islamaumaroc

كلمات وإشارات-11-

  عبد القادر زمامة

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

37 – تفسير الماوردي لكتاب : "النكت والعيون"
كما منذ مدة نتطلع إلى ما كتبه أبو الحسن المارودي المتوفي عام 450 هـ عن تفسير الكتاب العزيز... وقد رأينا في كتب عدة نقولا عنه... كما عرفنا الماوردي، العالم المطلع، الفقيه المتضلع من الأصول والفروع والخطط.
ولقد اشتهر "الماوردي" بأبحاثه المعمقة الراجعة إلى تنظيم هيئات الحكم، من : خلافة ... ووزارة.. وسلطنة .. وقضاء..، وما يدخل في اختصاصات كل هيئة وخطة، وما يشترط في رجال المسؤوليات في شروط... ليؤدوا واجبهم الديني والاجتماعي والسياسي والقضائي على أحسن الوجوه وأفضلها.
فهو من هذه الناحية يعتبر فقيها متميزا بأبحاثه التي تكاد تكون من الفقه الدستوري المبني على أسس شرعية، ومقاصد اجتماعية وعقلية وسياسية، وتنظيمات مالية وإدارية وحربية.
وكتبه شهيرة في هذه المجالات الراجعة إلى الخطط السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها ومنها :
"الجاوي" الذي جمع معلومات جمة متنوعة ..
"الأحكام السلطانية"...
و"قوانين الوزارة وسياسة الملك"...
و"أدب الدنيا والدين"...
و"أعلام النبوة"...
و"أدب القاضي"...
و"الأمثال والحكم"...
وغيرها مما هو معروف من كتبه المخطوطة والمطبوعة...
ولقد تهيأت له ظروف عدة ليمارس الحياة.. والحياة الاجتماعية بصفة خاصة... حيث تولى منصب القضاء لمدة طويلة في عدة جهات، كما أنه كان بمنزلة المستشار عند بعض الخلفاء والأمراء والوزراء، في عاصمة بغداد قبل أن ينعزل في بيته للكتابة والتأليف بعد تجاربه الطويلة.
و"الماوردي" وإن كان في أصله فقيها شافعي المذهب، فإنه إلى جانب ذلك، كان يملك عقلية متفتحة، وذكاء وقادا، وإطلاعا واسعا، وتجربة متنوعة في عدة ميادين.
وترجمته واسعة لا تخلو من عناصر الطرافة والتجديد، والنظرة المعمقة للسلوكات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ونحن هنا في مقام الإشارة، لا في مقام الاستيعاب، وهدفها منصب على تفسيره المسمى : "النكت والعيون" وقد طبع أخيرا في ستة أجزاء طبعة جيدة ومحققة.
تفسير " النكت والعيون" يهتم قبل كل شيء بالكلمات والتعابير القرآنية التي تخفى على الناس، أما ما كان منها واضح الدلالة، ظاهر المعنى، فيتركه لفهم القارئ المتفهم للغة الضاد، وأساليب البيان فيها.
"الماوردي" ريان من تفاسير السابقين، يعرف "المأثور" و"المعقول" ولكنه في تفسيره هذا أراد أن يجمع آراء أئمة التفسير، ناسبا كل قول إلى صاحبه بدقة ونظام، وفي الوقت ذاته يحاول أن يدلي في كثير من الأحيان، إما بترجيح.. وإما بتوجيه... وإما بتكميل الآراء الأخرى.
وإلى جانب هذه الطريقة، لا ينفك "الماوردي" يتكئ على اللغة، ودلالة المفردات، مع تحليل لهذه الدلالة أحيانا تحليلا بديعا يكون حكما فيما جاء به أقوال المفسرين.
ومصادر "الماوردي" متعددة منها بطبيعة الحال:
"تفسير الطبري" المسمى : "جامع البيان عن تأويل آي القرآن".
ومنها كتب النحو واللغة والقراءات، وكتب الفقه – ولاسيما الفقه الشافعي – مع إشارة إلى فقهيات المذاهب الأخرى مالكية، وحنفية، وظاهرية، ولا يتطرق إلى فقهيات الحنابلة، بناء على (رأيه) ورأي فقهاء آخرين من أن المذهب الحنبلي، هو قبل كل شيء يعتمد على الأحاديث والآثار، وما أفتى أو حكم به الصحابة والتابعين وهذا (رأي) المفسر "الطبري" كما هو معروف.
