islamaumaroc

ابن عطية وتفسيره: المحرر الوجيز.-4-

  عمر الدباغ

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

"ابن عطية" إمام اللغة العربية، شهد له بذلك من ترجم له، على ما نستشفه من براعة هذا العالم في ميدان النحو واللغة من خلال قراءة تفسيره المليء بالآراء النحوية، وبالمناقشات اللغوية المتفننة، أضف إلى ذلك كثرة شواهده الشعرية، ولا غرابة في ذلك، فقد كان هو نفسه شاعرا وأدبيا، ولذلك فقد صنفه جلال الدين السيوطي في طبقات اللغويين والنحاة، ونقول قول ابن الزبير (1) الذي ذكر أنه :" كان فقيها جليلا.. نحويا لغويا، أدبيا بارعا، شاعرا مفيدا ضابطا. وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية. (2)
وفي هذا الفصل سنحاول بيان منهج "ابن عطية" في توظيف كل من الشعر وعلوم اللغة في تفسير كتاب لله العزيز.

أ – توظيف الشعر :
إن ابن عطية شاعر مجيد أديب بارع، وقد نقل له صاحب القائد بعض شعره، اخترنا منه في الباب الأول من هذا البحث أبياتا مؤثرة في وصف الزمان مطلعها :
داء الزمان وأهله  داء يعز له العلاج (3)
وقد اعتمد كثيرا على الشعر في تفسير معاني الآيات والمفردات، ولتعضيد المعاني اللغوية، كيف لا، و"الشعر ديوان العرب" كما في الكلام المأثور، وهو أصدق شاهد على المعنى المراد من كلمة أو عبارة عربية، خصوصا إذا كثرت القرائن بكثرة الشواهد، وخصوصا إذا كانت هذه الشواهد من الشعر الجاهلي التي نزل القرآن بكلام من جنسه، ولهذا فإنا قليلا ما نرى ابن عطية يكتفي بشاهد شعري واحد، ونراه أيضا يستشهد كثيرا بالشعر الجاهلي رغم احتوائه على أغراض قد لا تليق بتفسير كتاب الله تعالى كشعر الغزال مثلا، إذ أن القول الشائع في ذلك العصر هو أنه لا علاقة بالقيمة الأدبية لنص ما بمضمونه الأخلاقي، من ذل استشهاده في معنى السورة ببيت الأعشى يقول فيه :
فبانت وقد أسارت في الفؤاد  صدعا على نأيها مستطيرا (4)
وفي اشتقاق لفظ الشيطان أورد بيتا آخر للأعشى () يقول فيه :
نأت عاد عند نوى شطون  فبنات والفؤاد بها رهين (6)
وفيما يلي أمثلة لتوظيفه للشعر في التفسير.
1 – بيان معاني المفردات :
وهذا كثير، ومنه البيتان السالفان، ومنه أيضا في تفسير "يقيمون الصلاة" قال : معناه يظهرونها، كما يقال : أقيمت السوق. وهنا تشبه بالقيام من حالة الخفاء : قعود أو غيره.
ومنه قول الشاعر :
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا  حتى تقيم الخيل سوق طعمان
ومنه قول الشاعر :
أقمنا لأهل العراقين سوق الطهان فخاموا وولوا جميعا (7)
ثم استشهد للصلاة بمعنى الدعاء بالأبيات التالية :
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي يوما، فإن لجنب المرء مضطجعا
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها  وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
2 – بيان معاني الآيات :
المثال الأول : في تفسير قوله تعالى :"ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة". (8)
قال، وقوله تعالى :" ومن الذين أشركوا"، قيل المعنى : وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا.
ألا ترى إلى قول امرئ القيس :
تمتع من الدنيا فإنك فان  من النشوات والنساء الحسان (9)
المثال الثاني في تفسير قوله تعالى : " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (10)
قال :و "وراء ظهورهم" مثل ، لأن ما يجعل ظهريا فقد زال النظر إليه جميعه، العرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.
وقال الفرزدق :
تميم بن مر لا تكونن حاجتي  بظهر فلا يعيا علي جوابها (11)
3 – تعضيد المعاني اللغوية :
لقد مر بنا استعانة ابن عطية بآيات قرآنية لتوجيه قراءة أبي طالوت في يخدعون من آية "يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" بضم ياء يخدعون الثانية، فقال :" وأما أن يكون يخدعون أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم"، ونحوه قوله تعالى :"أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم"، وبعد ذلك قال معضدا هذا المعنى اللغوي : وهو باب سني من فصاحة الكلام.
