islamaumaroc

حقوق المرأة في الشريعة الإسلامية

  نجاة المريني

العددان 309-310 ذو القعدة-ذو الحجة 1415/ أبريل-مايو 1995

كثرت اللقاءات، وتعددت المؤتمرات حول وضع المرأة في الشرق والغرب، في العالمين الإسلامي والغربي، لنقاش وتحليل هذا الوضع، انطلاقا مما أقرته الشريعة الإسلامية أو القوانين الوضعية، أو مما ترسب في الذاكرة المجتمعية من عادات وتقاليد وأعراف، مقارنة بواقع الحياة اليومية التي تعيشها المرأة.
قد يطرح السؤال متحديا كل النعوت والأوصاف التي يتباهى المجتمع الإنساني بإضفائها على المرأة.
- هل فعلا تعيش المرأة كما أقرت بذلك الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية العالمية؟
- هل أنصفت الشريعة الإسلامية المرأة؟
- ما هي حقوق المرأة في الشريعة الإسلامية؟
يصعب أن نجيب عن واحد من هذه الأسئلة في عصر التحديات، بل أكثر من ذلك، لم تستطع المجتمعات أن تلتزم بتطبيق ما آمنت به من إقرار لحقوق المرأة في إطار حياة إنسانية متماسكة، كما أن المرأة نفسها لم تستطع - بالرغم من نضالها وتضحياتها - أن تخترق كل الحواجز التي تقف بينها وبين إقرار حقوقها في المجتمع.
وبالرغم من إيمان المجتمع العالمي بحقوق المرأة، بالرغم من النداءات المتكررة التي تصدر عن المؤتمرات واللقاءات حول تطبيق قرارات بناء المجتمع المتوازن الذي يخول للمرأة حقوقا، ويلزمها واجبات، فإن دار لقمان ما تزال على حالها، وما تزال المرأة تعاني من الاضطهاد والظلم والإبعاد.
لكن ماذا عن وضعية المرأة في الشريعة الإسلامية؟
سؤال يمكن أن يردده كل إنسان عندما يحاول الحديث عن المرأة والدفاع عن حقوقها تبعا لواقعها ولظروفها المعيشة.
لقد أولى الإسلام المرأة عناية خاصة، وحررها من عبودية الجهل، وجبروت الأعراف، وظلم التشريعات، باعتبارها متاعا حينا، وشؤما وعارا حينا آخر، ومن ثم كانت محرومة من حق الحياة كإنسان، له كرامته، وله حقوقه.
جاء الإسلام ليخلص المرأة مما كانت تعانيه، وليرفع عنها ما لحقها من حيف، ويعيد إليها الاعتبار كإنسان له حقوق وعليه واجبات، منبها إلى تكريم الخالق لها ولشقيقها الرجل من خلال الآية القرآنية: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ . (الإسراء:70).
كيف انتقلت صورة المرأة أو وضعيتها من الاستلاب والمهانة والاستعباد إلى وضعية أخرى تتمثل في التكريم والتشريف والاعتراف بالحقوق؟
لقد أقر الإسلام للمرأة حقوقها من خلال مبادئه وتشريعاته، وسما بعلاقات الرجل بالمرأة إلى أرقى مستوى في التشريع والمعاملة، فهي شقيق الرجل وسكنه، يقول تعالى: ?وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً?‏ (الروم:21). والسكينة تحمل أكثر من معنى، فهي مصدر الطمأنينة والنعمة والاستقرار، ومن ثم فالتشريع يؤكد امتداد العلاقة بين الجنسين في المودة والرحمة، وكما يقول تعالى: ?لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ? (البقرة:187)، ففي الآية إقرار المساواة بين الرجل والمرأة، لا فضل لواحد منهما على الآخر في مختلف مجالات الحياة، بل أكثر من ذلك، فحميمية العلاقة بينهما أكبر دليل على تكريم الإسلام للمرأة ومساواتها للرجل، وكما يقول الرسول عليه السلام: "النساء شقائق الرجال".
إن التوعية بما خوله الإسلام للمرأة من حقوق، وألزمها من واجبات، تستدعي الوقفة المتأنية عند هذه الحقوق، رغبة في انتشالها مما تعيشه من قهر واضطهاد وظلم، ودعوة إلى تمسكها بأهداب التشريع السماوي باعتباره مخلصا لها من الاحتكار والاستلاب، كما تعرف ذلك المجتمعات العالمية ومنها المجتمع الإسلامي.
تستدعي هذه التوعية الإيمان بالفعل كوسيلة للخلاص، والدعوة إلى بناء مجتمع إسلامي متماسك، مقوماته مبادئ التشريع الإسلامي، وبناؤه لبنات قيم إسلامية رفعت مستوى حياة الإنسان من حياة الغاب والسيطرة إلى حياة الكرامة والتعاون والإخاء.
