islamaumaroc

سد الفجوة بين المشتغلين بالفقه والمشتغلين بالسنة.

  توفيق الغلبزوري

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

كان من الفجوات العلمية التي ينبغي  أن تسد – في الدراسات الإسلامية والشرعية – الفجوة ين المشتغلين بالفقه وأصوله، والمشتغلين بالحديث وعلومه، ولتحقيق ذلك، كان لابد من إعادة درس مناهجنا لفهم السنة، وطرائقنا لاستنباط الأحكام، (1) فالواجب على الفقهاء أن يتعمقوا في علم الحديث وفروعه، كما على المحدثين أن يتقنوا علم الفقه وأصوله.
وهذا التنبيه والتذكير الذي أضعه بين يدي الباحثين والدارسين، خطوة في هذا الطريق لكي يتجدد في بلادنا الفقه الإسلامي المرتبط بالينابيع ذكرا.

1 – حاجة الفقيه إلى السنة وعلومها :
إن معرفة الفقه على الوجه الأكمل لا يمكن أن يتم إلى بعد الاطلاع الواسع على الأحاديث النبوية، وأمهات كتب أحاديث الأحكام لأن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة، ولذلك اعتبر علماء الأمة وفقهاء السنة دراسة الأسانيد نصف العلم، ودراسة فقه الأحاديث ومتونها نصف العلم أيضا.
أخرج الرامهرمزي عن علي بن المديني – شيخ البخاري – قال :"معرفة الرجال نصف العلم، ومعرفة فقه الحديث نصف العلم". (2)
ولذلك اعتبر علماء الأمة الفقيه الذي لا علم له بالحديث في عداد العوام، لأنه لم يستطيع رد الفروع الفقهية إلى أصولها، ومعلوم أن الفروع إنما هي أمثلة وحقيقة الشرع وأصوله، والمقتصر على نقل الفروع إنما هو مقلد ناقل لفقه غيره دون تدليل أو تعليل وبغير فهم أو مراجعة، فكان لابد أن يصاغ الفقه على يد الجهابذة من رجاله الجماعيين بين صناعتي الحديث والفقه، حتى لا تهمل الأصول، وتعبد لها الفروع، وفروع الفروع..
فالغالب على المشتغلين بالفقه أنهم لا يتقنون فنون الحديث، ولا يتعمقون في معرفة علومه، ولاسيما علم الجرح والتعديل، وما يترتب عليه من توثق الرواة أو تضعيفهم، ولهذا تنفق عندهم أحاديث لا تثبت عند أئمة هذا الشأن من صيارفة الحديث، ومع هذا يثبتونها في كتبهم، ويحتجون بها لما يقررون من أحكام من الحلال والحرام، والإيجاب والاستحباب، بل قد يستدلون أحيانا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة، مما يذكر في الكتب ولا يعرف له أصل ولا سند. (3)
لذلك كله، كانت حاجة الفقه ماسة إلى الحديث وعلومه لكي لا يظهر الغلط والخلل في كلامه، أو تنفق عنده أحاديث سقيمة أو معلولة، فيبني عليها أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان.
وأفضل من وجدته أوضح ذلك ابن الصلاح، قال رحمه الله في خطبة كتابه "علوم الحديث " :
"إن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولهم، ويعنى به محققو العلماء وكملتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم سفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجا في فنونها، لاسيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، وذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء". (4)

2- استقلال السنة بتشريع الأحكام :
واهتمام الفقيه بالحديث وعلومه ضرورة يستوجبها استقلال السنة بتشريع الأحكام، إذ لا حاجة أن يعرض الحديث الصحيح على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان حجة بنفسه، لقول المعصوم، صلى الله عليه وسلم :"لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". (5)
وهو الحق الذي عليه الجمهور، وقد خالف في ذلك الإمام الشاطبي في "الموافقات" (6) إلا أن الإمام الشوكاني في "إرشاد الفحول" حمى الاتفاق على ذلك فقال :"اعلم أنه قد اتفق من يعتد به أهل العمل على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وأما ما روي من طريق "ثوبان" في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال يحيى بن معين : موضوع وضعته الزنادقة، وقال الشافعي : ما رواه أحمد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وقال ابن عبد البر في كتاب "جامع العلم"، قال عبد الرحمان بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث : "ما عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله" وقد عارض حديث العرض قوم فقال : وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله خالفه، أنا وجدنا في كتاب الله "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
ووجدنا فيه :"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
ووجدنا فيه :" فمن يطع الرسول فقد أطاع الله".
قال الأوزاعي : الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، قال ابن عبد البر : إنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وقال يحيى بن أبي كثير : "السنة قاضية على الكتاب".
ثم يصل الشوكاني إلى النتيجة الحاسمة فيقول :" والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام". (7)
ويحذر ابن القيم رحمه الله من القول بعدم استقلال السنة بالتشريع، فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرة إلا سنة دل عليها القرآن. (8)

