islamaumaroc

الأسماء والألقاب.

  عبد القادر العافية

العددان 309-310 ذو القعدة-ذو الحجة 1415/ أبريل-مايو 1995

أعطى الشرع الإسلامي للأسماء والألقاب أهمية واعتبارا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الأسماء الجميلة، والمعاني اللطيفة، وتخير صلى الله عليه وسلم الأسماء الحسنة لأبنائه، وبناته، ولحفدته.. وأوصى الناس بتحسين أسماء أبنائهم وبناتهم، وفي هذا الهدي النبوي إشعار للمسلم بأنه ينبغي أن يكون صاحب ذوق رفيع، وحس رهيف... يضفي على الكلمات التي تصدر عنه حلة من البهاء والرونق واللطف والجمال، وفي الحديث الصحيح : "إن الله جميل يحب الجمال" (1)
ورهافة مشاعر الأمة دليل على حسن ذوقها، وعلى مستوى إنسانيتها، وبعدها عن الوحشية والحيوانية...
أخرج أبو داود وأحمد والدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إنكم تدعون يوم القيامة بأسماكم، وأسماء آبائكم فحسنوا أسمائكم".
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال :"إن أحب أسمائكم إلى الله : عبد الله، وعبد الرحمن".
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :"ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقلنا : لا نكنيك أبا القاسم، ولا كرامة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :"سم ابنك : عبد الرحمن" (متفق عليه).
قال ابن القيم في "تحفة المودود بأحكام المولود": "اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله، كعبد الله، وعبد الرحمن، وما أشبه ذلك، وقد اختلف الفقهاء في أحب الأسماء على الله، فقال الجمهور : أحبها إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وقال سعيد بن المسيب أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الأسماء التي تكرهها النفوس، لأن وقعها على النفس لا يكون محبوبا، (كحرب) و(مرة) و(كلب) و (حية) وأشباهها.
أخرج الإمام مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للقحة تحلب :"من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اسمك؟ فقال له الرجل (مرة)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس، ثم قال : من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اسمك؟ فقال: حرب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :اجلس، ثم قال : من يحلب هذه؟ فقام رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اسمك؟ فقال : (يعيش) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : احلب".(2)
قال ابن القيم :كان النبي صلى الله عليه وسلم يشتد عليه الاسم القبيح ويكرهه جدا من الأشخاص، والأماكن، والقبائل، والجبال .. حتى إنه مر في مسيرة له بين جبلين فقال : ما اسمهما؟ فقيل له : فاضح ومخز، فعدل عنهما، ولم يمر بينهما.
قال ابن عبد البر في التمهيد أثناء شرحه لحديث (حلب اللقحة) :"هذا عندي – والله أعلم – ليس من باب الطيرة، لأنه محال أن ينهى عن شيء وبفعله، وإنما هو من باب طلب الفأل الحسن".(3)
وروى الإمام مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل : ما اسمك؟ قال جمرة، فقال : ابن من؟ فقال : ابن شهاب، قال ممن؟ قال : من الحرقة، قال أين مسكنك؟ قال :بحرة النار، قال : بأيها؟ قال : بذات لظى، قال عمر : أدرك أهلك فقد احترقوا ، قال فكان كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(4)
قال القاضي أبو الوليد الباجي في شرح هذا الخبر :
"وقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمرة ابن شهاب لما قال إنه من الحرقة، وان مسكنه بحرة النار وبذات لظى منها : أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال : كانت هذه حال هذا الرجل قبل ذلك، ولكنه شيء يلقيه الله عز وجل في قلب المتفائل عند سماع الفال من السرور بالشيء وقوة رجائه فيه، أو التوجع من الشيء وشدة حذره منه، يظن ذلك ويلقيه الله سبحانه وتعالى على لسانه، وقد وافق ذلك ما قدر الله تعالى، ويكون بعض الناس في ذلك أكثر موافقة من بعض، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يكون
محدثون من غير أن يوحي إليهم، فإن يكن في أمتي منهم فعمر".(5)
وروى ابن عبد البر بسنده إلى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتطير، ولكن كان يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني أسلم فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم ليلا، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم، من أنت؟ قال : أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال : يا أبا بكر : برد أمرنا وصلح، ثم قال : ممن؟ قال من أسلم، قال لأبي بكر : سلمنا، قال : ثم قال : ممن؟ قال من بني سهم، قال : خرج سهمك..".(6)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد العناية بتحسين الأسماء والتفاؤل بأحسنها، وروى السيوطي في جمع الجوامع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"أسلم سلمهم الله من كل آفة، وغفار غفر الله لها، وعصية، عصت الله"، والحديث أخرجه البخاري في كتاب المناقب (7) عن ابن عمر.
