islamaumaroc

منهج ابن رشيد السبتي في الدراسات الحديثية من خلال رحلته -2-

    الخرشافي

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

وبعد، فهذا هو القسم الثاني من أقسام البحث الذي أحاول أن أقدم لقراء هذا المنبر الإعلامي المتميز صورة مركزة عن جهود علم من أعلام مدرسة "علم الحديث" بالغرب الإسلامي، "ابن رشيد السبتي" المتوفى عام 721هـ، في خدمة السنة النبوية المطهرة، من خلال القضايا والمباحث الحديثية التي استوعبتها رحلته الحافلة.
وقد تناولت في القسم الأول من هذا البحث، مبحثين من مباحث النشاط الحديثي "لابن رشيد"، أدرجتهما في إطار منهجه في دراسة "علم الحديث" على مستوى "الرواية".
واستكمالا لهذا الجانب، أرد باقي المباحث المتعلقة بهذا المستوى وهي الآتية :
- اعتناء ابن رشيد بتأريخ مجموعة من العناصر المندرجة في إطار الرواية.
- اعتناء ابن رشيد بضبط أسماء وأنساب الرواة.
- تنوع طرق تحمله للمرويات.
- حرصه على استكمال عناصر توثيق مروياته.
- مارسته لنقد الرواة والمرويات.
- تحصيله لعوالي الأحاديث.

3 – اعتناء "ابن رشيد" بتاريخ مجموعة من العناصر المندرجة في إطار رواية الحديث النبوي :
ما من شك أن لعلم التأريخ منزلة خاصة عند المحدثين، لدرجة أنهم عدوه ضمن أدواتهم النقدية التي ميزوا بها بين صحاح المرويات وضعافها.
وقد أثر عن سفيان الثوري قوله :" لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ"، (1)
وقد فسر مقتضى هذا النص محدث آخر بقوله :
"لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ، يقال للشيخ سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده، مع معرفتنا بوفاة الذي انتمى إليه، عرفنا صدقه من كذبه". (2)
وتقديرات من "ابن رشيد" لأهمية هذا العلم، فإن مصنفه لا يكاد يخلو من تاريخه لمجموعة من عناصر الروية عن الشيوخ.
ويمكن الحديث عن هذا الجانب ما يأتي :
أ – تاريخ "ابن رشيد" لمواليد شيوخه، فقد درج على هذا العمل في ترجمته شيوخ الذين لقيهم في رحلته.
من هذا القبيل قوله في ترجمته لشرف الدين أبي عبد الله محمد بن الرشيد السعدي الشافعي (3)
كتب لي مولده قال : سنة ثمان وستمائة".(4)
وقوله أيضا في ترجمة أبي العز، عبد العزيز بن عبد المنعم الحرتني، (5)
"مولده فيما كتبه لي بخطه سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان مولده ببغداد. (6)
والذي يلاحظ على هذه النصوص (7) التي تتضمن تواريخ مواليد شيوخ "ابن رشيد"، حصول هذه الفائدة "الحديثية" له عن طريق المكاتبة، وذلك ما يشير إليه قوله :"كتب لي" و"كتبه لي".
وفي هذا دليل كاف يعكس حرصه على تحصيل هذا الجانب من توثيق الرواية الحديثية.
ب – تأريخ "ابن رشيد" لقائه بشيوخه وروايته عنهم، فمن تمام اعتناء المصنف بتوثيق الرواية، التزم بذكر تاريخ اتصاله العلمي بالطبقة التي يروي عنها، مع ما يقتضي ذلك من إشارة للمكان والزمان والمرويات.
ومن هذا القبيل قوله في ترجمة شيخه أبي البركات موسى بن عبد الله التجيبي المرسي : (8)
"وكان لقائي له في شهري ربيع الأول والثاني عام "أربعة وثمانين وستمائة" ووضع خطه لي بالإجازة في يوم الجمعة الثامن عشر لشهر ربيع الأول". (9)
وفي ترجمته لشيخه أبي العز عبد العزيز الحراني – السالف ذكره – يمكن في استثمار هذا الجانب من الرواية الحديثية إمعانا مفصلا مدققا، يقول :
"... قرأت على شيخنا المسند، بقية السلف رجلة الوقت... في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب عام "أربعة وثمانين وستمائة"، بفسطاط مصر، بمسجد النخلة، قريب منزله من درب الحبيلي...". (10)
ثم ذكر ما تحمله عنه.

