islamaumaroc

لقد رأى من آيات ربه الكبرى

  عمر بنعباد

العدد 315 رجب-شعبان 1416/ نونبر-دجنبر 1995

يقبل شهر رجب من كل عام ويستقبل فيه المسلمون شهرا كريما من أشهر السنة، فهو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي لها حرمة عظيمة ومكانة خاصة في الإسلام، وهي شهور ذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ورجب، المشار إليها بقول الله تعالى : "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم".
كما يستقبل فيه المسلمون قاطبة مناسبة دينية عظيمة، وذكرى إسلامية جليلة، إنها ذكرى الإسراء والمعراج، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة المكرمة، إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف، وعرج به منه إلى السماوات العلى، وكان ذلك معجزة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، أكرمه الله بها، وخصه بها بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، تحقق فيها الإسراء والمعراج، بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم، وهو في تمام الوعي واليقظة، وسجلها القرآن الكريم، وخلدها الحق سبحانه في كتابه المبين، لتبقى معجزة إلهية تتلى وتذكر إلى يوم الدين، فقال تعالى : "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير".
والإسراء والمعراج في تفاصيله وجزئياته تناولاها الحديث النبوي الصحيح، وأوضحها شراحه وعلماء التفسير، وأبانوا ما ينطوي عليه من أسرار وحكم، وما تجلى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى.
فد أتاه جبريل عليه السلام بالبراق في تلك الليلة المباركة بعدما صلى العشاء في المسجد الحرام، فركبه النبي عليه الصلاة والسلام، وانطلق على متنه حتى بلغ المسجد الأقصى يرافقه في تلك الرحلة جبريل، فدخله النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى فيه إماما بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وعرج به بعد ذلك إلى الملأ الأعلى في السماوات السبع الطباق العلى، وارتقى فيها إلى أن بلغ البيت المعمور، ووصل إلى سدرة المنتهى، وهي شجرة عظيمة القدر والشأن يغشاها من أمر الله ونوره، وجلاله وملائكته ما لا يعلمه ولا يحيط به إلا الله سبحانه وتعالى.
وفي ذلك المقام الأسمى والمكان الرفيع الأرقى فرض الله على نبيه وعلى أمة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فريضة الصلاة، وجعلها الحق سبحانه خمسا في العمل والأداء، وخمسين في الأجر والثواب، مصداقا لقول الله تعالى : "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها".
ويعود النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الرحلة النبوية المعجزة في نفس الليلة المباركة، حيث لم تستغرق تلك المعجزة بإسرائها ومعراجها إلا جزءا يسيرا من الليل، ويصبح بمكة كبائت فيها، فيحدث الناس بها، ويخبرهم بما رأى فيها، وبما أطلعه الله عليه خلالها من أسرار الله وملكوته ومعجزاته في هذا المكون الإلهي العظيم، فينقسمون في شأنه فئتين : فئة المسلمين المؤمنين، المصدقين برسالة النبي وبقدرة الله رب العالمين، وبكل معجزة يظهرها الله على نبيه ورسوله المصطفى الأمين، فزادهم الله يقينا وإيمانا، ورحمة ورضوانا، ونصرا عزيزا وفتحا مبينا، وفئة الكافرين المكذبين بالرسول وبيوم الدين، فازدادوا كفرا وعنادا، وتكذيبا وضلالا، فزادهم الله مرضا ومقتا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون.
وإذا كان هناك من حكم وأسرار إلاهية لهذه المعجزة النبوية الخالدة يحاول المسلم أن يستشفها ويستخلصها، ويخرج باستنتاجات ومواعظ وحكم، فهي اليقين والتسليم بقدرة الله رب العالمين، خالق الكون والناس أجمعين. وأن تلك المعجزة كانت إكراما وضيافة النبي صلى الله عليه وسلم خصه بها من اصطفاه، وأرسله للناس بشيرا ونذيرا، وبعثه رحمة للعالمين، وكانت في نفس الوقت امتحانا كشف عن ضعاف الإيمان من أقوياء الإيمان الذين يقدرون الله حق قدره، ويعلمون علم اليقين أن الله سبحانه على كل شيء قدير.
وتتجلى أسرار تلك الرحلة في الرباط الوثيق والصلة القائمة بين الأماكن المقدسة في الإسلام، بين المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين : حرم المسجد الحرام بمكة، وحرم المسجد الحرام بالمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهي المساجد الثالثة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى المبارك".
كما تتجلى مكانة النبي صل الله عليه وسلم ومقامه الأسمى عند الله تعالى بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو خاتمهم وإمامهم، أخذ الله عليهم العهد أن يومنوا به ويصدقوا برسالته الخاتمة، مصداقا لقوله الله تعالى : "وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه، قال آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين".
وإذا كان لمعجزة الإسراء والمعراج تلك الحكم والأسرار التي وقعت الإشارة إلى بعضها، وإذا كان للقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك تلك المكانة الخاصة في قلب كل مسلم ومسلمة، وفي نفس كل مومن ومومنة، فإن اهتمام المسلم يبقى منصبا على ذلكم المكان المقدس، ومركزا على ذلكم المسجد الأقصى المبارك، مستحضرا واقعه المؤلم الذي مازال يعيشه تحت وطأة وقوعه في غير يد المسلمين.
واهتمام بأمر المسلمين كما تستوجبه أخوة الإيمان والدين فإن المسلم أينما كان وحيثما كان لا يمكن  أن يستقر له قرار، ويطمئن له بال، ولا أن يلذ له طعام، ويطيب له منام إلا إذا تحرر القدس الشريف، والمسجد الأقصى، وعاد إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، يؤدون فيه الصلاة آمنين مطمئنين، وإلا إذا استكمل الشعب الفلسطيني حريته الكاملة، وسيادته الكاملة على أرض فلسطين، التي أخذت بوادرها وتباشيرها تلوح في الأفق بإذن الله.
كما أن كل مسلم يحسن الظن بالله، ويجعل رجاءه فيه عظيما وكبيرا، يسأله سبحانه أن يحقق لأمة الإسلام ذلك الأمل المنشود، وأن يعين ملوك ورؤساء العرب والمسلمين، وأن يقوي وحدتهم وتضامنهم، ويجمع شملهم وكلمتهم لما فيه خير الوطن والدين، وخير شعوبهم المسلمة، ويحقق على أيديهم تحرير المسجد الأقصى المبارك، وأن يعين لجنة القدس التي يرأسها أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وأن يحقق على أيديهم ذلك اليوم الموعود، واليوم المشهود يوم النصر المكين والفتح المبين، بعودة القدس والمسجد الأقصى إلى يد المسلمين، وما ذلك على الله بعزيز، ولا على همة قادة المسلمين ببعيد.
"ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here