islamaumaroc

تصحيح مسيرة العلوم في دعوة الإسلام للعلم

  حسن السائح

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

تمهيد :
لتحديد مفهوم العلوم في الإسلام وتطورها، منهج "سديد" يعتمد على طبيعة الإسلام في تحليله للتطور البشري وأسباب تقدم الإنسان، ومهما حاول العلمانيون أن يجدوا عللا وأسبابا لتطور الفكر البشري فهم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا مفاهيم الفكر المسيحي واليهودي اللذين لم يعطيا حلولا مقبولة يرتضيها مؤرخ لتطور العلوم، في معرفة أسباب تطور الفكر البشري، وأهداف هذا التطور.
لقد استطاع الإسلام أن يعطي للعلم مفهوما جديدا مبنيا على تحليل نفسية الإنسان وموقعه من الكون، وتسخيره للطبيعة، وانطلاقه من فطرته السليمة الهادفة إلى تعمير الأرض وإصلاحها، وهذا ما طور مفهوم العلوم في الإسلام وجعل تطورها يعتمد على موازين دقيقة عادلة لا تجانب الصواب، وهادفة إلى خدمة المجتمع الإنساني، ورعاية الطبيعة وحفظها، دون الدخول في مغامرات ومخاطر تؤذي الإنسان وتسخره، وتستبعده، وتهدد مصير البشرية جمعاء.

مفهوم العلم في الإسلام :
ليس العلم في الواقع إلا مجموعة نشاطات إنسانية في مختلف الميادين الحيوية ذات الاتصال بحياة الإنسان، وقبل أن يصبح العلم طريقة ومنهاجا في البحث كانت نواته الأولى حركة الفكر المحللة لما تقتنصه حواس الإنسان من معلومات، وتطورت هذه النواة لتصبح تقريرات وأحكاما تنميها وتصنفها التجارب والمعاناة، كما كانت قدرات العقل نفسه، وما تهجس به أعماقه الفطرية من حدس وبصيرة عوامل تمحيص العلوم والاستفادة منها.
ثم لم يلبث أن أصبح العلم مجموعة مترابطة من المعارف العامة الناتجة من تطبيق تراكمي مستقلة بذاتها، تنقل من جيل إلى جيل، ليضاف إليها ما استجد من التجارب والحقائق.
وبهذا التحليل الإسلامي للعلم يظهر أن التعريفات المادية التي ترى مصدر المعرفة هو الإنعكاسات اللاشرطية المعقدة التي ترتبط بالمناطق الدنيا من المجموعة العصبية المركزة، التي ليست تابثة، بل في تبدل، هي تعريفات ناقصة لأنها تستبعد عدة معارف أخرى، وقد أيدت الدارونية فكرة التحليل المادي الذي يجعل الإستنتاجات العقلية خاضعة للغرائز الداخلية في ذات الإنسان، دون أن يكون للدارونية سند علمي يخضع لمنهاجها في التحليل، وهي بهذا الحكم المجحف استبعدت "الفطرة الإنسانية" والحدس الباطني، وجعلت المعارف انعكاسات الغرائز، التي تكيف العمل، متجاوبة مع الجهاز العضوي والبيئة، لتضع التجارب المتراكمة في خلايا الإنسان لا في عقل الإنسان، وبذلك لم يصبح العقل إلا أداة استجابة، لا أداة خلق ومبادرة.
والعلم في الإسلام يستبعد نتائج المذاهب العقلية على اختلاف مشاربها، التي قد تنكر الفطرة والحدس، وتعطي للتجارب أسبابا لنمو العقل المعرفي، واستخراجه لنتائج تصبح قوانين يضبط بها العقل الإنساني مكتسباته التجريبية.
وبناء على ذلك، فالعلم في الإسلام بدأ في الإنسان منذ الخلق الأول، مودعا في فطرة الإنسان ذاته، يتنامى بالهداية الإلهية التي تخلق له من أسباب المعاناة ما يطور به معارفه ومكتسباته الوجدانية والعقلية.
وتطور العلم بهداية الأنبياء والرسل عن طريق سليم حيث سخر الإنسان عقله في فهم الطبيعة المسخرة له بدورها لتستجيب لمصالحه وفق سنن الكون، ولكما حاول الإنسان الخروج عن هذه السنن غير ما بنفسه إلى الدونية، ولذلك لا يعود إلى الرشاد حتى يغير ما بنفسه ارتقاء إلى الصراط المستقيم.
لقد جاء الإسلام ليجد البشرية قد انتهت إلى مجموعة من المعارف غير مترابطة بينها بأسباب مضبوطة، فهي طورا تعتمد العلل والأسباب في الإنسان نفسه، وأحيانا في الطبيعة، والكون، وأحيانا تنكر الأسباب كلها، وفي غالب الأحيان يقف العقل مشدوها مستسلما يستعصي عليه الفهم فلا يصدر حكام سليما، ولا رأيا نزيها، وإنما يتردد بين الحقيقة والظن والرجم بالغيب. وأحيانا يعتمد على ذاته، فيتيه في استنتاجات وهمية خيالية، كما فعل الفلاسفة المثاليون، وأحيانا على نصوص كهنوتية، فيكون عبدا لتضليلات استغلالية، وأحيانا لشطحات صوفية إشراقية.
ونريد في هذا البحث المتواضع أن نقف على المرحلة التي بلغ إليها العلم عند عهد بزوغ الدعوة الإسلامية، حتى نحدد التصحيح الذي أدخله الإسلام على المسار العلمي، والتغيير الذي أحدثه في مفهوم العلم.

