islamaumaroc

صمود ثقافتنا الإسلامية

  حسن السائح

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

إن ارتباط ثقافتنا الإسلامية بتراثنا الإسلامي مكين في أعماقنا، وإن علماءنا السالفين الأبرار مهدوا طريق الإسلام كل ممهد، سواء بفهمهم لدينهم، أو بوعيهم لرسالتهم، أو بإخلاصهم في سلوكهم، وبذلك أورثونا بنيانا عظيما أقيم على الإيمان والعلم، فأصبحت مسؤوليتنا الحفاظ على هذا البناء والعمل المستمر على نمائه، والحفاظ عليه، ومع ما قدموه لنا من خدمات جلى، فإن جهدنا لن يكون سهلا، بل إن مسؤوليتنا تعاظمت بتعاظم قوى خصوم الإسلام، والمحرفين لقيمه وكلماته.
وإذا كان أجدادنا استودعهم الله مسؤولية الحفاظ على الإسلام ونشره، والقيام به والتمكين له، فلن يشرفنا نحن أن نكون عالة على أعمال السلف الظاهرين ، الذين ملأوا الدنيا فضلا وعلما، بل علينا أن نضيف إلى جهودهم فهم قضايا عصرنا، ووعي مشاكل ثقافتنا، ونربط بين إنتاج القديم والتطلع المستقبلي، والتغلب على المصاعب التي تواجه المسلمين اليوم حتى لا تغمرهم الفيضانات، وتعصف بهم الرياح.
وإذا كان الإسلام دين السلام فإن خصومه يوقدون لهب الحرب في أركان بيته، وإذا كان دين الحق فأعداؤه ينشرون عنه الأباطيل، وإذا كان دين المحبة فمنكروه يؤججون عليه نار البغضاء، وإذا كان دين الحرية فمناوئوه يستعبدون الشعوب الإسلامية.
ولهذا كله، فرجال الفكر المسلمون تجاوزت مسؤولياتهم عمل الآباء والأجداد، لأن عدوهم أعتى، وخصومهم أشد ضراوة، ولذلك فرجال الفكر – وهم المخططون وواضعو إستراتيجية العمل الثقافي – عليهم أن يعدوا مدى مسؤولية رسالتهم الثقافية الإسلامية، ليحموا المسلمين من شر الفتن الفكرية، والإجهاض الثقافي، والتفويت الحضاري.
إن نواة الثقافة الإسلامية تستوعب مقومات الإسلام الأساسية، ومبادئه الإنسانية العميقة، فالاعتماد على ينابيعه الأصيلة، المتمثلة في القرآن والسنة وتراثنا العلمي والثقافي، عروة لمساندة التواصل والتنمية، ومصادرة التبعية والاستلاب والاجتلاب، وإن ضمانة هذه التنمية لا تصاب إلا بتعليم إسلامي يخلو من الارتباطات الإيديولوجية، ويحايد الطرح العاطفي الذي يحيا بالشعارات، واعتماد – بدل ذلك – اجتهادات جدية لمواصلة تطوير المعايير الفكرية، وقواعد التثقيف، لتظل ثقافتنا سليمة من عوامل التآكل، وبذلك تواصل رسالتها، حاذقة بما يجري حولها، وصائنة لأصول قيمنا الإسلامية في تعاملها مع قضايا العصر الفكرية والسياسية والاجتماعية، لنتجنب المؤثرات المفروضة والمغرية التي تهدد مستقبلنا الثقافي.
وإن مقومات الثقافة الإسلامية واضحة المعالم : عقيدة إيمانية، سهلة التناول، لا تعقيد في فهمها أو  في شرحها، وسلوك إنساني واضح، مستوحى من سيرة الرسول وسلوكه النير، وأعمال غير منفصلة عن العقيدة والسلوك، لا تجتبي النفاق، ولا تقر الكذب والمخاتلة، وإنما هي إشراق نور الشمس الذي لا يخفي الغربال أشعتها الخارقة، وحرية المسلم في عبوديته لخالقه، ووحدانية المطلقة. ولذلك تكتل المسلمون الأولون وراء حقيقة الدين الإسلامي صفا واحدا متراصا، واستطاعوا أن يدحضوا الوثنية والشرك، ويشيدوا صرح العدالة والعلم، وأمدوا الإنسانية بنهرين : نهر الحق والعدل، ونعر العلم والحكمة، فأرووا البشرية في كل مكان، وعبر التاريخ والأزمان.
