islamaumaroc

ارتباط الشريعة الإسلامية باللغة العربية.

  علي آيت علي

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

قام المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي باستطلاع وتساؤل حول علاقة اللغة العربية بالإسلام، وذلك في شوال 1388هـ، وإطار هذا الاستطلاع هو:
• هل هنا تلازم أو اتباط بين انتشار الإسلام، وانتشار اللغة العربية؟
• «وفي حالة الإيجاب، ما مدى هذا الالتزام، أو هذا الارتباط؟».(1)
وقد وزع هذا السؤال على مستوى أوسع، وتلقى سيلا من الإجابات ذات اتجاهات متباينة، ولعل أدقها خلاصة، وأوفاها إجابة لتلك الآراء جميعا، مقال للدكتور مازن المبارك، حين قال:
«هل عرف العالم إسلاما بلا قرآن؟
وهل عرف العالم قرآنا بغير العربية؟
 إن ارتباط كتاب سماوي مقدس بلغة بعينها – كارتباط الإسلام للغة العربية – أمر لم نعرفه لغير هذا الدين، ولغير تلك اللغة، وإذا كان غير القرآن من الكتب السماوية المقدسة – كالإنجيل مثلا – قد ترجم إلى لغت كثيرة، وبقي على ما هو عليه، من كونه كتابا تعبديا مقدسا، فإن القرآن قرآن بلفضه ونصه، لم يترجم، ولا يمكن أن يترجم، وإن ترجمت مضامينه ومعانيه، وإن مضامينه ومعانيه المترجمة لا تسمى قرآنا، ولا يصح أن تكون – في الإسلام- كتابا تعبديا، لأن القرآن ليس قرآنا بمضامينه ومعانيه فقط، وإنما هو بالمعاني والألفاظ والأسلوب، بالنظم والأفكار جميعا.
 وإذا كانت لدى غير المسلمين صلوات تتلى بغير لغة الكتاب المقدس فإن الحكم الشرعي في الإسلام أنه لا صلاة بغير اللفظ العربي للقرآن».(2)
فكل من أدرك حقيقة هذا الدين أدرك التلاوم القائم بين العربية والإسلام، لأن الله عز وجل اقتضت حكمته أن يكون اللسان العربي هو لغته الدينية الرسمية، وأداته القوية لنشره بين الأمم والشعوب التي دخلت في دين الله أفواجا، وأدركت بديهيا أن العربية هي شعار الإسلام وأهله.
 وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تكرر نزوله بلسان عربي مبين، منها قوله تعالى: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين".(3)
 وفي وصف هذا اللسان بالبيان إيحاء إلى نقاء هذا اللسان، وقدرته على الاستيعاب والتوظيف، حملا وأداء. وإيماء إلى صفائه، وما يحوي من أسرار ومزايا، وإن فهم كتاب الله واستخراج الأحكام الشرعية منه، إنما يتوقف على فقه العربية، وإتقانها، والغوص في أعماق علومها[«فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين...»].(4)
• فما معنى اللغة من حيث هي؟
• وما معنى اللغة العربية؟
من المسلم به أن اللغة ظاهرة اجتماعية اقتضتها حياة بني الإنسان ضرورة، لكونها أهم أداة الاتصال والتفاهم والحوار في المجتمعات البشرية، وهي لغة، أصلها «ل –غ - و» من «لغا» إذا تكلم، أو من «ل – غ - ي» إذا هذى.(5)
  أما في الاصطلاح عند أهل اللغة، فيعرفها «ابن جني» (6) بقوله:
[«حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»]، ثم قال: [«وأما تصريفها فهي فعلة من (لغوت) إذا تكلمت، واصلها (لغوة)، كثبات وثبوت، وقيل منها: (لغي) (يلغى)، إذا هذى.