3 – حاجة المحدث إلى الفقه وأصوله :
إن صناعة الحديث والإسناد إنما يعني بها دارس الحديث للوصول إلى معرفة رتبة الحديث، نوعه، قبوله أو رده، أما الفقه واستنباط الفوائد والمعاني من الحديث، فهو الغاية التي من أجل سلامتها وسدادها كان العمل الفني وصناعة الحديث، لأن ثمرة الاشتغال بالحديث هو التفقه في متونه، والدراية في نصوصه، لا الاشتغال بالرواية فحسب، حتى يجمع بين الوسيلة والغاية.
ولكن الغالب على المشتغلين بالحديث – اليوم – أنهم لا يجيدون معرفة الفقه وأصوله، والقدرة على استخراج كنوزه ودقائقه، والاطلاع على أقوال أئمته، وتعدد منازعهم ومشاربهم، وأسباب اختلافهم وتنوع اجتهاداتهم، مع أن كلا من المحدثين والفقهاء في حاجة ماسة إلى علم آخر، ليكمل به ما عنده، فلابد للفقيه من الحديث فإن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة، ولا بد للمحدث من الفقه حتى يعي ما يحمله، ولا يكون مجرد ناقل، أو يفهمه على غير وجهه. (9)
وإذا كان المقصود من دراسة الحديث هو معرفة ما اشتملت عليه من معان وفوائد وأحكام للاستدلال والعمل بها، فإن علماء الأمة حذروا طالب الحديث من الاهتمام بكثرة الرواية والتفنن فيها والاقتصار عليها، وإغفال جانب الفقه والدراية الذي هو ثمرة الرواية.
أقول ذلك، لأن الكثير من إخواننا – من المهتمين بالحديث – قد أكثروا من ذلك، واستغرقتهم شكليات الإسناد وقوالب الرواة وتراجم الرواة، حتى أصبحت شغلهم الشاغل وهمهم الكبير.
ولابن قتيبة – في هذا الصدد – كلمة مضيئة، فإنه مع نفاحه عن أهل الحديث لا يتردد في توجيه اللوم لهم، حيث يقول :"على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل في كتبنا، في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقه بما جمعوا، وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه، وعشرين وجها، وقد كان في الوجه الواحد الصحيح، والوجهين مقنع لمن أراد الله عز وجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم، ولم يجلوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب، ولم تنفع الوارث، فمن كان من هذه الطبقة، فهو عندنا مضيع لحظة، مقبل على ما كان غيره أنفع له منه". (10)
ومن هؤلاء الأعمار – حملة الأسفار – الذين نربأ بطلابنا أن يكونوا مثلهم – مطر الوراق، فقد روى ابن عبد البر أن رجلا سأله عن حديث فحدثه له فلما سأله عن تفسيره قال : "لا أدري إنما أنا زاملة". (11)
ومن المؤكد أن دراسة أسلافنا – من العلماء والفقهاء – كانت تسير في اتجاه الوصل بين الحديث والفقه، وسأورد من أقوالهم في الموضوع ما يروي الغلة، ويشفي العلة إن شاء الله، تبصرة للمبتدئين، وتذكرة للمنتهين والمسندين.

