islamaumaroc

مغاربة بالشام:"إتحاف ذوي العناية" ثبت الشيخ العلامة محمد العربي العزوزي…-2-

  عبد السلام الهراس

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

الثبت، والفهرست، والمعجم، والبرنامج، بمعنى واحد، تعني : الملف العلمي والدراسي للشخص، واستعمال الثبت أقل في هذا المجال، وما أظن أن الشيخ العزوزي لجأ إلى هذه التسمية للإغراب بالنسبة لكثير من الشيوخ الشباب الذين لا يعرفون هذا الإسم، لأن الدراسة الشرعية تعصرت في نظامها، إلى درجة الجمود على هذا النظام، رغم تغير ونظام التعليم العصري، لكنه كما يبدو لجأ إلى هذه التسمية لتجنب الالتباس الذي قد يقع في المعجم والبرنامج والفهرست، إذ استقرت هذه الأسماء على معاني أخرى شائعة لدى المتعلمين".
يقع هذا الثبت في 217 صفحة ما عدا الإهداء وتقاريظ العلماء، وعنوانه "أتحاف ذوي العناية" وهو ثبت العلامة الكبير والمحدث العظيم الأستاذ الشيخ العربي العزوزي الإدريسي الحسني المغربي البيروتي وطنا وصهرا، أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية حفظه الله آمين، صدر عام 1369 – 1950 / مطبعة الإنصاف – بيروت، وقد شرح في الهامش مصطلح "الثبت" اعتمادا على "تاج العروس" الذي قال :"الثبت" محركة، الفهرس الذي يجمع فيه المحدث مروياته وأشياخه ...
أما الإهداء فلصاحب الدولة : رياض بك الصلح رئيس مجلس الوزراء بلبنان، لما له من فضل على التعليم الإسلامي، والنشاط الثقافي والاجتماعي، كالمستشفيات ودور الخيرية.
أما التقاريظ فمتعددة، أهمها في رأيي تقريظ العلامة الكبير عبد الله  العلايلي، الذي تعتبر شهادته في هذا العالم المغربي وثيقة هامة.

يقول العلايلي حفظه الله بأسلوبه الرائع :
"ونحن – وقد أتينا في الملة الآخرة – نقع من هذا السيد السند على مثل الينبوع المروي، بعدما استبد بنا ظمأ، وتناهت عندنا لواعج، وترددنا طويلا في مثل حدود صحراء.
إني عرفته منذ قرابة عقدين من السنين، ونعمت بقربه وعلمه، فكان حظي منه حظ المستفيد المغتبط بجم فوائده، وأنا إنما مهدت بذكر ما كان للرواية من عظيم الشأن لألفت النظر إلى ما ينبغي أن يكون لهذا السيد الجليل من عظيم الشأن حين تجده بيننا ضرورة لا معدى عنها نصحح عليه طائفة معارفنا ومروياتنا.
إنه – وهي كلمة أقولها للحق – أديم قد على علم على حد تعبير القدماء، أو موسوعة فقهية حديثية إخبارية تتسع ولا تضيق على حد تعبيراتنا اليوم".
"ولعلك لا تشك معي – وقد وقفت عليه – في أنه جهد في ذات العلم كثيرا، وبذل لوجه الحق كثيرا، ومكان بينهما نعم القدوة".
ومن هذه التقاريظ كلمة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد توفيق خالد، وقد عرف – رحمه الله – بالصراحة والإقدام والمواجهة في الحق، لا يخاف لومة لائم، وقد كان ملجأ للمسلمين، وملاذا للعلماء، أعطاه الله بسطة في الجسم والعلم، وكساه هيبة وقارا، وما زال المسلمون في لبنان يترحمون عليه، ويذكرون أيامه العظيمة التي كان المسلمون فيها أعزاء، كرماء.

قال في كلمته :
"تصفحت هذا الثبت لولدنا الفقيه المحدث السيد العربي العزوزي، الذي أحيى الله به في هذه البلدة المباركة سنة الإملاء والتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فألفيته تحفة لكل طالب لعلم الحديث، جامعا لعالي السند، مع تفنن في الإسناد".
ووصف الشيخ محمد علي الأنيس رئيس المحكمة الشرعية العليا بلبنان هذا "الثبت" بأنه "درة ثمينة وجوهرة بالاقتناء قمينة".
