islamaumaroc

من أجل علم نفس إسلامي -3-

  الصديق بوعلام

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

3 – من مبادئ العلاج النفسي :
تمهيد :
إن البحث في موضوع النفس الإنسانية في التراث الإسلامي يجد نفسه أمام كم هائل من النصوص المتنوعة التي تناولت هذا الموضوع قصدا وعرضا.
ووراء هذا التنوع والتعدد في النصوص عمق واتساع، وخصوبة وغنى في طرائق دراسة النفس الإنسانية، وهذه خاصية تميز هذا العلم في تراثنا، وتتجلى على مستوى الشكل، كما تتجلى على مستوى المضمون.
فالملاحظ، من حيث الشكل، أن تراث المعرفة النفسية الإسلامية موزع بين العديد من أصناف العلوم والتخصصات وضروب المعرفة التي اتصلت، في كتابات علمائنا، بهذا الميدان على نحو من الأنحاء. إذ نجد التناول النفسي المحض، والتحليل الصوفي الخالص، كما نجد دراسة النفس الإنسانية تظهر في شكل إشارات عارضة ضمن بحث فقهي متخصص، أو تنسكب في قالب قصيدة شعرية تصويرية دقيقة... إلى غير ذلك من أنواع المعارف التي احتوت جوانب من هذا العلم.
والملاحظ، من حيث المضمون، أن علم النفس الإسلامي كما صاغه علمائنا في الأشكال التعبيرية المتعددة، علم شامل متعدد المناحي والفروع، حيث نجد أنه تعرض بالدرس والتحقيق والتحرير لموضوعات شتى، يثيرها التفكير في موضوع النفس على ضوء القرآن والسنة، وما فهمه الصحابة الكرام والأئمة الأعلام. ونذكر من هذه الموضوعات : حقيقة وطبيعة النفس الإنسانية، وأنواعها وأحوالها ونماذجها، وصحتها ومرضها، وأسباب الصحة والسقم، ووسائل العلاج ومبادئه، ومدارج كمال النفس ومقاماته، وعلائقها بالعقل والجسم والعالم الخارجي، وطرق رياضتها تربيتها وتزكيتها.. إلخ.
وأمام هذا البحر الزاخر الذي يشكل قطاع التصوف وحده قسما عظيما منه، لا يسعنا إلا أن نقتصر على عرض وتحليل بعض الجوانب من فكر أحد أعلام هذا الميدان، أولا وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية المتوفي سنة 751 هـ.
بل وأكثر من هذا، فإننا لن نتناول إلا ما يمكن أن نسميه ببعض عناصر نظرية ابن القيم في العلاج النفسي من خلال مؤلفين من مؤلفاته التي حلل فيها جزئيا أو كليا عالم النفس البشرية.
العالم العامل :
ونرى من المفيد أن نقدم بين يدي عرض هذه المبادئ نبذة عن المؤلف رحمة الله.
نجد في "شذرات الذهب" ترجمة لابن قيم الجوزية، مما جاء فيها :
"العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي، ثم الدمشقي، الفقيه الحنبلي، بل المجتهد المطلق، المفسر النحوي الأصولي المتكلم الشهير بابن قيم الجوزية.
قال ابن رجب : شيخنا ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع من الشهاب النابلسي وغيره، وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين (ابن تيمية) وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام. وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحيل إلى قبر الخليل (...). وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، والإنابة والافتقار إلى الله تعالى والانكسار له والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعاني القرآن والحديث والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله (...) وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه إلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه ويسلمون له..." ا هـ.
هذا، وقد ذكر ابن رجب من مصنفاته ما يربو على ستة وأربعين مصنفا.
ولعل أهم ما يلفت النظر في هذه الترجمة ربانية هذا العالم الجليل والتي ينم عنها تحققه بالعبودية لرب العالمين، ونشره للعلم الصحيح وإحياؤه للسنة المطهرة.
وقد رأينا في الحلقة السابقة أن ربانية المصدر والعالم والغاية أولى خصائص علم النفس الإسلامي، ولا شك أن ابن قيم الجوزية يؤكد هذه الخاصية بعلمه وعمله.
ولقد كانت له – رحمه الله – منهجية عجيبة في التأليف، وقدرة عظيمة على الاستنباط والتصنيف.
