islamaumaroc

كلمات وإشارات-8-

  عبد القادر زمامة

العددان 309-310 ذو القعدة-ذو الحجة 1415/ أبريل-مايو 1995

22 – أصحاب الكهف والرقيم
سورة الكهف في القرآن الكريم سورة شهيرة، وقصة أهل الكهف الذين تشير إليهم هذه السورة من القصص التي وقف عندها المفسرون والمؤرخون وقفات طويلة ومتنوعة، وتضاربت فيها الروايات والأخبار..
ومن الطريف في هذا الباب أن نجد عند المفسرين الأندلسيين أخبارا يجدر بنا أن نقف عندها لنستوعب ما يقولون... من غير تعليق.. ولا تصديق، ولا تكذيب..
يحدثنا المفسر القرطبي المتوفى بمصر سنة 671 هـ في تفسيره، وهو يفسر سورة الكهف نقلا عن المفسر ابن عطية المتوفى سنة 542 هـ 1147 م.
يقول ابن عطية :
".. وبالأندلس من جهة غرناطة بالقرب من قرية تسمى "لوشة" كهف فيه موتى ومعهم كلبهم رمة. وكثرهم قد تجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة.. ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف... دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى "الرقيم" كأنه قصر مخلق. قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة... وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة "دقيوس"... وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها...".
أهـ. منه بلفظه...

23 - أخوان عالمان أديبان
الدراسات الإسلامية المعمقة في التاريخ الإسلامي وتاريخ التشريع، وعلم الأصول في العصر الحديث، مدينة لما كتبه وحاضر به الأستاذ المرحوم محمد الخضري العالم المصري الشهير خريج دار العلوم، ومدرس التاريخ الإسلامي بالجامعة المصرية المتوفى سنة 1345 هـ = 1927 م.
وقد اعترف بهذه الحقيقة جماعة من أقطاب البحث في الدراسات الإسلامية وفي طليعتهم المرحوم أحمد أمين صاحب "الفجر" و"الضحى" و"الظهر" وغيرها من الكتب الجيدة التي جعلت ميدان بحثها : حياة الفكر والأدب والمذاهب والآراء في تاريخ الإسلام، والحضارة الإسلامية.
وعنصر النبوغ الشخصي والتفكير الذاتي، والسلوك المنهاجي في البحث والدرس والمحاضرة والتأليف، عنصر بارز فيما كتبه الخضري من مؤلفات جيدة لم تفقد قيمتها، رغم أنه مر على وفاة صاحبها أكثر من ستين سنة.. ظهرت فيها مؤلفات تلاميذه وتلاميذ تلاميذه... بكثرة، وتنوع...
وقد كان الخضري مؤرخا وباحثا  في الفقه والأصول والأدب، كما أنه كان ذكيا لبقا في حديثه، مهذبا في نقده وتعالمه مع الأفكار والنظريات، والنحل والمذاهب القديمة والحديثة، ومع الناس خاصتهم وعامتهم.
وقد تحدث الخضري عن حوار جرى بينه وبين العلامة اللغوي محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي المتوفى سنة 1322 هـ 1904 م لقيه بمصر قائلا :
عمن تلقيت الأدب العربي...؟
فأجابه الخضري :
عن الكتب يا سيدي..
فقال الشنقيطي :
إن الكتب لا تصلح معلما..
فما كان من الخضري إلا أن أجابه بهذه اللباقة :
" وماذا أصبع يا سيدي...؟ وقد انقطعت الصلات بيننا وبين أسلافنا... فلا معلم.. ولا مسند.. وإذا رأيتك فقطني..." وبذلك أحسن التلميذ الخضري الإجابة عن سؤال شيخه الشنقيطي مع لباقة، وتقدير، واحترام...
والخضري أملى محاضرات جيدة في نقد كتاب "الشعر الجاهلي" لطه حسين.. الذي كان – كما يقول الباحثون – من تلاميذ الشيخ الخضري... في الجامعة المصرية القديمة...
كما أنه حاضر بكتابه الجيد المفيد: "محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية" وكان منهاجه في هذه المحاضرات أن يجمع المادة التاريخية، الجيدة من المصادر، ويحاول تصحيحها، ونقدها، وترتيبها، والتعليق على مضمونها.. وتعليقا عميقا مناسبا..
وما يزال هذا الكتاب – بسبب منهاجية الخضري – محتفظا بقيمته العلمية.. وغزارة معلوماته التاريخية الآن – وكذلك كتابه الآخر :"تاريخ التشريع الإسلامي" الذي صار مصدرا ومرجعا مفيدا في هذا الموضوع .. ومثل ذلك يقال عن كتابه في "الأصول "...
وأما أخوه شقيقه فهو الأديب الشاعر عبد الله عفيفي.. تخرج من دار العلوم، وكان أديبا مشرق الأسلوب، نظما، ونثرا، متعاونا مع أخيه محمد الخضري، ومقتفيا أثره في الحياة والسلوك والدراسة والعفة، والتعمق في التفكير...
ومن آثاره الشهيرة كتابه المفيد :"المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها" في ثلاثة أجزاء، وقد استفاد من هذا الكتاب جماعة من المؤلفين الذين ألفوا في موضوع المرأة العربية، وما لها من إشعاعات : أدبية، وعلمية، وفنية، وأخلاقية في التاريخ الإسلامي...
وما يزال هذا الكتاب رغم هذه العقود من السنين التي تفصلنا عن تاريخ تأليفه وطبعه بالقاهرة قمة في شكله، ومضمونه، وأسلوبه، وتحليلاته، ومقارناته، واختياراته، واستشهاداته بأدق النصوص وأوثق الحجج، وأصح الأخبار والروايات...
وما ذلك إلا لأن مؤلفه كان كأخيه الخضري واسع الثقافة في العلوم الإنسانية : الدينية والأدبية، على جانب العلوم الاجتماعية : الفلسفية، والتاريخية.. مع تعمق في دراسة أساليب التربية والتعليم في العصر الحديث..
وأسلوب المؤلف من الأساليب المشرقة معنى ولفظا، وإفرادا وتركيبا، وكان عبد الله عفيفي من الكتاب المرموقين في مجلة (الرسالة) التي كان المرحوم أحمد حسن الزيات يصدرها في القاهرة في الثلاثينيات وإلى جانب ذلك كان عبد الله فيفي شهيرا بأخلاقه، واستقامته، وأفكاره، التي كان يبثها في مقالاته، ومحاضراته، ومؤلفاته..
وتوفي سنة 1364 هـ 1944 م.
فالخضري المؤرخ... وعبد الله عفيفي.. أخوان شقيقان عالمان.. وشخصيتان لامعتان في الثقافة الإسلامية المعاصرة رغم أن الأخ الأكبر يسمى : الشيخ محمد الخضري والأخ الأصغر يسمى عبد الله عفيفي..
وفي الدنيا.. والتاريخ القديم والحديث.. مستغربات.. لا يمكن إن يحيط بها إنسان..