4 – تنبيه علماء الأمة على ضرورة وصل الحديث بالفقه :
هذه الثغرة – في الدراسات الشرعية – أمر لاحظه علمائنا السابقون، ونددوا بمن أهمله أو أعرض عنه جهلا وغرورا، مكتفيا بما عنده من بضاعة مزجاة، حتى روى عن بعض الأعلام مثل سفيان بن عيينة، أنهم قالوا : لو كان الأمر بيدنا لضبنا بالجريد كل محدث لا يشتغل بالفقه، وكل فقيه لا يشتغل بالحديث.
ورأوا ضرورة الوصل بين المحدثين والفقهاء، لأن الحديث أساس، والفقه بناء، كما يقول الإمام الخطابي، وهذا بسط كلامه، يقول في مقدمة "معالم السنن" :"رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا فرقتين : أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، كل واحدة منهما لا تتميز عن أختيها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له الفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا من بناء وعمارة فهو قفر وخراب". (12)
يقول القاضي الرامهرمزي في كتابه " المحدث الفاصل" ينصح أحد علماء عصره البغداديين الذي استطال على أهل الحديث :" فالا تأدب بأدب العلم، وخفض جناحه لمن تعلق بشيء منه.. ووفى الفقهاء حقوقهم من الفضل، ولم يبخس الرواة حظوظهم من النقل، ورغب الرواة في التفقه والمتفقهة في الحديث، وقال بفضل الفريقين، وحض على سلوك الطريقين، فإنهما يكملان إذا افترقا...".(13)
وقال المحافظ السخاوي رحمه الله في "فتح المغيث" آخر كلامه على غريب الحديث:"ووراء الإحاطة بما تقدم، الاشتغال بفقه الحديث والتنقيب عما تضمنه من الأحكام والآداب المستنبطة منه.. والكلام فيه متعين ...وهذه صفة الأئمة والفقهاء المجتهدين والعلام كالشافعي ومالك وأحمد والحمادين والسفيانين وابن المبارك وابن راهوية والأوزاعي، وخلق من المتقدمين والمتأخرين، وفي ذلك أيضا تصانيف كثيرة..." (14)
وقد أفرد الإمام الحاكم نوعا من أنواع علوم الحديث أشار في مقدمته بأهمية التفقه في الحديث، ثم ذكر بعض أئمة فقهاء المحدثين، فقال في "معرفة علوم الحديث" : النوع العشرون من هذا العلم معرفة فقه الحديث، إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر فمعروفون في كل عصر، وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله، ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة ومن تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوع أنواع هذا العلم.(15)
وفي "المحدث الفاصل" أيضا حكاية طريفة يجدر بنا أن نستشهد بها في هذا المجال :"روى الرامهرمزي أن امرأة وقفت على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خثيمة وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه فلان، وما حدث به غير فلان، فسألتهم المرأة عن الحائض تغسل الموتى؟ - وكانت غاسلة – فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور، فقيل لها : عليك بالمقبل، فانتقلت إليه ودنا منها، فسألته؟ فقال : نعم تغسل الميت، لحديث عثمان بن الأحنف، عن القاسم، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها :" أما إن حيضتك ليست في يدك" ولقولها : كنت أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء وأنا حائض" قال أبو ثور : فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى به.
فقالوا : نعم، رواه فلان، ونعرفه من طريق كذا، وخاضوا في الطرق والراويات، فقالت امرأة : فأين كنتم الآن. (16)
ولهذا قال أبو عاصم :"الرئاسة في الحديث بلا دراية – أي تفقه – رئاسة نذلة". (17)
وفي "الحاوي" للإمام السيوطي قالت الأقدمون  : المحدث بالفقه: كعطار غير طبيب، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح، والفقيه بلا حديث : كطبيب ليس بعطار، يعرف ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده. (18)
وكان الإمام أبو حنيفة عند الأعمش – التابعي الشهير في القراءات ورواية الحديث – إذ سئل الإمام عن مسألة وقيل له : ما نقول في كذا وكذا؟ قال الإمام : أقول كذا وكذا، فقال الأعمش : من أين لك هذا؟ فقلا له الإمام : أنت حدثتنا عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وعن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من دل على خير كان له مثل أجر عمله".
وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم : "لك أجران أجر السر والعلانية".
وحدثتنا عن الحكم، عن حذيفة عنه صلى الله عليه وسلم...
وحدثتنا عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا...
وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا...
فقال الأعمش : حسبك، ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة، ما علمت أنك تعلم بهذه الأحاديث، يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين (أ هـ). (19)