ومنه قال الفرزدق :
كيف تراني قالبا مجني  قد قتل الله زيادا عني
لم كانت قتل قد دخلها معنى صرف.
ومنه قول الآخر :
إذا رضيت علي بنوقشير لعمر الله أعجبني رضاها
لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقلبت علي. (12)
وكان من قبل قد وجه قراءة عاصم وابن عامر وأبي عمرو "وما يخادعون" فقال : "فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، ويجيء ذلك كما قال الشاعر " :
ألا لا يجهلن أحد علينا  فنجعل فوق جهل الجاهلينا (13)
فجعل انتصاره جهلا. (14)
ومن تعضيد المعاني اللغوية أيضا ما جاء في تفسير قوله تعالى "فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مومنين" (15).
قال : "وجاء "تقتلون" بلفظ الاستقبال، وهو بمعنى المضي، لما ارتفع الأشكال بقوله :"من قبل"، وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل، وسوق المستقبل بمعنى الماضي.
قال الحطيئة :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر (16)
4 – تعضيده للقواعد النحوية :
في تفسير قوله تعالى : "وهو الحق مصدقا لما معهم". (17)
قال :"ومصدقا" حال مؤكدة عند سيبويه، وهي غير منتقلة، وقد تقدم معناه في الكلام، ولم يبق إلا معنى التأكيد، وأنشد سيبويه على الحال المؤكدة :
أنا ابن دارة معروفا بها حسبي  وهل لدارة ياللناس من عار (18)
5 – التعليق على الشواهد :
يعلق أحيانا "ابن عطية" على بعض الشواهد التي يسوقها، إما بتفسير بعض ألفاظها، وإما بنقد وجه الشاهد فيها.
فمثال الأول : ما جاء في التفريق بين الميت بالتشديد والميت بالتخفيف بمناسبة قوله تعالى :" إنما حرم عليكم الميتة والدم" الآية. (19)
قال :" وقال أبو حاتم غيره، وما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه ميت بالتخفيف.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه، هكذا هو استعمال العرب".
ويشهد بلك الشاعر :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
ثم علق على هذا البيت فقال :"استراح من الراحة، وقيل من الرائحة". (20)
ومثال الثاني : أي نقد وجه الشاهد : بعد أن جاء – كما مر بنا في النقطة الثالثة – بالبيت التالي :
إذا رضيت علي بنوقشير لعمر الله أعجني رضاها
للاستشهاد بأن رضيت تعدت بعلي خلافا للأصل، وهو تعديها بعن، لما تضمنت معنى أقبلت، قال :"وأما الكسائي فقال في هذا البيت : وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط، وقد تجري أمور في اللسان مجرى نقائضها. (21)

ب – توظيف النحو واللغة :
برهن "ابن عطية" من خلال تفسيره تفوقه في النحو والتصريف وعلوم اللغة، وسعة اطلاعه فيها، فهو لا يكتفي بإيراد أقوال النحاة المشهورين " كسيبويه، والخليل، والأخفش، والكسائي، والمبرد، والزجاج، والفراء، وغيرهم، بل قد يوجه أقوالهم موضحا إياها تارة، أو مرجحا بعضها تارة أخرى.
وبالجملة، فإننا نستطيع أن نقول – دون تكلف – بأن المحرر الوجيز زيادة على كونه كتاب تفسير، فهو كتاب نحو ولغة، غزيرة معارفه، متنوعة أبوابه.
وفيما يلي نموذج من المناقشات النحوية التي وردت فيه بمناسبة تفسير الفاتحة :
قال :" واختلف النحويون في "إياك" فقال الخليل :"إيا" : إسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكي عن العرب إذا بلغ الرجل الستين "فإياه" و"إيا" الشواب.
وقال المبرد: "إيا" إسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف.
وحكى ابن كيسان عن بضع الكوفيين أن "إياك" بكماله اسم ضمير، ولا يعرف اسم مبهم بتغير آخره غيره.
وحكى عن بعضهم أنه قال : الكاف والهاء والياء هي الإسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إلا متصلات، فإذا تقدمت الأفعال جعل عمادا لها، فيقال : إياك، وإياه، وإياي، وإذا تأخرت اتصلت بالأفعال واستغنى عن إياه.