وقد أطبق العلماء المقرظون أن الشيخ العزوزي محدث كبير، عمدة "في الفقه والحديث والفتوى" ووصفه الشيخ العالم المجاهد "محمد نمر الخطيب" بأنه في ذلك الوقت محدث مصر والشام، وقال :
"فإن هذين القطرين العظيمين على ما نعلم ليس فيهما محدثون، بل محدث واحد، وخصوصا بعد وفاة محدث الشام الشيخ بدر الدين الحسيني، ومحدث مصر الشيخ محمد السمالوطي، والمحدث الحافظ بمصر الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي".
بدأ " ثبته" بالتعريف بنفسه، فذكر أنه ولد بفاس عاصمة بلاد المغرب الأقصى في 27 رمضان سنة 1308 هـ وسماه والده محمدا العربي، فهو محمدا العربي بن محمد المهدي بن محمد العربي بن محمد الهاشمي العزوزي الإدريسي الحسيني المغربي الفاسي، البيروتي دارا وقرارا وصهرا، "ولقد أصهر لأهل بيروت مرتين : مرة التي سيذكرها هنا، ومرة أخرى قبل وفاته بسنوات قليلة". قال :"وإنما دعيت بالزرهوني لسكنى بعض أجدادي لمدينة وليلي قاعدة جبل زرهون". (ص4)
والعزوزي كما أجمع علماء الأنساب المغاربة : "نسبة إلى خالد بن عنان بن عزوز من أحفاد إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط...".
والده محمد المهدي الذي ولد في الصويرة حيث كان والده منفيا، انتقل والده إلى فاس مع إخوته الأشقاء صحبة والدتهم، وهو طفل، وهناك شب وتعلم وتاجر إلى أن قضى نحبه في 15 شعبان سنة 1345". (ص5)
أما جده فكان من أكبر علماء فاس، وتولى قضاء قضاتها، له عدة ملفات فيها فتاويه المشهورة والمتداولة (ص6)، ثم نكب في سنة 1245، وأبعد إلى الصويرة، وصودرت كتبه وأملاكه، وقد خصه الشيخ عبد الحي الكتاني بتأليف، وذكره في فهرسته (ص7).
ووالدته من "شراقة" من السنوسيين.
درس الشيخ العربي العزوزي على الطريقة المغربية، فحفظ القرآن الكريم ثم عدة متون ابتداء من "الأجرومية " وانتهاء "بتحفة ابن عاصم" وبعضا من تلخيص "المفتاح" للقزويني، ومن "مختصر": خليل و"الرسالة" ولما يبلغ خمس عشرة من عمره.
وبدأ يدرس العلوم على علماء أجلاء لكن خارج القرويين منهم :
الشيخ محمود بن عمر بن سودة المري، درس عليه كتبا في النحو.
والشيخ الطاهر بن سودة خطيب الأندلس، درس عليه "الرسالة" و"الوثائق"...
والشيخ أحمد الوزاني، قرأ عليه "توحيد ابن عاشر" شرح الشيخ الطيب بن كيران و"حاشية" الشيخ محمد القادري.
والشيخ الرضى الحنش، إمام النحاة في زمانه – كما وصفه-، قرأ عليه "ألفية ابن مالك" بشرح المكودي، و"حاشيتي" الطرنباطي وابن الحاج، و"كان يملي علينا تحقيقات عظيمة من الأزهري والصبان، وشروح الكافية" (ص 9).
ولما بلغ من العمر سبعة عشر عاما أي في سنة 1325 هـ التحق بجامع القرويين للدراسة على كبار علمائها، ذكر منهم :
الفقيه عبد السلام الهواري، قاضي قضاة فاس، قرأ عليه قسما من "المختصر" في المعاملات "بشرحي" الخرشي والرزقاني.
والفقيه محمد بن الوليد العراقي، شيخ الجماعة، قرأ عليه جملة صالحة من "مختصر خليل" و"الشفاء" للعياض، و"التحفة".
والفقيه محمد أزويتن الصوفي، قاضي الصويرة، وحفيد سيدي البدوي، قرأ عليه "الألفية" و"الرسالة" و"ابن عاشر".
والشيخ محمد بن جعفر الكتاني، قطب زمانه، وفريد عصره، المربي بحاله وقاله، قرأ عليه "الشفاء" و"همزية" البوصيري بفاس قبل هجرته إلى المدينة المنورة (10).
