islamaumaroc

محمد ابن عبد الله الروداني المحقق.

  محمد الحاتمي

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

يعد محمد بن عبد الله خرباش الروداني (1) أحد أعلام سوس النابهين علما وثقافة ووطنية، وذلك بفضل إسهاماته في الحركة الوطنية، وبفضل إناتجاته الثقافية والأدبية المتنوعة :
في مقالاته التي كان ينشرها في الجرائد والمجلات المغربية.
وفي قصائده الشعرية التي تنم عن كعب عال في ميدان القريض.
وأخيرا في تحقيقه للنصوص الذي يدل على سعة معرفته واطلاعه.
وقبل أن أتحدث عن أحد جوانب هذه الشخصية الفذة، وهو جانب التحقيق، أود أن أعرف القارئ بهذه الشخصية السوسية، لأن كثيرا من أبناء سوس وغيرهم، قد لا يعرفون عنها أي شيء.
فمن هو الروداني؟
هو محمد بن عبد الله خرباش المعروف بالروداني، وخرباش هو لقب والده أما لقبه الرسمي الذي اخترع فهو "كوثر".
أما الروداني فهو اللقب الذي عرف به خارج تارودانت في الأوساط الرباطية والبيضاوية وغيرها.
ولد بتارودانت سنة 1917، وبها نشأ ودرس في يد شيوخ العلم في وقته، ومن بينهم والد المقرئ عبد الله خرباش، وأحمد بن محمد الإيرازاني بوتالونت، والحسن بن مولود السكتاني، وأحمد بن مبارك المصلوت.
وبعدما نال حظه من شيوخ تارودانت تاقت نفسه إلى الرحلة في طلب العلم، فشد الرحال نحو مراكش حيث لزم محمد المختار السوسي أربع سنوات، شد الرحال بعدها إلى القرويين بفاس التي لم يلبث بها طويلا، نظرا لمضايقات الاستعمارية، فحط الرحال بعد فاس بالدار البيضاء ممتهنا التجارة أو العدالة أو التدريس في المدارس الحرة الوطنية.
وبعد الاستقلال تقلب في عدة وظائف رسمية، فقد انتدبه محمد المختار السوسي مديرا لديوانه بوزارة التاج، كما اشتغل بعد ذلك بالمطبعة الرسمية، وبدءا من سنة 1973 التحق بالخزانة الملكية، وعندما أنشئت أكاديمية المملكة المغربية ألحق بها.
وإلى جانب وظائفه الرسمية اشتغل بالكتابة والتأليف ونظم الشعر، كما اشتغل – لفترة من الزمان – بالصحافة لما كان يصدر مجلة "هنا كل شيء" وظل يعمل بإخلاص وتفان إلى أن وافته المنية يوم 27 يونيو 1992.
لقد كان الروداني – رحمه الله – عالما مشاركا، وأديبا مفوها، ومحققا بارعا، ووطنيا غيورا، ولذلك منحته وزارة الشؤون الثقافية جائزة الاستحقاق الكبرى لسنة1991، ولذلك أيضا لفت أنظار بعض الباحثين فأنجزوا – أو مازالوا ينجزون – أبحاثهم حوله.
فقد أنجزت الطالبة "أمين إيليلو" بحث الإجازة بكلية الآداب بأكادير في السنة الجامعية 91 – 92 في موضوع :" شعر محمد بن عبد الله الروداني جمع ودراسة وتحقيق" تحت إشراف الأستاذ اليزيد الراضي، كما أن الطالبة " سعيدة إدريس تفراوتي" تنجز بحثا لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب، عين الشق، الدار البيضاء في موضوع : "محمد بن عبد الله الروداني : الأديب المحقق، دراسة تحليلية لمكونات أدبه وآليات تحقيقه" تحت إشراف الأستاذ محمد خليل.
ذلك كان تعريفا موجزا بالروداني.

