله أن يتزوج الابن من المغرب، ومن زرهون، والحفيد يتزوج في المغرب.
ثم عندما توفيت رفيقة عمره وأم أولاده تزوجته امرأة شابة، وكان قد قارب الثمانين، محبة في خدمة العلم والفضل – ولهذا الزواج قصة طريفة – وقد أنجب من هذه الزوجة الشابة ولدا ذكرا نجيبا كإخوانه من أبيه.
وما تزال ذكرى الشيخ العربي العزوزي حية في بيروت، وما يزال بعض طلابه وأصدقائه أحياء إلى الآن.
وقد كتبت عن هذه الشخصية المغربية لمكانته العلمية ووفاء له، واعترافا بفضله، إذ أحسن استقبالي، وأكرم وفادتي عندما نزلت بيروت، فاستضافني في بيته ثلاثة أيام حسب السنة، وكنت أتخوله بالزيارة أيام العطل الدراسية، سواء ببيروت أو بالقاهرة، إذ كنت أقضي عطلي الصيفية في لبنان لارتباطي برفقائي وأصحابي في طلب العلم، وبالجماعة التي كنت عضوا عاملا فيها، «جماعة عبد الرحمان» بريادة وقيادة الداعية الحكيم، والمصابر الورع، الشيخ محمد عمر الداعوق: أبو عمر، الذي يعيش الآن بالشارقة، بارك الله في عمره ودعوته.
ورحم الله شيخنا العربي العزوزي رحمة واسعة.

(1) «المقاصد الإسلامية»: جمعية هدفها الأساسي تأسيس المدارس للمسلمين، وقد استقرت رئاسة هذه الجمعية الإسلامية العظيمة في صائب سلام، ثم ولده. كما كان رشيد كرامي رئيسا لبعض الجمعيات التعليمية والخيرية بطرابلس، وقد أسسها المحسنون واستولى عليها السياسيون !!                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here