islamaumaroc

القرآن الكريم وإشكالية الترجمة؛ قضايا ومشكلات وحلول.

  حسن عزوزي

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

لقد أوحى الله تعالى بالقرآن الكريم لفظا ومعنى كي يكون المعجزة الخالدة المستمرة إلى يوم الدين، وقد بلغ هذا القرآن المعجز من البلاغة والفصاحة حدا كبيرا أعجز فصحاء العرب وجهابذتهم الخلص حين تحداهم أن يأتوا بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، فثبت عجزهم عجزا بينا، واستحال عليهم محاكاة أسلوبه وبيانه، والإتيان بمثل مقاصده وأغراضه.
وقد أجمع علماء المسلمين أن نزول القرآن الكريم إنما كان لغرضين أساسيين :
أولا : أن يكون برهانا على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وذلك لنظمه المعجز، وأساليبه وتراكيبه التي بلغت الذروة في البلاغة والفصاحة، وبذلك يكون القرآن للبشر.
ثانيا : هداية الناس لما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم، ورسم نظام حياة متكامل للفرد والجماعة.
أما الغرض الأول : وهو كونه آية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا، فإن القرآن- وإن كان الإعجاز في جملته لعدة معان : كالإخبار بالغيب واستيفاء تشريع – لا يعتريه خلل وغير ذلك، ما عد من وجوه الإعجاز، فإنما يدور الإعجاز الساري  في كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية، جاءت لمقتضيات معينة، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقا، ونضرب هنا مثلا بما تختص به اللغة العربية من فن الإيجاز الذي يبلغ ذروته في بلاغة القرآن.
أما الغرض الثاني : وهو كون القرآن الأصل الأول للشريعة الإسلامية، ونظام حياة متكامل للفرد، وبالتالي هداية الناس إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فهذا يرجع إلى المعاني الأصيلة التي يشترك في تفهمها وأدائها جميع الناس، وسهل نقله إلى جميع اللغات، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته لاستفادة الأحكام والتشريعات لمكن لا يعرف العربية من المسلمين. (1)
لكن الإشكال لا زال يطال جنبا ميزا من خصائص لغة القرآن، وهو ما يتعلق بالدلالات التابعة، فإذا كانت الدلالات والمعاني والأصيلة يسهل ترجمتها فإن الأمر بالنسبة لدلالات التابعة يبقى مستحيلا.
وبيان ذلك : أنه كلما كانت الجملة العربية المراد ترجمتها أكثر من حمل الدلالات التابعة من غيرها كانت ترجمة تك الدلالات أكثر عسرا، ويزداد الأمر صعوبة إلى أن يصل إلى الاستحالة في نقل الآيات المعجزة من القرآن الكريم، إذ أن كثيرا من ألفاظ القرآن لا يوجد لها مقابل يوازيها في اللغات الأجنبية بحيث يؤدي ذلك اللفظ في لغته كل ما يؤديه اللفظ العربي، وذلك كلفظ "القرء" كما أن فيه ألفاظا يصعب تحديد معانيها في اللغة العربية نفسها كلفظ "الدهر" و"الحين" وفيه أيضا جمل يختلف معناها باختلاف وجوه الإعراب، وما من شك في أن ترجمة كل هذا بحيث يكون حاله في اللغة المنقول إليها كحاله في اللغة العربية أمر مستحيل.
مع كل هذا يبقى السؤل مطروحا في كيفية إيجاد حل لإشكالية ترجمة القرآن الكريم – وقد عدت أمرا مفروضا في عصرنا الراهن – وذلك على مستوى مختلف الدلالات والمعاني والإيحاءات، ومختلف الصور البلاغية التي تختص بها لغة الضاد.
تطرح – بهذا الصدد – طريقتان اتبعتا منذ أواسط هذا القرن، سواء من طرف المستشرقين أو المسلمين ممن أقدموا على ترجمة القرآن الكريم.
هناك أولا "الترجمة الحرفية" للقرآن :