والآن ماذا عن الروداني المحقق؟
كلمة في التحقيق :
قبل الحديث عن الأستاذ محمد بن عبد الله الروداني المحقق، يجدر بنا أن نقف وقفة عاجلة عند مصطلح "التحقيق".
يقول ابن منظور : حق الأمر يحق حقا وحقوقا : صار حقا وثبت. وحقه يحقه حقا وأحقه : أثبته.. وحقه وحققه : صدقه.. ويقال : أحققت الأمر إحقاقا : إذا أحكمته وصححته.
من خلال الاشتقاقات  السابقة لمادة "حقق" يتضح أن التحقيق هو الإحكام والتصحيح والإثبات، فالمحقق عندما يقوم بعملية التحقيق يقوم بإحكام المتن المحقق وتصحيحه وثتبيته على الوجه الذي يراه صائبا.
وهذا المعنى اللغوي لا يبعد عن المعنى الاصطلاحي الذي هو :"تقديم المخطط صحيحا كما وضعه مؤلفه". (2)
والكتاب المحقق " هو الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه". (3)
من خلال التعريفين السابقين يتبين أن التحقيق هو بذل الجهد في تصحيح المخطوطات وإحكام متنها من أجل تسهيل الإفادة منها بعد طبعها ونشرها.

ولكي يكون التحقيق عليما يجب أن يحقق شرطين :
1 – "تأصيل النص، أو بعبارة أخرى، دراسة رواياته الخطية المختلفة، ودرجة صلة كل منها بصاحبه، ثم ترجيح أعلاها" (4) والتنصيص على الاختلافات في الهامش.
2 – "قراءة النص قراءة نقدية تسعى إلى خدمة الرواية الخطية المرجحة، بواسطة الضبط والشرح والتعليق". (5)
وبعد هذا التعريف للتحقيق وشروطه، نتساءل : إلى أي مدى كان الأستاذ محمد بن عبد الله الروداني ملتزما بقواعد التحقيق؟
نشر الأستاذ ثلاثة كتب ليست من تأليفه :
أولها :كتاب: "إليغ قديما وحديثا". (6)
وثانيها : "الدعاء الناصري". (7)
وثالثها : "التيسير في المداواة والتدبير". (8)
والنظر على طريقة نشره لهذه الكتب يتضح أنه سلك طريقتين : النشر مع التعليق أو عدمه في الكتابية الأولين، والتحقيق في الكتاب الأخير، وقد نص على طريقة عمله على غلاف هذه الكتب.
فعلى غلاف كتاب "إليغ قديما وحديثا" نقرأ العبارة التالية :"هيأه لطبع وعلق عليه.."، وفي نهاية المقدمة التي قدم بها "للدعاء الناصري" نقرأ هذه العبارة : "جمع المقدمة وصحح الدعاء.." بينما نجد على غلاف كتاب :"التيسير العبارة التالية :" حققه وهيأه للطبع وعلق عليه..".
إن الذي جعلنا نفصل الكتاب الأخير عن سابقين من حيث طريقة التعامل هو ورود كلمة "حققه" على غلافه، وهذا يعني أن الكتابية السابقين، وبشهادة الأستاذ نفسه، غير داخلين في مجال التحقيق بمعناه التام، ذلك لأن للتحقيق قواعد وضوابط يجب الالتزام بها وتطبيقها على المخطوط المراد نشره، وليس كل نشر لمخطوط تحقيقا.
إن الملاحظة السابقة لا تنقص من قيمة المجهود الذي بذله الأستاذ في تعليقاته الغنية والمتنوعة والمفيدة على كتاب "إيليغ قديما وحديثا" ولا شك أن الذي ألجأ الأستاذ على التعليق دون التحقيق هو أن الأستاذ محمد المختار السوسي، قد ترك كتابه محررا على المسودة، فلم يبق للأستاذ مجال التحقيق.
نخلص مما سبق على أن حديثنا عن الأستاذ محمد بن عبد الله الروداني المحقق، سينصب على كتابه الأخير :"التيسير في المداواة والتدبير" لابن زهر.