4 – اعتناء "ابن رشيد" بضبط أسماء وأنساب الرواة والنقلة :
في سياق توثيق المصنف لأسانيد مروياته ومسموعاته، اعتنى بضبط أسماء شيوخه، وأنسابهم، وأسماء وأنساب الرجال الواقعين في أسانيده.
لذلك، فينقسم الكلام في هذه القضية إلى قسمين اثنين :
أولهما : ضبط "ابن رشيد" لأسماء وأنساب مشيخته، من ذلك قوله في ترجمة شيخه أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي : (11)
"... يعرف بالغرافي، بغين معجمة مفتوحة، وراء مشددة بعدها ألف بعدا فاء، بعدها ياء النسب، والغراف مهر بالعراق من أعمال واسط".(12)
وقال في موضع آخر من رحلته، وهو يترجم لشيخه أب الحسن بن أبي الكرم : (13)
"... ابن أبي الكرم الثعلبي، بالثاء المثلثة والعين المهملة واللام والباء الموحدة، صاحب ديوان الأحباس بالديار المصرية، الشافعي المذهب، وجده أبو الكوم، بواو ساكنة حية السكون وفتح الكاف، كذا خطه صاحبنا نجم الدين محمد بمن عبد الحميد بواو عليها جزمة، وعلى الكاف فتحة، وكذلك خطه صاحبنا محمد ابن عاصم : بواو، وعليها جزمة مقصودة". (14)
ثانيهما : ضبطه لأسماء وأنساب الرواة الواقعين في أسانيد شيوخه، من ذلك قال المصنف بعد إيراده حديثا مرفوعا بإسناده عن شيوخه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"تنبيه : ابن أبي شريح هذا، شيخ مشهور صحيح السماع من البغوي وغيره، والمكنى بأبي شريح هو أبوه أحمد بن محمد. وقال الحافز أبو بكر ابن نقطة : الشريحي بضم الشين المعجمة هو أبو محمد عبد الرحمان ابن أبي شريح أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن مخلد بن عبد الرحمان بن المغيرة بن ثابت الأنصاري المعروف بالشريحي". (15)

5 – تنوع طرق تحمل "ابن رشيد ":
لم يكن "ابن رشيد" يصير إلى تحمل مروياته بطريق السماع أو العرض في غالب رحلته، باعتبارهما أصح طرق التحمل والأداء عند المحدثين، بل كان يفزع إلى باقي صور وإشكال الرواية الحديثية نظرا لما أملته عليه ظروف السفر والترحال المستمرين، فما كان بوسعه أن يلازم جميع شيوخه ملازمة يحصل بواسطتها النقل عنهم، سماعا أو عرضان للسبب الذي ذكرت، لذلك وجدناه يتحمل بالإجازة أحيانا وبالمناولة والمكاتبة والوجادة وأحيانا أخرى. ولبيان ذلك، أسوق ما يدل عليه من رحلته :
في معرض توظيف "ابن رشد" لمنهج الإجازة في تحصيل المرويات، لنفسه ولأبنائه وأخواته، حرصا على عدم تفويت فضل الاتصال العلمي بالشيوخ على أهله، لم يوافقوه في رحلته، وقد اصطلح أهل الحديث على تسمية هذا الصنيع بالاستدعاء لذلك، فقد تردد ذكره في غير ما موضع من رحلته، بل ونجد "ابن رشيد" قد قسم استدعاءاته إلى أقسام، خصص كل منها لطائفة من أهله : فهذا الاستدعاء الصغير، (16) وذاك الاستدعاء الأخضر، (17) وذلك الاستدعاء الكبير. (18)
ومن هذا القبيل قوله في ترجمة شيخيه أبي محمد وأبي موسى ابني ابن القهري :
"أجازا لي ولمن ذكر معي في الاستدعاء الأخضر، وكتب عنهما بذلك عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي صاحبنا، وقد كتب لي عيسى (19) بخطه استدعاء آخر مع جماعة وافرة...". (20)
ومن تعويل "ابن رشيد" على طريق المناولة في التحمل، يقول في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن عبد الكريم بن درادة القرشي المؤذن : (21)
سمع جماعة منهم ... وعبد العظيم المنذري، وأملى عليه كتاب "التكملة في وفيات النقلة"، وهو في مجلدين : ناوله لي جمال الدين المذكور (22) في النسخة التي بخطه، وقال : إروه عني بحق إملاء مؤلفه علي.