وفي غزوة الحديبية، والموقف في أشد الخطورة والحرج، بعث القرشيون سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال :"سهل أمركم".
فنبينا صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل بالأسماء الحسنة الدالة على اليسر، والخير، والحسن، وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من الأسماء القبيحة بأخرى أحسن منها.
وأخرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية بجميلة، واسم أصرم بزرعة، واسم العاص، وعزيز، وغفلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وشهاب...".
وفي صحيح مسلم : باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب، وجويرية ونحوهما".. لأن جويرية كان اسمها (برة).
وخرج أبو داود بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى (برة) ، وقال :"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم".
وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن زينب رضي الله عنها كان اسمها برة، فقيل تزكي نفسها، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب، ومن تزكية النفس ما شاع اليوم من التسمية، بكريم، وغفور، ولطيف، وحكيم.. بدل : عبد الكريم، وعبد الغفور، وعبد اللطيف، وعبد الحكيم..
ونهى علماؤنا رحمهم الله عن التسمية بأسماء الجبابرة والفراعنة، كفرعون، وقارون، وهامان ومن ذلك : لينين، وهتلر، واستالين.. وأضرابهم.
وفي صحيح مسلم "باب تحريم التسمية بملك الأملاك، وبملك الملوك".
وهذا ملحظ آخر من الهدي النبوي أن كثيرا من الناس يعجبون بأسمائهم فيغترون بذلك، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على التهذيب والتربية السليمة، فلا طغيان، ولا إسفاف، ولا انعدام ذوق، قال ابن القيم :"كره علماؤنا التسمية بأسماء الملائكة، كجبرائيل، وميكائيل وإسرافيل، قال أشهب : سئل مالك عن التسمي بجبريل، فكره ذلك ولم يعجبه، وقال القاضي عياض : كره مالك التسمي بجبريل، و(يس)، وأباح ذلك غيره".(9)
ونستخلص مما أورده المحدثون في كتب الآداب من مصنفاتهم الحديثية أن الإسلام يحرص على تربية المسلمين، وعلى الرفع بمستوى أذواقهم ليكونوا خير أمة أخرجت للناس.
اللقب لغة : اسم وضع بعد الاسم الأول للتعريف أو التشريف أو التحقير، فاللقب إذن ما أشعر بخسة أو شرف، والمشعر بخسة والمراد به النبز، منهي عنه شرعا، قال تعالى :"ولا تنابزوا بالألقاب" (الحجرات :11)، ويقال للعياب للناس بألقاب السوء النبزة، بضم النون، والنبز باللقب منهي عنه ما لم يصر اللقب من جملة الأسماء التي تنوسي منها قصد الذم، في هذه الحال يصبح الملقب علما على صاحبه.
وفي الحديث جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم :" أصدق ذو اليدين" وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة "(يا أبا هريرة)، ولذا سمح المحدثون بإطلاق بعض الألقاب على أصحابها، فيطلقون (الأعرج) على عبد الرحمن بن هرمز، و(الأعمش)على سليمان بن مهران، ومن ذلك : (الأخفض) و(الجاحظ)... فهذه الألقاب وأمثالها أصبحت علما على أصحابها ولا نقصد للذم فيها.
وقال المفسرون في قول الله تعالى :"ولا تنابزوا بالألقاب" أي لا تدعون الناس إلا بحب أسمائهم إليهم.
ونهى العلماء أن يقول المسلم لمن كان يهوديا أو نصرانيا فأسلم : يا يهودي أو يا نصراني، لأنه آمن، فلا يجوز نبزه بذلك.