وهي أن يترجم نظم القرآن إلى لغة أخرى في المفردات، والتراكيب، والنسق، والأسلوب، لتقوم الترجمة مقام الأصل العربي، ومما لا شك فيه أن نقل كلام من لغة إلى أخرى بكل ما في الأصل من المعاني والإيحاءات، وظلال اللفظ وإشارات التراكيب، وجمال الأسلوب وروعة البيان، أمر مستحيل، فما أكثر ما ترجم أدباء العرب تمثيليات شكسبير، وما أكثر ما ترجم أدباء العرب والغرب رباعيات الخيام الفارسية إلى لغاتهم، ولكن ما أبعد تلك الترجمات عن الروعة التي توجد في الأصول المترجمة والمعاني التي توحي بها كلماتها وتراكيبها.
هذا في كلام البشر، فكيف به في كلام الله المعجز؟
فالترجمة الحرفية متعذرة في كل آيات القرآن، إنها تشوه المعنى، ولا تحقق الغرض الذي أقيمت الترجمة من أجله، والذي هو إيضاح مقاصد القرآن، وبيان هداياته.
أما النوع الآخر من الترجمة فهو "الترجمة التفسيرية أو المعنوية" :
وهي تنصب على فهم معاني الآيات أولا، ثم بعد الفهم ينقل المعنى المفهوم إلى اللغة الأخرى، وذلك حسب طاقة المترجم وما تسعه لغته المترجم إليها من غير تقيد بترتيب كلمات الآية، أو مراعاة نظمها.
والترجمة التفسيرية هي وحدها التي تراعي إلى حد ما الدقة في فهم النص، وتقوم بيان المراد من الآيات، وما تقصده من الهداية والأحكام، فهي ترمي إلى فهم المعاني المرادة من النص الأصلي للآية أو الآيات القرآنية، وذلك بشرح الغامض، وتفصيل المجمل، وتوضيح الأهداف والغايات المقصودة.
فليست الترجمة هنا ترجمة لفظية مساوية للفظ الأصلي بقدر ما هي ترجمة للمعنى المفسر، والذي أبرزه علماء التفسير من خلال تفاسيرهم، فكما جاز تفسير الآيات القرآنية بأسلوب عربي جاز كذلك تفسيره بلغة أجنبية تبين للناس على اختلاف مشاربهم ولغاتهم هداية القرآن وتعاليمه المجيدة، وكما جاز وقوع المفسر في أخطاء في معرض بيانه لمعاني آيات جاز الخط فأيضا في الترجمة التفسيرية، إذ لا فرق بين المفسر والمترجم، إلا أن هذا يضع في بيان معنى اللفظ لفظا عربيا، وذاك يضع لفظا أعجميا.
وقد أكد الشيخ محمد حسنين مخلوف (2) أن "الترجمة الحرفية المثلية لقرآن الكريم بأية لغة غير معقولة ولا ممكنة، في حين أن الترجمة التفسيرية جائزة قطعا، فهي ترجمة للتفسير لا للقرآن".
إنه بالمقارنة بين قسمي الترجمة القرآنية يتبين لنا أن نقل خصائص الإعجاز اللغوي والبلاغي إلى لغة أجنبية يعتبر أمرا مستحيلا في الترجمة الحرفية، وغير مستحيل إلى حد ما في الترجمة التفسيرية.
فالترجمة الحرفية تؤدي إلى انغلاق المعنى وتحجيمه بشكل يرمي إلى الخلط والالتباس، وذلك لأسباب مذكر منها :
1 – الاختلاف القائم بين اللغة العربية وغيرها من اللغات الحية من حيث الخصائص اللغوية والنحوية والبلاغية والاصطلاحية والتركيبية، إذ أنها في اللغة العربية دقيقة ومتميزة وفريدة من نوعها لا يوجد مقابل كثير منها في اللغات الأجنبية، كما لا يوجد تكافؤ للألفاظ في اللغتين مما ينتج عنه ضياع العديد من معاني القرآن ودلالاته.
2 – اختلاف الدلالة في الألفاظ، إذ ليست هناك مطابقة تامة بين مدلول ألفاظ اللغة العربية وما يقابلها في اللغات الأخرى، فكلمة "أخ" في اللغة العربية تدل على الأخ في النسب والأخ في الدين، ومنه قوله تعالى :" فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" (3) حيث تترجم كلمة "أخيه" إلى اللغة الفرنسية بـ « son frère » التي لا تدل على معنى الأخ في الدين الذي يعتبر من دعائم الترابط الوثيق بين المسلمين الذي يهدف إليه الإسلام، كما أن كلمة « uncle » (4) في اللغة الإنجليزية تعطي معنى لفظتين في العربية هما الخال والعام، وكلمة "بقرة" عند الهندي مثلا توحي بشعور قدسي إضافي تخلو منه نظائرها في اللغات الأخرى.
3 – هناك اختلاف روابط المفردات والجمل بين اللغة العربية وغيرها من اللغات، إضافة إلى اختلاف الضمائر الظاهرة والمستترة، فضمير المخاطب "أنتما" للمثنى لا نجده في اللغة الفرنسية، حيث يعبر عن المثنى والجمع مذكرا كان أو مؤنثا بضمير واحد هو « vous »، ولعل أبرز مثال يمكن إقامته في هذا السياق هو تخصيص المثنى بالذكر في "أخويكم" من قوله تعالى :": إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم"، (5) وهذا التخصيص لا أثر له في الترجمات الحرفية التي قام بها بعض المستشرقين :
