islamaumaroc

كلمات وإشارات-9-

  عبد القادر زمامة

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

27 – أخبار الفقهاء والمحدثين في الأندلس :
محمد بن حارث الخشني شخصية أندلسية شهيرة في القرن الرابع الهجري، وهو قيرواني الميلاد والمنشأة، قضى معظم حياته في قرطبة، فنسب إليها، وقد عاصر أزهى عهود الخلافة الأموية فيها، وكان من المقربين إلى الخليفة الأموي : الحكم المستنصر بن عبد الرحمان الناصر.
ولما توفي الخليفة الحكم، وجاء عهد المنصور بن أبي عامر تنكر له الزمان، وعاش بعيدا عن رجال النفوذ والسلطة والجاه إلى أن توفي سنة 361 هـ/971.
وهو غير محمد بن عبد السلام الخشني القرطبي، المحدث الرحالة اللغوي الحافظ الشهير المتوفى سنة 286 هـ/833 م.
وصاحبنا محمد بن حارث الخشني طبع له أخيرا المجلس الأعلى للأبحاث العلمية بمدريد كتابا جليلا مفيدا هو كتاب :"أخبار الفقهاء والمحدثين" يشتمل على 526 ترجمة لرجال مدن الأندلس من شرقها إلى غربها، مرتبة على حروف المعجم، فيهم كثير من الفقهاء، والمحدثين في سائر المستويات العلمية.
والكتاب من المخطوطات الأندلسية المفيدة التي رأت النور سنة 1992 م، مع دراسة – بالإسبانية – وتحقيق (ماريالويسا ربيلا زولويس مولينا).
والمخطوطة الأصلية بها عدة عيوب وفراغات يتركها التحقيق على ما هي عليه ... إلا أن معظم التراجم التي جاء بها الخشني تعبر عن الحالة العلمية في القرون الأولى من تاريخ الأندلس، كما تصور الصلات بين علماء الأندلس وعلماء المشرق... والرحلات التي قام بها الكثير منهم إلى عدة أقطار شرقية بربط الأسانيد، والاطلاع على ما جد هناك في مؤلفات وروايات في العلوم المختلفة شرعية وأدبية.
ولا ننسى أن ابن حارث الخشني قبل أن يلتقي بأعلام الأندلس وفقهائها وحكامها ومحدثيها كان قد عاين بالقيروان ما أبرزته سياسة العبيديين من متابعة ومراقبة وتضييق للفقهاء المالكيين، والذين لم يرضوا أن يخوضوا في القضية الشيعية، وما لها في مذهبية تخالف مذهبيتهم...
وقد أشار المؤرخون إلى كثير من القضايا التي تعرض بسببها فقهاء القيروان إلى متابعات ومضايقات اضطرت كثيرا منهم إلى النزوح عن القيروان، إما إلى صقلية، وإما إلى الأندلس، وإما إلى أقطار المشرق... وفيهم بعض شيوخ الخشني.
ويعتبر هذا الكتاب من المصادر الأساسية التي اعتمد عيها مؤلفو كتب "الطبقات" في الأندلس... وكذلك المؤرخون المهتمون بتراجم الأعلام.
وابن الفرضي المتوفي سنة 403 هـ يعتمد اعتمادا واضحا على كتاب الخشني... ومعلوم أن كتاب ابن الفرضي هو المركز الأساس الذي كتبت له الصلات... وصلات الصلات في قرون متتالية ...
وبمناسبة صدور هذا الكتاب بمدريد سنة 1992 كان لزاما علينا أن يكون موضوع هذه الإشارة المقتضبة.

28 – ماذا قال الناقد المرزباني عن شعر أبي تمام الطائي :
عرف القرنان : الثالث والرابع من الهجرة عطاءات في الشعر والنثر، وفنون البلاغة والنقد، وسلطت الأضواء على أعلام الأدب، وكتب النقاد حقا وباطلا عن كثير من الشعراء، مما لا يزال معروفا إلى الآن...
فماذا كتب المرزباني في "الموشح" عن الشاعر الكبير أبي تمام الطائي؟
مازلت أذكر تلك الفقرة التي كتبها المرزباني المتوفى سنة 384 هـ في كتابه المسمى :"الموشح" الذي تتبع فيه مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر... يقول :
"وللطائي سرقات كثيرة أحسن في بعضها وأخطأ في بعضها...
" ولما نظرت في الكتاب الذي ألفه في اختيار الأشعار، وجدته قد طوى أكثر إحسان الشعراء... وإنما سرق بعض ذلك، فطوى ذكره... وجعل بعضه عدة يرجع إليها في وقت حاجته :
ورجاء أن يترك أكثر أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها... ويقنعوا باختياره لهم... فتغبى عليهم سرقاته... ولا يعذر الشاعر حتى يزيد في إضاءة المعنى، أو يأتي بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى يفضح ما تقدم، ولا يفتضحه، وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه لا فقير إليه...". اهـ
يقصد المرزباني كتاب :"الحماسة" لأبي تمام.
والفقرة التي وردت في "الموشح" ص :383، ط. القاهرة سنة 1385 هـ/1965، تحقيق علي البجاوي.
وليست هذه الفقرة وحيدة في كتاب "الموشح" بل فيه فقرات أخرى متحيزة ولاذعة.. فيما يتعلق بأبي تمام.
وقد بلي أبو تمام بعدد كبير من الخصوم رصدوا شعره.. في حياته... وبعد مماته... ومنهم المرزباني.
جاء في النص :"فتغبى عليهم سرقاته"، وهي بمعنى ، تخفى...
وليس المقام مقام مناقشة رأي المرزباني في تأليف كتاب "الحماسة"... وما كان يهدف إليه أبو تمام من هذا التأليف، لأننا هنا في مقام الإشارة فقط لمن يريد أن يتابع الموضوع.