ومما يسترعي انتباه قارئ كتبه تلك المنظومة الفكرية المبدئية المتسقة التي يجدها كالقاعدة الأساسية لأفكاره واجتهاداته، ولا أقصد القواعد الفقهية والأصولية والحديثية والتفسيرية وغيرها من قواعد علوم الإسلام، وإنما أعنى تلك المؤثرات الفكرية التي تميز بها، واتخذها في كتاباته قواعد راسخة تنتظم أفكاره، وتشكل مرجعا داخليا لفكره الذي استفاد أيما استفادة من فكر شيخه تقي الدين ابن تيمية رحمه الله.
ومن هذه الثوابت التي تتصل بموضوعنا والتي اتخذها المؤلف مولدا لأفكاره الجديدة :
1 – لا سعادة الإنسان إلا في تحقيقه بالعبودية للرحمان.
2 – استنفاذ السفر إلى الله على القوتين العلمية والعملية.
3 – انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية.
4 – أن حياة القلب وضحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيره.
5 – فتن الشهوات توجب فساد القصد والإرادة، وفتن الشبهات توجب فساد العلم والاعتقاد.
6 – الصحة تحفظ بالمثل، والمرض يدفع بالضد.
الداء والدواء :
ينطلق ابن قيم الجوزية من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"ما انزل الله داء إلا أنزل له شفاء". (1) ومن أحاديث أخرى تعضد نفس المعنى، ليؤكد قاعدة أساسية وهي أن كل الأمراض – سواء أكانت عضوية أم نفسية – قابلة للشفاء بإذن الله إذا بحث الطبيب عن الدواء الناجع، ووضعه في موضعه اللائق به، وليعطي المريض مرضا عضويا أو نفسيا الأمل في الشفاء حتى يثق في نجاعة الدواء إذا وصف له، وحتى يستعمله الاستعمال الصحيح.
ثم يقرر ابن القيم القاعدة الأساسية للعلاج النفسي في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" فيقول "فضرر الذنوب في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي". (2)
ويستدل على صحة هذه القاعدة بأدلة متنوعة في مقدمتها القصص القرآني وتجارب الأمم والأقوام، والأحاديث النبوية التي تبين شروط نزول العذاب بالأمة وبالأفراد والتي يتضمن نبوءات خاتم النبيئين المشاهدة في هذا العصر، وبعد ذلك يذكر الآثار القبيحة المذمومة للمعاصي والتي تضر بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة.
ومن الواجب هنا أن نميز بين القلب والنفس، فهذه الأخيرة ذكر القرآن الكريم ثلاثة أحوال لها : النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة. وما لم تصبح النفس مطمئنة فإنها تظل عدوة للقلب تحول بينه وبين سعادته شأنها شأن العدو الآخر : الشيطان.
إن مفهوم القلب في علم النفس الإسلامي مفهوم أصيل مستمد من الكتاب والسنة، وهو يعني تلك اللطيفة الرباني التي بها يتميز الإنسان فيكون مستعدا لمعرفة ربه، والسعادة بذكره، والتقرب إليه، والفهم عنه سبحانه، ولا يتحقق ذلك إلا بشرطين هما الزكاة والطهارة فإذا تزكى الإنسان وطهر قلبه من العوائق الحاجبة فإنه يصبح سليما صحيحا قويا.
ولقد أجمل ابن القيم تلك العوائق التي ينبغي التطهر منها في تقاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورفدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد... فإذا أحاطت هذه العوائق بالقلب جرت عليه أصناف العلل، فيمرض لذلك مثل الجسم، غير أن مرضه أخطر، إذ يترتب عليه الشقاء في الدنيا والآخرة، فإذا غلب المرض وصار رانا أوجب موت القلب ولا بد.
ومن هنا : فإن القلوب الثلاثة : قلب سليم، وثان مريض، وثالث ميت. والقلب مريض يصير إلى ما غلب عليه من أسباب السلامة والصحة والحياة أو أسباب الموت والعطب والقساوة.
وقد صح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قسم القلوب إلى أربعة حيث قال :
القلوب أربعة :
- قلب  أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن.
- وقلب أغلف، فذاك قلب الكافر.
- وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر، فأبصر ثم عمي.
- وقلب تمده مادتان : مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما". (3)
وإذا كان العثور على الدواء المناسب يتوقف أساسا على معرفة أسباب المرض وطبيعته، فإنه يجدر بنا أن نتسائل عن أسباب أمراض القلوب؟
يقر ابن القيم الجوزية في وضوح وموضوعية أن هذه الأسباب تكمن أولا وأخيرا في اتباع الهوى، والتمرغ في حماة الذنوب والمعاصي.