غير أن جحافل الظلم وعبدة الشياطين تآمرت على العالم الإسلامي، فحقت كلمات ربك صدقا وعدلا، وترصدت الشياطين البشرية طريق المؤمنين، تضللهم عن الحق، وتوفد بينهم العداوة والبغضاء، ثم هاجموا العالم الإسلامي في سلسلة حروب صليبية في الأندلس والمشرق، وحروب تخريبية تقودها جحافل التتار في المشرق الإسلامي، فهاجموا البلاد الإسلامية، مخربين مهدمين، وإمعانا في محاربة الإسلام ومواجهة ثقافته العاتية أحرقوا آلاف الكتب، وأغرقوا أضعاف ما أحرقوا، ليجعلوا منه القناطر يعبرون منها لضفتين على أنهار غرناطة وقرطبة وإشبيلية ودجلة والفرات.
ومن الطبيعي أن يدخل العالم الإسلامي عهدا مظلما منذ انطفأت شموع نهضته، وأن يصبح مقفرا، وقد قطعت طرق تجارته عبر آسيا وإفريقيا وأوريا، فاجتمع الفقر والجهل والمرض، ولكن شيئا واحدا لم يمس لأنه محفوظ بعناية الله (هو القرآن) الذي ظلت كلماته نابضة في كل قلب ينبض بالحياة، وظل منشورا ولو تمزقت الأوراق ، وطوت الصحف.
وفي هذه الظلمة الحالكة التي عمت بلاد المسلمين جاء المبشر ينشر دينه في عتمة قلق المسلمين، وتابع المستعمر خطواته ليستعمر الأرض، الأول يمحو بيده الحانقة معالم الدين، والثاني يدوس بقدمه الأرض ومن عليها، يستغل عطاء الأرض، وعضلات المسلم ليجني الثمرات، وكادت الثقافة الإسلامية أن تنهار لولا التشبث بخشبة النجاة.
وبعد لأي، حوصرت الثقافة الإسلامية بالإيديولوجيات الليبرالية والماركسية، غير أن الجذوة اتقدت من جديد في القلوب، فأنارت الطريق : طريق الكفاح، وزادت المسلمين إيمانا إلى إيمانهم، وقد عجموا الثقافة الغربية فإذا هي متسلطة واهية، ذات بريق لا تمسك خيوطه نواة صلبة.
وقابل المسلمون ما عندهم بما عند غيرهم، وكان ما عند الله خيرا وأبقى، فاستيقظوا وهبوا يحيون التراث الإسلامي، فإذا هم أمام ثقافة أعظم مما عند غيرهم، بل إن ما عند غيرهم مستورد من ثقافتهم، فعملوا على إحياء المؤسسات العلمية بمناهج جديدة تعتمد التراث الإسلامي، وتنتقي من معارف الغرب، ورفعوا صوت الإسلام بكل إعلاميات العصر الحديث، بالمجلات، والصحف، والإذاعات، وانتشار دور النشر في كل مكان، ثم استعملوا الأقمار الصناعية ليجاوزوا الثقافة الموجهة، وبذلك أصبحت الثقافة الإسلامية اليوم في مواجهة تحديات الغرب، وإن شئت فقل أصبحت الثقافة الغربية في مواجهة التحدي الثقافي الإسلامي.
إن هذا التقدم لا يغرب المسلم بالكسل والتواكل والفرح (لأن الله لا يحب الفرحين)، ففي ثقافتنا الإسلامية المعاصرة عناصر السلب وعناصر الإيجاب : عناصر سلب، يبدو في التطرف، والجهل بأصول الدين الإسلامي، وعناصر الإيجاب في استيعاب التقدم العلمي والتكنولوجي.
إن الثقافة اليوم ذات مفهوم جديد معاصر هي أنها تعنى ( التنمية) الاقتصادية.
فكيف ننمي المجتمع الإسلامية بواسطة الثقافة؟
وكيف نواجه هذا التحدي؟
وما دور المنظمات والجامعات في هذا الموضوع بالذات.؟
ولهذا فالسؤال :
كيف نحمل الثقافة الإسلامية معنى التنمية على المستوى العالمي، لأن دعوة الإسلام عالمية، وهو دين جاء رحمة للعالمين؟
كيف نبني الشخصية الإسلامية اليوم؟
كيف نصلح الرأي العام ونوجه؟
كيف نتصدى للإعلام المعدي؟
كيف ننصر قضايا المسلمين؟
لست متشائما في مستقبل العالم الإسلامي ولا من الواقع المعاصر، فالمسلمون اليوم يحملون أسلحة الثقافة ونحن نعمل على شحذها. فمنذ قرن كنا ننهزم ولا نرد، واليوم قد ننهزم على أننا واقفون في الصف لا نقر الهزيمة، ونؤمن بالتاريخ ومداولة الأيام.
إن العالم الإسلامي استفاد من الثقافة العلمية والتكنولوجية، ونحن نملك جزءا منها، ونشارك في صياغتها في كل مكان.
لم تكن لنا في الماضي جالية في أوربا وأمريكا، واليوم يعيش ملايين المسلمين في بلاد الغرب وهو قدوة حسنة، وانضاف إليهم العديد من الغربيين الذين أسلموا فأصبحوا صوتا قويا، وصدى يرجع دعوة الإسلام

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here