قال: (9)
ورب أسراب حجيج كظم
عن اللغات ورفت التكلم»].(10)
وفي القرآن الكريم: "وإذا مروا باللغو مروا كراما".(11)                             
وفي الحديث عن أبي هريرة (ض) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت، والغمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت، ومن لغا فلا جمعة له». (12)
وتعريف «ابن جني»من أدق التعريفات اللغوية، حيث أكد أولا على الطبيعة الصوتية للغة، وذر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، ونبه بالتالي على تنوع البنية اللغوية من فرد لآخر، أو من مجتمع إنساني لآخر، وهي ألصق الأشياء بالإنسان، لكونها الرابطة الأصيلة بينه وبين باقي عناصر الحياة والكون، وأقوى عوامل الوحدة والتضامن، حتى إن بعض علماء اللغة ذهب إلى اعتبارها – على الأرجح – أعظم قوة تجعل الفرد كائنا اجتماعيا.
ويندرج تحت هذا أمران:
o الأمر الأول أن اتصال الإنسان بعضهم ببعض في المجتمع البشري لا يتيسر حصوله بدون لغة.
o الأمر الثاني أن وجود لغة مشتركة بين أفراد الشعوب والقبائل، من شأنه أن يكون هو نفسه رمزا ثابتا فريدا للتضامن، وتحقيق الهوية، بمعنة أن اللغة هي من أهم المظاهر لوجود الجماعة، والمحافظة على كيانها، ومن أقوى العناصر الضرورية لبقاء ذلك التماسك رابطا بين وحدات الأمة.
وفي إطار اللسان الذي يعرف به خطاب الشرع ذكر«ابن فارس» أن لعلم العرب،  أصلا وفرعا.
أما الفرع: فمعرفة الأسماء والصفات، كقولنا: رجل، وجمل، وطويل، وقصير، وهذا هو الذي يبدأ به التعلم وينشأ.
أما الأصل: فالقول على وضع اللغة، وأوليتها، ومنشئها، ثم على رسوم العرب في مخاطبتها، ومالها من الافتنان تحقيقا ومجازا، [«والناس في ذلك رجلان، رجل شغل بالفرع فلا يعرف غيره، والآخر جمع الأمرين معا، وهذه هي الرتبة العليا، لأن بها بعلم خطاب القرآن والسنة، وعليها يعول أهل النظر والفتوى]. » (13)
ودلالة الألفاظ على المعاني تنحصر في ثلاثة أوجه:
• الوجه الأول: دلالة المطابقة، كالاسم الموضوع بإبراز الشيء، كدلالة لفظ الحائط على الحائط.
• الوجه الثاني: أن تكون الدلالة بطريق التضمن، من ذلك دلالة لفظ «البيت» على «الحائط»، ودلالة لفظ «الإنسان»على « الحيوان»، وكذلك دلالة كل وصف أخص على «الوصف الأعم الجوهري».
• الوجه الثالث: الدلالة بطريقة الالتزام والاستتباع، دلالة لفظ «السقف» على «الحائط» فإنه مستتبع له استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته، ودلالة «الإنسان»على قابل «صنعة الخياطة وتعلمها».
على أن المعتبر في هذه الأوجه الثلاثة: «دلالة المطابقة، ودلالة التضمن»، فأما «دلالة الالتزام»فغير معتبرة لكونها ما وضعها واضع اللغة بخلافهما، لأن المدلول فيها غير محدود ولا محصور، إذ لوازم الأشياء، ولوازم لوازمها لا تنضبط ولا تنحصر، فيؤدي إلى أن يكون اللفظ دليل على ما لا ينتهي من المعاني، وهو محال، لأن «السقف» مثلا ليس جزءا من «الحائط»لكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم، ولا يستعمل في نظر العقل ما يدل بطريق اللزوم، ولا يستعمل في نظر العقل ما يدل بطريق اللزوم، إذ السقف يلزم الحائط، والحائط الأساس، والأساس الأرض... فلا ينحصر.(14) وقد تمكن «ابن فارس» (15) من وضع معجم مهم، لا يستغني عنه دارس العربية، سماه «مقاييس اللغة» طبع حديثا في ستة أجزاء، ووجه فيه – بمهارة كل عنايته لاستنباط الصلات بين الألفاظ ودلالاتها على نحو ما عالجها «ابن جني»(ت 392هـ ) في أربعة أبواب من كتابه القيم: «الخصائص»:
• الأول: تحت موضوع: «تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني».(18)
• الثاني: خصصه بالحديث عما سواه «بالاشتقاق الكبر».(17)
• الثالث: تناول فيه الحديث عن «تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني». (18)
• الرابع: عالج فيه «إمساس الألفاظ أشباه المعاني».(19) وضع فيه صورة مناسبة لمعناها.