الشيخ عبد الله الفضيلي العلوي الحسني، المشارك الأصولي، وشيخ الجماعة بفاس، قرأ عليه "الألفية" بشرح المكودي، و"الأزهري على التوضيح"، و"مختصر خليل" بشرحي الخرشي والرزقاني، و"جمع الجوامع" بشرح المحلي وحواشيه، و"التلخيص" بمختصر السعد ومطوله وحواشيهما وبالأطول، كما قرأ عليه "منظومة الأخضري في المنطق" مرارا بجميع شروحه وحواشيه.
وذكر الشيخ العزوزي أنه لازم الشيخ الفضيلي طويلا إلى أن غادر فاسا إلى المشرق.
كما درس على الفقيه عباس التازي النوازلي أواخر "المختصر" و"التحفة".
والشيخ محمد القادري، قرأ عليه "مختصر خليل" بشرحيه قراءة تحقيق وتدقيق، و"مصطلح الحديث" بكتاب الطرفة، و"البردة: بحاشيته على شرح الأزهري.
والشيخ محمد العراقي النوازلي، قرأ عليه "مختصر السعد" بحواشيه.
والشيخ الأديب الكاتب الشاعر محمد بن المامون البلغيثي العلوي، قرأ عليه "التلخيص" في العلوم الثلاثة : بشروحه وحواشيه قراءة أديب ماهر، وبالبيان والفصاحة ساحر (ص :11)، كما قرأ عليه كتابه : "الإبتهاج" و"منظومته" في معاني الحروف، مع شرحه لها، والشيخ العزوزي معجب بأستاذه هذا أيما إعجاب.
والشيخ حمان الصنهاجي المتوفى بمكة المكرمة عام 1330، قرأ عليه "المرشد المعين" و"الألفية" بشرح ابن عقيل وحواشيه، و"شرح المكودي وحواشيه"، و"التوضيح وحواشيه".
ويقول الشيخ العزوزي بأن شيخه هذا يمتاز بتحقيقات وتقريرات قل ما يماثله فيها. (ص12)
كما قرأ عليه تلميذه الأكبر ووارث سره الأشهر الفقيه عبد السلام الكسيكس، ومن أهم ما درس عليه "الحساب" بالرسموكي وابن غازي، و"التوقيت" بابن عاشر، والسلم بالقويسيني و"الشاطبية في القراءات" توفي سنة 1328 – أي في حياة شيخه، وقبله بسنتين –، وهو ما يزال شابا، وصفه بالتقوى والعبادة والنقاوة والزهد والورع. ( ص 12)
والفقيه أحمد اسكيرج، القاضي صاحب المؤلفات العديدة، ومنها تاريخه الذي ألفه في طبقات عصره، وقد ترجم فيه لتلميذه العربي العزوزي، درس عليه عدة كتب وعلوم، "كالتحفة" و"رسالة" في مثلث الإمام الغزالي في "سر الوقف" و"علم الحرف" و"فرائض خليل" حاشية الشيخ أحمد بن الخياط، كما قرأ عليه "رسالتين" من تأليفه (السكيرج) في "الميراث والمناسخات" وكان هو السارد له في دروسه.
والشيخ أحمد بن الخياط، شيخ الجماعة، قرأ عليه "المختصر" بشرحيه، و"حاشيته" على فرائض خليل، و"منظومة الطرفة في مصطلح الحديث".
والشيخ عبد الرحمن بن القرشي القاضي الوزير، وقد حلاه بالحافظ لمذهب مالك، والمستظهر لعدة مؤلفات حديثية وفقهية وأوصولية وأدبية، كان يملي متنها وشروحها على الطلاب من حفظه، على كبر عمره الذي ناهز التسعين، قرأ عليه "التحفة" و"المختصر" بشرحيه و"جمع الجوامع" و"المقامات" وصحيح مسلم" بالأبي والسنوسي.
والشيخ الفاطمي الشرادي، درس عليه "الألفية" وقسما وفرا من "المختصر".
والشيخ المهدي الوزاني النوازلي، قرأ عليه "الألفية " بالمكودي بحاشيته عليه، و"ميارة" بحاشيته و"المجرادي في الجمل" بحاشيته، و"الزقاقية" بحاشيته (ص 14).
والشيخ أحمد بن الجيلالي شيخ الإسلام بالديار الفاسية، قرأ عليه "الألفية" وطرفا صالحا من "المختصر".