وتفسير "الماوردي" يتتبع سور القرآن الكريم كلها بالمنهاجية التي أشرنا إليها، مع ترتيب الأقوال، وترجيح ما يستحق الترجيح، والسكوت عن ذلك إذا لم يكن هناك دليل.
وبناء على ذلك، فلا يمكننا من الناحية المنهاجية أن نقول :"إن تفسير "الماوردي" هو من قبيل التفسير المأثور فقط، بل إن به من "المأثور" الشيء الكثير، وفيه من "المعقول" أيضا ما يقتضيه المقام، وما يكون نبراسا للإيضاح والربط والاستنتاج.
ولقد أوضح "الماوردي" فيه هذا المنهاج بأجلى عبارة في المقدمة التي قدم بها لتفسيره وهي مقدمة جيدة ومفيدة.
ويعجبك في "الماوردي" أنه شحن تفسيره بإشارات ونكت يقتبسها من كتابة الكتاب، وشعر الشعراء، وحكمة الحكماء، من جملتها، ما رواه في المقدمة وهو يتحدث عن إعجاز القرآن قال :
"حكى أن ابن المقفع طلب أن يعارض القرآن فنظم كلاما وجعله مفصلا وسماه سورا.
فاجتاز يوما بصبي يقرا في مكتب قوله تعالى : "وقيل يا ارض إبلعي ماءك، ويا سماء العي، وغيض الماء وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين".
فرجع ومحا ما عمل وقال :
ـشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر، وكان فصيح أهل عصره".
والمادة التي جمعها "الماوردي" في كتبه المتعددة نجد آثارها واضحة في كتب عدة أعلام، ممن اهتموا بالخطط، والحسبة، والسياسة الشرعية، سواء منهم المشارقة أو المغاربة وفيهم :
• ابن تيمية.
• وابن رضوان
• وابن خلدون
وغيرهم ممن كتبوا كتبا أو فصولا تجع إلى تدوين ما مر، في التاريخ الإسلامي من تجارب في أساليب الحرب والإدارة والسياسة والحكم، وما إلى ذلك.
38 – ابن آجروم "الأب":
       ابن آجروم "الإبن":
ينتسب محمد بن محمد بن داود ابن آجروم إلى صنهاجة المعروفة بحوز مدينة صفرو، وهذه الكلمة آجروم لها صيغ معروفة جارية على الألسنة إلى الآن، ومن جملتها صيغة "أكرام" وتعني فيما تعنيه الزاهد المتعبد الفقير، ولعل هذا كان لقبا لبعض أجداده.
ويلفت النظر في ترجمة "ابن آجروم" أن المؤرخ ابن العباس ابن القاضي في كتاب "جذوة الاقتباس" يقول في ترجمته : إنه ولد بعدوة الأندلس في مدينة فاس، بينما نجد في ترجمته من كتاب " سلوة الأنفاس" أنه نزيل فاس، عاصر ابن آجروم "الأب" الطور الأول من أطوار دولة بني مرين، ولم يحظ – فيما نعلم – بترجمة متسعة مفصلة لأطوار حياته وأشياخه، وإنما اشتهر شهرة واسعة برسالته الشهيرة :"الأجرومية" التي شرقت وغربت، وأعجمت وأعربت منذ قرون في أقطار مختلفة وإلى الآن. ومن أجل ذلك ذكر في عدة كتب مشرقية ومغربية.
ومن الطريف أن أبا الوليد ابن الأحمر في كتابه : "نثير الجمان" وهو تلميذ لابن آجروم "الإبن" يقول عن ابن آجروم" الأب" ما يأتي :
"كان فقيها متفننا أستاذا نحويا لغويا مقرئا شاعرا بصيرا بالقراءات، ولم يكن في أهل فاس في وقته أعرف منه بالنحو" كما أنه من الطريف أن يكون الوليد ابن الأحمر، قد أنشد لوالد ابن آجروم "الأب" واسمه محمد بن داود قطعة شعرية لطيفة من ثلاثة أبيات.
وبذلك يكون أبو الوليد ابن الأحمر يعرف هذه السلسلة" الجد والأب والحفيد.