مثل جاك بيرك" الذي ترجم الآية بقوله :
« les Croyants ne sont que des frères, donc réconcilier vos frères » (6)
نفس الشيء بالنسبة "لدنيس ماصون" نزيلة "باب دكالة" بمراكش (تـ 1994) في ترجمتها للقرآن، بقولها : (7)
« Les croyants sont frères, établissez donc la paix entre vos frères ».
أما البروفيسور "محمد حميد الله الحيدر آبادي " نزيل باريس إلى يومنا هذا، فقد راعى – وهو العالم المسلم المتخصص – ضرورة القيام بترجمة تفسيرية تبين المقصود، وتوضح المراد بدقة تامة حيث أبرز التثنية الواردة في الآية بقوله : (8)
« Rien d’autre, les croyants sont des frères, faites donc la paix entre vos deux frères ».
إنه بوجود مثل هذه الاختلافات على مستوى النحو والتركيب تنهار القاعدة الأصلية لهذا النوع من الترجمة الحرفية، فتفقد بذلك قيمتها وتعجز عن أداء الغرض المطلوب الذي هو إيضاح الأصل وبيانه.
إن لأسلوب القرآن خصائص ومميزات تجعل النظم الكريم يستحيل ترجمته ترجمة دقيقة تفي بالأغراض والمقاصد القرآنية، فمن ذلك  أن الكثير من أساليب القرآن لا تجري علىالحقيقة، وإنما المراد بها المجاز، والأسلوب المجازي القرآني وصوره المتباينة تحول دون إيجاد مقابل لها في اللغة المنقول إليها لأن صورة المجاز تتلف من لغة إلى أخرى.
ومما لا شك فيه أن اللغة العربية قد تجاوزات بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى حدود المعاني المجردة، كما أنها انفردت بفنون من النظم لم تتوافر شرائطه وأدواته لفنون النظم في لغة من اللغات.
ويعتبر الإعراب أيضا من أهم خصائص اللغة العربية التي امتازت بها عن غيرها من اللغات، ويعترف المستشرق "يوهان فوك" Johann Fuck (9) بميزة الإعراب التي تكاد العربية تختص بها، فعلامات الإعراب تبرز المعنى المقصود كيفما كان موقع الكلمة، وفي القرآن الكريم أساليب عدة تتسم بالمرونة، فتقبل التقديم والتأخير دون أدنى لبس أو اضطراب مثل قوله تعال : "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، (10) وقوله :" وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، (11) حيث أفاد تقديم المفعول في الآية الأخيرة اختصاص العبودية له سبحانه وحده، ويعزز هذا بقوة التحذير الوارد في أول الآية عند قوله تعالى : "ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين" :
وإذا ما رجعنا إلى بعض الترجمات وجدناها لا تراعي كل هذه النكات الإعرابية والبلاغية، وذلك لقلة وعاء لغلتها وعجزها عن استيعاب أسرار لغة القرآن، فقوله تعالى :" بل الله فاعبد وكن من الشاكرين".
ترجمتها "دنيس ماصون" بقولها : (14)
« Bien au contraire, adore Dieu et sois de ceux qui sont reconnaissants ».
وترجمها "جاك بيرك" بقوله : (15)
« Que non pas ! adore donc Dieu et sois entre tous reconnaissants ».
أما محمد حميد الله" فقد كان أقرب إلى ترجمة المراد من تقديم المفعول لإفادة اختصاص العبودية بالله وحده، وذلك عندما أضاف كلمة « seul » أي وحده في قوله : (16)
« Non, mais adore Dieu seul et sois membres des reconnaissants ».
وتبقى محاولة "حميد الله " بالرغم من ذلك قاصرة عن بلوغ الغاية من إفادة الاختصاص الموجود في النص العربي.
وهيهات أن تقوم مقام العربية لغة أخرى تبرز تلك الأسرار البلاغية والإعجاز اللغوي الذي يزخر به النظم القرآني الكريم.