غير أن«ابن فارس» - فيما يبدو- قد غالى في هذا المعجم، وأسرف في الاستنباط، وتلمس من الصلاة بين المعنى والمبنى مالا يخلو من التمحل والاعتساف.
ومعروف عند علماء اللغة العربية أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فحين نقارن كذلك بين «كسر» و «كسر» (بالتشديد) ندرك أن التضعيف في الصيغة الثانية قد زاد في دلالتها.  وهكذا دواليك.(20)
وكل هذا يؤكد ضرورة معرفة مقاصد العرب من كلامهم، ولغة أدبهم، لأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين، ورسول الإسلام أفصح من نطق بالضاد، فلفهم الشريعة وفقهها يتوجب العلم بعلوم اللغة التي منها: متن اللغة، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، إضافة إلى معرفة سنن العرب في كلامهم المحتج به شعرا ونثرا، وأكد «الزمخشري» (21) أن من واجب كل من تصدى لتفسير كتاب الله المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أو أضاع اللغة، فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل، ويرى أن لعلمي المعاني والبيان مزيد اختصاص بالكتاب والسنة، (22) [«... وكم من آية من آيات التنزيل، وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم، وسيم الخسف بالتأويلات العثة، والوجوه الرثة، لأن من تأويل ليس من هذا العلم(23) في عير ولا تنفير، ولا
يعرف قبيلا منه من دبير»]، (24) لأن في كتاب الله مقاصد جليلة، ومعاني عظيمة، لا يتيسر حصول الاطلاع على حقائقها ودقائقها إلا بعد التمرس ببلاغة الكلام العربي الأصيل. لكون أسلوب القرآن والسنة جاريا وفق أسلوب العرب في الأداء، وطرقهم في التعبير عن المعاني.
ومصطلح« لبلاغة في قاموس الرماني (ت.384) (25)  تعني: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة،»
والتلائم والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.(26).
 وفي «باب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية» ذكر ابن فارس أن هذا الباب من أشرف أبواب كتابه «الخصائص»، وأشرف مضامينه [«... وإن الانتفاع به ليس إلى غاية، ولا ورائه من نهاية، ذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمه ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التي خوطب الكافة بها (...) وأصل اعتقاد التشبيه لله تعالى بخلقه منها، سبحانه وعلا، عما يقول الجاهلون علوا كبيرا:
"يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله".(27) وقوله عز اسمه: "فأينما تولوا فثم وجه الله ".(28)
وقوله: " لما خلقت بيدي".(29)
وقوله: "ولتصنع على عيني".(30)
وقوله: "والسماوات مطويات بيمينه"(31) ونحو ذلك من الآيات الجارية هذا المجرى.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته»(32) حتى ذهب بعض هؤلاء الجهال في قوله تعالى: " يوم يكشف عن ساق" إنما ساق ربهم، ونعوذ بالله من ضعفة النظر، وفساد المعتبر،  ولم يشكوا أنها أعضاء له (...) ولو كان لهم أنس بهذه اللغة الشريفة، أو تصرف فيها، أو مزاولة لها، لحملتهم السعادة بها ما أصارتهم الشقوة إليه بالبعد عنها... ». (33)
 ولذلك فإن السلف الصالح يرى أنه لا يحمل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلسان الشريعة. (34) فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها، فهو داخل تحت ظاهر القرآن، وكل معنى غير جار على الكلام العربي الفصيح ليس من علوم القرآن، فمن لم يفهم خطاب العرب لا يستطيع الاستنباط من أصول الشريعة، فلابد لذلك من العلم بالعربية وعلومها – كما قلت- إلى حد يميز به بين صريح الكلام وكنايته، ظاهره ومؤوله، مجمله ومفسره، حقيقته ومجازه، عامه وخاصه، محكمه ومتشابهه، مطلقه ومقيده، نصه وفحواه، كنهه ومفهومه، فلا يفهم الشرع فهما صحيحا بغير ذلك، ومن ثم أوجب الشافعي (تـ 204هـ) (35) على كل مسلم تعلم ما يمكنه من ذلك ما استطاع، (36) وقال مالك: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا».