وكانت مناولته لي الكتاب المذكور في الثالث والعشرين لرجب عام أربعة وثمانين وستمائة بمسجده بالقاهرة المعزية" (23)
وفيما يتعلق بالمكاتبة، فقد تقدمت الإشارة إلى تحصيل "ابن رشيد" لتواريخ مواليد طائفة من شيوخه من هذه الطريق، فلا حاجة إلى إيراد نصوص أخرى تدل على هذا الأمر. (24)
أما طريق الوجادة، أو النقل من الخط كما اصطلح أهل الحديث على تسميته، (25) فقد أفاد المصنف منه في غير ما موضع من رحلته.
قال في ترجمة شيخه أبي محمد الطبري : (26) " وجادة : قرأت بخط المحدث الرحال أبي إسحاق البلفيقي رحمه الله ما نصه : صاحبنا محب الدين أبو العباس أحمد ابن عبد الله المكي الطبري، مدرس بالمدرسة الشافعية، عاكف على مذهب الشافعي...". (27)
وتقديرا من "ابن رشيد" لاختلاف العلماء في حجية النقل فمن الخط أو الوجادة، فقد عقب على تصريحه بأنه سيعول على خط رفيقه الوزير أبي عبد الله في تحصيل ما فاته من مرويات أبي العز الحراني بسبب عارض السفر، بقوله :
"... ثم حال السفر عن إكماله (28) ومعارضته، ولكن خطه – حفظه الله – يندر فيه الغلط، ويقل السقط، والتحديث سائغ بالنقل من خط من هذه صفته...". (29)
فضابط صحة النقل من الخط كما يشير إليه تعقيب "ابن رشيد" هو سلامة خط المنقول عنه، وخلوه من السقط، وهو الضابط نفسه الذي أشار إليه غير واحد ممن تكلم على صورة الوجادة عند المحدثين. (30)

6 – حرص "ابن رشيد" على استكمال عناصر التوثيق في مروياته :
تعرفنا فيما سف على طائفة من العناصر العلمية (31) التي مارسها "ابن رشيد": في إطار نشاطه الحديثي في رحلته، تلكم العناصر التي قصد بها تحقيق صبغة التوثيق العلمي برواياته الحديثية.
وإمعانا منه في الوصول إلى هذا المقصد العلمي، فقد ظهرت – على اشتغاله بتحصيل مصنفات علم الحديث- عناصر أخرى تخدم القصد ذاته.
لنستمع إليه وهو يسعى إلى توثيق سماعاته على شيخه أبي العز الحرانين يقول :
" ومما سمعته عليه أيضا، إثر قدومي، (32) من كتاب "الجامع" للبخاري من"بابا : صوم يوم عرفة" متواليا إلى آخر بيع المزابنة، وهي بيع التمر بالتمر... وكان القاري صاحبنا نجم الدين محمد بن عبد الحميد، وكان يهينم في القراءة هينمة (33) لم ترضني حتى احتجت أن أستفهم جليسي، لكونه قد ألف قراءته، فأبان لي عنها بما علمت من القرائن أنه هو الذي قرأ، وأرجو أن يكون هذا في باب ما يغتفر له مع إتيان الإجازة على ذلك كله. ومع ذلك، فلم تطب نفسي بقراءته، فصدني ذلك عن توالي السماع، وكان سفرنا منها قريبا من ذلك فلم أتمكن من قراءته بنفسي، وكان ذلك من أعظم آمالي، فلم يقدر، والحمد لله عل كل حال".
من خلال هذا النص، يستطيع القارئ أن يستشف حرص "ابن رشيد" على ضبط سماعاته، وتوثيق مروياته عن شيوخه، مع التزامه بالأمانة العلمية في ذلك، بإشارته إلى ما عرض له من هنات وشكوك أثناء تحمله، إبراء لذمته العلمية، وتقديرا لجسامة مسؤولية تبليغ النصوص الشعرية.
وقد تكررت إشارته إلى ذلك في بضع مواضع مما طبع من رحلتهن ومن ذلك قوله بعد إيراده حديثين عن شيخه أبي أحمد البعلبكي : (34)
"... لم يتفق لي استيفاء تعليق الجزء (35) لعارض السفر، وقد علقت منه أحاديث غير هذين، وقع لي الشك في بعض أسانيدها، فتركت كتبها هنا حتى أكشف عن أمرها بحول الله تعالى". (36)
ومهما يكن من أمر، فإن الطابع الغالب على مرويات "ابن رشيد" هو الحرص على الضبط والصحة، كما اتضح ذلك من قبل، ويتضح فيما يأتي من نصوص تزيد هذا الطابع تأكيدا.