ومن مشكلات ترجمة النص القرآني كذلك ما جاء من ألفاظ مشتركة أو متضمنة لعدة معان ما هو الشأن في لفظ "القرء" من قوله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، (17à) ومعلوم أن المراد بالقرء عند مالك والشافعي "الطهر"، وعند أبي حنيفة ورواية عن أحمد أن المراد بها "الحيض". (18)
وهل من سبيل إلى الإشارة أثناء الترجمة إلى المعنيين معا وهما في حالتنا هاته متضادان؟
لقد ترجم "جاك بيرك" الآية بقوله : (19)
« Quant aux répudiées mise en observation de leur personne pour une durée de trois menstruations ».
10 – فاطر – 28.
11 – البقرة – 124.
12 – الفاتحة – 5.
13 – الزمر – 65.
14 – D. Masson, op cit II/575.
15 – J. Berques ; op cit p 501.
16 – M. Hamidullah, op cit p615.
17 – البقرة – 228.
18 – انظر "أحكام القرآن" : لابن العربي 1/181 و"أحكام القرآن" : للجصاص 1/435.
19 – J. Berque ; op cit p 57.
في حن ترجمها "أندريه شوراكي" بقوله : (20)
« Les femmes répudiées attendront trois périodes ».
فإذا كان "بيرك" قد اقتصر على ترجمة "القروء" "بالحيضات" menstruations  فقط مهملا المعنى الآخر في الهامش، فإن "سوراكي" – وكعادته في جميع فصول ترجمته الواهية – (21) قد أبهم وأغلق، ولم يكلف نفسه عناء الرجوع إلى كتب التفسير لتبين معاني الآية، حيث ترجم القروء" بـ Périodes أي "دورات" واكتفى بالقول في الهامش بأن هذه الدورات الثلاث تمثل نوعا من العدة.
وإذا كان "بيرك" لم يكلف نفسه عناء البحث في التفاسير التي طالما تشدق بكونه كان يرجع إليها دوما، واكتفى بالتالي بتقديم ترجمة لمعنى واحد فحسب دون الإشارة إلى المعنى الآخر، وإذا كان " شوراكي" قد تذبذب فترجمته، ولم يشر إلى أن من المعنيين بصراحة، فإن "محمد حميد الله" قد أشار في ترجمته إلى المعنيين معا حيث ترجم (22) "القروء" ب: Menstrues أي "دورة النساء الشهرية" التي تفيد "الحيض"، مشيرا بالهامش إلى معنى الثاني بقوله :" إن معنى "القرء" يفيد معنى "الحيض" كما يفيد معنى "الطهر" (la période sèche).
بهذه المقارنات إذن يتبين التفاوت الصارخ بين مستويات فهم واستيعاب أسلوب القرآن وبلاغته، ولعله من الواضح أنه مادام يتعذر نقل لفظ مشترك كلفظ "قرء" إلى اللغة الفرنسية وغيرها من اللغات، فإن هذا الإشكال لا يمكن حله إلا بالتفسير والتوضيح المرافقين للترجمة، وذلك من أجل أن تتضح للقارئ كل المعاني المحتملة والمقررة من طرف المفسرين، دون إغفال تقديم المعنى الراجح على المعاني المرجوحة.
ومن أمثلة اللفظ التي تأتي بمعان عدة لفظة "الهدى" (23) فإذا كانت الألفاظ المشتركة يتعذر – كما رأينا – ترجمتها بما يفيد كل معانيها فإن غيرها من الكلمات القرآنية الدالة على معان مختلفة لا تطرح نفس الإشكال، لكنها تطلب جذرا شديدا، ودقة متناهية بمراعاة المعنى المراد ومحاولة نقله بأمانة، وهو ما لم يتفطن إليه جل المترجمين الذين راحوا يطلقون نفس المرادف لكل المواقع التي يرد بها اللفظ.
فلفظ "الهدى" مثلا :
يأتي بمعنى "الإسلام" كما في قوله تعالى :
"قل إن هدى الله هو الهدى". (24)
يأتي بمعنى "الإرشاد" كما  في قوله تعالى :"إهدنا الصراط المستقيم". (25)
ويأتي أيضا بمعنى "الإيمان" كما في قوله تعالى:" ادع لنا ربك لما عهد عندك إننا لمهتدون"، (26) وقوله :" ويزيد الله الذي اهتدوا هدى". (27ح
ويأتي بمعنى "القرآن" كما في قوله تعالى:" وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى". (28)
إلا أن تراجمة القرآن اكتفوا بإيراد مرادف واحد لكل تلك الوجوه، وهو لفظ « Guidance »، ومشتقاته عند "جاك بيرك"، و »La vrai direction » عند دنيس ماصون، و »La Guidée » عند "حميد الله"، وكل هذا يتبين بوضوح من خلال الجدول التالي :