وحكي عن بعضهم أن "إيا" إسم مبهم يكنى به عن المنصوب، وزيدت الكاف والياء والهاء تفرقة بين المخاطب والمتكلم، ولا موضع لها من الإعراب، فهي الكاف في ذلك، وفي أرايتك زيدا ما فعل". (22)
وفيما يلي محاولة لتحلية منهج "ابن عطية" في الاستعانة بالنحو واللغة.
1 – توظيف النحو لبيان معاني الآيات :
من ذلك تفسير قوله تعالى : "والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون". (23)
قال :" اختلف المتأولون في المراد بهذه لآية وبالتالي قبلها (24) فقال قوم : الآيتان جميعا في جميع المومنين، وقال آخرون : هي في مومني أهل الكتاب، وقلا آخرون : الآية الأولى : في مومني العرب، والثانية : في مومني أهل الكتاب، كعبد الله ابن سلام، وفيه نزلت.
ثم استعان بالنحو لتوجيه كل من المعاني فقال :" فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب "والذين" خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف، أي وهم الدين، ومن جعل الآيتين في صنفين، فإعراب "الذين" رفع على الابتداء وخبره "وأولئك على هدى" ويحتمل أن يكون عطفا". (25)
ومن ذلك أيضا تفسير قوله تعالى :" ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين". (26)
قال : "واختلف النحاة في جواب "لما"، و"لما" الثانية في هذه الآية، فقال أبو العباس المبرد، جوابها في قوله :"كفروا" وأعيدت لها الثانية لطول الكلام، ويفيد ذلك للذنب وتأكيدا له.
وقال الزجاج، "لما" الأولى جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه فكأنه محذوف.
وقال الفراء :"جواب" "لما" الأولى في الفاء وما بعدها، وجواب "لما" الثانية : كفروا". (27)
2 – توظيف النحو لتوجيه القراءات :
نورد مثالين من سورة الفاتحة :
الأول : في قراء سفيان بن عيينة، ورؤبة بن العجاج الخارجة عن إجماع القراء "الحمد لله" بفتح الدال، قال :"وهذا على إضمار فعل". (28)
والثاني : في قراءة ابن كثير، في رواية عنه :"غير مغضب عليهم " بفتح الراء، فنقل عن أبي علي (29) أنه قال : والنصب في الراء على ضربين : على الحال كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم، أو على الاستثناء كأنك، قلت : إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب على أعني". (30)
3 – ترجيحات لغوية :
كما أسلفنا فقد يتدخل "ابن عطية" لترجيح بعض الأقوال التي يوردها، مثال ذلك في تفسير قوله تعالى : "أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم" (31)
قال : قال سيبويه : الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، وقال الأخفش : هي زائدة، وقال الكسائي، هي "أو" فتحت تسهيلا، وقرأ قوم "أو" ساكنة الواو، فتجيء بمعنى : بل، وكما يقول القائل : لأضربنك، فيقول المجيب : أو يكفي الله، ثم أضاف: قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا كله متكلف و"أو" في هذا المثل متمكنة في التقسيم، والصحيح قول سيبويه". (32)
4 – تعميم الفائدة :
في بعض الأحيان يرى "ابن عطية" من المفيد – بعد تفسير كلمة أو عبارة من كتاب الله تعالى تفسيرا لغويا – أن يتعدى بهذا التفسير إلى كلمات أو عبارات أخرى من جنس المادة المفسرة ولأن كانت غير واردة في الآية، بل في القرآن الكريم .. من ذلك ما جاء في تفسير " نستعين" قال: "نستعين" أصله نستعون نقلت حركة الواو إلى العين، وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، ثم عمم الفائدة بقوله :" والمصدر استعانة أصله استعوانا نقلت حركة الواو إلى العين فلما انفتح ما قبلها وهي نية الحركة انقلبت ألفا، فوجب حذف أحد الألفين الساكنين، ثم لزمت الهاء عوضا عن المحذوف". (33)
ومن المعلوم أن كلمة استعانة غير واردة في القرآن، ومع ذلك  فإنه لما بين الأصل الصرفي لكلمة "نستعين" لم يفته فعل نفس الشيء للمصدر وهو استعانة".