فإلي أي مدى استوفى هذا الكتاب شروط التحقيق؟
1 – تأصيل النص : يقول الأستاذ متحدثا عن عمله في تأصيل النص :
"لذلك شمرت عن ساعدي، وشرعت في استخراج نسخة أصلية بمساعدة تلك النسخ الأربع مع ما أجد بينها من الاختلاف والنقص والزيادة، فكنت أقرأ كل كلمة أربع مرات تبعا للأربع نسخ، زيادة على ما يتداركه نساخها مما فاتهم في الطر أثناء النسخ". (9)
إن الأستاذ اعتمد في تحقيق كتاب "التيسير" أربع نسخ، بيد أنه لم يقدم للقارئ وصفا لهذه النسخ من حيث جودتها، ومن حيث قربها من زمن المؤلف، ومن حيث ناسخوها، كما هي عادة المحققين، وذلك من أجل ترجيح إحدى النسخ وجعلها أما، غير أن الأستاذ لم يسلك هذا المسلك، ولم يقم بترجيح أي نسخة، وإنما حاول أن يستخرج نسخة أصلية من النسخ الأربع التي بينها اختلافات في بعض المواضيع، وهذه الاختلافات تقتضي ترجيح رواية وإثباتها في المتن والتنصيص على الاختلافات في الهوامش. وهكذا نجده يرجح رواية إحدى النسخ في هذا الموضع، ويرجح رواية غيرها في موضع آخر.
يقول مثلا في أحد ترجيحاته :" وقد أثبتنا ما في نسخة "أكسفورد" إذ هي التي ظهر لنا أنها تساير سياق كلام الكتاب". (10)
ويقول في مكان آخر :"حب الخروع هو الذي في نسختي "باريز" و"تمكروت"، أما نسختا "فلورنسا" و"أكسفورد" ففيهما حب الخوخ، وقد اخترنا الأولى لأن الخروع هو الذي له حب، أما ما بداخل الخوخ فيسمى عظما". (11)
ويقول في موضع آخر :" في اثنتين من النسخ التي بيدنا : ابن يمور، وفي الاثنتين الآخرين : ابن يومور (بواو بين الياء والميم)، والذي عثرنا عليه من شخصيات هذا الظرف ممن تلائمهم هذه الوجاهة التي عرضها المؤلف هو أبو زكرياء يحيى بن يغمور (بالغين بين الياء والميم). (12)
ورغم أن الأستاذ هنا رجح إسم العلم من خارج النص فإنه لم يثبته داخل المتن، بل أثبته في الهامش فقط.
من الأمثلة السابقة يتضح أن الأستاذ كان يبذل جهدا كبيرا في الترجيح، وهو يستند في عملية الترجيح هذه، إما إلى سياق الكلام، وإما على المعنى، وإما إلى معلومات من خارج النص، وهو في كل هذا يستعمل حصافته وذكاءه.
ولكي نقف على هذا الذكاء وهذه الحصافة يكفي أن نقف عند إحدى ترجيحاته، يقول :
"في نسخة "فلورنسا" : أجسام حجرية كالدنان والجرار، والمثبت في صلب الكتاب أحسن". (13) والعبارة التي رجحها هي:" ونحن نرى أن البزور تجتذب ما يجاورها من الماء من وراء أجسام خزفية كالقلال والجرار".
ولا شك أن ترجيح هذه الرواية ينم عن يقظة وانتباه، ذلك أن البذور تمتص الماء من وراء الأجسام الخزفية لأنها هي التي تسمح بمرور الماء خلالها، أما الحجرية فلن تسمح بذلك، وفي هذا الترجيح أيضا نلاحظ شدة الانتباه في ترجيح كلمة القلال على كلمة الدنان، لأن القلال هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء، بينما الدنان غالبا ما تكون للخمر.
وبعد أن وقفنا على المستوى الأول من مستويات التحقيق، ننتقل إلى المستوى الثاني.
2 – القراءة : إن قراءة النص المحقق تستلزم الضبط والشرح والتعليق، وذلك لمساعدة القارئ على فهم مراد المؤلف.
يقول الأستاذ عن عمله في هذا المستوى :"اضطررنا إلى شرح كثير من الألفاظ العربية العتيقة لأن أولئك الأطباء الجدد يظهر لي أنهم عرفوها باللغات الأجنبية التي درسوا بها خارج المغرب". (14)
ويقول :"وحيث إن الكتاب موضوع بالعربية، ومؤلفه خبير فيها وفي آدابها، وسعة المعرفة تجر على سعة الاقتباس والاقتران، وإدراج بعض المعلومات في بعض، فقد اضطررنا إلى تفسير كثير من الاقتباسات". (15)
إن أول ملاحظة سيلاحظها القارئ على هذا المتن المحقق هي خلوه من شكل كثير من الألفاظ التي لا يستطيع القارئ العادي الاهتداء إلى كيفية النطق بها سليمة، لا سيما أسماء الأعشاب والنباتات، ولا أحتاج هنا للتمثيل، لأنك إذا فتحت الكتاب ستصادف اسما أو أسماء لأعشاب لا تدري كيف تقرأها، ولهذا كان الشكل ضروريا.
وإذا كان الأستاذ قد خلا تحقيقه – في أحيان كثيرة – من الشكل والضبط لأسماء النباتات والأعشاب، فإنه عندما يقف عند لفظ غريب، يضبطه بالطريقة التقليدية.
يقول مثلا :"الزكن بفتح الكاف مصدر زكن كفرح.. وتقرأ كلمة يزكن بضم الياء وفتح الكاف بالبناء للمجهول". (16)
ويقول في محل آخر :"السماني بضم السين فتح الميم بدون تشديد وألف مقصورة في آخرها". (17) وفي مكان آخر يقول :"العقر كالضرب، هو الجرح، والفعل عقر يعقر كضرب يضرب". (18)
إن هذه الطريقة في الشكل والضبط أصبحت متجاوزة لدى المحققين الذين استغنوا عنها بوضع الحركات على الحروف في الكلمات، التي يراد شكلها اختصارا لكثرة الهوامش وطولها.
والنص المحقق، كما احتاج إلى الضبط والشكل، احتاج أيضا إلى شرح الكلمات الغريبة التي خرجت من التداول، وقد بذل الأستاذ هنا جهدا كبيرا من أجل إنارة النص يشرح كل الألفاظ التي يراها غامضة على القارئ، سواء كانت ألفاظا عادية، أم أسماء لبعض الأمراض، أم لبعض أجزاء جسم الإنسان، أم أسماء لبعض الآلات التي يستعملها الطبيب العربي القديم، والأستاذ يلجأ أحيانا إلى إيراد مقابل الكلمة باللغة الفرنسية.
إن شرح هذه الكلمات ليس بالهين الميسور لأنه يتطلب صبرا وأناة وتتبعا في المصادر اللغوية، وفي كتب الطب القديم، وفي معاجم الأدوية والأعشاب.