الآيات القرآنية

/

إسم المترجم

"إهدنا الصراط المستقيم" (الفاتحة 6)

"إن هدى الله هو الهدى" (البقرة 120)

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى" (الكهف 55)

" ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" (مريم 76)

"إننا لمهتدون" (الزخرف 49)

دنيس ماصون

Guide nous

Dis : »la direction de Dieu est vraiment la direction »

Qui donc a empêché les hommes de croire lorsque la direction leur est parvenue

Dieu accroît la rectitude de ceux qui suivent la vraie direction

Nous serons bien dirigés

جاك بيرك

Guide nous…

Dis : Guidance de Dieu est la seule guidance

…une fois touchés par la guidance

Et puisse Dieu rajouter en guidance à ceux qui bien se guident

Et pour sûr nous allons bien nous guider

محمد حميد الله

Guide nous..

Dis : la guidée de Dieu

Lorsque la guidée leur est venue

Dieu accroît la guidée à ceux qui se guident

Nous nous guiderons oui

هذه إذن بعض النماذج الدالة على استحالة ترجمة بعض الآيات والكلمات القرآنية، وصعوبة ترجمة أخرى، نظرا لاختصاص اللغة العربية بأساليب وتراكيب لغوية وبلاغية لا يوجد لها مقابل في غيرها من اللغات، وهي تدل في سياق النظم القرآني على إعجاز لغوي وبلاغي فائق.
ولما كانت الترجمة التفسيرية أقرب إلى بلوغ حظ من المراد وجب الاهتمام بها أكثر، وبذل جهد أوسع، قصد إيجاذ حلول هادفة لمشكلات الترجمة التي تعرضنا لبعضها، ولا شك أن المحاولات الكثيرة التي قام مختلف التراجمة من مسلمين ومستشرقين قد تمخضت عنها اجتهادات متنوعة، لو تم تجميعها والتوفيق بينها لكانت محققة لبعض الأهداف المرجوة.
ومما لا شك فيه انه بعد ظهور عشرات الترجمات بمختلف اللغات ثبت قطعيا كون الترجمة الحرفية متعذرة، ولا تجوز في حق كتاب الله تعالى لأنها تخل بمقاصده وأحكامه، ولا تقيم لمختلف أوجه الإعجاز التي تنطق بها آياته وزنا. بالمقابل يمكن استثمار ما يعرف بالترجمة التفسيرية وتطوير البحث في قواعدها قصد إيجاد الحلول لمختلف الإشكالات التي لا تزال مطروحة.