29 – ابن حزم... والشراجيب... والدخلة :
جمعت تعبيرات ابن حزم الظاهري الأندلسي في كتبه ورسائله الشيء الكثير من الاصطلاحات الأندلسية، فيها ألفاظ مولدة، وألفاظ معربة، وألفاظ أخرى من الفصيح المهجور، والعامي المشهور.
وهذا مثال من :"طوق الحمامة".
"... فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء، تجمعت فيه دخلتنا ودخلة أخي رحمه الله من النساء ونساء فتياتنا، ومن لاث بنا من خدمنا، ممن يخف موضعه، ويلطف محله... فلبثن صدرا من النهار، تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار، ويطلع منها على جميع قرطبة، وفحوصها مفتحة الأبواب، فصرن ينظرن من خلال الشراجيب وأنا بينهن".
الدخلة : ليلة الزفاف
الشراجيب : الشبابيك
المصطنع : حفل أو وليمة.
وكتب ابن حزم جديرة بدارسات لغوية... لأنها في بعض الاستعمالات تعبر عن اصطلاحات ومميزات شتى، وبعضها معروف في المغرب إلى الآن.

30 – منشى ونشاء :
ما يزال دارسو اللغة، والباحثون فها يختلفون في التعبير عن الأدب الذي يحسن صناعة الإنشاء... فبعضهم يأبي ألا أن يعبر عنه بالمنشئ، لأن الفعل الوارد في المعاجم هو : أنشأ الرباعي والمصور هو الإنشاء.
وإلى جانب هؤلاء نجد آخرين يجيزون التعبير عنه أيضا بالنشاء... وهم لا ينكرون أن الفعل رباعي.. وأن صيغ فعال إنما تؤخذ من الفعل الثلاثي... وكأنهم يقولون إن" نشاء" أدل على المراد... لأنها تفيد أن صاحبها صار ذا صناعة يعرف بها كسائر الصناعات، مثل : نجار، وحداد وبواب، وجزار.
وأما كون الفعل ورد رباعيا في هذه المادة فهو أمر واقع ليس له من دافع، ولكنه ورد في الاستعمال الشهير : عالم دراك ودراكة... وفعل المادة رباعي أيضا وهو :أدرك.
وعلى كل، فالتعبير عن صاحب الإنشاء بالمنشء مسلم لغة... وأما التعبير عنه بالنشاء ففيه أخذ ورد..
ولا ينبغي أن ننسى هنا أن القضية ترجع إلى خلاف قديم بين النحاة :
- سيبويه يرى أن صيغة "فعال "الدالة عل حرفة "سماعية".
- أبو العباس المبرد يرى أن صيغى "فعال" الدالة على حرفة "قياسية".

31 - لا خيار مع الزمان – لا خيار مع الأذان – لا خيار مع اليالي :
حضرنا في مجالس لأهل المعرفة والمحاضرة والإفادة كان أريج موضوعاتها يشد المستمعين إلى مقاعدهم، لما يجدونه من عمق ومتعة وطرافة... حتى إذا حان وقت الانصراف سمعنا هذه الجمل، أو بعضها حسب الظروف..
ولهل الأصل في ذلك ما كان قد أنشده العالم اللغوي الأندلسي أبو بكر الزبيدي 379 هـ/989 م مختصر كتاب "العين" للخليل بن أحمد... وتلميذ أبي علي القالي... لما أمر بالانتقال من مجلسه بمدينة الزهراء الأندلسية فقال :
رأيت الدهر يلعب بالرجال
وينقلهم لحال بعد حال
ومن صحب الزمان يلاق منه
عجائب لم تكن تجري ببال
حللنا هنا قاطنين زمانا
فآل لزمان بنا إلى انتقال
ولو نعطي الخيار لما برحنا
ولكن لا خيار مع الليالي
وهكذا يكون الزبيدي في القرن الرابع
الهجري قد أنشد هذه القطعة التي أعجبت من أتى بعده إلى حد التصرف في بعض كلماتها... والنسج على مناولها...
ومن ذلك أن شاعرا أندلسيا يسمى : محمد بن أبي العباس الشلبي نظم قطعة شبيه بقطعة الزبيدي ختمها بقوله :
ولو كان الخيار لما افترقنا
ولكن لا خيار مع الليالي
وحدثنا أخ كريم أنه حضر مجلس أحد الأعلام المحدثين – رحمه الله – وكان المجلس حافلا بالطلبة وغيرهم... فأذن المأذن للصلاة فأنشد ذلك الشيخ الجليل :
ولو نعطي الخيار لما برحنا
ولكن لا خيار مع (الأذان)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here