islamaumaroc

طريقة أبي داوود في تخريج الحديث.

  عثمان ابن خضراء

العدد 313 ربيع 1-ربيع2 1416/ غشت-شتنبر 1995

الإمام الحافظ أبو داوود السجستاني سيد الحفاظ في عصره وإمام التقاة، فهو سليمان الأشعت بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني، والذي ينتهي نسبه إلى اليمن، وسجستان هذه بلدة تقع بين خراسان وكرمان.
ولد أبو داوود سنة 202 هجرية 817 ميلادية.
كان رحمه الله شغوفا بالعلم والمعرفة منذ صباه، فأغرم بمجالس العلماء، ومناقشة أهل المعرفة، كما كان شديد التعطش للترحال، لا يفتأ ينتقل من مكان إلى مكان للتحصيل، ويهاجر من بلد إلى بلد للتزود والتثبت، فطوف بالبلاد، وسمع من  خلق كثير بالحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة والثغر وخراسان وغيرها، مما أعانه على الإطلاع على أكبر قسط من الأحاديث وعلى غربلتها، وأودع خلاصتها في كتابه "السنن" وهكذا كان يسيح إمامنا الأجل لأسمى غرض وأنبل غاية.
هكذا كان يتخطى من قطر إلى قطر، في زمن كانت الأسفار فيه عسيرة كل العسر، إذ كان السفر على الدواب أشبه ما يكون بالسير على الأقدام، كما كان هكذا علماؤنا الأبرار يشدون الرحال، ويقطعون الفيافي والقفار طلبا لتحصيل العلم وتثبيتا لحقائق المعرفة.
فما كان المسلمون الأوائل ليقعدوا في خمول، ولا كانت تلك صفاتهم التي عمروا بها الأرض وأزهروا المعمورة، بل كان دأبهم أداء الرسالة وتبليغ الأمانة، والجهاد في الله حق جهاده، فما كان علمهم أو سياحتهم أو تجارتهم، إلا لأمر الله وطاعته، وإلا لمرضاته ورضوانه، فلقد كان علماؤنا الأفذاذ تجارا  وسياحا ودعاة... كما كانوا صناعا وبناة وأسوة.
إن في تلك الرحلات والأسفار التجارية، وفي جميع تلك الأجواء المشحونة بالتفاعل والحركة، كنت لا تعدم فيها بحال من الأحوال عالما متضلعا أو فقيها متمكنا، وإن كان الجميع علماء يعرفون ضروريات دينهم، لعلمهم أن ذلك فرض عين لا فرض كفاية، ولا يعذر مسلم لجهله ما علم من الدين بالضرورة.
ومن هنا كانوا ينشرون الإسلام في تجوالهم حيثما حلت بهم الراحلة أرضا غير مسلمة، أو رست بهم السفينة في بر لا يمت إلى الإسلام بصلة، فنشروا الخير والرخاء والعقيدة في ربوع العالمين.
ولقد كان للتجارة عند المسلمين شأن عظيم، وخصوصا في أقطار أوربا، وكان من أثر احتكاك التجار المسلمين بأهل أوربا أن دخل كثير من أهلها في الدين الإسلامي، ودليل ذلك أنهم وجدوا نقودا بلغارية وألمانية ونورماندية، وإنجليزية وسكسونية موشاة بخطوط كوفية جميلة في تلك الجهات.
إننا نجد العلماء في مقدمة سياحنا الأوائل... فمن منا يجهل ابن بطوطة، وأبو الحسن الهروي والأصطرخي، والمسعودي، وابن حوفل، ويحيى الغزال، والإدريسي، وابن جبر، وابن الرومية، وابن خليل المصري، والعياشي..؟ وغيرهم كثير.
إلا أن رواد الحديث كانوا يمثلون النواة الأولى والمدرسة التي انطلق منها هؤلاء الرواد، وقد ذكر المؤرخ الشهير أبو الفداء ستين من أشهر الرحلات وأصحاب التآليف في الأسفار، فما كانت سياحتهم بأقل درجة من تجارتهم، ولم يكن عملهم بأقل درجة من سياحتهم، حيث كان الباعث الأول إنما هو العلم، ولقد كان الولاة من شدة اهتمامهم بالعلم وعنايتهم بالمعرفة ينافسون في إجلاله وتقدير علمائه، الخلفاء أنفسهم.
يقول المؤرخ والفيلسوف البريطاني الشهير "جيبون".