وسأحاول الحديث باختصار عن بعض هذه الحقوق.
 حقوق المرأة في الإسلام:
إن تحرير المرأة من القيود السلطوية الجائرة أن تعمل جهدها على تطبيق القوانين الشرعية الإسلامية وإلزام الآخرين بها في عصر التحديات، وعصر القهر والعنف، حيث تعيش المرأة المسلمة في مختلف أرجاء المعمور أوضاعا مزرية، أوضاعا مهينة، ضاعت فيها حقوقها، وأهينت كرامتها وامتهنت فيها شخصيتها، ومن أهم هذه الحقوق:
الحرية: لقد خلص الإسلام المرأة من الاستعباد، ووفر لها حياة الأمن والأمان، مع تحمل المسؤولية الملقاة عل عاقتها، وقضى على كل أشكال الرق والعبودية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات:13)، فالمرأة والرجل إذن سواء عند الله تعالى، يسيران في خط واحد، ويعملان وفق التشريع السماوي في العبادات والمعاملات، وينال الجزاء الأوفى من سار في الخط، وتبع النهج، وتمسك بالقانون السماوي.
ويتأكد مبدأ الحرية في الآية: ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (الزلزلة:7،8)، فالجزاء من صنف العمل بالنسبة للجنسين دون اعتبار للمفارقات الجنسية أو الاجتماعية، ومن ثم نبذ الإسلام التنابز بالألقاب، ورفض تدخل السلطة أو تحكمها في نيل الجزاء، وإنما الجزاء رهين بالعمل، فلا خوف إذن من قهر يمكن أن تتعرض له المرأة المسلمة في المعاملة، وإن اختلفت الدرجة والمسؤولية. (حرية العقيدة، حرية الرأي، حرية الاختيار...إلخ).
المساواة: إذا كان الرجل هو رب الأسرة وحاميها وكافلها، فإن المرأة لا تقل شأنا ومكانة عنه، فهي الأم والزوجة والأخت والبنت، ولحمة الأسرة المرأة الصالحة في تربية الأولاد ورعاية الزوج وخدمة المجتمع.
ولنجاح بناء نواة مجتمع إسلامي متوازن سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية بكل أنواعها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات:13). فالمساواة هنا علنية، بصريح العبارة ودقيق الإشارة سواء تعلق الأمر بالعبادات أو بالمعاملات (التوحيد، الصلاة، الصيام، الحج، العلاقات الاجتماعية، الاقتصادية). والرسول عليه السلام يقول:"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، والصيغة تشمل الجنسين دون ميز.
حق المرأة في التعليم:
إذا كان العلم ظاهرة اجتماعية ملزمة في عصرنا الحاضر، فقد كان الأمر كذلك في الشريعة الإسلامية التي انطلقت من مبدأ العلم والتعلم والقراءة، فأول آية قرآنية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (العلق:1)، والله تعالى كرم العلماء في أكثر من آية، ودعا إلى العلم والتعلم:" هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر:9)، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? (فاطر:28).
فالخطاب للجنسين، وإن كانت الصيغة تفيد جمع المذكر، فهي تفيد جمع المؤنث، يشرح ذلك قول الرسول عليه السلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". والمسلم يصدق على الرجل وعلى المرأة على حد سواء، فعائشة رضي الله عنها كانت راوية للحديث والشعر، وحفصة رضي الله عنها كانت تحسن القراءة والكتابة، والرسول عليه السلام يلح على تعليم المرأة، يقول: "أيما رجل كانت عنده وليدة (جارية)، فعلمها، فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران".
وتحفل كتب التاريخ الإسلامي بأسماء أعلام نساء نهضن بالعلم والدرس، وأفدن المجتمع بتخليصه من الجهل، (ميزان الاعتدال: قسم النساء، الإصابة في تميز الصحابة، الطبقات الكبرى، نفح الطيب).
حق المرأة في العمل:
العمل ظاهرة حياتية اجتماعية، عن طريقه يكتسب الإنسان قوته، ويضع لبنات حياته بتعاون مع أخيه باعتباره كائنا اجتماعيا، وكرامة الإنسان في الاعتماد على نفسه، بالعمل والبحث عن مصادر العيش الكريم، وقد دعا القرآن الكريم إلى العمل في كثير من الآيات، من ذلك:" وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (التوبة:104)، وكما يعمل الرجل تعمل المرأة، يقول تعالى:  لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ (النساء:32)، فعمل المرأة مشروع، وإسهامها في خدمة المجتمع لا نقاش فيه.