ويستدل على صحة هذا التقرير بالتجربة والمشاهدة، حيث يذكر أعراض المرض النفسي ويبين أنها عبارة عن عواقب الذنوب العاجلة التي بتفاقمها تمرض النفس، فتعاني من ضروب الآلام والسقام، ومن أشكال العذاب النفسي والضيق والضنك والشقاء.
ومن بين هذه المظاهر أو الأعراض المشاهدة والمجربة الوحشة في النفس، والوحشة من الناس ومن الأهل، والشعور بالضعف، والذل والخزي والهوان، والإحساس بالخوف والرعب، والوقوع في أسر الهوى والشهوة والشيطان، ويترتب عن كل هذا الشعور بالكآبة والخور وضعف الإرادة والسوداوية وفساد العقل وظلمة القلب.
إن هذه الأعراض تعكس في الحقيقة تأثير الذنوب على القلب والنفس الإنسانية، وإذا كانت الصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد، فإن ابن قيم الجوزية يستند إلى هذه القاعدة، ويدعو المريض إلى الدواء الشافي، وهو التحصن بحصن الطاعة والفرار إلى الله من الخطايا بالتوبة الدائمة النصوح، حتى يتخلص من العذاب والآلام.
حينئذ فقط تنقلب الأعراض المذكورة علامات صحة نفسية تتجلى في الأنس بالله والتقرب من أهل الخير، والأنس بالأهل ونور القلب، وحضور العقل وسداده، كما تتجلى في الفراسة والإحساس بالأمن والطمأنينة والقوة والكرام بفضل الله.
ويستنبط ابن القيم – علاوة على ذلك – قاعدة صحية من كتاب الله العزيز فيقول :
ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة، ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة (...) وإذا عرف هذا ، بالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات". (4)
ويحدد طبيعة المرض النفسي بكونه نوع فساد يحصل للقلب "يفسد به تصوره للحق وإرادته له، فلا يرى الحق حقا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقص إدراكه له، وتفسد به إرادته له ، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضار، أو يجتمعان له، وهو الغالب". (5)
ويقسم مرض القلب إلى نوعين :
النوع الأول : لا يتألم به صاحبه في الحال مرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات، وهذا أخطر المرضين.
والنوع الثاني : يؤلم القلب في الحال كالهم، والغم، والغيظ. ويرى ابن القيم أن بالإمكان إزالة هذا المرض بالأدوية الطبيعية المتمثلة في إزالة أسبابه.
يقول عن الغيظ مثلا : "فالغيظ يؤلم القلب ودوائه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه". (6)
وإذا كان دواء هذا النوع من أمراض القلوب طبيعيا، فإن دواء النوع الأول شرعي، أي أن علاج أمراضه هو إلى الرسل وأبتاعهم، فهم أطباء هذا النوع الذي لا يزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية.
فإذا عوفي القلب صار صحيحا سليما، فإن علامة ذلك أن يكون همه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وأن تصير نفسه مطمئنة قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه.. وإلا فإن القلب يظل في أسر النفس الأمارة بالسوء.
ولكي يتخلص من هذا الأسر لا بد للإنسان من محاسبة هذه النفس ومخالفة هواها.
بهذه النظرة الفاحصة المتعمقة المبنية على العلم الشرعي، حدد ابن القيم الجوزية طبيعة المرض النفسي، وشخص أعراضه، وحصر أسبابه، وبين علاجه.
ولم تكن نظريته في العلاج النفسي تجريدية، بعيدة عن الواقع، وإنما كانت مستفادة من المشاهدة والتجربة، بقدر ما أنها مستنبطة من العلم الشرعي الذي يصدقه الواقع.
وهكذا جاءت هذه النظرية علما نافعا موضوعيا له فعاليته العملية، نرجو أن يأخذ مكانه اللائق به في بديل إسلامي جديد لعلم النفس الغربي.
وليس ما ذكرناه إلا بعض مبادئ العلاج النفسي حسب فهم واستنباط ابن القيم، وإلا فإن مؤلفاته – ولاسيما التربوية- تحتوي نظرية متكاملة في علم النفس الإسلامي تحتاج إلى دراسة متأنية تلم خيوطها.