ولقد رحل "ابن آجروم" صاحب "المقدمة" إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، ولقي بمصر المفسر النحوي الأندلسي الشهير "أبا حيان" مؤلف تفسير:"البحر" وأخذ عنه، واستجازه فأجازه.
ومعلوم أن "أبا حيان" توفي سنة 745 هـ - 1344م.
ورسالة "الأجرومية" المعروفة أيضا "بالمقدمة" اجتهد فيها مؤلفها لتكون في متناول أفهام الطلبة الناشئين، بعيدة عن التعقيدات والتأويلات والتقديرات.
وودع "ابن آجروم" "الأب" هذه الحياة سنة 720 هـ - 1323م، وعاش شيخه "أبو حيان" بعده أكثر من عشرين سنة.
ونتبع ذلك بإشارة موجزة لابن آجروم "الإبن"
وقد كان لابن آجروم "الأب" ولدان هما :
- أبو عبد الله محمد، ويكنى أيضا بأبي المكارم.
- وأبو محمد عبد الله
فالأول : له شهرة واسعة، وترجمة معروفة ويلقب بمنديل، وهو أستاذ أبي الوليد ابن الأحمر كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
أما الثاني : فقد اشتهر بكون والده كتب من أجله رسالة "الأجرومية" ليتعلم فيها مبادئ النحو، ولا نكاد نعرف عنه شيئا بعد هذا.
وأبو المكارم منديل، وهو محمد بن محمد بن محمد ابن داود الصنهاجي، كان شاعرا أديبا نحويا لغويا، وله صلات بأعلام عصره فيهم : للعلماء والأمراء والملوك، وله إنشادات ومقطعات وقصائد، وقد رحل إلى المشرق، وأخذ عن المفسر "أبي حيان" كما فعل والده من قبله.
وترجم له تلميذه "أبو الوليد ابن الأحمر" في كتابه :" نثير الجمان" ترجمة متوسطة مفيدة، وأتى بنماذج من شعره.
كما أن أبا العباس المقري المتوفى سنة 1041 هـ، قد احتفظ لنا في كل من كتابيه :" نفح الطيب" و"أزهار الرياض" ببعض أشعاره، من جملتها قصيدته الشهيرة التي مطلعها :
أيها العارفون قدر الصبوح  جددوا أنسنا ببات الفتوح
وتوفي أبو المكارم سنة 722 هـ - 1370 م.
وله ذكر في عدد من الفهارس والأسانيد وكتب التراجم، وقد عاش بعد والده ما يقرب من نصف قرن.
39 – عندما يلتقي علمان مفكران :
أبو علي مسكويه .. 421 هـ.
أبو حيان التوحيدي... 414 هـ.
جمع هذين المفكرين عصر زاهر بالعلوم العقلية والنقلية والمذاهب والآراء، وقد كان الأول منهما ذا جاه ومال وشهرة، وكان الثاني لا يدانيه في واحد منها، لكنه يدانيه في التعبير والتفكير، وهضم ما تحمله الحياة من موافقات ومفارقات، وتنوع في الوسائل والغايات.
والطريف أنهما اجتمعا في كتاب :"الهوامل والشوامل"، فأسئلة أبي حيان التوحيدي" سماها "الهوامل" :
و"الهوامل" تعني فيما تعني الإبل التي كانت عند العرب سائمة لا راعي لها، وإنما هي تنتقل في أرض الله بحثا عن العشب والكلأ.
و"الشوامل": تعني فيما تعني تلك الحيوانات الداجنة التي كانت عند العرب ترسل وراء الهوامل لتحرسها، وتحول دون تبعثرها أو تلفها.
فالمفكر التوحيدي يسأل صاحبه وأحد أعلام عصره أسئلة لغوية وفكرية وحضارية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية، وجلها طريف.
والمفكر "مسكويه" يتفهم الموضوعات بعمق، ويجيب بمعرفة وأناة رابط بين الجواب الموضوعي والحال النفسية والفطرية اللتين كان عليهما أبو حيان من :القنوط والتشاؤم والشكوى والتظلم، فمسكويه يعرف السائل معرفة جيدة، ويعرف مركباته المتعددة، ويعرف ما يعاني من ظلم معاصريه واستهانتهم بما يعرف من الأدبيات واللغويات والعقليات والجديات والهزليات.