العلم قبل الإسلام :
لم يكن الفكر العلمي بصفة عامة واضح المفهوم، ولا ذا وحدة أصولية شاملة، ومعلومات مسلمة، فقد حاول فلاسفة اليونان أن يضعوا مفاهيم للعلم مستمدة من فلسفتهم، فكانت للعلم مفاهيم خاصة، وحاولت الكنيسة أن تعطي مفاهيم للعلم معتمدة على أفلاطونيات اليونان، واستشراقية الإسكندرية، والأخلاقيات والتوجيهات المسيحية المحرفة عن حقيقة الدين المسيحي، كما كانت لبلاد الهند والصين آراء علمية ذات أصول غيبية لا يطمئن إليها العقل لعدم ارتكازها على سند برهاني أو تجريبي ..
وتطورت المعارف في القرون الوسطى بأوربا في بداية ظهور الإسلام لتنهي إلى أن يتعاقد "العالم" مع "الطبيعة" ابتغاء اكتشاف قوانينه، وبذلك أرست الانطلاقة الأولى للكشف عن قوانين الطبيعة، فأصبح الإنسان تلميذا للطبيعة، ثم عبدا لها، لا يستطيع إنكار أي دليل تقدمه له، حتى أصبحت قوانينها التي تعلمها الإنسان موضوعية مجردة عن المشاعر الشخصية لا تخضع للقيم، ولا تأبه لها، فكانت الفتنة التي تعاني البشرية منها إلى عصرنا الحاضر.

العلم في الإسلام :
أما الإسلام فقد ربط بين العقل والإيمان، وانطلق بحركتهما من فطرة الإنسان المودعة في أعماقه، وبذلك أقام المعرفة على موازنة ثابتة، هي الحقيقة النسبية للإدراك الإنساني، لأن الحقيقة المطلقة هي علم الله تعالى، كما ربط الحقيقة النسبية بما يصلح أمور الناس في دنياهم لا بالحقيقة المجردة، فجعل للعلم فلسفة تعلل وتربط الأسباب بالمسببات، وترجع كلها إلى الخالق المبدع، وجعل للعلم كذلك واقعية تبحث عن التطور في نطاق الصالح الإنساني العام، وأعطى التجربة مكانتها في التطبيق، ونقلها من العقل إلى الواقع، وأخيرا جعل التطبيق العلمي أساسا صالحا للمعرفة « Praxis »، وهذا ما جعل الإسلام قادرا على تصحيح المسيرة العلمية يعطيها بعدا جديدا وهدفا أسمى.