ولنسق بعض النماذج على هذه الشروح القيمة :
"الخراطين : دود أرضي مستطيل نحو الشبر، يكون في الأراضي المبتلة وحول مجاري المياه في الأراضي الطرية". (19)
ويقول في مكان آخر شارح كلمة : التزريق :"هو إدخال المائعات في الذات بواسطة آلة مصنوعة  لذلك، وهي ما يسمى اليوم بالحقنة، أو الإبرة المجوفة الوسط". (20)
ويشرح في مكان آخر كلمة الوترات بقوله :" جمع وترة على وزن سمكة، وهي الجليدات الرابطة بين الأعضاء كالجليدات التي بين الأصابع". (21)
وكما يحتاج التحقيق إلى الشرح، يحتاج أيضا إلى التعليق من أجل مساعدة القارئ على فهم بعض الإشارات والتلميحات التي ترد في النص، والتعليق يجب أن يكون مختصرا لا يورد إلا ماله صلة بالكلمة أو العبارة المعلق عليها.
والأستاذ قد التزم في بعض الأحيان بهذا الشرط، بيدا أنه في أحيان كثيرة يتخلى عنه، فيورد كثيرا من المعلومات التي لا يتطلبها المقام.
يقول الأستاذ محمد المنوني :"إن الكثرة من الناشرين لا تنتبه إلى هذا الأمر، فتجعل الحواشي ملأى بالشروح والزيادات : من شروح للألفاظ وترجمات الأعلام، ونقل من كتب مطبوعة، وتعاليق على ما قاله المؤلف، كل ذلك بصورة موسعة مملة قد تشغل القارئ عن النص نفسه". (22)
والأستاذ لم ينج من هذا المأخذ حين يذكر كثيرا من المعلومات والمعارف التي تتيحها له ثقافته الواسعة من غير أن يستدعيها المقام.
ولنمثل هنا بتعليقين فقط، أولهما : ذو صبغة علمية، وثانيهما : ذو صبغة أدبية.