ولعل من أهم خطوات الترجمة التفسيرية المقبولة ما يلي :
1 – اعتبار كون الترجمة التفسيرية لا تهدف إلى محاكاة النص الأصلي للقرآن الكريم بقدر ما هي تصوير للمعاني المقصودة، وذلك بأن يحاول المترجم فهم النص فهما كاملا في أصله العربي، سواء كان المعنى حقيقيا أم مجازيا متبعا في ذلك أصول التفسير وقواعده.
2 – ضرورة وقوف المترجم على أسرار لغة القرآن الكريم، واستيعاب خصائصها وأساليبها، وتذوق مواطن الإعجاز الكامنة في آياته.
3 – إذا كانت الألفاظ القرآنية مشتركة أو متعددة المعاني – وقد سبق أن عرضنا بعض أمثلة ذلك – وجب على المترجم اختيار المعنى الأكثر شهرة والقرب إلى قول الجمهور من المفسرين، مع الإشارة بالبيان والإيضاح إلى باقي المعاني، إشعارا للقارئ باحتمال كل تلك المعاني للمراد من اللفظ القرآني.
4 – يجب على المترجم بالإضافة إلى إتقانه للغتين العربية والمنقول إليها الإحاطة بعلم التفسير وقواعده، وإدراك العلوم التي يتوقف عليها ذلك مما قرره العلماء.
5 – يجب أن تكون اللغة المنقول إليها سلسة وعذبة، وميسرا فهمها للجميع، دون تعقيد أو تشدق في التعبير قد لا يساعد على فهم الترجمة واستيعاب المعنى.
وقد ظهرت منذ ثلاث سنوات خلت ترجمة فرنسية للقرآن الكريم قام بها "اندريه شوراكي" A. Chouraqui، وهو يهودي ما انفك يترجم من ألفاظ القرآن ترجمة معقدة ربطها بما يقابلها من الألفاظ العبرية الواردة في التوراة، اعتزازا منه – كما يقول – بتوافق تلك الألفاظ بين اللغتين المقدستين، ولذلك أبقاها على حالها وأصلها العبراني كما يزعم.
ومن أمثلة ذلك ترجمته لرب العالمين  بـ : « Rabb des Univers » والشياطين ب :les Shaitans، (29) وغير ذلك، (30) كما أنه قد يقيس لفظة قرآنية بما يشابهها لفظا ومعنى في العبرية، فيترجم اللفظة حسب واحد من المعاني التي يحتملها اللفظ، كما في قوله تعالى:"إن الذين كفروا"، (31) وسائر الآيات التي وردت فيها مشتقات اللفظة، فقد ترجم الآية بقوله : »Mais voici ceux qui effacent Allah »، ثم أشار بالهامش إلى أن المعنى الأول لفظة "كفر" وللأصل العبراني « kapara » هو المسح والستر (32) ولذلك ترجم "كفر " ب « effacer ».
وما من شك في أن القارئ – مهما كان متخصصا – فبمجرد سماعه لهذه الترجمة سوف يستهجنها، ويستبعد أن تكون محققة لأدنى حظ من إصابة المعنى المراد.
أما "جاك بيرك" المعروف بلغته الفرنسية الأكاديمية، والتي لا يجادل أحد في كونها جيدة للغاية، وفي أعلى مستوياتها، فقد ضمن ترجمته للقرآن ما يستعصي فهمه على غير القلة من المتخصصين، وهو ما لا يساعد في شيء على تحقيق الهدف من وراء ترجمة القرآن الكريم الذي هو إبلاغ هداية الله تعالى وأحكامه وتشريعاته إلى مختلف الأجناس.
6 – يجب تعزيز ترجمة معاني القرآن الكريم بإيضاحات وبيانات تضاف بالهوامش، تتعلق بذكر بعض أسباب نزول الآي ذات البعد التفسيري البياني، وكذا توضيح الناسخ والمنسوخ، وبيان الأحكام الفقهية الأساسية بإيجاز واقتضاب، مع اختيار الآراء التي وافق عليها الجمهور، والبعد عن الخلافات المذهبية.
7 – لا بد من فهم المترجم للقراءات القرآنية المتواترة، واستيعاب المعاني المترتبة عنه، وكذا اختلاف الإعراب في بعض المواقع، وما يترتب عن ذلك من اختلاف المعنى وتعدده، كما يجب عليه استبيان الإنسجام والتسلسل وانتظام الآيات الآخذ بعضها بأعناق بعض بشكل بديع ودقيق، ثم محاولة التعبير عن كل ذلك بترجمة هادفة.
هذه إذن بعض الملاحظات والاقتراحات تخص إشكالية ترجمة معاني القرآن الكريم، وهي ملاحظات تكاد لا تنتهي، إذ أن كل محاولة من محاولات الترجمة التي ظهرت لحد الآن ما فتئت تثير تساؤلات وملاحظات المختصين.
من هنا جاءت دعوة كثير من المهتمين بضرورة النهوض "بمشروع الترجمة" على مستوى جماعي نظرا لما يعتور الترجمات الفردية من نقائص وعيوب تخل بجلالة وسمو معاني القرآن الكريم.
وهناك من يدعو كذلك إلى عدم ترجمة القرآن، وإنما الذي يترجم هو تفسير موجز واضح يتم اختياره لترجمته، فيسمى "ترجمة لتفسير القرآن".
ويجب التنبيه إلى أن ترجمات المستشرقين لا تكاد تسلم في مجملها من الهنات والنواقص التي ترجع إلى بعدهم عن تذوق الأسلوب العربي بصفة عامة، وأسلوب القرآن البديع بصفة خاصة.
أما ترجمات المسلمين فهي أقل وقوعا في ذلك من غيرها، وإن ثبت إقدام الكثير منها – ممن لا تخصص لهم في ميدان الإسلاميات – على ترجمة القرآن الكريم، لا لشيء إلا لكونهم يتقنون إلى حد ما اللغتين العربية والمنقول إليها.