والشيخ أحمد بابا الفيلالي، قرأ عليه "المختصر" و"الألفية" و"الموطأ" و"صحيح البخاري" بحاشية التاودي بنسودة، و"التحفة" بالتودي والتسولي، و"شرح دلائل الخيرات" للفاسي، و"الشفا" بشرحيها : لعلي القاري والخفاجي، و"الجلالين" بحاشيته، وقد لازمه سفرا وحضرا.
ومحمد بن سالم بن الخراش الشنقيطي المتوفى بالمدينة المنورة 1330 هـ، قرأ عليه عدة متون، وكان آية في نظم العلوم (ص15)
ثم تحدث عن إقباله على طلب الحديث عن شيوخه في هذا العلم الشريف.

ومن الشيوخ الذين كانوا يدرسون الحديث :
الشريف الفقيه المحدث التهامي بن المدني كنون، درس عليه "البخاري" و"الموطأ" بحاشيته عليهما.
ومنهم : المهدي الوزاني، ومحمد القادري، وأحمد بن الخياط، وأحمد بن الجيلالي، ومحمد بن جعفر الكتاني، وهو أولاهم بالتقدم، وبل إنه سيدهم وإمامهم على المطلق، رواية ودراية وفضائل، قرأ عليه "الشفا" و"الموطأ" و"البخاري" و"أوائل سنن أبي داود" و"سنن النسائي" و"ابن ماجة" وسمع منه "أوائل الإمام العجلوني" وحضر عليه عدة مجالس من "مسند الإمام أحمد" (ص 13).
ومنهم أحمد بن فال الشمس الشنجيطي، قرأ على الشيخ عبد الحي الكتاني "البخاري" مرتين رواية ودراية، و"صحيح المسلم" و"جامع الترمذي"، و"معجم الطبراني"، و"الموطأ"، و"شمائل الترمذي" و"أوائل بقية السنن والمعاجم والمسلسلات".
كما قرأ على الشيخ مصطفى ماء العينين "مسند الإمام أحمد" إلا قليلا، و"الجامع الكبير" للسيوطي، و"تفسير" الخطيب الشربيني، و"منظومة الأصول" لوالده، كما قرأ "المعلقات السبع".
كما قرأ على أخيه أحمد هبة الله طرفا من "الصحيحين"، وكتاب " البدايات" وهو في التصوف من تأليف والد الشيخ.
كما حضر مجالس الشيخ عبد الملك العلوي الحسني الضرير في تدريسه " لصحيح البخاري".
كما درس التصوف على عدة شيوخ مثل : الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ أحمد هبد الله عند قدومه إلى فاس من الصحراء، ووالده الشيخ محمد المهدي العزوزي، وخاتمة عقدهم : الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، الذي أدبه بحاله وقاله، وظل مرتبطا به، وبأسرته، وخليفته بالشام الشيخ السيد المكي الكتاني إلى وفاته (ص 17-21).
وقد طالع وحده ومع رفاقه الطلاب كتبا كثيرة ومتنوعة، أقتصر على ذكر بعضها وهي :
"جمع الفوائد ومجمع الزوائد" للشيخ محمد الروداني المطبوع بالهند سنة 1345 هـ.
"الروض الأنف" للسهيلي.
"شرح الزرقاني على المواهب اللدنية" و"طبقات الحافظ" للذهبي، و""تعجيل المنفعة في رجال زوائد الأربعة" لابن حجر، و"مجمع الزوائد" للهيثمي، و"سنن" الدارمي و"سنن" أبي داود، و"نيل الأوطار والميزان" للذهبي، و"لسان الميزان" لابن حجر، و"تفسير" للطبرري، وابن كثير، وابي حيان الغرناطي والرازي،
وأبي السعود "والكشاف" و"البيضاوي" وشرح "الإحياء" للزبيدي.
وعندما كان عمره 22 سنة ابتدأ التدريس خارج القرويين، وكان ذلك سنة 1330 هـ، وبعد سنتين هاجر إلى المشرق مبتدئا بمصر، لكن لم يصرح هنا بالأسباب التي دعته إلى فراق بلده، والنأي بنفسه إلى ديار الغربة، وكل ما فعل أنه شبه امتحانه بامتحان المقري صاحب "النفح الطيب" ولذلك اقتطف شيئا من أزهاره في ندبه لأوطانه، وتشوقه إلى إلقه وخلانه" (ص 23).