 ومن خلال ما سلف، نرى أن الجميع متفقون على كون لغة الضاد وعاء لمضامين الشريعة، كتابا وسنة،
على مستوى العقيدة والعبادة، والمعاملة، والأخلاق، والعلم، والثقافة، والحضارة، مما جعل فقه تلك المضامين المصوغة بحرف عربي جميل بدقة متناهية في الصياغة إنما يتوقف على فهم دقيق لدلالات الألفاظ ومقاصدها حتى يكون استنباط الأحكام قائما على أسس قوية لا تجنح إلى الظن، ولا تميل نحو الخطأ.
وقد أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة، مما جعلهم يقبلون على تعلم العربية في مختلف الأمصار، حيث غدت بعد قرنين من الزمن لغة عالمية تنتظم جهات من بلاد فارس، وكل بلاد الرافدين، ومعظم مدن آسيا الصغرى. وبلاد الشام، ومصر، وشمال لإفريقيا والأندلس.
 من هذا المنطلق يلمس الدارس عناية المفسرين بالجانب اللغوي في التعامل مع النص القرآني إلى درجة اعتماد اللغة عنصرا مهما من عناصر الترجيح، والترجيح – عند بعض الأصوليين – هو إظهار امتياز أحد الدليلين المتماثلين بوصف يجعله أولى بالاعتبار من الآخر، ولا يكون إلا بين الأدلة الظنية في ثبوتها، أو دلالتها، (37) والعلة في اعتبار اللغة من عناصر الترجيح كون الحقيقة مقدمة على المجاز، والتصريح على الكناية، والمحكم على المفسر...
من ذلك مثلا قوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع".(38) فقد ذكر ابن العربي (تـ543هـ) أن في قوله تعالى: "واهجروهن في المضاجع" أربعة أقوال للعلماء، ذكرها منسوبة إلى أصحابها، ثم عرج على مذهب أبي جعفر الطبري (تـ310) الذي اختار أن يكون معناه: يربطن بالهجار، وهو الحبل، في البيوت، وهو المراد «بالمضاجع»، وعد ابن العربي هذا الاختيار من سقطات الإمام الطبري، فقال: [«يا لها من هفوة عالم بالقرآن والسنة، وإني لأعجبكم من ذلك أن الذي أجرأه على هذا التأويل، لم يرد أن يصرح بأنه أخذه منه، هو حديث غريب، رواه ابن وهب عن مالك، أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير ابن العوام كانت تخرج على عوتب، قال وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، وضربهما ضربا شديدا (...) فشكته إلى أبيها أبي بكر (...) فرأى الطبري الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير، فأقبل على هذا التفسير لذلك».
ثم استطرد «ابن العربي» قائلا:
«وعجبا له مع تبحره في العلوم وفي لغة العرب كيف بعد عليه صواب القول.. ! وحاد عن سداد النظر.. ! فلم يكن بد، والحالة هذه، من أخذ المسألتين من طريق الاجتهاد المفضية بسالكها إلى السداد، فنظرنا في (هـ - ج – ر) في لسان العرب على هذا النظام، فوجدناها سبعة: ضد الوصل، مالا ينبغي من القول، مجانبة الشيء، ومنه الهجرة، هذيان المريض، انتصاف النهار، الشاب الحسن، الحبل الذي يشد في حقول البعير، ثم يشد في أحد رسغيه.
