islamaumaroc

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

  عمر بنعباد

العدد 316 رمضان 1416/ يناير-فبراير 1996

 بصدور هذا العدد من «مجلة دعوة الحق»، تكون هذه المجلة الإسلامية الغراء قد دخلت سنة جديدة أخرى بعد سنين عديدة من حياتها المديدة الموفقة، والتي تقارب زهاء ثلاث عقود من الزمان، منذ أسسها جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، سنة 1957م.
  وهي بذلك تواصل رسالتها الإسلامية والتثقيفية، وتتابع مسيرتها العلمية والحضارية، وتنير العقول والأفكار بما يكتب ويصدر فيها من بحوث ومقالات متعددة، وينشر فيها من دراسات قيمة متنوعة، يجد فيها القارئ والدارس المهتم بجانب من الجوانب الفكرية ما يرضي شغفه العلمي، وتطلعه وتوجهه الفكري، وطموحه وذوقه الثقافي، رائده في ذلك قول الله تعالى: "وقل ربي زدن علما"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم » وقوله: «منه ما لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا».
 وتشاء القدار الإلهية أن يتزامن صدور هذا العدد مع شهر رمضان المبارك الذي جعله الحق سبحانه شهر الصيام وركنا من أركان الإسلام، وخصه بفضائل ومكارم بين شهور العام، وفي مقدمة تلك الفضائل والمزايا أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، ويضم بين لياليه المشرقة بالمغفرة والرحمة والرضوان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر في حياة أمة خير الأنام، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والقرآن، فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضانا إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
 وإذا كان القرآن المبين معجزة ناطقة خالدة إلى يوم الدين، اختص بنزولها هذا الشهر المبارك الكريم، فإن ذلك يدعو إلى التوقف والتأمل في كتاب الله العزيز، والتدبر مليا فيما جاء به وتضمنه من دعوة الناس كافة، وفيما بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم م هداية ورحمة للخلق عامة، مصداقا لقول الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم« تركت فيكم أمرين لن تظلوا ما تمسكتم  بهما: كتاب الله، وسنتي، عضوا عليهما بالنواجد».
ومن ثم كان القرآن الكريم معجزة دائمة لهذا النبي المصطفى الأمين، وكان هداية للتي هي أقوم  في كل شيء، مما يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه، في علاقة الإنسان بربه، وعلاقته مع الناس.
 فهو هداية للناس في العقيدة الصحيحة الحقة، القائمة على الإيمان بالله وتوحيده في الألوهية والربوبية، وبملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، خيره وشره، حلوه ومره، وعلى إخلاص العبادة له سبحانه، صلاة كانت أو زكاة، أو صياما أو حجا، أو جهادا، في سبيل الله، فريضة كانت العبادة أو نافلة، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
والقرآن الكريم هداية للتي أقوم في علاقة الإنسان بأهله وذريته، وفيما نظم ورتب لهم من حقوق وواجبات متبادلة، تسعد الأسرة برعايتها وحفظها، وهو إلى جانب ذلك هداية وإرشاد إلى أسس العلاقات والمعاملات البشرية الحيوية والضرورية في حياة الناس، وإلى مكارم الأخلاق الإنسانية التي تسمو بالإنسان عن درك الحيوان، وتعلي قدره وشأنه بين بني الإنسان، وتنظم علاقته بالآخرين، وتحقق له استمرارها ودوامها، وترسم له الحدود التي ينبغي أن يراعيها ويلتزم الوقوف عندها لبلوغ وتحقيق تلكم الغاية المتوخاة لدى كل مسلم، متخلق ومتحضر، فنص القرآن الكريم على أسس المعاملة المشروعة، وجعل كسبها طيبا حلالا، وأوضح المعاملة المحرمة، وحذر منها، واعتبر الكسب طيبا حلالا، وأوضح المعاملة المحرمة، وحذر منها، واعتبر الكسب الناتج عنها كسبا خبيثا محرما، منذرا بأوخم العواقب وأسوئها على الإنسان.
