islamaumaroc

في رحاب المولد النبوي الشريف ومن وحي ذكرى ثورة الملك والشعب

  دعوة الحق

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995


الحياة عقيدة وجهاد
في شهر ربيع الأول من كل عام يستقبل العالم الإسلامي ذكرى دينية عظيمة، ومناسبة إسلامية خالدة، إنها مناسبة ذكرى مولد النبي الأكرم والرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النبي الذي بعثه الله للناس كافة ورحمة للعالمين، وختم به نبوة الأنبياء والمرسلين، وأثنى عليه بالخلق العظيم، وأرسله نورا وهداية للخلق أجمعين، وجعله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
وإن العالم الإسلامي – وهو يحتفل بهذه الذكرى الجليلة – لجدير أن يستحضر ما جاء به هذا النبي العظيم من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة، والسيرة النبوية الطاهرة، وما تضمنته تلك الأسس والأصول من مبادئ هذا الدين الإسلامي الحنيف، وشرعه الرباني الحكيم، وما استوعبته واشتملت عليه من أسس العقيدة وأحكام المعاملة والعلاقة بين الناس، ومن مكارم الأخلاق والمحاسن والفضائل الدينية، وذلك حتى يعود المسلمون إلى هذه الينابيع الصافية، والاستقاء والأخذ منها في كل ما تصل بأمورهم الدينية والدنيوية، وينهض بأوضاعهم الاقتصادية وأحوالهم الاجتماعية، ويرتقي بها من حسن إلى أحسن، ومن مفضول إلى أفضل، مصداقا لقول الله تعالى:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما" وقوله سبحانه:"يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المومنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا".
ومن ثم كانت ولادة محمد بن عبد الله مولدا لهذا النبي الكريم، والرسول المصطفى الأمين حسبما سبق في الأزل، وفي علم الله رب العالمين، العليم بما كان ويكون قبل خلق الأكوان وإبرازها لعالم الوجود.
كان مولد هذا الرسول الأكرم مولدا لهذه الأمة المحمدية التي تكونت بفضله، وبفضل ما بعثه الله به من القرآن العظيم الذي جعله حجة كبرى، ومعجزة عظمى، خالدة إلى يوم الدين، هذه الأمة التي جعلها الحق سبحانه أمة التوحيد والإيمان، وكرمها بأن جعلها أمة وسطا وخير أمة أخرجت للناس، تلتقي على عقيدة واحدة، وتجتمع على شريعة واحدة، وتتحلى بأخلاق دينية واحدة، تعتقدها وتتمسك بها، وتجاهد في سبيلها ومن أجلها، وتدافع عن كرامتها وعزتها التي أثبتها لها الحق سبحانه، وجعلها أمة تتضامن وتتناصر على الحق، وتتعاون على الخير والصلاح، والبر والتقوى، مصداقا لقوله تعالى :"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله" وقوله سبحانه :"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، وقوله جل علاه :"ولله العزة ولرسوله وللمومنين".
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة رسوله، عضوا عليهما بالنواجذ".
وذلك ما جعل العالم الإسلامي كله وفي مقدمته المغرب، يحتفل بالمولد النبوي الشريف، ويحتفي بذكراه الطيبة في شهر ربيع الأول من كل عام، احتفاء روحيا وعمليا يليق بعظمة الذكرى، يقوم على التذكير بفضل هذا النبي الكريم، ومكانته عند الله تعالى، وعند أمة الإسلام، وينبني على تدارس سنته النبوية، وسيرته الطاهرة، وأخلاقه الفاضلة، وشمائله العطرة، ليتخذ منها المسلمون قبسا نورانيا، يستنيرون به في حياتهم الخاصة والعامة، وهديا ربانيا يهتدون بها في شؤونهم الدينية والدنيوية، ويفصحون من خلال ذلك كله، عن تلك المحبة العميقة الصادقة، المحبة القلبية والعملية لهذا النبي الأمين، تلك المحبة التي تجعلهم متمسكين بالدين، ومجاهدين في سبيله عن عقيدة ويقين، مصداقا لقول الله تعالى في حق هذا النبي الكريم: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم". وقول الرسول عليه الصلاة والسلام:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار". وقوله :" من أحبني أطاعني، ومن أطاعني كان معي في الجنة".