24 – تقديم أبي بكر...
من الأمور المستغربة في باب تسمية الكتب القديمة أن يسمى المؤلف كتابه باسم خاص، ويشتهر ذلك الرسم عند الناس، ثم يأتي عصر من العصور فيغير بعض الناس ذلك الاسم لسبب ما، وإذ ذاك يحصل الالتباس، وتقع الأخطاء ويجعل الباحثون ذلك ذريعة لينتقد بعضهم بعضا ويخطئ بعضهم بعضا عند الإحالة أو النقل...
وأمامي الآن مثال حي لهذا الأمر المستغرب وهو أن المؤلف الشهير : تقي الدين أبا بكر علي المعروف بـ "ابن حجة الحموي" المتوفى سنة 837 هـ وهو من أصحاب "الحافظ ابن حجر"، والمؤرخ "ابن خلدون".. وغيرهما من أعلام القرن التاسع نظم "بديعيته" الشهيرة، وافتتحها بقوله :
لين في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم  براعة تستهل الدمع في العلم
ثم شرحها شرحا حافلا مفعما بالنصوص والشواهد، والألفاظ اللغوية، والقواعد البلاغية، والنكت البيانية، وما إلى ذلك... وسمى ذلك الشرح :"تقديم أبي بكر" وأشار إلى هذه التسمية في مقدمة كتابه.. وكأنه يريد بهذه التسمية أن يفضل عمله في نظم "البديعية" وفي "شرحها" على من سبقه ممن نظم، أو شرح، هذا النوع من قصائد المدح النبوي... "البديعيات".
إلى هذا الحد، والأمر عادي، لا غرابة فيه.. لكن حدث أن الذين عملوا على طبع "شرح ابن حجة الحموي لبديعيته" سموا هذا الشرح اسما آخر لم يخطر لمؤلفه على بال، فقد سموه هكذا : "خزانة الأدب وغاية الأرب" وكأنهم يريدون بهذا الاسم أن هذا الشرح يستحق أن يكون "خزانة أدب" لما احتوى عليه من فنون أدبية متنوعة يجد فيها الأدباء واللغويون والبيانيون رغبتهم في الاطلاع على تجارب وقواعد شتى مما خلفه العلماء والشعراء والكتاب في عصور سابقة..
وإذا راجعنا التراجم التي كتبها السابقون لابن حجة الحموي، ممن عاصروه، أو جاؤوا بعده.. لا نجدهم يعرجون على مؤلف من مؤلفاته يسمى "خزانة الأدب" وإنما يذكرون مؤلفات كثيرة، من جملتها شرح "البديعية" للمسمى :"تقديم أبي بكر..".
وابن حجة قبل هذا وبعده من الشعراء والكتاب والمؤلفين النقاد الذين خلفوا في المكتبة العربية ملفات وآثار مفيدة..
وكان لابن حجة في عصره طنين ورنين عند أصدقائه وخصومه.. وكان هو أيضا ذا قلم حاد، ولسان حاد، أصلى به خصومه والحاقدين عليه نارا حامية.. ودون بعض ذلك في كتابه ورسائله.. ويكفي هنا أن نشير إلى ذلك إشارة عابرة من غير تفصيل..