وبالرغم من أن وظيفة المرأة الأولى هي الأمومة، والحفاظ على الأسرة، بتهييء ظروف العيش للزوج والأولاد، فإنها منذ القديم، وهي تشارك الرجل في أعباء الحياة وتعمل إلى جانبه، فلما جاء الإسلام عملت بتفان في ميادين كثيرة في حالتي الحرب والسلم.
وإذا كانت القوانين الوضعية الحديثة أثبتت شرعية عمل المرأة، فقد سبقها الإسلام إلى ذلك، وحرص على الحفاظ على حقوقها المدنية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم، يقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (التوبة:71).
وما تطالب به القوانين الوضعية من حقوق المرأة في الانتخاب والسياسة كفله الإسلام منذ قرون، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ...  الآية (الممتحنة:12). فمفهوم البيعة يعني الانتخاب، وإبداء الرأي في الحاكم بالتصويت عليه، وترجيح كفته.
حق المرأة في الزواج:
في الحديث النبوي الشريف: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن"، فالزواج ميثاق غليظ يجب أن ينبني على رضى الطرفين لتستقيم الحياة الزوجية والأسرية، فقد روى أن الخنساء بنت جذام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب من غير استئمارها، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، فأبطل نكاحها. فللمرأة الحق في اختيار شريك حياتها لضمان الحياة الهنية، مع ما في الدعوة القرآنية إلى حسن المعاشرة، وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (النساء:19). فإن تعذرت العشرة: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (البقرة:229)، وإحسان معاشرة المرأة إقرار بحق الحياة الكريمة المتمثلة في وضوح شخصية المرأة واستقلالها، والرسول عليه السلام يقول: "خيركم خيركم لنسائه ولبناته"، وعلي كرم الله وجهه يقول: "ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم".
وكما أقرت الشريعة الإسلامية للمرأة اختيار شريك حياتها، أقرت لها الانفصال عنه إن كرهت عشرته، فالطلاق، وإن كان أبغض الحلال إلى الله، هو الحل الأسلم عند استحالة استمرار الحياة بين الزوجين، فلا تجبر المرأة على متابعة الحياة مع من تكره، وفي ذلك يقول تعالى: وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النساء:130).
يتضح من خلال هذه النقط أن وضع المرأة في الشريعة الإسلامية وضع متميز، حفظت لها كرامتها، واعترفت بحقوقها، ودافعت عن مصالحها، وكل النصوص القرآنية حول المرأة، وكذا الأحاديث النبوية صريحة فيما يجب أن تكون عليه المرأة المسلمة في حياتها الخاصة والعامة، وهي دستور متكامل يضمن للمرأة المسلمة حقوقها، ويؤكد فعاليتها في بناء المجتمع على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، والشريعة الإسلامية أول شريعة نادت بحقوق المرأة، وعملت على إقرارها في الكتاب والسنة.
فما على المجتمع المسلم إلا أن يتمسك بأهداب شريعته، وأن يعض عليها بالنواجذ، وأن يعمل وفق قوانينها، وينهج سبل تعاليمها، ففي تطبيقها والعمل بمقتضى أحكامها أكبر ضمان لحقوق المرأة في المجتمع الإنساني.
 

    مراجع البحث:
• المرأة في القرآن
   عباس محمود العقاد / ط – 1981
• المرأة بين الشرع والقانون
   محمد المهدي الحجوي / ط – 1967
• وضع المرأة في العالم الإسلامي
   منشورت الإيسيسكو/ ط – 1994
• حقوق المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي
   مصطفى إسماعيل بغدادي / ط – 19917
• قضية المرأة: إشكاليتها العامة دوليا وإقليميا
   مجلة المناهل المغربية - 1994

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here