ونظرنا في هذه الموارد فألفيناها تدور على حرف واحد، وهو البعد عن الشيء، فالهجر قد بعد عن الوصل الذي ينبغي من الألفة، وجميل الصحبة، وما لا ينبغي من القول قد بعد عن الصواب، ومجانبة الشيء، بعد منه وأخذ في جانب آخر عنه، وهذيان المرض قد بعد عن نظام الكلام، وانتصاف النهار قد بعد عن طرفيه المحمودين في اعتدال الهواء وإمكان التصرف، والشاب الحسن قد بعد عن العاب «العيب» والحبل الذي يشد به البعير قد أبعده عن استرساله في تصرفه، واسترسال ما ربط عن تقلقله وتحركه.
وإذا ثبت هذا، وكان مرجع الجميع إلى البعد، فمعنى الآية: «ابعدوهن في المضاجع»، ولا يحتاج إلى هذا  التكليف الذي ذكره العالم، وهو لا ينبغي لمثل السدي، والكلبي، فكيف أن يختره الطبري.... !».(39)
 أما بخصوص قراءة القرآن بغير العربية التي نزل بها، أو كتابة المصحف بلغة أخرى غير العربية، أو بعربية مخالفة لخط المصحف العثماني، فهذا ممنوع أشد المنع، باتفاق علماء الأمة على ذلك، وأوجبوا قراءته بلغته، وكتابته بالخط العثماني.
 أما الصلاة، وذكر أسماء الله الحسنى، فلا يجوز منها شيء بغير العربية إلا لمن كان عاجزا عن النطق بهذه اللغة عجزا مطلقا، خوف أن تكون للعجمة المستعملة فيها معان لا تجوز، حسب ما علل به البعض.
 ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة وفي الذكر أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية، وجعلوا هذه الأذكار ثلاث مراتب أعلاها: القرآن الكريم، ثم الذكر الواجب غير القرآن، ثم الذكر غير الواجب من دعاء أو تسبيح، أو تكبير، أو غيرها.
 فأما القرآن فلا يجوز بغير العربية مطلقا، أي سواء قدر عليها أم لم يقدر في قول الجمهور، وهو عين الصواب في رأيي، ووقع الاختلاف بين الأحناف بخصوص القادر على العربية.
 وأما الأذكار الواجبة فاختلف في منع ترجمة القرآن
o هل تترجم للعاجز عن العربية، وعن تعلمها؟
وفيه لأصحاب أحمد وجهان، وأشبههما بكلام الإمام أحمد أنه لا يترجم، وهو قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس وإسحاق.
o اما القول الثاني، فمقتضاه جواز الترجمة، وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد الشيباني، والإمام الشافعي.
أما بخصوص سائر الأذكار، فالنصوص من الوجهين:
أحدهما أنه لا يترجمهما أي المصلي، ومتى فعل بطلت صلاته، وهو قول الإمام مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي.
 أما الشافعي فالمنقول عنه أنه يكره ذلك بغير العربية، ولا يبطل إن وقع.(40)
وذهب الإمام مالك إلى عدم جواز الإحرام بالعجمية، ولا يدعو بها، ولا يحلف.
 وفي بداية العقد الرابع من هذا القرن، وقع صراع بخصوص الصلاة وقراءة القرآن بالترجمة، ففي عام 1932 بدأ الأتراك بزعامة «مصطفى كمال أتاتورك» يجربون الصلاة باللغة التركية، وكذلك الآذان، ويقرأون القرآن مترجما بلغتهم، وقد أحدثت هذه القضية ضجة كبرى في تركيا نفسها، وفي العالم الإسلامي آنذاك.
 ورأي الأتراك الجدد هو أن الأتراك لا يقدرون أن يفهموا القرآن بالعربية، فما صلاة إنسان لا يفهم ما يلو؟
 أما المحافظون منهم وسائر المسلمين هو أنه لا بأس في ترجمة القرآن وتفسيره بلغات أخرى، غير أنه لابد من الصلاة به، والتعبد في أصله العربي، لأن المترجم من معاني القرآن وفكر القرآن انحراف بالكلام الإلهي عن معناه الأصلي، لفضا وبلاغة وفصاحة.