ومن ذلك أيضا ما جاء في تفسيره من أن المستقبل قد يساق بمعنى الماضي كما جاء في قوله تعالـى : "فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مومنين"، ثم عمم الفائدة فذكر أن الماضي قد يساق كذلك بمعنى المستقبل، وعلق على هذا كله بقوله :" وفائدة سوق الماضي في مواضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي الذي وقع، وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر". (34)
5 – توظيف الاشتقاق والتصرف :
وهذا كثير، ومنه المثال الأول من النقطة السالفة، ومنه أيضا أصل "المتقين" من قوله تعالى :"هدى للمتقين" حيث قال : وقوله "متقين" اللفظ مأخوذ من وقي، وفعل اتقى على وزن افتعل وأصله (للموتقين) استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت لالتقاء، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار "للمتقين". (35)
ومنه أيضا في تفسير قوله تعالى : "قل هاتوا بهتانكم إن كنتم صادقين". (36)
قال :"وقيل : إن الهاء في "هاتوا" أصلية من هاتي يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه، وقيل هي عوض من همزة آتي، وقيل :"ها" تنبيه، وألزمت همزة آتي الحذف". (37)
6 – توظيف علم البلاغة :
إن علم البلاغة من العلوم الأساسية التي تكشف عن إعجاز القرآن اللغوي، وابن عطية، وإن لم يبلغ فيها مرتبة الزمخشري إلا أنه لا تفوته الإشارة إلى ما تضمنته بعض الآيات من أوجه البلاغة، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى : "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى". (38)
قال :"معناه : قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصاري لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ودل تفريق نوعيهم على تفرق قولهم، وهذا هو الإيجاز واللف". (39)
ومنه أيضا ما جاء في تفسير قوله تعالى :" وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" (40) قال : التقدير حب العجل، والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه، هذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم". (41)
7 – الاستعانة بلغات أخرى :
لقد بين "ابن عطية" في مقدمته رأيه في ألفاظ التي في كتاب الله ولغات العجم تعلق بها، (42) وذلك أن هذه الألفاظ في الأصل أعجمية، لكن استعملها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه.
وبهذا المفهوم يفسر لفظة "جبريل" قال :"وذكر ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن "جبر" و"ميك" و"سراف" هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، و"ايل" اسم الله تعال ويقال "إل" ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إل". (43)
ج – التفسير الفقهي :
لابن عطية باع طويل في الفقه، ولولا ذلك لما ولي القضاء وكل من ترجم له يقدم هذه الصفة على غيرها، كما قال عنه السيوطي نقلا عن ابن الزبير :" كان فقيها جليلا، عارفا بالأحكام" (44) وكان رحمه الله فقيها مالكيا، لا يذكر مسألة فقهية إلا وذكر رأي مالك وأصحابه فيها ، ومع ذلك فإنه كثيرا ما يورد آراء المذاهب الأخرى في أدب دون انتقاص أو تعصب.
ويظهر مذهب "ابن عطية" المالكي – زيادة على ذكره المطرد لرأي المذهب في المسائل الفقهية – بكونه دائما يبتدئ بهذا الرأي أو يعلله، بل قد يشير إلى أن قولا ما هو رأي (المذهب) دون أن يخصص أي مذهب يعني، والمفهوم منه هو المذهب المالكي.
ومن أمثلة ابتدائه برأي مالك تفسير آيات الصيام : فبعد أن ذكر آراء الصحابة والتابعين ذكر رأي مالك، ثم ذكر بعده رأي الشافعي وأبي حنيفة : قال :" وقال مالك :"لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر عليها" والآية عنده إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية" (45).
ثم قال : "وقال الشافعي وأبو حنيفة : على الشيخ العاجز الإطعام". وفي هذا المثال فإنه يعلل رأي مالك رحمه الله.
ومن الأمثلة التي تبين انتماءه إلى المذهب المالكي كذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى : "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلكم" (46).
قال : "وقال عبد المالك بن الماجشون من أصحابنا : إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم، قولا واحدا في المذهب"، (47) وفي هذا القول إشارتان إلى مذهب مالك.
بصفة عامة يعرض "ابن عطية" أقوال الفقهاء دون ترجيح، ولكنه في بعض الأحيان، قد يرجح حدها أو يضعفه، مستعينا في ذلك بأقوال الصحابة أو باللغة أو بأدلة عقلية.
أما أمثلة عدم الترجيح فمنها ما تقدم، منها أيضا حكم الساحر.