وما من شك في أن المسلمين اليوم هم في أمس الحاجة إلى تمثل هذه المبادئ الإسلامية واستحضارها، والرجوع إليها، والعمل بها في صدق وإخلاص لله، وفي نصح لله ولملائكته وكتبه ورسله، وأئمة المسلمين وعامتهم. وإذا كانت حياة المسلمين عقيدة وجهادا مستمرا في سبيل دينهم ونصرته وكانت رسالة إنسانية وحضارية في سبيل الدفاع عن بيضة الدين وحوزته، فإن أوطان المسلمين وشعوبهم المؤمنة في كل قطر وفي كل جهة هي مكان لهذه العقيدة وموطن لهذا الجهاد، فتاريخ الإسلام في كل بلدغ إسلامي، وعبر عصور متلاحقة وعهود مختلفة ومتعاقبة، حافل بأعمال وتضحيات جسام وقفها المسلمون في كل مكان، دفاعا عن عقيدتهم وجهادا في سبيلها ضد كل عدو من دخيل أو استعمار، يريد أن يستولي على بلد من بلاد الإسلام، أو أن ينال من مقدساته الدينية ومقوماته الوطنية، أو معنوياته وحريته وكرامته الثابتة الراسخة.
والمغرب أحد هذه البلاد الإسلامية وأحد قلاعها الحصينة المنيعة التي تعرضت في بعض الفترات لغزو الاستعمار ومطامعه التوسعية، فوقف في وجه الوجود والمد الاستعماري بكل أشكاله، خاصة الاستعمار الذي ابتلى به أول القرن العشرين، فوقف المغرب بملوكه الناصحين اليقظين، المجاهدين المصلحين، وبشعبه المؤمن الوفي وراء ملوكه الأشراف العلويين، يجاهد ويكافح، ويناضل وينافح، فكانت له مواقف عظيمة وأيام مشهودة وقفها ببطولات نادرة، وتضحيات جسيمة منقطعة النظير.
وإذا كان استعراض جميع تلك المواقف والأيام المشهودة التي يعتز بها المغرب وشعبه المؤمن كدولة وأمة مسلمة بقيادة ملوكه الأبرار لا يسمح به المقام، فإن الذي تجدر الإشارة إليه والتذكير به في هذا الصدد هو الذكرى الثانية والأربعون لتلكم الوقفة التاريخية الشريفة العظيمة التي وقفها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يوم عشرين غشت من سنة 1953، وبجانبه ولي عهده آنذاك، ورفيقه في الجهاد والكفاح والنضال جلالة الحسن الثاني، وكافة أفراد أسرته العلوية الشريفة، ومن ورائه الشعب المغربي المؤمن وجميع أفراد وفئات أمته المغربية المجاهدة، تلكم الوقفة المتمثلة في ثورة الملك والشعب، وانتفاضتها القوية العارمة في وجه الاستعمار.
فقد كان يوما منقطع النظير، ولم يسبق له مثيل، حيت تجرأ الاستعمار على المساس بأقدس المقدسات الوطنية للأمة المغربية ومقوماتها الثابتة العريقة الأصيلة، وذلك بإقدامه على نفي محمد الخامس مع أسرته العلوية الشريفة عن وطنه وبلده، وإبعاده عن شعبه وعرشه، ظنا منه أنه بذلك سيصفو له الجو ويستريح، ويقضي على الروح النضالية في المغاربة وعلى حركتهم الوطنية الهادفة إلى المطالبة بالحرية والاستقلال، بقيادة العرش العلوي المجيد، وأنه بذلك سيفصل بين هذا العرش وشعبه، وتصرف الاستعمار في المغرب وأمته وخيراته ومقوماته كما يشاء ويريد، ولكن الاستعمار أخطأ في الحقيقة وبحث عن حتفه بظلفه كما يقال :" وتحقق للشعب المغربي فيه قول الله تعالى :"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم".
فقد كان إقدام الاستعمار على نفي محمد الخامس مع أسرته الملكية الشريفة إلى خارج وطنه المغرب بداية لتلك الانتفاضة الشعبية العارمة، وانطلاقا للشرارة الأولى لكفاح المسلح ضد الاستعمار، ذلك الكفاح الذي انطلق في المدن الكبرى المغربية، وفي أقاليمها وقراها العديدة، وبرهن فيه الشعب المغربي عن قدراته وتضحياته الجسيمة، دفاعا عن عقيدته الإسلامية، وروحه الوطنية، وجهادا في سبيل كرامته وحريته، ووفاء لملكه ولبيعته الشرعية التي هي في عنق كل مواطن مغربي ومواطنة، تشبث به جلالة المغفور له محمد الخامس في مختلف مواقفه الدقيقة الحاسمة ولحظاته الصعبة الحرجة، التي كان الاستعمار يطالبه فيها ويساومه فيها بالتخلي عن مواقفه الحازمة، وعن رجال الحركة الوطنية وأفكارهم التحررية، وعن زعمائها الأوفياء المخلصين، الذين تزعموا تلك الحركة، ووقعوا في عريضة المطالبة بالاستقلال عام 1944.