إن ولاة الأقاليم والوزراء كانوا يقلدون الخلفاء في إنشاء المدارس، وإعلاء مقام العلم والعلماء في بسط اليد، والإنفاق عن سعة على تشييد دور العلم، ومساعدة الفقراء على طلبه، فنتج عن ذلك أن حب العلم ووجدان اللذة في تحصيله انغرسا في نفوس الأمم المجاورة لهم.
وكما يقال : فالحق ما شهدت به الأعداء.
وبينما كانت الأمم الإسلامية بتلك الحالة التي يحسدون عليها، كانت أوربا بأسرها ترزح تحت نير الجهل، الذي ينتج الفقر والمرض على حد سواء.
إننا ندرك مدى ما كان عليه الأولون من أجدانا في نشر نور العلم على ظلمة الأرض لتنقشع، وفي الأخذ بيد العمي ليجتازوا بر السلامة، ففي مثل تلك الحالات الصاخبة بالضجيج، المشحونة بالحركة، التي لا تكاد تنقطع في جميع مجالات الخير ونواحي العمران ومناحيه، وفي مثل تلك الأجواء الفياضة المتلاطمة كالبحار الزاخرة انفعالا وعطاء كان يعيش أوائلنا في أتونها، ويحيون حياة عزيزة كريمة حيث كانت بهم حركة، وشيدت على أكتفاهم الحضارة، وبنيت المدنية.
لقد أدركنا تمام الإدراك أنه لا يكاد ينفصل العلم عن التجارة ولا التجارة عن السياحة، حيث أن الكل رسالة واحدة وأداء واحد، فإذا بالعالم سائح وتاجر، والتاجر سائح عالم، والسائح عالم وتاجر، ومن النادر في أسلافنا العلماء أن نجد أحدهم ولد وعاش ثم مات مكان مولده.
من هؤلاء العالم العبقري أبو داوود السجستاني الذي كان يموج حركة، ويتلاطم فاعلية، ويجود إيجابية في مثل ذلكم العالم.
لقد قام سليمان بن الأشعث برحلات كثيرة وطويلة من أجل البحث والدراسة، وجمع في تنقلاته من الحديث مجلدات، وكان حريصا كغيره من الأئمة على أن يأخذ من الحفاظ المحدثين المشهود له بالعلم والورع، فقد أخذ في هذه التنقلات عن شيوخ محدثين ومشتهرين بالجمع والرواية.
فمن شيوخه :
- مسلم بن إبراهيم القعنبي
- وعثمان بن أبي شيبة
- وأبو الوليد الطيالسي.
- وأبو بكر بن أبي شيبة
- وأحمد بن يونس
- وعبد لله بن مسلمة
- وأحمد بن حنبل
- ويحيى بن معين
فجمع أبو داوود خمسمائة ألف حديث، وانتقى منها "سننه" الذي يحتوي على قرابة خمسة ألف حديث.
وحكي عن أبي داوود أنه قال :" ما ذكرت في كتابي حديثا اجتمع الناس على تركه".
ولقد أدرج في "سننه" من أحاديث الحكام الشيء الكثير، حتى أنهم يعتبرون كتابه " السنن" أكثر فقها من الصحيحين، زيادة على حسن وضعه.
وقد ذكر في "رسالته" أعني أبا داوود لأهل مكة أن الأربعة آلاف والثمانمائة التي ذكرها في كتابه كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرجها... إلى أن يقول في رسالته :"... ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، فهمة أبي داود جمع الأحكام التي استدل بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام، وقد جمع في "سننه" الصحيحين للعمل والحسن، واللين والصالح، ما كان منها ضعيفا صرح بضعفه، وما فيه علة بينها، وترجم على كل حديث، وما سكت عنه فهو صالح عنده، والفقيه في حاجة إلى كتابه.
قال أبو بكر ابن داسة : سمعت أبا داوود يقول :" كتبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث، وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، يعني كتاب "السنن" جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث :
الأول : قوله صلى الله عليه وسلم :"الأعمال بالنيات"
والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم :" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث : قوله صلى الله عليه وسلم :"لا يكون المؤمن مؤمنا حتى رضي لأخيه ما يرضى لنفسه".
والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم :"الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات".
وقال أبو بكر محمد بن عبد العزيز :"سمعت أبا داوود بن الأشعث بالبصرة، وسئل عن رسالته التي كتبها لأهل مكة وغيرها جوابا لهم فأملى علينا :
"أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، عافانا الله وإياكم، فهذه الأربعة ألف حديث كلها في الأحكام، فإما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا، فلم أخرجها.