قال "ابن رشيد" عقب إيراده حديثا من الجزء الأول من الفرائد المنتقاة الغرائب العوالي عن الشيوخ الثقات :
"هذا الحديث آخر الجزء الأول، ولنا منه نسخة عارضتها بأصل الشيخ تاج الدين الغرافي، وكان جزء الشيخ مشتملا على أربعة أجزاء، كان هذا لأول عندي هو الأول منها، والأربعة مسموعة للغرافي على الإمام الحافظ أبي الحسن محمد بن أحمد القطيعي رحمه الله، وقد قيدت أحاديث من الجزء الثاني والثالث والرابع الذي اشتمل عليها الجزء الأول عنده من أصل سماعه، وقابلتها به". (37)
وقال بعد إيراده حديثا آخر:
"ويتصل بهذا الحديث، مقيدا في الطرة مخرجا إليه من الأصل، مصححا عليه".
ثم ساق نص الحديث الذي أشار إليه، وقال عقبه :
"نقلت هذه الأحاديث من أصل سماع شيخنا الشريف أي الحسن الغرافي، وقابلتها به والحمد لله". (38)
وفي موطن آخر من الرحلة، ساق المصنف حديثا من جزء الأربعين من رواية المحمدين المخرج من "صحيح البخاري"ن تخريج الحافظ أبي بكر الجياني (ــ : 492)، ثم قال عقبه :
"هذا الحديث أول حديث في الجزء : اكتتبت الجزء بكماله وعارضته، والحمد لله". (39)
وفي ترجمته لأبي اليمن عبد الصمد ابن عساكر، (40) يدرك أنه سمع عليه بقراءة رفيقه الوزير أبي عبد الله بن الحكيم – المذكور سلفا – جزءا فيه مسلسل يوم العيد، تخريج الشيخ أبي القاسم ابن هبة الله الشافعي، ثم ساق حديثا منه، وقال عقبه :
"هذا الذي أوردته هو صدر الجزء، ثم استمر في إيراد طرق الحديث أحسن إيراد، وبين ما وقع له فيه من عالي إسناد، والجزء عندنا بكماله معارض مسموع، والحمد لله حق حمده". (41)
والذي يتضح من حلال هذه النصوص إشارة "ابن رشيد" إلى تعويله على معارضة فورعه بأول شيوخه الذي يوري عنهم، وهو عنصر بالغ الأهمية في توثيق المرويات، وإلى ذلك يشير القاضي عياض بقوله :
" وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به، فمتعينة لا بد منها، ولا يحل لمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل..". (42)

7 – ممارسة "ابن رشيد" لنقد الرواة المرويات :
تقدم معنا في المباحث والقضايا السابقة بعض معالم منهج الرواية التي مارسها "ابن رشيد" في رحلته. تلكم المعالم التي تراوحت بين أسلوب التقميش، وضبط أسماء وانساب الرواة، وتاريخ التحمل وضبط السماعات، إلى غيرها من الممارسات التي سعى من خلالها إلى توثيق مروياته.
وبعد فراغ " ابن رشيد" من هذه المرحلة، خطا بعمله الحديثي خطوة علمية هامة، تتمثل في إخضاعه للمرويات أسانيد ومتونا لمقاييس النقد الحديثي ومعاييره.
وسأحاول أن أعرض هذه العملية على النحو الآتي :
أ – كلامه على الرواة تعديلا وتجريحا :
ومن تعيله للرواة قوله بعد إيراد نص حديثي عن شيخه المكين الأسمر (43) ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حلقات إسناده من تلكم فيهم، يقول :
"قلت والله الموفق: أما يعلى بن عطاء فثقة خرج له مسلم وأما عمارة بن جديد فثقة. قال الصدفي : ثنا أبو مسلم فقال : أملى علي أبي قال : وعمارة بن حديد حجازي تابعي ثقة، ذكره ابن خلفون عنه". (44)
وقبل أن يميل "ابن رشيد" غلى توثيق الراوي، ساق نصوصا عن بضع العلماء الذين تكلموا في الرجال ذهبوا إلى تجريح عمارة بن جديد بالجهالة : كابن حاتم الرازي، وابن عبد البر، لكنه خالفهم فما وصفوا به الرجل، اعتمادا على قناعاته، وتأسيسا على قواعد في التعديل والتجريح مال إلى الاعتداد بها.