ودارس كتاب :"الهوامل والشوامل" يستفيد ثلاث أشياء :
• سعة آفاق المعرفة والفكر عند مسكويه.
• وسعة آفاق النقد والشكوى واستطلاع عند التوحيدي.
• ومشاغل العصر، ومشاغل المثقفين، وما يعانون من أزمات وتناقضات ومركبات، ولاسيما حينما يعرضون بضاعتهم التي لا يملكون سواها من ملفات ورسائل وأفكار.
وقد عرفنا "أبا حيان" يشكو الزمان وأهله، وينتقد الحياة والأحياء، ويعاتب كل من خالطهم من الوزراء والكتاب والأدباء والعلماء.
لمن أسئلته في كتاب "الهوامل والشوامل" تمتاز بنوع من الطرافة حيث إنه يغلف انتقاداته وشكاويه بغلاف غليظ من استطلاع الرأي عند مسكويه، وإيهامه أنه رجل موضوعي نزيه لا يحمل حقدا على أحد، وإنما ينشد الحقيقة، والحقيقة وحدها.
أما من جانب "مسكويه: فقد عرف مقتصد السائل وراق لحاله وواساه حينا، بتجميل ما يمكن تجميله، وأحيانا يقسو في الإجابة، وكأنه يقول لصاحبه :
من قسا على السنا قسوا عليه.
ومن تتبع عيوبهم شهروا به ونبذوه.
ونحن نعرف أن "مسكويه" كان على جانب كبير من الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية، وكتابه : "تهذيب الأخلاق" شاهد على ذلك، فمركبات "أبي حيان" لا تخفى عليه، وأسباب هذه المركبات واضحة أمامه. لهذا أرخى له العنان، وجامله ما أمكنه المجاملة، وأسدى إليه من الأفكار والحلول والمعارف ما نجده في كتاب :"الهوامل والشوامل" غضا طريا، كأنه كتب للناس أجمعين، ليسدوا به الفراغات التي يجدونها، والمركبات التي يعانوها.
40 – "قل من حرم زينة الله " :
كان الإمام ابن رشد "الجد" في عصر المرابطين علم الفقهاء والمفتين في النوازل المتعددة ومستشار الأمراء والوزراء في الأندلس والمغرب.. وكتبه في هذا الميدان شرقت ورغبت، وأفادت السابقين والاحقين، إلى الآن.
ومن الطريف أن يسأل هذا الإمام سؤالا فيه بعض الإحراج في ذلك العصر، ونفوذ المرابطين قائم في كل من الآندلس والمغرب، وصلته بأمرائهم ورجال دولتهم صلة متينة لا غبار عليها .
ونجمل السؤال فيما يأتي :
سئل ابن رشد الجد عن زي المرابطين في التلثم.
هل هو واجب عليهم لزوما؟
أو يستحب...؟
أو يكره...؟
أو من مال منهم إلى العبادة.. يستحب له وضعه أم لا..؟
فأجاب رحمه الله :
خلق الله الخلق أجمعين.. وفرق بينهم في البلاء والأزياء والهيئات...
فلا يجب على أحد الرجوع عن زيه، وعن هيئته إلى زي سواه، وهيئته، لأنه من قبيل الجائز..
قال تعالى : "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده...".
41 – المفسر "القرطبي" في غربته ببلاد المشرق :
المفسر الأندلسي الشهير أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي صاحب التفسير الحافل بالمعقول، والمنقول، والأصول والفروع، خرج من وطنه الأندلس مهاجرا إلى المشرق أيام المحن والرواجف والروادف التي حلت بالفردوس المفقود خلال القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)...
وفي المشرق اشتهر بمؤلفاته وسلوكاته وأخلاقه وزهده، وابتعاده عن كل ما يدفعه إلى الشهرة والجاه، ولهذا كانت أخباره – على العموم – قليلة، وترجمته ليس فيها من الاتساع والعمق ما يوازي شهرته وعلمه وثروته التي خلقها من المؤلفات المفيدة، فنحن نجهل تاريخ ميلاد، كما أننا لا نعلم شيئا عن نشأته، ومراحل دراسته في قرطبة، وفي غيرها من أمصار الأندلس..