وصل إلى مصر في 10 رجب 1332 هـ، وقد زار بعض مآثر القاهرة، ثم اتجه إلى زيارة العلماء للأخذ عنهم، واستجازتهم، منهم :
-  الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، سمع عنه حديث الأولية بسنده إلى الأمير، وأجازه بثبت الأمير والكتب الستة، وبجميع مروياته ومؤلفاته.
-  والشيخ عبد المجيد الشرنوبي.
-  والشيخ محمود خطاب السبكي، وكان عالما واعظا ورعا وزاهدا، يزور الأغنياء في بيوتهم، ويعظ الحاضرين في مجالسه، دون أن يتناول شيئا من مأكلهم ومشربهم. ( ص :30)
-  والشيخ حسنين خاتمة محرري مذهب مالك بمصر.
-  والشيخ أحمد رافع الطهطاوي، لكن بعد هذه الرحلة في سنة 1356 هـ.
وقد ظل بمصر خمسة أشهر توجه بعدها إلى الحرمين الشريفين، مبتدئا بمكة المكرمة حيث اعتمر في 15 شوال 132 هـ.
وبمكة المكرمة اتصل بمفتي المالكية وإمامهم : الشيخ محمد عابد بن الشيخ حسن، وبشيخه بفاس الشيخ أحمد الشمس الشنقيطي، وكان سارده في تدريس "الموطأ" داخل المسجد الحرام، ومحدث العصر، خادم دلائل الخيرات الشيخ عبد الحق الهندي الذي جاور بمكة نحوا من ثلاثين سنة.
وبعد الانتهاء من فريضة الحج اتجه في 24 محرم 1333 هـ إلى المدينة المنورة حيث أقام خسمة أشهر وخمسة أيام، وعلى عادته قام بزيارة العلماء.
فكان أولهم، شيخه بفاس الذي اجتمعت القلوب على حبه الشيخ محمد ابن جعفر الكتاني، الذي احتفل به أيما احتفال، وأجازه بجميع مروياته ومسموعاته ومؤلفات، وأذن له بقراءة "صحيح البخاري" بالحرم النبوي استجابة لإلحاح بعض طلاب العلم.
فقال الشيخ العزوزي بتدريس "البخاري" وقت الضحى مع تهيبه واعتذاره، وكان يتردد على المكتبات الثلاث بالمدينة المنورة للاستعانة بمصادرها، وكان يتردد كثيرا على مكتبة الشيخ عمر حمدان التونسي لاشتمالها على نفائس الكتب المطبوعة والمخطوطة ( ص 37).
وثانيهم الشيخ عمر حمدان التونسي، حضر دروسه في "الشفا" بشرحي القاري والخفاجي، وذلك بين العشائين، ودرسه "لصحيح البخاري" كتاب الجهاد صباحا.
وثالثهم : المحدث الشيخ أحمد البرزنجي مفتي الشافعية بالمدينة المنورة، حضر في دروسه في "البخاري" و"الكامل " للمبرد.
ورابعهم : العلامة اللغوي الشيخ أحمد الشنكيطي، قرأ عليه "خطبة القاموس" و"ديوان الحماسة" بشرح التبريزي، و"مراقي السعود" في الأصول.
وخامسهم : الشيخ حمدان الجزائري، حضر دروسه في الفقه المالكي.
وفي جمادى الثانية من عام 1333 دخل دمشق، وقد رأى فيها تشابها بينها وبين مسقط رأسه فاس غير أن هذه امتازت بانفجار بنابيع عيونها داخل بيوتها، وبإحكام بنيانها، وزخرفة بيوتها بالفسيفساء، إلا أن دمشق مزار الأنبياء ومدفن الكثير منهم، ومحط رجال العلماء والصلحاء والزهاد والأخيار (ص: 39)
وعلى عادته قام أيضا بزيارة العلماء والإفادة من علمهم وطلب إجازاتهم.
وهكذا زار :
الشيخ حسن الأسطواني، والمحدث الأكبر الحافظ شيخ الإسلام بدر الدين بن يوسف الحسيني المغربي، زاره مرارا وأفاد من علمه وفضله، وبايعه على الولاية، وقبل يده. ( ص : 40)
والشيخ المشارك الأصولي الرحالة الصوفي المعمر أمين سويد، وكان آية في الذكاء، وقد زاره وهو يقرأ "الفتوحات المكية" لابن عربي وفي المجلس علماء أجلاء.