واختلف العلماء في الألقاب المشعرة بالمدح والتشريف هل يجوز للإنسان أن يطلقها على نفسه أم لا ؟ ومنذ مدة استوقفتني حملة الشيخ علي بن ميمون الغماري البوزراتي المتوفى سنة (914 هـ) (10) في كتابه :" بيان غربة الإسلام بين المتفقهة والتفقرة من أهل مصر والشام"، (11) استوقفتني حملته العنيفة على الألقاب التي يتحلى بها كثير من العلماء بالمشرق : كشمس الدين، ومحيي الدين... بعد ذلك وجدت استنكار هذه الألقاب يعود إلى ما قبل علي بن ميمون بقرون :
فالإمام أبو عبد الله محمد القرطبي (ت :671 هـ) يقول في تفسيره، "الجامع لأحكام القرآن" عند قول الله تعال :"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" (النساء / 49) يقول :
"هذه الآية، وقوله تعالى :"فلا تزكوا أنفسكم" (النجم /32) يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي والمزكي من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل، فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه.. إلى أن يقول :" ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعت أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك. (12)
ويقول ابن الحاج العبدري ( ت: 737 هـ) صاحب  "المدخل" :
" ويتعين على العالم أن يتحفظ من هذه البدعة التي عمت بها البلوى، وقل أن يسلم منها كبير أو صغير، وهي ما اصطلحوا عليه من تسميتهم بهذه الأسماء القريبة العهد بالحدوث التي لم تكن لأحد ممن مضى، بل هي مخالفة للشرع الشريف، وهي "فلان الدين" و"فلان الدين"، والعالم أولى أن يتحفظ على نفسه من هذه الأشياء، ويذب عن السنة في حق نفسه، وفي حق غيره... ألا ترى أن هذه الأسماء فيها من التزكية ما فيها، فيقع بسببها في المخالفة بدليل كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الكتاب فقوله تعالى :"فلا تزكوا أنفسكم" وقوله تعالى :"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء، ولا يظلمون فتيلا، انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا" (النساء /50).
وأما السنة : فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزكوا على الله أحدا (13) ولكن قولوا أخاله كذا، وأظنه كذا".
ثم أطال في إيراد الأخبار والآثار إلى أن قال :
"ولو كانت هذه الأسماء – الألقاب – تجوز لما كان أولى بها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنهم شموس الهدى، وأنوار الظلم، وهم أنصار الدين حقا، كما نطق به القرآن، والخير كله في الاتباع لهم في الاعتقاد والقول والعمل...".(14)
ويقول بعد ذلك :"ولما كان أهل المشرق الغالب على بعضهم حب الفخر والرياسة أبدل لهم الشيطان الأسماء المباركة بنحو :"عز الدين" و"شمس الدين"، ولما كان أهل المغرب الغالب عليهم التواضع وترك الفخر والخيلاء، أتى لبعضهم من الوجه الذي يعلم أنهم يقبلونه منه، فأوقعهم في الألقاب المنهي عنها بنص كتاب الله تعالى، فقالوا لمحمد :"حمو" ولأحمد :"حمدوش" وليوسف : يسو، ولعبد الرحمن : رحو، إلى غير ذلك مما هو معلوم معروف عندهم متعارف بينهم، فأعطى لكل إقليم الشيء الذي يعلم أنهم يقبلونه منه...".(15)
وممن تناول الحديث عن موضوع الألقاب العلامة المحقق (16) أبو الربيع سليمان الحوات في كتابـه :"الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة" قال وهو يتحدث عن سبب تسمية شيخه (بالتاودي) :
"ولقبه المشارقة زمن رحلته للحجاز (بشمس الدين) حسبما رأيته بخط جماعة ممن هناك من الجهابذة والعلام في إجازات، ومراسلات...، وهو من الألقاب الجارية عندهم، إلا أنه كان رضي الله عنه لا يطمئن إلى التلقيب به، بل يتحاشى عنه، لأنه من البدع المنهي عنها.
إلى أن قال :"وللفضل بن سهل قصيدة في ذم هذه الألقاب منها قوله فيمن لقب ب"عز الدين" :
"أرى الدين يستحيي من الله أن يرى  وهذا له فخر، وذلك نصير".