وروى الإمام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في "جامع بيان العلم" بسنده إلى القاضي المجتهد بن أبي ليلى رحمه الله أنه قال : لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع.(20)
وروى القاضي عياض رحمه الله في "ترتيب المدارك" قال ابن وهب : لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت، فقيل له : كيف ذلك؟ قال : أكثرت من الحديث فحيرني، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث فيقولاني لي : خذ هذا ودع هذا. (21)
ولذلك قال سفيان الثوري منبها ومتخوفا من هذه الحيرة : تفسير الحديث خير من سماعه. (22)
وقال الإمام أبو علي النيسابوري : الفهم عندنا أجل من الحفظ. (23)
وفي "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي : أن رجلا سأل ابن عقدة عن حديث فقال له : أقلوا من هذه الأحاديث فإنها لا تصلح إلا لمن علم تأويلها.(24)
ولذلك قال ابن وهب المصري أحد أجلاء تلامذة مالك رحمه الله في المدينة : الحديث مضلة إلا للعلماء، يريد الفقهاء.
وروى الإمام الترمذي رحمه الله في سننه حديث أم عطية في وصف غسل زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم لما توفيت، وعلق عليها كلاما طويلا وختمه بقوله :"وكذلك قال الفقهاء : وهم أعلم بمعاني الحديث". (25)
وبهذا أيضا أوصى إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه ابني أخته أبا بكر وإسماعيل ابني أبي أويس فقال لهما : أراكما تحبان هذا الشأن – جمع الحديث وسماعه – وتطلبانه، قالا : نعم، قال : إن أحببتما أن تنفعا به وينفع الله بكما فأقلا منه وتفقها. (26)
وروى الخطيب أيضا بسنده إلى أبي نعيم الفضل بن دكين – أحد مشاهير شيوخ الإمام البخاري – قال أبو نعيم : كنت أمر على زفر بن الهذيل – من كبار أصحاب أبي حنيفة – وهو محتب بثوب فيقول : يا أحول، تعال حتى أغربل لك أحاديثك، فأريه ما قد سمعت، فيقول : هذا يؤخذ به، وهذا لا يؤخذ به، وهذا ناسخ، وهذا منسوخ.
ولذلك كان الإمام مالك رحمه الله ينتقي من يأخذ عنه الحديث، فكان إلى جانب انتقائه كون الرجل ثقة مقبولا، كان ينتقيه ليكون من أهل الدراية والفهم لما يرويه.
حتى قال القاضي عياض رحمه الله في "ترتيب المدارك" قال ابن وهب : نظر مالك إلى العطاف بن خالد – وهو من مقبولي الرواة – فقال مالك : بلغني أنكم تأخذون من هذا، فقلت : بلى، فقال : ما كنا نأخذ إلا من الفقهاء. (27)
وقدوته في ذلك شيخه الإمام ربيعة الرأي رحمه الله، فقد أسند الخطيب في الكفاية عن مالك أن ربيعة الراي قال لابن شهاب الزهري : أنت تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فتحفظ في حديثك.
وشيخه الآخر أمير المؤمنين في الحديث أبو الزناد عبد الله بن ذكوان الذي قال : " وأيم الله إنا كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة ونتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرآن". (28)
وسبقهما إلى هذا إمام أهل الكوفة وشيخ فقهائها : إبراهيم النخعي رحمه الله، فقد روى عنه الخطيب أيضا أن المغيرة الضبي تأخر عن مجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم : يا مغيرة ، ما أبطأ بك؟ قال : قدم علينا شيخ – أي رجل من الرواة – فكتبنا عنه أحاديث، فقال إبراهيم النخعي : لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعلم حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله وهو لا يشعر.
وقد روى ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة أبي زرعة الرازي قال : تفكرت ليلة في رجال، فأريت فيما يرى النائم كأن رجلا ينادي : يا أبا زرعة، فهم متن الحديث خير من التفكر في الموتى – أي رجال إسناد الحديث الذين ماتوا – ولهذا كان أبو زرعة نفسه يقول : عليكم بالفقه، فإنه كالتفاح الجبلي يطعم من سنته. (29)
فهذا بضع ما يتعلق بضرورة الاهتمام بفقه الحديث، وحلية طالب العلم أن يأخذ بكلا الأمرين : الحديث والفقه، فلا يطغى أخدهما على الآخر في سلوكه العلمي.
وهو الذي أوضحه الإمام محمد بن الحسن الشيباني – فيما حكاه عنه الإمام السرخسي – عندما يقول : "لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث". (30)
وهذه قاعدة جليلة ينبغي أن توضع نصب الأعين في الدراسات الإسلامية والشرعية، حتى لا ينحرف المسار العلمي في وجهة واحدة بغير دليل.
قلت : بعد هذا البيان في ضوء ما ذكرت من قواعد جامعة، ونصوص قاطعة، وأدلة ناصعة، يتبين لكل ذي عينين، مدى الخطأ الجسيم، والخطر العظيم الذي يسقط فيه بعض أساتذتنا وطلابنا – في مسلكهم العلمي – في صرف هممهم إلى علم المصطلح والإسناد الذي هو الباب، وإهمال فقه المتون الذي هو اللباب، فلا بد – إذن – من سد الفجوة بين المشتغلين بالفقه والمشتغلين بالسنة، والكلام في ذلك واسع الذيول، والمجال لا يتسع لأكثر من ذلك، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.