والشيخ محمد عبد الباقي الحسني الجزائري خليفة الشيخ المبارك الحسني جد أستاذنا وأخينا الدكتور محمد المبارك رحمه الله، وجر له فيها أن بعض علماء الشام الحاضرين أنكر أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أكل الجراد، فأصلح له الشيخ العزوزي ذلك بما ورد في البخاري، أن صحابيا قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، نأكل معه الجراد، فأبى المتنكر إلا أن يحضر نسخة "البخاري" ظنا منه أن الحديث في "كتاب الأطعمة"، فلما لم يجده قال له الشيخ العزوزي : إنه ورد في "كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الجراد".
وهناك أخبار أخرى ذكرها الشيخ العزوزي بهذه المناسبة وبمناسبات سابقة وأخرى لاحقة جديرة بالقراءة.
ومنهم مفتي الديار الشامية ومحرر مذهب الأحناف، الشيخ أبو الخير عابدين، والشيخ عبد المحسن الأسطواني، سمع منه حديث الأولية.
والشيخ عطا الكسم مفتي الديار الشامية الحالي ( 1370-1950)، والشيخ توفيق الأيوبي حضر تدريسه بكتاب "بلوغ المرام".
والشيخ على الدقر، الذي أحيا الله به العلم في دمشق وقراها وباديتها، وهو والد الشيخ أحمد الوقر، وقد أدركته وجالسته مرارا في بيت الشيخ المصلح الشيخ المكي الكتاني رحمه الله.
والشيخ شريف اليعقوبي الجزائري الأصل، وحفيده الشيخ عبد الله الخالدي، من أعز أصدقاء وإخواني ببيروت، وهو الآن خطيب جامع الإمام علي، بارك الله في عمره.
والشيخ جميل الشطبي مفتي الحنابلة بالشام، وشقيقه الشيخ حسن، والشيخ محمود ياسين.
والشيخ صلاح الدين الزعيم الواعظ، والناصح المتردد على القرى الإسلامية بكل من سوريا ولبنان، وكان زميلا له مدرسا بالكلية الشرعية ببيروت، وقد أدركت أنا الشيخ صلاح الزعيم هذا، وهو شقيق حسن الزعيم أول زعيم انقلابي بسوريا، وهو من أهل الله الذين إذا رؤوا ذكر الله.
وكان الشيخ صلاح الدين – رحمه الله – من الصالحين الورعين، الحريصين على إرشاد الناس وهدايتهم وتعليمهم الدين، وكان كثيرا ما يتردد على قرى البقاع، وقد التقيت به في قرية "القرعون" وأنا في بيت أخي ورفيق دراستي بالمشرق الأستاذ عبد الرحيم طريف، كان مضيء المحيا، كث اللحية، وخطها الشيب كثيرا، جميل الصورة، مهيب الطلعة، كثير الصمت، شجاعا في المواقف، عفيفا ورعا، معظما عند الخاصة، والعامة، وكان إذا حل بالقرية هرع إليه الكبار والصغار يقبلون يده، ويلتمسون منه الدعاء، وقد زرته وجالسته وسألته الدعاء، ووقع من نفسي موقعا عظيما ما زلت أذكره إلى الآن كأحسن ذكرى طيبة، رأيته خلال إقامتي الدراسية بالمشرق، رحمه الله رحمة واسعة.
والشيخ بهجت البيطار، وهو من كبار علماء الشام قاطبة، وقد أدركته وجالسته، كان رحمه الله كثير التواضع والحياء والأدب والورع، يفيدك وكأنه يستفيد منك، كأنه يعطيك الذي أنت آخذه.
والشيخ السيد المكي بن الحافظ الحافل السيد محمد بن جعفر الكتاني، وصفه بأنه خليفة والده في العلم والكرم والإصلاح، كان ناهضا بالأمة لأعلى ذروة المجد، لا يكل ولا يمل، ساهرا ليله ونهاره فيما فيه صلاح الأمة، ونشلها من المهالك المحدقة، جامعا شتات العلماء، مؤسسا لجمعيتها، نائبا لرئيسها، لا يألو جهدا في نصح أمرائها وملوكها.