يعلق الأستاذ على قول المؤلف :
"فبعد ذلك بمدة سقط ذلك على ما تسقط قرون الأيل في زمن الربيع " بقوله :
"قال الشيخ المقرئ الإمام أحمد بن محمد الفيومي في كتابه اللغوي "المصباح المنير": "الأيل بضم الهمزة وكسرها، والياء فيهما مشددة مفتوحة : ذكر الأوعال وهو التيس الجبلي، والجمع أياييل".
وقال الفيورزابادي في القاموس :"والأيل كقنب وخلب وسيد : الوعل" وهو حيوان من المجترات يعيش أسرابا أسرابا في الغابات المعشوشبة الباردة وقمم الجبال الشاهقة، وقد يبلغ السرب إلى أربعمائة رأس فأكثر إلى خمسمائة، وأهل البلاد الباردة يستفيدون من ألبانه وجلوده ولحومه وقرونه، ويجرون به عربات أثقالهم إلى نحو عشر كيلومترات، وهو من الثروات الحيوانية عند "الإيسكيمو" والفانلانديين، والروسيين". ومن حرصهم على بقائه أنهم يطعمونه بإلقاء الأعشاب إليه عن طريق الجو بطائرات "الهيلكوبتر" أيام العواصف الثلجية التي تغطي الأراضي ونباتاتها، ويسمى بالفرنسية Le reine، وربما تزن الواحدة منها مئة وخمسين كيلو غراما، وربما يبلغ طولها مترا ونصفا.
أما عن قرونه فقد قال السيد كمال الدين محمد بن موسى المصري الدميري في الجزء الأول من كتابه "حياة الحيوان" :
"الأيل لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين من عمره، فإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفي الثالثة يتشعبان ولا يزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كالشجرتين في رأسه، ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة، ثم ينبتان، فإذا نبت تعرض بهما للشمس ليصلبا". (23)
نلاحظ من خلال التعليق السابق أنه طويل جدا، وفيه معلومات كثيرة عن "الأيل" لا يتطلبها المقام، وكان على الأستاذ أن يكتفي فقط بالفقرة الأخيرة التي توضح كيفية سقوط قرني الوعل لأنه هو المقصود من التعليق.
ذلك كان استطرادا ذا صبغة علمية، وهذا النوع قليل بالمقارنة مع الاستطرادات ذات الصبغة الأدبية، وذلك راجع إلى كون الأستاذ أديبا ذا ثقافة أدبية واسعة لم يستطع الإفلات من ضغطها عليه وهو يحقق كتابا في الطب.
وفي ما يلي نموذج من هذه التعليقات / الاستطرادات ذات المنحى الأدبي.
يقول معلقا على كلمة "الخصر" :
"تقرأ كلمة "الخصر" بفتح الخاء وكسر الصاد على وزن كتف، وهو البارد، وهو اسم فاعل خصر كفرح إذا كان باردا، ومصدره الخصر بفتح الخاء والصاد كالفرح مصدر فرح".
كان من الممكن أن يقف التعليق عند هذا الحد لأنه واف بالمطلوب، بيد أن الأستاذ، وتحت تأثير، ثقافته الأدبية، استمر قائلا : "قال العلامة أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في رائية التي أولها :
يا ساري البرق أيقظ راقد اسمر  لعل بالجزع أعونا على السهر
وهي في "سقط الزند" وهو ديوان شعره في أيامه الأولى قبل أن يلتزم في نظمه ما لا يلزم أن يتقيد به الشاعر وهو المعروف باللزوميات :
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
فأضاف إلى إفادة فيضات إحسان المخاطبين جمال التجنيس بين الاختصار والخصر، وساق فائدة طبية هي أن الماء العذب المفرط البرودة يهجره الناس لإضراره بهم، وهو شيء ذكره المؤلف "ابن زهر" عدة مرات في هذا الكتاب خصوصا عند كلامه عن أمراض الأسنان". (24)
وهنا أتساءل : هل هذه المعلومات كلها ضرورية لشرح كلمة الخصر؟
وأختم كلامي بملاحظة أخيرة هي أن الأستاذ لم يضع فهارس لهذا الكتاب، والفهارس، كما لا يخفى، لها أهمية قصوى، لأن الغاية منها "تيسير الإفادة مما في الكتاب المنشور، وجعل ما فيه في متناول كل باحث"، (25) إضافة إلى الاقتصاد في الوقت والجهد.
إن الملاحظات السابقة لا تنقص من قيمة تحقيق الأستاذ، ولا من قيمة الجهد الذي يبذله في التحقيق والتدقيق والتحري، وهو بكتابه هذا من المحققين ذوي الأناة والصبر في التتبع والتدقيق.
فجزاه الله عن عمله هذا، الذي أضاف به إلى المكتبة المغربية والعربية، نصا من النصوص المشرقة في تراثنا الطبي.