1 – انظر تفصيل ذلك وبسطه في رسالتنا لنيل دبلوم الدراسات العليا (الإمام البغوي، ومنهجه في دراسة الحديث النبوي وفقهه) ص :259 فما بعدها.
2 – "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للرامهرمزي – ص :32 بتحقيق د. محمد عجاج الخطيب.
3 – كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ للدكتور يوسف القرضاوي ص :55.
4 – "علوم الحديث" لابن الصلاح (خطبة الكتاب) ص :3.
5 – أخرجه الشافي في "الرسالة" رقم 295 وإسناده صحيح وأخرجه أحمد في "المسند" 6/8، وأبو داود رقم (4605) في السنة : باب في لزوم السنة، والترمذي في "جامعه" رقم (2665) في العلم : باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وابن ماجة في "السنن" رقم (13) في المقدمة وحسنه الترمذي، وأقره البغوي على ذلك، وصححه الحاكم 1/108 -109.
وله شاهد من حديث المقدام بم معدي كعب، أخرجه أحمد 4/130 -131، والدارمي 1/144، وأبو داود رقم (4604) والترمذي رقم (2660)، وابن ماجة رقم (12) ولفظه عند أبي داود :"لا إني أوتيت القرن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن،  ما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه".
6 – انظر "الموافقات في أصول الشريعة " للإمام الشاطبي – 4/ص 12 فما بعدها.
7 – "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول" للإمام الشوكاني ص :33.
8 - :أعلام الموقعين" 2/290، وراجع بسط ذلك في :"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" للإمام السيوطي – ص : 21 فما بعدها.
9 – "كيف نتعامل مع السنة النبوية" ص : 56.
10 – "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص:76-77
11 – "جامع بيان العلم" لابن عبر البر 2/155.
12 – "معالم السنن" للخطابي 1/3.
13 – "المحدث الفاصل" ص :161.
14 – "فتح المغيث" للسخاوي 3/50-51.
15 – "معرفة علوم الحديث" للحاكم ض : 63.
16 – "المحدث الفاصل" ص :249.
17 – المصدر السابق، ص : 253.
18 – "الحاوي:" للإمام السيوطي 2/398.
19 – "مناقب الإمام أبي حنيفة وبعض أصحابه" للعلامة علي القاري 2/484 بتصرف.
20 – "جامع بيان العلم" 2/130.
21 – "ترتيب المدارك" للقاضي عياض 2/427.
22 – "جامع بيان العلم" 2/175.
23 – "تذكرة الحفاظ" للإمام الذهبي ص : 776.
24 – "الفقيه والمتفقه" للخطيب 2/80.
25 – "سنن الترمذي" 3/372 رقم : 990.
26 – انظر "المحدث الفاصل" للرامهرمزي ص :242، 559، والفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي 2/82.
27 – "ترتيب المدارك" 1/124،125.
28 – "جامع بيان العلم" 2/98.
29 – "الصلة" لابن بشكوال 2/429، رقم الترجمة 920.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here