رصد المرحلة العلمية في عهد الرسول :
في الفلسفة :
 لم يكن العرب في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مطلعين على فلسفة اليونان أو قوانين الرومان، ولا على صوفية الهند وديانة الفرس، ورغم انتشار العلوم والفلسفة اليونانية في مدارس الفرس والشام، ومعرفة بعضهم بالسريانية والفارسية، فإن فهمهم لذلك كله كان بسيطا ومحدودا، كما وكيفا، وقد كان طبيب الرسول عليه الصلاة والسلام (الحارث بن كلدة) درس الطب اليوناني (بفارس) كما كان ورقة بن نوفل ذا معرفة بالمسيحية، وفي (يثرب) كان أحبار يهود ذوي اطلاع على الثقافة اليهودية، كما كان (بحوران) رهبان متأثرين بمدرسة الإسكندرية، فلم تكن جزيرة العرب تجهل ما حواليها، ولم يكن العربي – وهو الذكي الحاذق – يجهل كل شيء عن التطورات العلمية في مختلف فروعها في عهده، وليست كلمة "الأمية" التي تطلق على العرب تعني أنهم جيل الأميين، وإنما الأغلبية الساحقة من الأميين في البادية، وهي ظاهرة تكاد تكون عامة لدى مختلف الشعوب على أن الأميين تعبير يهودي يلقبون به غيرهم من الشعوب لما يعتقدون من استئثارهم بالمعرفة، واختيار الله لهم بين الشعوب، وتميزهم عن بقية خلق الله، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام، "نبيا أميا" تأكيدا للمعجزة الإسلامية، وكان نبي الأميين الذين يضبطون شؤون العلم بفطرتهم البشرية، لا بالتعلم في المدارس والأديرة، وتلكم ميزات الإسلام الذي ينكر "وساطة" كهنوتية أو رهبانية.
ولا يجهل مؤرخو العرب معرفة الغساسنة ببعض علوم اليونان والرومان، حيث كانت مدارس الصابئة تنقل ذلك وتستفيد منه، كما لا يجهلون معرفة المناذرة بثقافة فارس ومدارسها المبثوثة في العراق.
لذلك وصلت معارف مبعثرة إلى الجزيرة العربية، وظهر بها حكماء، وكانت كلمة "الحكمة" تعني عند الجاهلين الملاحظات العميقة إلى الأشياء، والتجارب المستخلصة، فهي أقرب إلى مفهوم العلم منها إلى الفلسفة، وكان أكثم بن صيفي، وقس بن ساعدة من حكماء العرب قبل الإسلام.
ويقر تاريخ العبرانيين في جزيرة العرب معرفة العرب بالحكمة، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار، يا كعب : هل تجد للشعراء ذكرا في التوراة، قال كعب : أجد في التوراة قوما في ولد إسماعيل أناجيلهم في صدورهم، يتصفون بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا تعلمهم إلا العرب، وأكثر ما نجد فيما دون عن العرب في الحكمة ذا أصل يوناني في فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، كما أن كثيرا من الحكم المنسوبة إلى "أحبقار" ذات أصل عربي، وهو من مصادر الأدب الفارسي القديم، وتذكر بعض المصادر الإسلامية في تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم أن "سويد ابن الصامت" كان يملك "مجلة لقمان" وقد أراها للرسول حين قدم عليه في مكة.
ومن المعروف أن الحكمة المنسوبة إلى "قيس ابن نشبة" كانت عبارة عن معارف فلسفية يونانية وسريانية وفارسية يتداولها الفلاسفة في ذلك العصر، وكان "قيس" يعرف الرومية والفارسية، كما كان "النضر بن حارث بن كلدة" من العارفين بالثقافة الشرقية الفارسية والرومانية.
علوم الطب والبيطرة :
عرف العرب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الطب التجريبي الذي مارسه السحرة والكهنة، وهو عبارة عن معارف طبية تجمع بين العلاج الجسمي والنفسي، ويعتمد على النفس في العلاج (Psychosomatique)، وكان الحارث بن كلدة، والنضر بت الحارث، وابن رثمة، وضماد، من أطباء العرب، ولا شك أن هناك أسماء أخرى لأطباء العرب لم يهتم المؤخون بذكرها، وإنما ذكروا هؤلاء فقط، لمعاصرتهم للرسول عليه السلام.
أما الحارث، فدرس (بجند نسابور) وتمرن بها، وعالج الأمراض المنتشرة في بلاد العرب، وظل حيا إلى ما بعد الخليفة أبي بكر الصديق، وكان يرى أن الخليفة مات مسموما.
وأما ابن رثمة فكان طبيبا جراحا معروفا، وقد فرق العرب بين الطبيب وبين النطاسي الذي يعني الحاذق في الطب.
وبجانب الطب العلمي عرف العرب طب العوارف، أو طب "الأعراف"، وهو طب انتشر في البادية يعتمد على التجارب المتوارثة، وعلى العلاج بالنبات المعروف في البادية بخصوصياته العلاجية، وبالألبان، وأبوال الإبل، "كالطب الهندي القديم" وبالنهاء، وهو حجر يجاء به من البحر يصلح للعلاج به.
أما الصيدلة فتعتمد تركيب "العقاقير"، والعقار في الآرمية، هو الدواء، ويعالج الأطباء بشرب العقاقير أو شرطة المحجم أو الكي بالنار، وغالبا ما يعالج بالكي في أمراض الروماتيزم والقروح، كما عالجوا بالسعوط، والنشوق، ودهن الخردل، والألبان، وشجر العيد، وعالجوا بالترياق والبلاسم و"السفوف" ومختلف أنواع الزيوت، وبالأثمد لأمراض العين، وبالجبائر لكسر العظام.
واعتمدوا الوقاية والحمية في علاج الحميات التي كانت منتشرة في بلاد العرب، وبالأخص في بعض مناطق الأدوية، واهتموا بالحمى الخيبرية وهي أصعب أنواعها، كما أعطوا أسماء كل مرحلة من مراحل إصابة الجسم بالحمى، مما يدل على مدى انتشارها في جزيرتهم، ومقدار اهتمامهم بعلاجها.
أما الأمراض العقلية النفسية فقد كان الكهان يرقون المعاين بها، والغريب أنهم نسبوا مرض الطاعون إلى وخز الجن، فكأنه إصابة بالميكروب المتسبب عن وخز الجسم بالجراثيم.
وظهر في جزيرة العرب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كثير من الأطباء الأعاجم، وبالأخص المبشرين بالمسيحية، وكان التبشير في بداية القرون الوسطى يعتمد في أساليبه على علاج المرضى لكسب عطفهم وإدخالهم إلى المسيحية.
علم (هندسة الري) :
كان للعرب علم بهندسة الري، وقد عثر في عدة أماكن في اليمن والحجاز بآثار سدود، وأهمها (سد مأرب)، كما كان للعرب علم بحفر الآبار وإنشاء الصهاريج، واستعانوا بلون التربة ورائحتها لمعرفة وجود الماء وطريقة ضخه.
ولهم كذلك معرفة بهندسة السدود، سواء بين الأدوية أو فيما يجري من الأدوية بين المرتفعات والهضاب، حيث نصبوا الحواجز للتحكم في سير المياه، وقد بنوا (سد مأرب) بين ثلاث جبال، وسدوا مخرج الماء بالحجارة الصلبة والرصاص، كما شيد المهندس "سنمار" قصر الخورنق، وجعله يعتمد على حجرة واحدة كأساس للبناء.