وبالنسبة لتجريح الرواة، فقد درج المصنف على نسبة ذلك لأئمة هذا الشأن المتقدمين عليه، ومن ذلك قوله بعد إيراد حديث من طريق شيخه ابن الأنماطي (45) وفي سنده ابن أبي الأخضر الراوي عن الزهري :
" وابن أبي الأخضر هو صالح بن أبي الأخضر مولى هشام بن عبد الله ضعيف، ضعفه أحمد، ويحيى، وأبو زرعة، والنسائي وغيرهم، وأمثل ما فيه قول البخاري : لين". (46)
وفي سياق تجريح "ابن رشيد" للرواة، يمكن استحضار ما تقدم من قبل حين كنا نعيش معه في مراحل التحصيل والرواية، وكان خلالها يزهد في الرواية عن بعض الشيوخ، إذ يمكن الاعتبار ذلك تضعيف لهم.
ومن هذا القبيل قوله في ترجمة شيخه ابن التونسي : (47)
"هذا الرجل أبو عبد الله ابن التونسي – أصلحه الله ووفقه – يشهد في المكوس، (48) فلم نر أن نخرج عنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن نجعل مثله وسيلة تتصل بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لنا سلسلة الإسناد، والله أسال السلامة والعصمة". (49)
وفي إطار حديث "ابن رشيد" عن الرواة، وممارسة علم التجريح والتعديل في ذلك، يمكن أن ينضم إلى ذلك حديثه عن طبقة الصحابة، من باب تضارب أقوال العلماء في صحبة راو أو عدم صحبته، لا من باب توثيقهم أو تضعيفهم، إذ من المعلوم أن الصحابة معدلون بصريح نص القرآن ونص الحديث.
ومن هذه الشاكلة أذكر أن "ابن رشيد" خصص حيزا مكانيا هاما للحديث عن اختلاف العلماء في سماع عبد الله الصنابحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيراده حديثا من طريقه
وبعد فراغ المصنف من استعراض النقول عن العلماء في هذا الأمر، رجح صحة سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وساق نصا حديثيا يدلل به على ما ذهب إليه.(50)
ب – اشتغاله بعلل الأسانيد والمتون :
فقد دأب "ابن رشيد" على إعمال أدوات النقد الحديثية لتصحيح المرويات أو تضعيفها ووظف بهذا الصدد ما اصطلح المحدثون على تسميته "بعلم العلل القادمة في صحة الروايات".
ومن هذا القبيل، أسوق النماذج التالية :
في ترجمة شيخه الغرافي – الذي تقدم ذكره – ساق حديثا من طرقه قال بعده :
"... ووقع بخط شيخنا الغرافي في اسم أبي بكر الحرشي محمد، وذلك وهم، وإنما اسمه أحمد، وقد تكرر هذا الوهم من شيخنا في هذا الإسم في موضع آخر حسبما وجدته مقيدا بخطي عنه، وكذلك وقفت عليه بخطه على الوهم". (51)
فابن رشيد مع جلالة شيخه، لم يتوان في بيان وهم وقع له، حرصا منه على تبليغ النص الشرعي بكل أمانة ودقة.
وفي ترجمة شيخه أبي إسحاق بن يحيى القاسمي ساق حديثا من طريقه، قال بعده :
"تنبيه : قول شيخنا أبي إسحاق بن أبي البركات سمع من أبي الوقت لا نعلم صحته، وإنما حدث عنه بالإجازة". (52)
وفي ترجمة شيخه أبي بكر القسطلاني (53) ساق حديثا مسلسلا من طريقه قال بعده :
"قلت كذا وقع عند الشيخ أبي بكر "جعفر ابن محمد بن عاصم عن جعفر بن محمد الصادق"، وهو وهم سقط له منه رجلان، وصوبه بعد جعفر بن محمد بن عاصم الدمشقي على الأسودين : التمر والماء، قال أضافنا نوفل بن إهاب على الأسودين التمر والماء، قال : أضافنا عبد الله بن ميمون القداح على الأسودين : التمر والماء، قال : أضافنا : جعفر ابن محمد... (54) إلى غيرها من المواطن (55) التي بين فيها أوهام شيوخه، وعلل مروياتهم، مما يدلنا على دقة ملاحظ المصنف، تلكم الدقة التي لا يكتسبها إلا نقاد الحديث المهرة.