المصادر والمراجع :
"بيبلوغرافيا أعمال سيدي محمد بن عبد الله الروداني": لمحمد سعيد بن زكرياء / مقال ضمن نشرة الجمعية الرودانية لثقافة والتراث – عدد 1 – يوليوز 1994.
"تحقيق دواوين الشعر المغربي في الدراسات الجماعية بالمغرب" :لمحمد الخمار الكنوني / مقال بالجريدة : "الحوار الأكاديمي والجامعي" – عدد 4 – أبريل 1988.
"التيسير في المداواة والتدبير" : لابن زهر / تحقيق محمد بن عبد الله الروداني – مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية – سلسلة التراث – الرباط 1991.
"الدراسة الأدبية بالمغرب : الأستاذ عبد الله كنون نموذجا" لأحمد الشايب / منشورات مدرسة الملك فهد للترجمة – طنجة 1991.
"الدعاء الناصري" : لمحمد بن ناصر الدرعي / جمعه وصححه محمد بن عبد الله الروادني  - ط4 – صفر 1407 هـ.
"المصادر العربية لتاريخ المغرب": لمحمد المنوني /منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – سلسلة البيليوغرافية رقم 1 – الرباط 1989 – الجزء 2.
"المعسول" (ج14) " : لمحمد المختار السوسي – مطبعة النجاح – البيضاء – 1962.
"شعر محمد بن عبد اللروداني": جمع ودراسة وتحقيق :أمينة إيليلو – بحث الإجازة – كلية الآداب – أكادير / إشراف الأستاذ اليزيد الراضي : الموسم الجامعية 91-1992.


1 – انظر ترجمته في :
• محمد المختار السوسي: المعسول ج:14 – ص :201.
• أمين إيليلو : شعر محمد بن عبد الله الروداني / ص :9.
• محمد السعيد بن زكرياء :"بيليوغرافيا أعمال سيدي عبد الله الروداني، ضمن نشرة الجمعية الرودانية للثقافة والتراث" عدد 1.
• يوليوز 1994 / ص :31.
2 – محمد المتوني : المصادر العربية لتاريخ المغرب : 2/337.
3 – عبد السلام هارون :"تحقيق النصوص ونشرها". نقلا عن :الدراسة الأدبية بالمغرب، لأحمد شايب /ص :258.
4 – محمد الخمار الكنوني : تحقيق دواوين الشعر المغربي في الدراسات الجماعية بالمغرب /مقال :بالحوار الأكاديمي والجامعي" – 4 أبريل 1988 – ص :2 نقلا عن المرجع السابق ص 258.
5 – المرجع السابق، ن.ص.
6 – نشره سنة 1966.
7 – نشره سنة 1969.
8 – نشره سنة 1991.
9 – مقدمة كتاب التيسير، ص :6.
10 – التيسير، ص : 214/ هامش :412.
11 – التيسير، ص :56/ هامش 61.
12 – التيسير، ص :167/ هامش 315.
13 – التيسير، ص : 186/ هامش 356.
14 – التيسير، المقدمة /ص :6.
15 - التيسير، المقدمة /ص :6.
16 – التيسير، ص :207/هامش 397.
17 – التيسير ص:248/ هامش:492.
18 – التيسير ص :303/ هامش 652.
19 – التيسير، ص :329 / هامش 735.
20 – التيسير، ص :346 /هامش 798.
21 – التيسير، ص : 35 / هامش 834.
22 – المصادر العربية لتاريخ المغرب : 2/337.
23 – التيسير، ص :354 /هامش 831.
24 – التيسير، ص:295 / هامش 632.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here