4 – أحوال النفس :
تمهيد :
نتوخى في هذه الحلقة دراسة نموذجين لتراث المعرفة النفسية الإسلامية حتى يتضح لنا مدى التنوع في تناول موضوع النفس الإنسانية من جهة، وحتى نقف على بعض القواسم المشتركة التي تشكل ثوابت مبدئية في هذا الحقل المعرفي في العصور الماضية، وكذا على بعض أوجه التباين من جهة ثانية.
وقد اخترنا علمين اثنين للفكر الإسلامي هما الشيخ الرئيس ابن سينا، وحجة الإسلام الإمام الغزالي، وأثرنا أن نحصر مجال النظر والعرض والتحليل والمقارنة في متنين محددين هنا "رسالة أصول النفس" لابن سينا، وكتابي الغزالي :"شرح عجائب القلب" و"رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب" من الجزء الثالث (ربع المهلكات) من (إحياء علوم الدين).
موقف الفلاسفة وعلماء النفس المسلمين :
كان غرض الفلاسفة النظر العقلي في كبرى قضايا الوجود الإنساني وما وراء الطبيعة، معتقدين أن العقل وحده بإمكانه أن يصل إلى حقائق الأشياء وكنهها، ومن بين تلك الحقائق التي كانوا يسعون إلى استكناهها "حقيقة النفس الإنسانية".
وإذا كان "علم النفس الحديث" قد صرف النظر عن البحث في جوهر النفس، فإن علماء النفس المسلمين نهجوا نهجين متباينين في طلب هذه الحقيقة :
أولهما : نهج الاكتفاء بالعقل.
وثانيهما : نهج الاستنارة بنور الوحي.
وإذا كان هذا الاختلاف المبدئي والمنهجي ينجر في قضية أعم هي قضية النقل والعقل في الفكر الإسلامي، فإن بعض ما يفسر هذه القضية نفسها أن الفريق الثاني تفطن إلى أن من قضايا الوجود ما يكتنفه الغموض، وأن العقل – مهما أوتي من قدرات – محدود مفتقر إلى نور الوحي، بينما أصر الفريق الأعلى على المغامرة العقلية المجردة كيفما كانت طبيعة موضوعات النظر الفلسفي.
وموضوع النفس الإنسانية من أكثر الموضوعات غموضا وعمقا واتساعا، والعقل الإنساني يكل عندما يحاول استكناه حقيقته. ذلك لأن العلم المحيط بحقيقة النفس هو علم الله عز وجل :" ألا يعلم من خلق وهو الطيف الخبير" (7)، لأن الروح أمر رباني : " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". (8)
وبالتالي، فعلم النفس إذا اقتصر على العقل يكون محدود الآفاق يكتنفه الخطأ والتيه، ولا يستطيع أن يقدم نتائج صحيحة، ولا أن يتقدم إلا إذا اهتدى بنور الوحي.
وسنرى ما يؤكد هذه الحقيقة، مع أن غرضنا هو – إلى ذلك – التعرف على الآراء والاستنباطات وطرائق البحث ومناهج التفكير في هذا الباب من خلال النموذجين المذكورين.
ابن سينا ورسالته " أحوال النفس" :
ألف ابن سينا رسائل نفسية عديدة كان لها أثر بالغ في الفلاسفة الإسلاميين، والذين نهجوا نهجه في هذا الموضوع، ولكن تأثيره لم يقتصر عليهم، بل تجاوزهم إلى الفكر الأوروبي منذ القرن 12 إلى القرن 17 حيث جاء "ديكارت" فاعتمد برهان "ابن سينا" في إثبات وجود النفس.
وكما خلف "ابن سينا" هذا الأثر الكبير في الفكر الإنساني، فإنه تأثر بفلسفة "أرسطو" في النفس، فكان لها انعكاس واضح على منحى بحثه وروحه، ونتائجه مع نوع من التميز والإضافة، على أن رسالة "أحوال النفس" جمعت زبدة آراءه في هذا المجال.
وغرض "ابن سينا" من تأليف رسالة "أحوال النفس" هو بيان حال المعاد، وحال الأخلاق والأفعال النافعة فيه، لدرك النجاة من الغرق في بحر الضلالات، ولما كانت النفس الإنسانية هي المعنية بأمر المعاد وحقيقته، كان لابد من معرفتها والبرهان على مفارقتها واختلافها عنه، ثم البرهان على بقائها.