غير أننا نستفيد شيئا من ذلك مما كتبه يده في التفسير. وفي غيره من مؤلفاته الباقية إلى الآن.. فقد ذكر لنا في التفسير (ج 4/ ص :272) أن والده كان فلاحا، وأن النصارى قتلوه في إحدى هجماتهم على قرطبة.
كما ذكر لنا أحداثا شاهدها بنفسه في الأندلس، وكيف نجا من الموت بأعجوبة.
وذكر لنا عدة آلام عاناها، وهو يحاول النجاة من سيوف المهاجمين الزاحفين على الأمصار الإسلامية المتعددة وذلك في عدة صفحات من تفسيره.
ويظهر أنه غادر الأندلس بعد سقوط قرطبة (633 هـ /1235م) في يد القشتاليين.
وإشارات "القرطبي إلى بعض أخباره ليست خاصة بما سجله في أجزاء التفسير... بل نجد بعضها أيضا في كتابه الشهير :"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة".
فهو يذكر معركة "العقاب" التي انهزم فيها المسلمون سنة 609هـ، كما يذكر استيلاء الكفار على بلاد المسلمين في الأندلس وخراسان..
ومن المستغرب أن القرطبي لا يذكر دولة الموحدين بهذا الإسم، فيما رأينا من كتبه، كما أنه لا يذكر دولة بني الأحمر التي قامت فيما بقي من تراب الأندلس... وقد عاصر نشأتها.
وإذا كان المؤرخون قد قصروا في ترجمة المفسر "القرطبي" فإنه عرف نفسه وعرف غربته، وعرف ظروفه فلم يبخل على قراء كتبه ببعض الإشارات إلى أحواله وتقلباته، وبعض أشياخه وبعض الكتب التي ألفها، والأوطان التي حل بها، ولاسيما في بلد المشرق، حيث اشتهر هناك بسلوكاته ومؤلفاته وزهده.
والقرطبي واع بمشاكل العصر وقضاياه والتمزقات التي حلت بالمسلمين شرقا وغربا، وما واكب ذلك من هجومات : صليبية وتترية شرسة، تنتهك الحرمات وتهدم الحضارات ..
وفي البلاد المصرية شاهد الحقبة الأخيرة من دولة بني أيوب، ثم قيام دولة الممالك، وتوفي في أيام الظاهر "بيبرس" الذي حكم من سنة 658 هـ إلى سنة 676 هـ.
عاش القرطبي في القاهرة والإسكندرية، والتقى فيهما بعدة أعلام، وانتهى به المطاف إلى صعيد مصر، حيث اتخذ بلدة "المنية" مقرا له إلى أن ودع هذه الحياة سنة 671 هـ/1224 م، وما زال قبره معروفا بها إلى الآن...
42 – بين أبي تمام والحسن ابن وهب :
يحدثنا أبو إسحاق الحصري في كتابه : "زهر الآداب، وثمر اللباب" عن رسالة وجهها الكاتب العباسي الشهير الحسن بن وهب إلى الشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي جاء فيها ما يأتي :
"أنت حفظك الله تحتذي من البيان في النظام مثل ما نقصد نحن في النثر من الإفهام، والفضل لك أعزك الله، إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار.. على غاية الاقتصار في منظوم الأشعار، فتحل أقطاره، وتجلو أنواره، وتفصله في حدوده، وتخرجه من قيوده، ثم لا تأتي به مهملا فيستبهم، ولا مشتركا فيلتبس، ولا متعقدا فيطول، ولا متكلفا فيحول.. فهو منك كالمعجزة تضرب فيه الأمثال، وتشرح فيه المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة، وفوائدك وافدة..".
وقد أجابه أبو تمام قائلا :
لقد جلى كتابك كل بث
جو، وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتجلت لي
غرائبه من الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى
على كبدي من الزهر الجني
واسحن موقعا مني وعندي
من البشرى أتت بعد النعي
كتبت به بلا لفظ كريه
على أذن ولا لفظ قمي
وضمن صدره ما لم تضمن
صدور الغانيات من الحلي
فإن تك من هداياك الفايا
فرب هدية لك الهدي
لئن غربتها في الأرض بكرا
فقد زفت إلى سمع كفي
وهذا مقتطف من "يائية أبي تمام" الطويلة التي اشتهرت في الأدب العربي، وعارضها عدد كثير من المشارقة والأندلسيين والمغاربة، وفي طليعتهم العبدري المغربي صاحب "الرحلة الشهيرة".