والسلام عليكم ورحمة الله وصلى الله على محمد النبي وآله".
وهذ الحافظ أبو سليمان الخطابي يقول في كتابه :" معالم السنن".
"اعلموا رحمكم الله أن كتاب "السنن" لأبي داوود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله".
كما قال عنه الإمام أبو حامد الغزالي أنها تكفي المجتهد في العلم بأحاديث الأحكام.
وقد أثنى عليه كذلك الإمام ابن القيم وغيرهم من العلماء كثير.
حقيقة يعتبر إمامنا أبو داوود ثالث أئمة الجماعة الستة من حيث الترتيب، ألف كتابة "السنن" وعرضه على أستاذه الإمام : "أحمد بن حنبل" فاستجازه واستحسنه، علما بأنه كان أستاذا للأعلام الثلاثة : الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أبي داوود.
ويعتبر إمامنا الجليل أبو داوود السجستاني من أشهر من برزوا من المؤلفين في عصور تدوين السنة المطهرة في القرن الثالث الهجري، ومن بينهم : الأئمة أحمد بن حنبل، وابن مخلد القرطبي، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير الطبري.
أما البعض ممن أخذ عن أبي داوود من الأئمة وأصحاب الحفظ فهم :
- أبو عيسى الترمذي
- أبو عبد الرحمن النسائي
- أبو أسامة محمد بن عبد الملك
- أبو بكر النجاد
- أبو سالم محمد الجلودي
وهؤلاء ممن روى عنه كتاب "السنن" أبو عوانة.
يقول أبو بكر الحازمي في كتابه "شروط الأئمة الخمسة ":
"أصحاب الزهري على طبقات خمس لكل طبقة منها مزية على التي تليها، فبعد أن بين ما تشترطه كل طبقة في إخراج الحديث قال : والطبقة الخامسة نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز بمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داوود...إلخ.
وعلق الأستاذ محمد زاهر الكوثري على قوله : "نفر من الضعفاء والمجهولين بقوله ذاكرا عن ابن رجب في شرح العلل والمنصوص عن أحمد يدل على  أنه من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة، فروايته عن إنسان تعديل له.
وفي رواية أبي زرعة مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة، وابن المديني يشترط أكثر من ذلك.
وأبو داوود يخرج لمشاهير الطبقة الرابعة  التي ذكر الزهري، ويبدأ دائما بالصحيح في الأسانيد، وقد وضح ذلك في رسالته المومأ إليها سابقا بقوله : سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب "السنن" أهي أصح ما عرفت في الباب؟ فاعلموا أنه كذلك، إلا أن يكون قد روى من وجهين صحيحين، وأحدهما أقوى إسنادا والآخر صاحبه أقوم في الحفظ، فربما كتب ذلك ولا أرى في كتابي هذا عشرة أحاديث، إلى أن قال :
: وما في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير. هذا ما ضمنته هذا العرض المختصر عن كتاب "السنن" أبي داوود، وخير شاهد على درجة الأحاديث المدرسة في كتاب "السنن" ما ذكر هو نفسه في "رسالته" السابقة الذكر".
يقول شارح كتاب "السنن" أبو سليمان الخطابي في كتابه "معالم السنن" : "اعلموا رحمكم الله أن كتاب "السنن" لأبي داوود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فكل منه ورد ومنه وشرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وأهل المغرب، وكثير من أقطار الأرض".
وقد ذكر ابن الطيب محمد شمس العظيم أبادي في كتابه :" عون المعبود شرح سنن أبي داوود" أن الفقهاء تباروا في شرحه، فوصلت شروحه إثني عشر شرحا.
والحق يقال أن أبا داوود نفسه كان يزن نفسه لذاته قدر نفسه، فيفتخر دونما استعلاء بما أنفق من جهد وعطاء في كتابه الجليل، فيقول :" لم أعلم بعد القرآن شيئا ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب". وهو مع ذلك كله  قيل : إنه كان يتمذهب بمذهب الحنابلة، كما قيل : إنه كان شافعيا، ولكن الظاهر أنه كان مجتهدا كما يدل على ذلك صنيعه في "سننه".
فالمحدثون وإخوانهم المفسرون هم منطلق كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، بما يحملون من توضيحات لكتاب الله وتوجيهات من أشرف خلق الله، مما يجعل التاجر يسير بها في تجارته، والصانع في صناعته، والسائح في سياحته، والزارع في زراعته، فقد حق لهم أن يكونوا في زهو لا استعلاء فيه، وفخر لا تطاول منه، وعزة لا مرح عليها.