فقد كثرت في الدين ألقاب عصبة  هم في مراعي المنكرات حمير
وإني أجل الدين عن عزه بهــم  وأعلم أن الذنــب فيه كبيـر
والفضل بن سهل هذا هو وزير المامون العباسي (ت :202 هـ) كان يلقب بذي الرئاستين.
وقال الحوات بعد ذلك :"وفي كتاب "الريحانة" – أي ريحانة الألباء، وزهرة الحياة الدنيا – لأبي العباس أحمد الخفاجي المصري، (ت :1069 هـ) صاحب كتاب :"نسيم الرياض في شرح شفا القاضي عياض" يقول – أي الخفاجي في موضوع هذه الألقاب :"عز الدين" و"محيي الدين" - :
"أما كون هذا بدعة بعد الصدر الأول فمما لا شبهة فيه، وأما كونها ممنوعة شرعا ومكروهة، فلا وجه له، وما تقولونه عن النووي وغيره من السلف لا أصل له – والخفاجي هنا يرد على صاحب "المدخل" الذي استدل بقول النووي وغيره – وكذا ما نقل عن الشيخ والدي ناصر الدين اللقاني بحسب تعدد مواضع البحث، فمن ذلك قوله "لا أصل له ".
وابن الحاج إمام شهير، وعارف كبير، مقطوع في حقه بالصدق والتحري، فلا يرد ما نقله عن النووي وغيره من السلف بنفي أصليته من غير دليل واضح، ومنه عند قوله :"وهذا لم يضعه الإنسان لنفسه الخ" الغالب في هذه الألقاب أن لا توضع للمقلب بها، إلا بعد ظهوره في مدارك معناها، تفاؤلا ببلوغه غايته، وذلك بعد أن يظهر عليه في الغالب، والحكم له، ومنه قوله :"لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة الخ". لا معنى لكون الإضافة في "عز الدين" و"محي الدين"، وما كان مثلهما باعتبار هذه الملابسة، وليست بمقصودة للواضع أصلا، وإنما هي على معنى من يعز الله به الدين، ويحيي به الدين، فتكون إضافة السبب للمسبب، ولا يحسن التفاؤل إلا بذلك، وإلا فالمسلمون كلهم أعزهم الله تعالى بالدين، وأحيا نفوسهم به، وأنه لا يمنع صحة القياس على (برة) إذ لا فرق، وأنه لا يمنع أحمد ومحمد.. إلخ. لأنها موضوعة من الغير في أسبوع الولادة، فلا تكليف حتى يلزم التزكية، بخلاف "عز الدين" ونحوه، كما سبق، على أن المنع أيضا في هذا أو شبهه من جهة الجرأة على الله، والحظ من دينه نسأله تعالى العصمة... ومنه عند قوله :"والأعلام إنما هي تدل وضعا .. الخ" كثيرا ما يلاحظ أصلها الأول كقولـه :
"سألن فقلت مقصدنا سعيد فكان اسم الأمير لهن فالا"(17)
بأنه كان يكتب في الفتاوي (ناصر الدين) فتراجع عنه.. مع أن هذا لم يضعه الإنسان لنفسه، وإنما سماه به أبوه في صغره وعدم تكليفه، وكونه تزكية لنفسه غير صحيح، لأن الإضافة تكون لأدنى سبب، بل ملابسة، فهو مضاف للسبب تفاؤلا، فـ"عز الدين" بمعنى من يعزه الله بالدين، وكذا "محيي الدين"... فقياسه على (برة) قياس مع الفارق، ولو صح هذا، منع أحمد، ومحمد وحسن، ومحمود، وقد قال المحدثون إذا اشتهر اللقب جاز، وإن كان ذما كأعرج، وأعمش، فما ذكر تضييق وحرج في الدين، وفي هذا الكتاب كثير من هذا – أي "المدخل" – فإياك والاغترار به، والأعلام إنما تدل وضعا على الذات، والتفاؤل بالأمور الحسنة مستحب لقوله في الحديث "كان يحب الفأل ويكره الطيرة" والحمد قائله لا يعتقد ما يقال له، والشبه بالعجم فيما لا يزاحم الشرع غير منهي عنه، إلا للعصبية المذمومة، بدليل حديث الخندق، ويدل لما ذكرنا حديث تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد، أما حديث (برة) إن صح، فإنما فعله صلى الله عليه وسلم لكونه من أعلام الجاهلية، أو بمعنى آخر، بدليل أنها كانت (برة) في نفسها".