 وعلى كل حال، فهؤلاء يرون أن الصلاة بالقرآن مترجما إلى التركية أو غيرها بدعة، وكان بدعة ضلالة.
وإباحة الصلاة بالقرآن المترجم تترتب عنه محاذير عديدة، فتجب المحافظة على اصل القرآن بلسانه العربي المبين، ومن المستحيل فهم حقيقة إعجازه، وخوارق فصاحته وبلاغته إلا بلغة الضاد التي نزل بها، فإن تعاورت الأيدي كتاب الله عز وجل بالترجمة مع ما فيها من الصعوبة، ومن تعذر تطبيقها على الأصل، ومن اختلاف مناهج البيان بين اللغات لو يخل الأمر من وقوع تحريف في كتاب الله عز وجل.
كما أن التحريم البات للترجمة، ومنع الصلاة بها حتى للعاجز يكون من العقبات في وجه انتشار الإسلام الذي جل معتنقيه من العجام، فكانت الحكمة تقضي بالتوسط بين الأمرين، وهو مأخذ به أبو حنيفة بعد رجوعه عن التوسع في ذلك إلى رأي صاحبيه: أبي يوسف ومحمد الشيباني رحم الله الجميع.
وبعد، فللعلاقة العضوية بين الشريعة الإسلامية واللغة العربية حاول الأعداء النيل من الفصحى ففشلوا، لأن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه المحكم، فقال: " إنا نحن نزلنا الذر وإنا له لحافضون"، (41) وفي حفظه حفظ للغته، فلم يفلحوا، بل انهزموا في كل الميادين التي أوجدها: انهزموا في ميدان الدعوة إلى إلغاء الإعراب، وفي استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي، إلى غيرها من دعوات مسعورة لهدم الفصحى.(42)
 هذه دعاوى أعداء لغة القرآن، الذين زعموا أن الفصحى لغة متينة فير قادرة على مسايرة الواقع المعيش، علما وثقافة وحضارة، ودعوا إلى استبدال العامية بها.
ويمكن القول بموضوعية: إن الإنسانية المعذبة اليوم في الأرض، واضطربت في أنظمتها أنسقتها، التداعية في أخلاقها وقيمها، لا عاصم لها من ذلك إلا هذا الكتاب، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد، حيث قال تعالى: " فمن اتبع هداي فى يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى".(43)

(1)سورة الزمر – الآية 28.
(2) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم / 162 – 163. ط / القاهرة.
(3) انظر المادة في «لسان العرب» لابن منظور و«الخصائص» لابن جني: 1 /33. ط/ 1952.
(4) هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي الأديب اللغوي الشاعر ت: 392.«الأعلام»4 / 364.
(5) القلة: عودان يلعب بهما الصبيان.
(6) الثبة: الجماعة، والعصبة من الفرسان.
(7) البيت للشاعر رؤبة بن عبد الله العجاج، أبي الجحاف التميمي، ت145هـ «الأعلام» 3/62.
((8) الخصائص: 1/33، والرفث هو الفحش من القول، أو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
9) سورة الفرقان – الآية: 72.
سورة البقرة – الآية 225.
سورة المائدة – الآية: 89.
سورة المومنين – الآية: 3.
سورة القصص – الآية: 55.
سورة الطور – الآية: 23.
(10) البخاري في الجمعة (باب) 36 – 1 / 224. ومسلم في الجمعة (باب) 3 – 2 / 283 ح 12 والموطأ في الجمعة (باب) 2.1/103 ح6.
وابوداود في الصلاة (باب) 229، والترمذي في الجمعة (باب) 16، والنسائي في الجمعة (باب) 22، وابن ماجة في الإقامة (باب) 86، وأحمد 2/244 – 272 – 280.