ذلك أن البيعة الشرعية هي عهد وثيق، وميثاق غليظ بين الراعي والرعية يجب الالتزام به والوفاء به في الشدة والرخاء، وفي السراء والضراء، وحين البأس، فرفض محمد الخامس التبرؤ من أبناء شعبه الذين سيمثلون الحركة الوطنية ويتزعمونها، وحتى ولو أدى به ذلك الموقف الصامد إلى نفيه وإبعاده عن عرشه، لأن إيمانه بالله، ويقينه وعقيدته في الله وفي نصرته للحق على الباطل كانت أقوى من تهديدات الاستعمار وتخويفاته الاستمرارية.
لقد كان جلالة المغفور له محمد الخامس يستمد عزمه وموقفه وثباته من قول الله تعالى في شأن المؤمنين الصابرين في مثل هذه المواقف :"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهمو إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم" وقله سبحانه :" وأوفوا العهد، إن العهد كان مسؤولا" وقوله تعالى :" وأوفوا بعهد لله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون".
لقد كان من سر نجاح ثورة الملك الشعب وبلوغ انتفاضتهما العارمة المباركة الهدف المنشود في أقصر مدة ذلك الولاء والوفاء المتبادل، والحب المكين والإخلاص العميق، والترابط والتلاحم المتين القائم بين العرش العلوي المجيد وشعبه المؤمن الوفي، والذي هو استمرار للوفاء، هذا الشعب وطاعته وولائه لجميع ملوكه أبا عن جد، وخلفا عن سلف، منذ تأسيس الدولة المغربية في عهد الأشراف الدارسة، واستمدادا من تلك البيعة النبوية التي بايع فيها الصحابة رضوان الله عليهم النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله، وذلك في بيعة العقبة، وفي بيعة صلح الحديبية المسماة بيعة الرضوان، والتي نالوا فيها الثناء من ربهم الكريم الرحمان عندما قال تعالى :" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما".
ولذلك فإنه ما كانت سنتان تمران من الكفاح المغربي المسلح في المدن والقرى ضد الاستعمار حتى استسلم، واقتنع وأدرك أن الحل الصائب والناجح هو إعادة الملك محمد الخامس إلى وطنه، وإرجاعه إلى عرشه باعتباره الملك الشرعي الذي لا ينبغي به الشعب المغربي الوفي بديلا، فكانت اللقاءات والمفاوضات، ورجع محمد الخامس مع أسرته الكريمة من المنفى معززا مكرما، حاملا لشعبه الوفي مشعل انتهاء عهد الحجر والاستعمار، وبزوغ عهد الحرية والاستقلال، وهو يجهر بحمد الله وشكره، ويتلو مع شعبه المؤمن الوفي قول الله تعالى :" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور".
إنها ذكرى جليلة وعظيمة يجب استحضارها في كل مواقفها وأبعادها باعتبارها مرحلة هامة وحاسمة في تاريخ المغرب وتحريره واستقلاله، ومن باب الجهاد الأصغر لتبدأ بعد ذلك مرحلة الجهاد الأكبر، المتمثل في بناء الوطن، بناء المغرب الحديث، والنهوض به في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، في إطار ملكية دستورية، تكفل لهذا الشعب المغربي المسلم مختلف الحقوق المشروعة للإنسان، وتضمن له مواصلة السير في درب الحرية والاستقرار، وبلوغ مدارج الرقي والكمال في ظل مبدع المسيرة الخضراء المظفرة، ورائد المسيرة الديمقراطية التنموية لهذه الأمة المغربية، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وهو الساهر الأمين على مصالح شعبه والمصالح العليا للبلاد، وللأمة الإسلامية عن عقيدة وإيمان، واستماتة وصبر وجهاد وتضحية، فيجد العون والمدد والتأييد  والتوفيق من الله رب العالمين، مصداقا لقول ربنا الكريم:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".
 ولله در القائل في هذا المعنى :
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا
إن الحياة عقيدة وجهاد
وأية عقيدة أسمى من عقيدة الإسلام والاستماتة عليها؟ وأي جهاد أفضل وأشرف من جهاد المسلم في سبيل ودينه وعقيدته، وفي سبيل استقلاله وحياته وكرامة وعزة وطنه.
فبارك الله في حياة أمير المؤمنين، وأمد في عمره، ومتعه بموفور الصحة والعافية، وأعاد على جلالته أمثال هذه الذكريات الدينية والوطنية، وجلالته يرفل في حلل الهناء والسعادة، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وحفظه في كافة الأسرة الملكية الشريفة، وأجرى الخير على يديه لهذا الوطن والدين، وللإسلام والمسلمين إنه سبحانه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here