وعقب على هذا الكلام سليمان الحوات فقال : قال مقيده عفا الله عنه : كنت قبل هذا الزمان علقت عليه في هامش "الريحانة" بحسب وقوله :
أتيت أبا المحاسن كي أراه بشوق كاد يجذبنـي إليـه
فلما أتيت وجــدت فردا  ولم أر من بنيه ابنـا لديه"
وقوله :
"وسميته يحيى ليحيى فلم يكن  لرد قضا الله فيه مدافــع"
ومنه عند قوله : "والتشبيه بالعجم الخ .." :
مسألة التشبيه بالعجم خلافية، فلا يتم الرد بالمقابل، ومنه عند قوله : وأما حديث (برة) الخ... كراهيته عليه الصلاة والسلام (لبرة) محتمل لكونه من أعلام الجاهلية كما قال، ولكونه من تزكية النفس، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم "لا تزكوا أنفسكم" يعين الثاني ويرجحه، فهو بيان لعلة الكراهية، ولا ينافيه أنها كانت (برة) في نفسها..".(18)
وهكذا نرى الشيخ سليمان الحوات رحمه الله يؤيد كراهية شيخه بن سودة للقب "شمس الدين" ويجادل الخفاجي فيما أورده بريحانه الألباء، مجادلة العلماء بالحجج الدامغة، والأسلوب العلمي الهادئ الرصين..، وقد كتب العلماء في هذا الموضوع صفحات كثيرة، فمن أراد المزيد فعليه العودة إلى المصادر التي أشرنا إليها من قبل :
1 – تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن".
2 – "شرح القرطبي لأسماء الله الحسنى".
3 – "المدخل" لابن الحاج.
4 – "ريحانة الألباء وزهرة الحياة الدنيا" للخفاجي.
5 – "بيان غربة الإسلام" .. لعلي بن ميمون.
وغيرها من المراجع، لأن ابن الحاج في "المدخل" نقل عن النووي وغيره.
ومهما يكن من أمر فإن موضوع الأسماء والألقاب له أصل أصيل في الشرع، وجدير بأن يبحث، وبأن يعرف أقوال العلماء ومذاهبهم فيه.

1 – مسلم : كتاب الإيمان – ص : 147.
2 – الموطأ : كتاب الاستئذان، باب ما يكره من الأسماء، و(لقحة) بكسر اللام وتفتح : ناقة ذات لبن.
3 – التمهيد، ج :24، ص :71.
4 – الموطأ : كتاب الاستئذان : باب ما يكره من الأسماء.
5 – المنتقى، ج: 7، ص : 297 – 298.
6 – (التمهيد/ ج :24، ص :73).
7 – في الباب السادس، ولفظ البخاري : غفار غفر الله لها، وأسلم سلمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، رقم الحديث : 3513.
8 – كتب الأدب: باب تغيير الاسم القبيح.
9 – عن تحفة المودود بأحكام المولود : 94 ط المكتبة القيمية – القاهرة.
10 – ترجمت له بدعوة الحق السنة 16 عدد 8 نونبر:1974، وذكر أمير البيان المصلح شكيب أرسلان أن قبره قرب بيروت (بمجدل معوش).
11 – الخزانة العامة بالرباط : 2123 ك.
12 – الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج: 5 ص :246، وتناول القرطبي الكلام عن هذا الموضوع في كتابه "شرح أسماء الله الحسنى".
13 – البخاري : كتاب الأدب، رقم الحديث 6061، باب ما يكره من التمادح.
14 – المدخل : ج1، ص :120.
15 – المدخل ج:1ن ص :123.
16 – العلمي الشفشاوني ثم الفاسي ( ت :1234 هـ).
17 – البيت لأبي لعلاء المعري والضمير في سألن يعود على النوق، وسعيد اسم الأمير المقصود.
18 – الروضة المقصودة لسليمان الحوات ، الفصل الأول في سبب تسمية شيخه (بالتاودي) (مخطوط).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here