وكان بعض أساتذتنا في الأدب العربي حينما يصلون بنا إلى العصر العباسي، وأبي تمام بالخصوص، يلحون علينا دراسة وحفظ ونقد قصيدتين شهيرتين لأبي تمام في الديوان هما :
البائية التي مطلعها :
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد والعب
واليائية التي مطلعها :
ألا ويل الشجي من الخلي وبالي الربع من إحدى بلي
والأولى : في مدح المعتصم، وذكر فتح عمورية.
والثانية : في إجابات الكتاب الحسن بن وهب الكاتب العباسي المشهور.
وهما قصيدتان رائعتان في الأدب العربي...
43 – حسان بن ثابت وأهمية شعره :
عالم في إنسان، وشخصيات في رجل، وشاعر تصدر جيله في موضوعات الشعر الجاهلي ووفد على غساسنة الشام، ومناذرة الحيرة، وكان لسان قومه من الخزرج في المدينة ضدا على الأوس، بيوم كانت المهاجاة والمفاخرة لا تخبو نارهما، بسبب وبغير سبب.
ولقد حفلت كتب التاريخ والأدب بأخبار حسان في الجاهلية، وما كان له من جاه وثروة وعلو شأن..
وبما جاء الإسلام كان من الأنصار السباقين الذين أبدوا الرسول عليه السلام، ودافعوا عن العقيدة بإيمان وحماس، ورد على شعراء أهل الشرك والوثنية، ومن أجل ذلك نصب له في المسجد النبوي منبر كان يرتقيه لينشد أشعاره التي كان لها وقع عظيم في نفوس الأصدقاء والأعداء، وسارت بذكرها الركبان.
ويقول المؤرخون : إنها كانت أوقع في نفوس المشركين وأشد عليهم من السهام.
فجهاد حسان كان بشعره التي تناول فيه قبائل وشخصيات ومواقف، وأظهر حقائق ناصعة من جهاد الأنصار والمهاجرين، وما قدموا من تضحيات سعيا إلى نشر الدين الحنيف، وطي صفحة الوثنية والجهالة.
ودراسة ديوان حسان دراسة معمقة تضيف إضافات مفيدة عن واقع مارسه في الجاهلية، وواقع مارسه في الإسلام، وواقع تطور فيه الشعر العربي، كما أنها من الناحية الأدبية والفنية تنزل هذا الشاعر منزلته الحقيقية التي يتناساها الكثيرون.. ولا يقدرون الفنون الأدبية والتاريخية التي جاءت على لسانه حق قدرها.
44- القرسطون :
لا أدري مت سمعت كلمة "القرسطون".. ولا أين سمعتها .. كما لا أدري أين قرأتها، في وثيقة مخطوطة أو كتاب مطبوع..
ولكنني أعلم أنني كنت مهتما بها مدة طويلة، وهي من الكلمات المسجلة في "المذكرة" والحاضرة في "الذاكرة": أتطلع إلى معرفة مدلولها، والبحث عنها فيما تصل إليه يدي من معاجم، ومصادر ومراجع، ووثائق مخطوطة، أو كتب مطبوعة.
ومع مرور الأيام وتوالي الاهتمامات، ظهر أن هذه الكلمة كانت شهيرة في المشرق والمغرب والأندلس لمدة قرون، لأنها تعبر عن أداة من أدوات الحضارة لا تستغني عنها المجتمعات البشرية في حياتها اليومية.
والكلمة "معربة" وتعني "الميزان".. أو نوعا خاصا من الموازين حسب الأعراف والاصطلاحات.
فهناك من يخصصه بأنواع خاصة من الموزونات.
وهناك من يعممه ويطلقه على الميزان الكبير والصغير.
وهناك من يجعله خاصا بوزن الأشياء الدقيقة كالعقاقير.
وهناك من يجعله لوزن الدرهم والمسكوكات.
وهناك من يفسره "بالقبات" : الميزان المعروف الذي سمي في بعض الجهات بالرمانة.. وهو على الأقوال ميزان كان معروفا مشهورا، وهذه إشارة إلى هذه الكلمة ليس إلا...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here