والشيخ السيد المكي الكناني شخصية فذة وفريدة، له من الآثار الخيرة في ميدان العلم والإصلاح الشيء الكثير، وقد عشت في بيته شهرين متتابعين، ورأيت فيه ومنه من الفضل والخير، والحرص على نفع الأمة، ما لا تسعه مجلدات، وهو أول من سمعته يتحدث عن القنبلة الذرية الإسلامية، وأن باكستان مهيأة لذلك، وقد زاره بعض الباكستانيين لمباحثته في الموضوع، وأسر إلي بما دار بينهما من حديث، وكان هو الرئيس الفعلي لرابطة علماء سوريا وإن كانت الرئاسة الإسمية للعلامة الصالح أبي الخير الميداني، الذي كان يقدم الشيخ الكناني لمهمات الرابطة لكفاءته، ولكونه ولد شيخه الحافظ محمد ابن جعفر الكتاني، الذي أدركت له صيتا واسعا بالمشرق.
والشيخ احميدان حموية الحلبي، وكانت له خزانة كتب نفيسة، يقول الشيخ العزوزي : إنه رأى فيها فهرسة محمد بن الطيب الشركي اللغوي الشهير.
والشيخ إبراهيم الغلايني، وقد أدركته وعرفت ولده مفتي "قطنا" وبعض أحفاده، وكان رجلا صالحا.
والشيخ عبد القادر المغربي المصلح المشهور، وقد أدركته ورأيته في مطار دمشق وعرفني به شيخي السيد المكي الكتاني.
والشيخ علي الطنطاوي – بارك الله في عمره – وهو الآن بمكة، وكان زميلا للشيخ العزوزي بالكلية الشرعية ببيروت، وقد جالسته ثلاث مرات في بيت مكة، وعزيته مرتين : في الشهيدة ابنته بنان، وشيخ عبد الحميد قنواتي.
والشيخ زين العابدين بن الحسين التونسي، وقد أدركته، وجالسته مرارا في بيت شيخنا السيد المكي رحمهما الله.
وأخيه الشيخ محمد الخضر الحسين شيخ الأزهر إبان حكم اللواء محمد نجيب، وقد أدركته واستمتعت إلى محاضراته بقاعة الخلية الاجتماعية ببيروت، وكانت قيمة بعنوان "الذوق" ألقاها علينا سنة 1954 بعد أن عزله جمال عبد الناصر، وعين شيخا آخر ضعيفا مكانه.
والشيخ محمد الكافي التونسي، الذي ألف كتابا في الرد على جوهري طنطاوي.
والشيخ محمد المبارك الجزائري، مفتي المالكي، وهو جد الدكتور محمد المبارك فيما أحسب.
والشيخ أبو الخير الميداني، وهو أكبر عالم أدركته بالديار الشامية سنة 1952، وكان قد تجاوز الثمانين وهو رئيس رابطة علماء سوريا.
والشيخ الشريف العلوي الحسني مولاي مبارك عرفه في فاس، ثم في بيروت عندما زاره بالكلية الشرعية، أقام معه في بيروت شهرين.
والشيخ صالح التونسي المهاجر بالمدينة المنورة وقد أدركته، وكان مشهورا بالصلاح.
والشيخ حسن الحبنكي، وقد أدركته واستفدت منه، وحضرت بعض دروسه، وكان عالما زاهدا متقللا من الدنيا، عفيفا ورعا، شجاعا مجاهدا، وقد أكرمني الله بلقياه في "منى" أثناء الحج في سنة 1394، وكان معنا الدكتور محمد المبارك، والشيخ برهان الدين رباني، وحفيد الشيخ شامل الدغستاني الشيشاني.
والشيخ أحمد قشلان وكان محدثا عالما يتعاطى التجارة، وقد أدركته، وهو في نحو الستين أو أقل من عمره، وكان إذا غاب الشيخ السيد المكي عن درسه للبخاري بالقسطلاني أنابه عنه، وقد أدركته، وحضرت مجالسه، فإذا حضر الشيخ كان من جملة طلابه الآخرين عنه.
يقول الشيخ العزوزي عنه :
" فهو أدامه الله من عشاق العلم والفضيلة، ما شغلته الدنيا عن العلم واقتناء كتبه، له مكتبة عامرة بنفائس الكتب، لازم شيخنا مولانا السيد محمد بن جعفر الكتاني مدة إقامته بالشام إلى أن سافر للمغرب". (ص 66)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here