ج – تصحيح الأخبار وتضعيفها :
ويعتبر الخلوص إلى تصحيح الخبر أو تضعيفه ثمرة الاشتغال بالأدوات النقدية الحديثية التي مارس "ابن رشيد" طائفة منها، وعلى أساسها تأتى له أن يقول بصحة أو ضعف الأخبار والمرويات.
ومن بين النصوص الحديثية التي انتهى المصنف إلى القول بضعفها نصوص ساقها في ترجمة شيخه الغرافي المتقدم، خرجها ابن محمد ابن عتاب، وأخذها عنه أبو القاسم ابن بشكوال، وبعد وقوفه على مكامن العلل فيها (56) خلص إلى القول :
"قلت : أكثر هذه الأحاديث التي أوردها "ابن بشكوال" المخرجة لأبي محمد ضعيفة، وبعضها بحيث لا يعرج عليه، وإن صح بعضها فمن طرق أخرى غير هذه، وكثيرا ما لهج الناس بهذه العوالي، وهي في الحقيقة نوازل، وإنما يحمد العلو مع نظافة الإسناد، وإلا فالنزول هو المحمود...".(57)
ومن نماذج النصوص التي انتهى المصنف إلى القول بصحتها، ذكر أنه في ترجمة شيخه الغرافي المتقدم ساق أحاديث من طريقه، أخرجها ابن رنبور في جزء له، قال بعدها :"هذا آخر حديث في جزء ابن رنبور، وهي أحاديث وآثار كلها صحاح، عالية الإسناد، مخلصة عن النقاد". (58)
للسلسلة إسناد "الإمام مسلم"، و"ابن رشيد" في الحديث :
رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الحلال بين والحرام بين..." الحديث.
النعمان بن بشير  
عامر الشعبي
عون بن عبد الله
سعيد بن أبي هلال  محمد بن عبد الله الأنصاري
خالد بن يزيد أبو مسلم الكشي (ت :405)
الليث بن سعد أبو بكر أحمد  بن سلم
 شعيب بن الليث أبو الحسين الشيرازي
عبد الملك بن شعيب أبو عبد الله الخولاني
الإمام مسلم -------- أبو عبد الله بن زرقون
(ت261)      
   أبو الحسين بن السراج            
   أبو عبد الله ابن حيان                           
   ابن رشيد السبتي (ت :721)

8 – تحصيل "ابن رشيد" للأحاديث العوالي في رحلته :
لعله من نافلة القول أن أذكر في هذا المقام بأن العلماء الذين انبروا لتحصيل المرويات الحديثية العالية الإسناد إنما تأتى لهم ذلك بممارسة الرحلة في طلب الحديث، تلكم الممارسة التي يعود تاريخها إلى حركة الرواية الحديثية على عهد الصحابة رضوان الله عليهم كما تشهد بذلك المصادر المتكاثرة.
وتأسيا بهذه السنة الحميدة، قام "ابن رشيد" برحلته الشهيرة إلى الديار المقدسة، وحصلت له بذلك نصوص حديثية عالية الإسناد.
ومن هذا القبيل أسوق النص الحديثي الذي أورده المصنف في ترجمة شيخه أبي عبد الله بن حيان، (59) ملتزما في ذلك – على غير العادة – الإبقاء على السند إظهارا لخاصية العلة التي حصلت للمصنف.
يقول :
"أخبرني صاحبنا المكتب أبو عبد الله بن حيان سماعا من لفظه، قال : أخبرني أبو الحسين ابن السراج إجازة، قال : نا أبو عبد الله محمد بن سعيد ابن زرقون بإشبيلية قال : نا أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني في كتابه إلينا سنة "اثنتين وخمسمائة"، قال : نا أبو الحسن علي بن حمويه الشيرازي، بإشبيلية قدمها علينا، فقرئ عليه وأن أسمع، قال : نا أبو بكر أحمد بن سلم، قال : نا أبو مسلم الكشي، قال نا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال ناعون عن الشعبي، قال :سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"إن الحلال بين وإن الحرام بين.." الحديث.
هذا حديث صحيح، كثير الروايات، متعدد الطرق، مخرج في الأمهات، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار العلم، رواه مسلم من طرق منها : عن عبد الملك بن شعيب، بن الليث ابن سعد، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن الشعبي".