25 – مدينة شريش
منذ الفتح الإسلامي في الأندلس ومدينة "شريش" تذكر عند المؤرخين والجغرافيين والرحالين، واستمر ذكرها طوال التاريخ الأندلسي إلى عهد بني الأحمر ملوك غرناطة..
وهي في أصلها مدينة رومانية قديمة، تقع جنوب غرب الأندلس، ما بين مصب نهر الوادي الكبير ومصب نهر وادي لكة في المحيط الأطلنتكي.
وفي سهل مدينة "شريش" هذه يذكر المؤرخون وقوع المعركة الفاصلة بين القائد العظيم طارق بن زياد وملك القوطي رودريك سنة 92 هـ = 710 م، قبل أن يلتحق موسى بن نصير بالأندلس...
ويسمي بعض المؤرخين والجغرافيين هذا السهل الذي وقعت فيه المعركة الفاصلة باسم سهل "شريش" بينما يسميه آخرون باسم آخر وهو سهل "شذونة".. والمسمى واحد.. لأن هذا السهل يمتد فعلا على مدينة "شذونة..".
وتقع مدين "اشبيلية" الشهيرة عاصمة بني عباد أولا، ثم عاصمة قشتالة ثانيا، شمال مدينة "شريش" وكان للمدينتين الأندلسيتين اتصال وتكامل طيلة قرون، وما يزال ذلك مستمرا إلى الآن..
ولذلك نجد بعض المؤرخين والجغرافيين يقولون قولتهم الشهيرة :"شريش" بنت "إشبيلية..".
وينسب إلى مدينة "شريش" عدد كبير من أعلام الأندلسيين، فيهم الفقهاء والقضاة والأدباء والمؤلفون جاوزت شهرتهم نطاق الأندلس والمغرب إلى أقطار أخرى... فالشريشيون كثيرون... ولكل منهم ناحية اشتهر بها..

26 – الأمر .. والأوامر...
لا شك أن جمع كلمة "أمر" على "أوامر" من الأشياء التي عمت وطمت في كتب وأقوال السابقين واللاحقين وفي الكتب العلمية والمعاجم اللغوية، ولا مجال الآن لإنكار هذه "الأوامر"..
وقد تفطن لغرابة هذا الجمع كثيرون.. وناقشوه.. وانتقوده.. وقال بعضهم : إن هذه "الأوامر" خارجة عن كل قياس لغوي معروف.. ولم يترك أئمة المصطلحات الأصولية والفقهية هذه المنافسات والانتقادات تدور بين علماء اللغة والصرف وحدهم... بل أنهم ابتكروا وسيلة اصطلاحية، لجمع كلمة "أمر" على "أمور" تارة.. وعلى "أوامر" تارة أخرى.. فقالوا :
الأمر : بمعنى "ضد النهي" يجمع على "أوامر"..
والأمر : بمعنى "الشأن" يجمع على "أمور".
وبهذه الوسيلة الاصطلاحية ألفت الأقلام، والأسماع، والعيون.. هذه "الأمور" وهذه "الأمور".
ونشير هنا إلى أن مناقشة هذه "الأوامر" في المعاجم القديمة والجديدة.. تفتح أمام الباحث في المصطلحات.. واللغويات.. آفاقا واسعة.. إن شاء ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here