وفي البداية يحدد "ابن سينا" مفهوم النفس معتمدا على تعريف "أرسطو" : "النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة".
ويميز بين النفس والعقل، معتبرا هذا الأخير قوة من قوى النفس، وهذه القوى هي نفس القوى التي ميزها أرسطو وهي :
1 – النباتية: ووظائفهما التغذي والنمو والتوليد.
2 – الحيوانية: ووظائفها إدراك الجزئيات والتحرك بالإرادة.
 3 – الإنسانية : وظائفها إدراك الكليات والفعل بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي.
ثم يقسم القوى الباطنة إلى :
1 – المتخيلة (فنطاسيا في الاصطلاح اليوناني ) : ووظيفتها قبول جميع الصور المنطبعة في الحواس.
2 – المصورة : ووظيفتها حفظ ما قبلته المتخيلة بعد أن تغيب المحسوسات.
3 – المفكرة : ووظيفتها تركيب بعض الخيال مع بعض، وفصله عن بعض بحسب الاختيار.
4 – المتوهمة : وظيفتها إدراك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية.
5 – الذاكرة : ووظيفتها حفظ ما تدركه القوة المتوهمة.
ويحدد "ابن سينا" لكل قوة من هذه القوى موضعا معينا من تجاويف الدماغ، ويسمى هذا الموضع أو المركز آلة الوظيفة التي يقوم بها إلا العقل، فإنه لا آله له في نظره، فهو يدرك بلا آلة وسيسلك "النسيان" هذا المسلك ليبرهن على أن العقل جوهر وقائم بذاته، مفارق للبدن بعد الموت.
ويقسم النفس الناطقة إلى عاملة وعالمة. والعقل العملي – في مقابل العقل النظري (9) – هو الذي يسوس البدن، فتصدر عن ذلك الأخلاق التي يعتبرها "ابن سينا" ملكة التوسط بين الإفراط والتفريط، وهذا هو نفس مذهب "أرسطو".
ومن شروط الأخلاق الفاضلة أن تذعن القوة الحيوانية للعقل العملي، وأن يذعن هذا الأخير لقوى النظرية.
وأما العقل النظري فهو مراتب : العقل الهيولاني، ثم العقل بالملكة، ثم العقل المستفاد.
ويرى ابن سينا أن الأصل في كسب المعقولات إما بـ"الحدس" وإما بـ"التعليم" المعلم أو صاحب الحدس لا بد أن يكون شخصا مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية حتى يشتغل الحدس، أي قبولا لإلهام العقل الفعال، فترتسم فيه الصور ارتساما عقليا تقليديا.
ومن هنا تتضح فلسفة "ابن سينا" الإشراقية في مسالة الإدراك.
ثم يأخذ "ابن سينا" في البرهنة على جوهرية العقل، ومن براهينه لذلك مثلا أن الصورة المعقولة غير منقسمة، فكيف تحل في منقسم، أي الجسم؟
إذن، العقل ليست له آلة جسمانية كالتخيل أو التوهم.
وهكذا فالنفس حادثة مع حدوث البدن، وهي تستعمله، فهو إذن مملكتها وآلتها، وهي لا تموت بموت البدن بل تبقى، ومن الأدلة على بقائها أن الفاسد فيه وقت وجوده قوة أن يفسد، وفيه قبل الفساد قوة أن يبقى، وهاتان القوتان – أن يبقى وأن يفسد – هما للمركب، أما النفس فبسيطة، لأنها لا تنقسم وليست مركبة، فليس فيها قوة أن تبقى وأن تفسد، كما يكون ذلك للبدن لأنه مركب من مادة.
وفي ختام الرسالة يفصل ابن سينا القول في سعادة النفس التي على الإنسان أن ينالها.
لكنه لا يبسط القول في السعادة البدنية لأنها مفروغ منها في الشرع، إلا أنه يبين سعادة الحكماء وهي السعادة الحقيقية للنفس، فيقر بالقياس البرهاني على الأصول المستمدة من التجربة الحسية أن الكمال الخاص بالنفس الناطقة أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل، والتزام المعقول في الكل، والخير الفائض في الكل، وبالتالي فالسعادة العقلية هي السعادة الحقة وهي أعلى مرتبة من سائر الذات.