من خلال ما تقدم من نص كلام "ابن رشيد" يتضح أنه ساق الحديث من روايته عن شيوخه، ثم ساق نص الحديث نفسه كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، ليخلص بالمقابلة بين الأسانيد إلى النتيجة الآتية :
يقول :
". فأبو عبد الله بن زرقون فيه بمنزلة مسلم، وكأن شيخنا أبا الحسين سمعه من مسلم. قال شيخنا أبو الحسين : وتوفي مسلم سنة "إحدى وستين ومائتين" قبل مولدي بنحو ثلاثمائة سنة". (60)
وقد عمد "ابن رشيد" – إضافة إلى ما تقدم إلى إيراد أحاديث عالية عن شيوخه المترجمين بعد إيرادها نازلة عن غيرهم، تبيانا منه لثمرات رحلته، وحرصه على القرب ما أمكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (61)
وتتميز ألفاظ الأحاديث التي يوردها بسنده بتغير في بعض الألفاظ مقارنة بنظائرها الواردة في أمهات كتب السنة، ويمكن اعتبار ذلك، طرقا وروايات جديدة لنصوص والأمهات، وإمعانا في تقويتها وتوثيقها. (62)
وبعد، فهذه مجرد أضواء على "منهج ابن رشيد في الرواية الحديثية"، أضواء تبين من خلال عرضها وتحليلها تمكن الرجل من علوم الرواية، وإحاطته الدقيقة بكل ما من شأنه أن يضفي صفة الصحة والضبط والتوثيق على مروياته، وهي صفات تكتسي من خلالها الدراسات الحديثية المغربية مكانتها ومنزلتها.
وبهذه المباحث، أكون قد فرغت من تناول جهود المصنف في خدمة الحديث النبوي رواية، وعسى أن تتاح فرص أخرى لإبراز جهود المصنف في خدمة الحديث دراية.

المصادر والمراجع والمعتمدة في الموضوع :
1 – الإحاطة في أخبار غرناطة :
سان الدين بن اخطي / تحقيق : محمد بن عبد الله عنان / ط2 – دار المعارف بمصر 1393/1973.
2 – أزهار الرياض في أخبار عياض :
للمقري، تحقيق : محمد السقا وإبراهيم البياري وعبد الحفيظ شلبي/ القاهرة 358/1939.
3 – الإعلان بالتوبيخ : للسخاوي، حققه : فرانز ورزنتال – دار الكتب / بيروت : (د-ت).
4 – إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح :
لابن رشيد : تحقيق : ابن الخوجة – الدار التونسية لنشر 1974.
5 – الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع :
للقاضي عياض، تحقيق : أحمد صفر/ دار التراث القاهرة – المكتبة العتيقة – تونس 1398/1987.
6 – البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع :
للشوكاني / ط : الأولى -1348 – مطبعة السعادة بمصر.
7 – الانتقاء في  فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء :
لابن عبر البر / دار الكتب العلمية (د-ت).
8 – بغية الوعاة في طبقات النحاة :
للسيوطي / ط: دار المعرفة ودار الفكر 1979.
9 – تاريخ بغداد :
لخطيب البغدادي /مطبعة السعادة – كمصر 1931.
10 – التعريف بابن خلدون :
اعتناء محمد بن تاويت / لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة 1370-1951.
11 – جدوة الاقتباس :
لابن القاضي/ دار المنصور- الرباط 1973.
12 – الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة :
بابن حجر، تحقيق : محمد سيد جاد الحق / دار اكتب الحديثية – مصر 1966.
13 – سلوة الأنفاس :
للكتاني / طبع على الحجر بفاس.
14 – فتح المغيث :
للسخاوي، تحقيق : الشيخ علي حسين علي / دار الإمام الطبري 1412/1992.
15 – القاموس المحيط :
لفيروزبادي / مؤسسة الحلبي – مصر (د-ت).
16  - ملء العيبة :
لابن رشيد / الجزء الثاني والثالث / تحقيق : ابن الخوجة، الدار التونسية للنشر 1402/1982، والجزء الخامس / تحقيق : ابن الخوجة – دار الغرب الإسلامي – بيروت 1408/1988.
17 – نفح الطيب :
للمقري : تحقيق : إحسان عباس/ دار صادر وطبعة الحلي (د-ت).
18 – الوافي بالوفيات :
للصفدي/ دار النشر – فرانز شتاينر – بفيسبادي 1962.