(11) ابن فارس: كتاب فقه اللغة / المزهر: للسيوطي ¼.5
(12) البخاري في الجمعة (باب) 36 – 1 / 224. ومسلم في الجمعة (باب) 3 – 2 / 283 ح 12 والموطأ في الجمعة (باب) 2.1/103 ح6.
(13)وأبو داود في الصلاة (باب) 229، والترمذي في الجمعة (باب) 16، والنسائي في الجمعة (باب) 22، وابن ماجة في الإقامة (باب) 86، وأحمد 2/244 – 272 – 280.
(13) ابن فارس: كتاب فقه اللغة / المزهر: للسيوطي ¼.5ا
(14) هو أحمد بن فارس بن زكرياء، أبو الحسن القزويني الرازي، من أئمة اللغة والأدب من تأليفه «المجمل» و «الصحابي» في علم العربية، و «جامع التأويل» في تفسير القرآن، و «النيروز» و «الإتباع والمزاجية» و «الفصيح» و «فقه اللغة»( تـ 395هـ) «الأعلام» 1/184. و «وفيات الأعيان» 1/118 – 120.
(16) الخصائص: 2/113 -133- ط2/ دار الهدى للطباعة والنشر – بيروت (د.ت.ط).
(17) نفسه: 2/145 – 152.
(19) نفسه:2/152 – 198.
(20) انظر فصلا من زيادة المعنى حسنا بزيادة لفظ من كتاب « فقه اللغة وسر العربية » للثعالبي / 380 – 381.
(21) أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (ت 538هـ). «شذرات الذهب» 4/118.
(22) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون التأويل في وجوه التأويل:1/189.
(23) يريد علم البيان.
(24) الكشاف: 3/409، وانظر تفسير الآية 67 من«سورة الزمر» من المصدر نفسه.
(25) هو علي بن عيسى، أبو الحسن الرماني، باحث معتزلي مفسر، من كبار النحاة. «الأعلام» 5/134 و «إنباه الرواة»:2/294.
و « شدرات الذهب»: 3/109، و «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»: 318.
(26) ألف الرماني رسالة «النكت في إعجاز القرآن» والخطابي «رسالة في الإعجاز»أيضا، وهما منشورتان مع «رسالة الشافية» لعبد القاهر الجرجاني في الإعجاز، وقد قام محمد خلف الله ومحمد زغلول بتحقيق الرسالات الثلاث، وطبعتها دار المعارف بمصر بعنوان: «ثلاث رسائل».
(27) سورة الزمر – الآية:39.
(28) سورة البقرة – الآية: 115.
(29) سورة ص – الآية:75.
(30) سورة طه – الآية: 39.
(31) سورة الزمر – الآية 67.
(32) رواه البخاري في كتاب«الاستادان» باب 1 – 7/125، ومسلم في كتاب «البر» - باب – 32. 4/2017. ح 115، وأحمد 2/244 – 251 – 315 – 333 – 434 – 463 – 519.
(33) الخصائص: 3 / 245 -  246، وانظر في المصدر نفسه أمثلة جيدة في الموضوع / 247 – 255.
(34) القطان: مباحث في علوم القرآن / 331.
(35) ترجمته في كتاب «الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء» لابن عبد البر / ص: 65 – 103.
(36) انظر «المستصفى» 2 / 352. و «الاجتهاد في الشريعة الإسلامية» للقرضاوي، ص:32 / ط 2/ دار القلم، الكويت، 1989، و «البرهان» للزركشي 1 / 292.
(37) انظر «المستصفى» 2/392 وما بعدها.
(38) سورة النساء – الآية: 34.
(329) ابن العربي: أحكام القرآن: 1/418 – 419، ط 1/- 418 – 419 – ط 1/ دار إحياء الكتب العربية – مصر 1957.
(40) اقتضاء الصراط المستقيم: 203.204.ط / المجد – السعودية (د.ت.ط).
(41) سورة الحجر – الآية:9.
(42) انظر مجلة الفيصل: عدد 31 – س1979 – ص:53.
(43) سورة الأنفال – الآية: 30.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here