علم النجوم والتوقيت :
إن للصحراء سماء صافية، وأهل الصحراء أصحاب بصر نافذ، لذلك عرفوا النجوم ومواقعها ومطالعها، ولهذا ظهرت الوثنية القديمة في الصحراء، فكانت تقدس النجوم وتعبدها، وعرف العرب علاقة النجوم بالرياح والأمطار... وحسبوا حركة الشمس والقمر وحددوا أيام السنة حسب الشهور القمرية أو حسب الشهور الشمسية، كما عرفوا من طلوع النجوم وغروبها ومن ميلادها وسقوطها وما سموه (علم الأنواء) واعتبروا أن الأنواء 38 نجما هي علة الأمطار والرياح والبرد ومنها عرفوا الأنواء الممطرة ومواسم المطر وحركة الفصول.
وتحكم علم الأنواء في حياتهم حتى نسبوا كل شيء إلى النجوم، وجاء الإسلام ليبطل ذلك ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم من قال :" سقينا بالنجم فقد آمن بالنجم وكفر بالله"، وقسم العرب والجاهليون السماء إلى بروج، وكلها اصطلاحات يونانية أو لاتينية، مما يدل على اتصالهم بالثقافة العامة في عصرهم، ونتج عن معرفتهم بالأفلاك لكثرة نظرهم إلى السماء الصافية في الصحراء نظريات علمية كانت أساس علم التوقيت ومعرفة الساعات، وتقسيم الليل والنهار إلى ساعات معروفة من فجر وضحى وظهر وعصر إلخ... اعتمدها الكهان في مواقيت العبادة وتثبيت الأعياد وتقديم القربان لكل إله حسب وقته المناسب، كما عرفوا من بعد حساب "الساعات" و"الدقيقة" كما جاء في كتاب  (ألف ياء).