1- 2 – الإعلان بالتوبيخ : للسخاوي، ص : 21-22.
3 – ترجم له 3/99 من رحلته.
4 – نفس المصدر : 3/101.
5 – عرف به 3/435 فما بعد في رحلته.
6 – نفس المصدر :3/435.
7 – ويرجع أيضا للنصوص الآتية : 3/7 و5/63 وغيرها كثير.
8 – ترجم له في 2/251 فما بعد من رحلته.
9 – نفسه : 2/251.
10 – نفسه : 3/438. وفي نفس هذا السياق يرجع للمواطن الآتية : 2/258 و3/374 و3/393. وغيرها كثير.
11 – ترجم له في 3/53 فما بعد من الرحلة.
12 – الرحلة : 3/53.
13 – الرحلة : 3/339.
14 – نفسه : ويرجع كذلك 5/37.
15 – نفسه : 5/302.
16 – نفسه : 2/417 (الاستدعاء الصغير).
17 – نفسه : 3/361.
18 – نفه : 2/26 (مقدمة المحقق).
19 – يريد أحد الشيخين الأخوين أبا موسى عيسى بن القاهري.
20 – الرحلة : 3/361، وانظر نماذج من إجازته : 3/43 و3/267 و6/42 وغيرها كثير.
21 – عرف به في 3/391.
22 – يقصد شيخه المترجم.
23 – الرحلة : 3/391.
24 – انظر 3/375 على وجه التمثيل.
25 – انظر الإلماع : للقاضي عياض، ص :116-121 وغيره.
26 – ترجم له في 5/233 فما بعد.
27 – الرحلة : 248-249.
28 – معاد الضمير على جزء من أعالي القاضي ابن عبد الله بن الحسين الضبي (تـ :398)، انظر الرحلة :5/286-287.
29 – الرحلة : 5/287-288.
30 – انظر الإلماع : ص :116 فما بعد. وبالنسبة للمواطن التي اعتمد فيها المصنف على الوجادة انظر مثلا : 3/457و5/169و5/172 وغيرها كثير.
31 – من هذا القبيل تأريخه لمواليد شيوخه، وتواريخ اتصاله بهم، وروايته عنهم، وضبطه لسماء الرواة وأنسابهم.
32 – يريد قدومه إلى الديار المصرية.
33 – قال صاحب القاموس المحيط الهيمنة : الصوت الخفي ( 4/192)، والنص برمته في الرحلة 5/195.
34 – ترجم له في 3/399 فما بعد.
35 – يقصد جزء أبي العباس محمد بن يعقوب بن وسف الأصم (الرحلة :3/399).
36 – الرحلة : 3/401، ويجرع أيضا للمواطن الآتية 3/16و3/293.
37 – نفسه : 3/84.
38 – نفسه : 3/98-90.
39 –نفسه : 5/137، والجزء المذكور ساقه المصنف في 5/134.
40 – ترجم له في 5/145 فما بعد.
41 – الرحلة : 5/161.
42 – الإلماع : 158 -159.
43 – ترجم له في 3/27 فما بعد.
44 – الرحلة : 3/31، وانظر كذلك 3/25و2/187-188... إلخ.
45 – ترجم له في 3/137 فما بعد.
46 – الرحلة، 3/146، ويرجع أيضا 3/153 و5/39 وغيرها كثير.
47 – ترجم له في 3/13-14 من الرحلة.
48 – نفسه : 3/14.
49 – مكس : في البيع يمكس إذا جبى مالا، والمكس : النقص والظلم ودراهم كانت تخذ من بائعي السلع في السواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة (القاموس : 2/252).
50 – الرحلة : 5/45-59.
51 – الرحلة : 3/58.
52 – الرحلة : 5/38.
53 – ترجم له في 5/305.
54 – الرحلة : 5/309-310.
55 – يرجع أيضا للمواطن الآتية : 3/307-308 و5/257 وغيرهما.
56 – الرحلة : 3/62-63.
57 – الرحلة : 3/64.
58 – الرحلة : 3/74، وانظر أيضا 3/364و3/367 وغيرها كثير.
59 – ترجم له في 2/173 ما بعد.
60 – الرحلة : 2/174-177،وانظر "التشجير المدفق" (ص :9).
61 – انظر من هذا القبيل 3/448-451 و5/148-150.
62 – انظر لتفصيل والبيان 3/277 و3/269 و3/384 وغيرها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here