وتكمن شروط بلوغ السعادة الأخروية في إصلاح الأخلاق، حيث تنشأ الفضيلة من "استعلاء" القوة العقلية، وإذعان القوة الحيوانية، وبذلك يبلغ الإنسان السعادة.
واضح إذن أن "ابن سينا" سعى إلى بيان أحوال النفس ومراتبها وقواها، وبرهن على مفارقتها للبدن وبقائها، ولذلك يكون قد أثبت معادها، والملاحظ أنه سلك مسلكا منطقيا حيث استدل على القضايا بطريق البرهان القياسي مكتفيا بذلك دون أن يرجع بالمفاهيم النفسانية إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.
ولا شك أن خبرته بوصفه طبيبا، ومعرفته بالفلسفة اليونانية وبخاصة "أرسطو" قد حددا طريقة بحثه وأمليا المنهج الذي اتبعه.
الإمام الغزالي ومنظوره الكلي للنفس الإنسانية :
لكن الإمام الغزالي ينهج نهجا مغايرا حيث تحكم تصوره للنفس الإنسانية رؤية كلية شاملة متماسكة تعكس وحدة عضوية، وأساس هذه الرؤية شرعي قرآني سني.
فالإمام الغزالي ينظر إلى النفس الإنسانية من منظور الحكمة من خلقها في هذه الدنيا، وعلى ضوء الحكم المتعددة المتصلة بقوى النفس والبدن، والتي تفضي إلى الحكمة الكبرى، وهي السفر إلى الله تعالى لنيل رضاه والسعادة بقربه على ضوئها يشرح أحوال النفس.
وإذا كانت هناك قواسم مشتركة عديدة بين "الغزالي" و"ابن سينا" باعتبارهما مسلمين أولا، باعتبارهما اطلعا على الفلسفة اليونانية، فإن "الغزالي" يتميز مع ذلك بسياقه النظري الخاص نتيجة الموقف المعرفي النهائي الذي وقفه من مناهج التفكير.
في البداية نجده يحلل مفاهيم المصطلحات الأربعة : القلب، والروح، والنفس، والعقل، ويخلص إلى أن هناك أربعة معاني يطلق عليها هذه الألفاظ الأربعة وهي : القلب الجسماني، والروح الجسماني، النفس الشهوانية، والعلوم، وهناك معنى خامس مشترك بينها وهو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، فالألفاظ الأربعة بجملتها توارد عليها.
ويحدد المعنى القرآني والسني لمصطلح القلب فيقول :
"وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين مجسم القلب علاقة خاصة، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له، ولكنها تتعلق بواسطة القلب، فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها". (10)
وللقلب جندان : جند يرى بالإبصار، وجند لا يرى إلا بالبصائر، والقلب في حكم الملك والجنود في حكم الخدم الأعوان.
ويفسر "الغزالي" حاجة القلب إلى هذه الجنود بالحكمة من خلق الإنسان حيث يقول :
"وافتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى الركب والزاد لسفره الذي لجله خلق وهو السفر إلى الله سبحانه، وقطع المنازل إلى لقائه "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وإنما مركبه البدن وزاده العلم، وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد، وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح، وليس يمكن عبد أن يصل إلى الله سبحانه ما لم يسكن البدن، ولم يجاوز الدنيا ... فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه، وإنما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره، وأن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك". (11)
وهكذا، فالجنود ثلاثة أصناف :
1 – صنف باعث " وهو الإرادة" : إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة، وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب.
2 – صنف محرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد وهو "القدوة".
3 – وصنف مدرك متعرف للأشياء كالجواسيس : قوى الحواس وهو "العلم والإدراك".
وعند الحديث عن الصنف المدرك، نرى أن "الغزالي" يعدد نفس القوى الباطنة التي ذكرها "ابن سينا" ويقول : إنها أسكنت تجاويف الدماغ وهي : الحس المشترك، والتخيل، والتفكر، والتذكر، والحفظ، ولها نفس الوظائف التي ذكرها "ابن سينا".
على أن "الغزالي" لا يقف عند هذا الحد، إذ أن غرضه بيان ما يجعل سفر القلب إلى الله سبحانه سفرا آمنا وأصلا، وذلك هو غرض أطباء القلوب.
ولم يكن هدفه أن يذكر قوى النفس مجرد ذكر – كما فعل "ابن سينا" – دون إدراجها في سياق الحكمة الكلية.