1 – عبد الله عباس الندوي : ترجمات معاني القرآن الكريم  وتطور فمهم عند الغرب / دار الفتح /ط1/ 1972 ص :19.
2 – محمد حسنين مخلوف : رسائل في حكم ترجمة القرآن، / ص :11.
3 - البقرة – 178.
4 – انظر لفظة «uncle » في Oxford Dictionary.
5 – الحجرات -10.
6 – Jacques Berque : Le Coran, ed Sindibad 1991 p 561.
7 – Denise Masson : Le Coran, ed Folio – Gallimard 1967, II/640.
8 – M. Hamidullah, le Saint Coran, 10ed, Beyrouth 1981 p 686.
9 – يوهان فوك، دراسات في اللغة واللهجات / ترجمة : د. عبد الحليم النجار 1951 ص :15.
20 – André Chouraqui : Le Coran : l’Appel et Robert Laffont 1991 p90.
21 – لما كانت ترجمة "أندريه شوراكي" قد تمت مصادرتها منذ ثلاث سوات نظرا لإخلال صاحبها بقدسية القرآن الكريم ولتحريفه لمعاني كثير من الآيات، فقد اعتمدت على نسخة مصورة من الترجمة بعثها إلى المستشرق الفرنسي P. Guihard فإليه كامل الشكر.
22 – M. Hamidullah : op it p 45.
23 – أورد الدامغاني في كتابه "إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم" طبعة دار العلم للملايين (ط 3/1980 ص :473) ستة عشر وجها للفظة الهدى.
24 – البقرة : 120.
25 – الفاتحة – 6.
26 – الزخرف – 49
27 – مريم – 76
28 - الكهف – 55.
29 – يذكر "شوراكي" عند ترجمته لقوله تعالى:" وإذا خلوا إلى شياطينهم" (البقرة :14) بأن كلمة شيطان يقابلها في العبرية كلمة Satan، ثم يحيل على التوراة.
30 – انظر مثلا ترجمته لمصر في قوله تعالى:" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" (يوسف -99) بقوله : « Entrez en Misr Allah l’a décidé dans l’amen »
31 – البقرة -6، وانظر ترجمة "شوراكي" ص :33.
32 – ذكر المفسرون أن كل معاني "الكفر" قد جمع بينها قدر مشترك هو الستر، انظر مثلا "البحر المحيط" : 1/ 44.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here