قال : ويقتل الساحر عند مالك – رضي الله عنه – كفرا، ولا يستتاب كالزنديق، وقال الشافعي :" يسأل عن سحره فإن كان كفرا استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل". (48)
وأما أمثلة الترجيح فمنها ما جاء في مسألة الصوم في السفر.
قال : "ومذهب مالك في استحباب الصوم لمن قدر عليه، وتقصير الصلاة حسن، أن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال.. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح، وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح (49) ففي المسألة الأولى رجح بدليل عقلي، وفي المسألة الثانية رجح دون دليل.
ومن أمثلة الترجيح بالإستعانة بأقوال الصحابة ما جاء في حكم السعي بين الصفا والمروة، فبعد أن أورد آراء مالك والشافعي والثوري أبي حنيفة قال :
"وقال عطاء ليس على تاركه لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود (ألا يطوف بهما) (50) وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة – رضي الله عنها – في قولها لعروة حين قال لها :" أرأيت قول الله "فلا جناح عليه أن يطوف بهما" فما نرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما "قالت يا عروة: كلا، ولو كان ذلك لقال : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما". (51)
ومن أمثلة الترجيح باللغة ما جاء في تفسير قوله تعالى : "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي". (52)
قال :"قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو، وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة : أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس، حصر بالمعرض، وأحصر بالعدو، وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المعرض والعدو، ثم يرجح قول ابن فارس فيقول : فال القاضي أبو محمد بعد الحق - رضي الله عنه – والصحيح أن "حصر" إنما هي فيما أحاط وجاور، فقد يحصر العدو، والماء ونحوه ولا يحصر المرض، وأحصر بمعناه : جعل الشيء ذا حصر كأقبر وأحصي وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصرا لا حاصرا، ألا ترى أن العدو كان محصرا في عام الحديبية وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل. (53)
وهكذا لاحظنا عدم إهمال بعض الأحكام الفقهية لكن بصورة أقل مما هي عليه في تفسير القرطبي كما هو معلوم.
وبقي علينا ليتم البحث  أن نتحدث عن طريقته في توظيف بعض العلوم الأخرى، وذلك هو موضوع مقالتنا المقبلة التي سنجعلها خاتمة هذه الدراسة إن شاء الله.


1 – صاحب صلة الصلة على صلة ابن بشكوال.
2 – بغية الوعاة، ص : 295 مطبعة السعادة.
3 – قلائد العقيان، ص :244.
4 – ج 1 ص :46.
5 – في اللسان : البيت للنابغة الذبياني.
6 – ج 1 ص :48.
7 – ج 1 ص: 101.
8 – البقرة : 96.
9 – لم يذكر ابن عطية الشطر الثاني من البيت ج1 ص :298 انظر ديوان امرئ القيس صفحة :87 طبعة دار المعارف بمصر تحقيق المرحوم أبي الفضل إبراهيم.
10 – البقرة: 101.
11 – ج 1 ص: 304، هكذا ورد البيت في تفسير ابن عطية وله رواية أخرى في ديوان الفرزدق طبعة الصاوي حيث جاء على الشكل الآتي :
تميم بن مر لا تهونن حاجتي لديك ولا يعيا علي جوابها
12 – ج 1 ص :114.
13 – من معلقة عمرو بن كلثوم.
14 – ج 1 ص : 112.
15 – البقرة : 91.
16 – ج 1 ص :293.
17 – البقرة :91.
18 – ج 1 ص :292.
19 – البقرة : 173.
20 – ج 2 ص :48.
21 – ج 1 ص :114.
22 – ج 1 ص :67.
23 – البقرة : 4.
24 – هي قوله تعالى :"الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون".
25 – ج 1 ص :101.
26 – البقرة : 89.
27 – ج 1 ص : 290.
28 – ج 1 ص :63.
29 – الفارسي.
30 – ج 1 ص :85.
31 – البقرة : 100.
32 – ج 1 ص :303-304.
33 – ج 1 ص : 76-77.
34 – ج 1 ص : 293.
35  - ج 1 ص :98.
36 – البقرة : 111.
37 – ج 1 ص : 330.
38 – البقرة : 111.
39 – ج 1 ص : 330.
40 – البقرة : 93.
41 – ج 1 ص : 294.
42 – انظر تفصيل ذلك في أصل الكتاب.
43 – ج 1 ص : 300-301.
44 – بغية الوعاة : ص :295.
45 – ج 2 ص : 79.
46 – البقرة: 196.
47 – ج 1 ص  112.
48 – ج1 ص : 306.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here