ولذلك نراه يقرر أن انقياد جندي الغضب والشهوة للقلب انقيادا تاما يعينه على سلوك الطريق، بينما في استعصائها عليه هلاكه وانقطاعه عن سفره، وفي ذلك خسران سعادة الأبد.
لكن الله تعالى شاء برحمته وفضله أن يجعل للقلب جندا آخر عليه أن يستعين به على الجنديين الآخرين، وذلك الجند هو جند العلم والحكمة والتفكر.
وإذا كان ابن سينا قد حصر سعادة الإنسان في السعادة العقلية التي يذوقها الحكماء، وذهب إلى أن طريق المعرفة هو : الحدس، والتعلم، والفيض والإشراق، وإلهام العقل الفعال – الذي لا دليل لنا عليه من الشرع في الحقيقة – فإن "الغزالي" يقرر أن المعرفة رحمة مبذولة من الله تعالى للقلوب التي صفت وتطهرت، وهذه المعرفة هي مصدر السعادة عنده :"وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد، لكن إنما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى ... والتعرض لها بتطهير القلب وتزكية من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة". (12)
إن حاصل المعرفة هو الاستعداد لقاء الله تعالى، ونيل رضوانه، وفي ذلك تكمن سعادة الإنسان.
يقول الإمام "الغزالي" :
" وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده، والدار الآخرة مستقره". (13)
على أن "الغزالي" يذهب نفس مذهب "ابن سينا" و"أرسطو" من قبله في اعتبار الأخلاق الفاضلة وسط بين طرفين مذمومين، ويبين – إلى ذلك – خاصية الاعتدال بين الأصول الأربعة التي مصدر الأخلاق الجميلة كلها وهي : الحكمة، والشجاعة، والعفة والعدل.
يقول :"فإذن أمهات الأخلاق وأصوله أربعة : الحكمة ، والشجاعة، والعفة، والعدل :
ونعني بالحكمة : حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.
ونعني بالعدل : حالة النفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة، وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها.
ونعني بالشجاعة : كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها.
ونعني بالعفة : تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع.
فن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها". (14)
ويشخص علامة مرض القلب في تعذر فعله الخاص به عليه، وهذا الفعل الذي خلق لأجله هو العلم، وحب الله وعبادته.
أما علامة عود القلب إلى الصحة فهو الاعتدال بين الخلقين المذمومين والاستقامة على الوسط.
إن منهجية "الغزالي" في شرح عجائب القلب هي ضرب الأمثلة التوضيحية بالاستناد على التناظر القائم بين المثل والممثل له، وهي منهجية لها جذورها في القرآن والسنة، وقد اعتمدها "الغزالي" لما للمثل من قدرة على تقريب المعاني إلى الأذهان، وتوضيح المفاهيم، لاسيما في موضوع غامض كموضوع النفس.
ولذلك تميز عرضه وتقريراته بالوضوح والبساطة، بينما اكتنف طريقة "ابن سينا" في الاستدلال والنظر شيء من التعقيد والغموض، بالإضافة إلى عدم وضوح عبارته في مواضع كثيرة.
كما أن "الغزالي" رجع بمفاهيمهم ومصطلحاته إلى نصوص من القرآن والسنة، علاوة على أنه اهتدى بالوحي في رسم منظوره الكلي للنفس الإنسانية، وكان هدفه عمليا بقدر ما هو علمي حيث إنه اهتم بتوضيح منهاج سلوك طريق الآخرة، ومن ثم اعتنى بشرح عجائب القلب وجنوده ، ليستفيد المسلم السالك استفادة عملية إلى جانب العلم بحقائق الأمور.

1 – الحديث أخرجه البخاري.
2 – "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، ص :26. دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.
3 – رواه أحمد في مسنده (3/17) من رواية أبي سعد الخدري رضي الله عنه برواية أخرى.
4 – "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (ص :23-24) دار الحديث – الأزهر – القاهرة.
5 – المرجع السابق، ص :24.
6 – المرجع السابق : ص:25.
7 – سورة الملك – الآية : 14.
8 – سورة الإسراء – الآية : 85.
9 – ترى ما مدى تأثر هذه الثنائية في مذهب كانط؟
10 – إحياء علوم الدين : الجزء الثالث، ص :4 / شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر 1939.
11 – المصدر السابق، ص :5.
12 – المرجع السابق، ص :8.
13 – المرجع السابق، ص :9.
14 – المرجع السابق، ص : 53.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here