قال أبو بكر الخلال :" أبو داوود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعه أحد في زمانه".
وقال ابن حبان :" أبو داوود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا".
وقال الحافظ موسى بن قارون :" خلق أبو داوود في الدنيا  للحديث، وفي الآخرة للجنة، وما رأيت أفضل منه".
كان الإمام أبو داوود صاحب نخوة إنسانية صادقة، وكرامة إسلامية واعية، عرفه بذلك كله أهل السلطة والسلطان في زمانه، فدنوا منه وسعوا إليه.
وهذا الإمام الخطابي يروي بسنده عن أبي بكر بن جابر خادم أبي داوود يقول :
"كنت مع أبي داوود ببغداد فصلينا المغرب، إذ قرع الباب ففتحه فإذا خادم يقول : "هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن، فدخلت على أبي داوود، فأخبرته بمكانه فأذن له فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داوود وقال :" ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟" فقال :" خلال ثلاث". قال :" ما هي؟" قال :" تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنا ليحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت وانقطع عنها الناس". فقال "هذه واحدة، هات الثانية"، قال :" وتروي لأولادي كتاب السنن" فقال :"نعم، هات الثالثة" قال :" وترفد لهم مجلسا للرواية، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة". فقال أبو داوود :"أما هذه فلا سبيل إلها لأن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء". قال ابن جابر، فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون. أنظر إليه كيف طوع النفوس إلى سبيل الخير، وأخضع القلوب لمحبة العلم، وكيف كانت منزلته بين الراعي والرعية.
ولقد خلف لنا إمامنا الجليل أبو داوود عداد كبيرا من مؤلفاته، وذخيرة نادرة من مصنفاته نالت إعجاب العلماء، واستولت على عقول الباحثين، فكان منها بل وفي مقدمتها كتاب "السنن" كما أن من مؤلفاته "رسالته لأهل مكة" التي بين فيها طريقته في تأليف "السنن" وكتاب " دلائل النبوة"، و"ابتداء الوحي"، و"المراسيل"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"فضائل الأعمال"، و"الزهد"، و"الدعاء"، و"أخبار الخوارج"، و"كتاب القدر"، وما إلى ذلك من المصنفات المفيدة والمؤلفات القيمة التليدة.
لقد قدر أبو داوود علماء عصره وأهل زمانه أيما تقدير، فأشادوا بذكره في كل مكان، وتتلمذوا على مجلسه في أية بقعة، بل لقد أسرف بعضهم إجلالا لقدره، وتعظيما لما يحمل من أشرف الحديث في صدره، فطالبه بما يشبه الدعابة الممزوجة بالغرابة :
جاءه ذات مرة سهل بن عبد الله التستري فقيل له : هذا سهل قد جاءك زائرا، فرحب به وأجلسه، فقال سهل :" يا أبا داوود، لي إليك حاجة" قال :" وما هي؟" قال :" حتى تقول قضيتها مع الإمكان"، يعني لا أقول لك حاجتي حتى تقول ذلك، فقال أبو داوود:"قضيتها مع الإمكان" قال :" أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقلبه". فأخرج لسانه فقبله.
لقد كان إمامنا الجليل أبو داوود رضي الله وأرضاه عظيم الشبه في أخلاقياته بأخلاقيات أستاذه الإمام الأكبر أحمد بن حنبل، فكان كثير  التنسك، جم الحياء، عفيفا ذا صلاح وورع، كما كان رحمه الله صاحب طرافة في بعض مظاهره، فكان لا يبالي في هيئة ملابسه بقول قائل أو انتقاد منتقد، وإنما يتصرف فيها بما يليق معه ولا يخرج عن حدود المطلوب، فكان على سبيل المثال صاحب حكمة وفلسفة في هيئة ثيابه، فكان له كم واسع وكم ضيق، فقيل له ذلك، فقال :"الواسع للكتب والضيق لا يحتاج إليه فتوسيعه إسراف".
استقر أبو داوود بالبصرة حتى وافاه الأجل المحتوم سنة 275 هـ، وهو في خضم المعارك التحصيل والأداء، وذروة مجال العلم والمعرفة وقمة الحركة التي لا تعرف السكون، والتفاعل الذي لا يلجه انعزال.
فرضي الله عنه وأرضاه بقدر ما كان منه وما قد يكون.
إن السنة المطهرة جديرة بكل الجهود التي بذلت من أجلها، فهي تصديق للقرآن، وحرز للدين. وهذا مالك بن أنس يقول :" سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here