ومن ثم دعا القرآن الكريم إلى الصدق والوفاء والأمانة في الأقوال والأعمال، ونظم العقود والعهود والمواثيق وحسن الجوار، وأمر باحترامها، سواء على مستوى العلاقة بين الأفراد، أو الأسرة، أو الشعوب المسلمة، وشرع القصاص والحدود الشرعية، الزجرية والتأديبية، صيانة للدين، وحماية للأنفس والأعراض، والأموال والممتلكات، وحفظا للأنساب والعقول والأبدان من المهالك والآفات والأخطار، كما نظم الإسلام العلاقة بين الراعي الإمام ورعيته، بين الحاكمين والمحكومين، وجعلها قائمة على المشورة بين ذوي الرأي والبصيرة من أهل الحل والعقد، وعلى الطاعة لأولي الأمر في الإسلام.    
وهي كلها مبادئ وأحكام تجد لها نصوصا محكمة واضحة في القرآن المبين، وتجعل المسلم من خلالها بين حالتين أو أمرين، بين أن يهتدي ويستنير ويستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فلا يضل ولا يشقى، ويكون القرآن حجة عليه في تلك الحياة الأخرى، مصداقا لقول الله تعالى: ?إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " وقوله سبحانه: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها».
ومن ثم، فإن واقع المسلمين اليوم في كثير من البلاد يدعو إلى الرجوع إلى كتاب الله وتعالى، وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى التأمل والتدبير في تلك المبادئ والأسس التي اشتمل عليها هذان الأصلان والمصدران الأولان لدين الإسلام وشريعته السمحة، والاستنارة بهما في كثير من القضايا المعاصرة والخلافات الطارئة التي عنها تنشأ العداوة والقطيعة بين أبناء الأمة الواحدة هنا وهناك، والتي تحز في نفس المومن، وتترك الحسرة والألم في مشاعر وإحساسات كل امرئ مسلم يهتم بأمر المسلمين، ففي مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف الحلول الناجعة المنصفة لجميع تلك القضايا والخلافات التي تشكو منها وتعيشها بعض البلاد الإسلامية، وتملأ ساحاتها الفسيحة هنا وهناك، وتكدر صفو هنائها الذي عاشته وتعيشه في ظل الإسلام، وتجتمع وتلتقي فيه على هدي القرآن.
وإن مناسبة شهر رمضان، ومناسبة، الحج في الإسلام، والمولد النبوي، والهجرة المحمدية، وغيرها من المناسبات الدينية المتجددة والمتكررة بتكرر السنين والأعوام، يكون لها أثر رباني وتأثير روحاني في نفوس المسلمين يستعيد المرء المومن من خلالها رشده ووعيه، ويقوي بها إيمانه ويقينه، وصلاحه وتقواه، وهي كذلك مناسبات كريمة تدعو كل مسلم ومسلمة إلى التوقف عندها والتأمل، في ذاته وسلوكه في أقواله وأعماله‘ وفي مراجعة ضميره ومحاسبة نفسه، ونقدها نقدا ذاتيا، ومساءلتها عما قدمت، لمجتمعها من عطاء علمي وفكري، ومن بناء وازدهار واطمئنان اجتماعي، وإسهام حضاري، وإنتاج عملي، يكون له دور في تقدم الأمة خطوات إلى الأمام، وفي النهوض بوطنه وبلده المسلم، والسعي لصالح ونفع الأمة الإسلامية جمعاء.
وعسى الله أن يوفق كل مسلم ومسلمة إلى استشعار تلك المسؤولية الدينية والاجتماعية في قرارة نفسه، والعمل لها بما في وسعه وإمكانه، وإلى ذلك الاهتداء والنهج القويم، القائم على التأمل والتدبر في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله المصطفى الأمين، وإلى تمثل مبادئها وأحكامها، وإلى الأخذ بهما قولا وعملا، شعورا وتطبيقا، شرعة ومنهاجا، حتى يتحقق  للمسلمين في كل بلد ومكان ما جاء به القرآن، وحديث سيد الأنام، من الأخوة الصادقة والوحدة المتماسكة، والثقة الكاملة المتبادلة، والعزة الثابتة، التي تجعل من المسلمين أمة واحد، وإخوة متحابين، متصافين ومتآخين، متعاونين على البر والتقوى، وعلى كل ما يصلهم، وينهض بهم، ويسعدهم في الدين والدنيا، عملا بقول الله تعالى: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة، وانا ربكم فاعبدوه"، وقوله سبحانه: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"، وقوله جل علاه: "ولله العزة ولرسوله وللمومنين".
"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here