الفنون التشكيلية والنحت :
عرف العرب القدماء فن النحت، وطريقتهم لا تشبه النحت اليوناني أو الروماني أو المصري أو الفارسي.. إذ أن فن النحت عند العرب قليل الخضوع للتشريح ودقة النقل، فليس فيه تناسب بين الأجزاء، فهو لا يحقق تناسقا جماليا يذكر، والتماثيل غير معبرة في معظمها، وكان النحات يكتسب من بيع صور الآلهة التي تعبد في الهياكل والبيوت، ولهذا فقد كانت من الكثرة بحيث لا يستغرق النحات إلا وقتا قليلا في صياغتها، وكان الصحابي الجليل عبد الله بن العباس نحاتا قبل أن يعتنق الإسلام، فلما أسلم، حول الفن النحتي للأوثان إلى نقل النبات والأزهار، وأرشد الفنانين المسلمين إلى ذلك بدل نحث الأوثان المحرمة، كما احترف الفنان العربي صناعة الدميات من الأخشاب والأحجار واستخدموا (البرنز) بقلة في صياغتها، كما توجد في آثار اليمن.
أما التصوير التشكيلي، فقد كانوا يزينون البيوت بصور يدوية، وفي كتب الأخبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وجد في الكعبة صورا للملائكة، وصورا لإبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورا لعيسى بن مريم وأمه، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطمس تلك الصور، فغسلت ومسحت بثوب مبلول بالماء حتى طمست إلا صورة المسيح وأمه.

وجاء الإسلام ليصحح مسيرة العلم :
جاء الإسلام دينا قيما للبشرية جمعاء، ينظم الكون، والمخلوقات جزء من الكون، لذلك فهو لا يؤثر أمة دون أخرى، لا يهتم بفرد دون آخر، وضع الأسس الصالحة والمتينة لحياة كل مخلوق من مخلوقات الله، فالكون وحدة متكاملة، وليس الإنسان إلا ذرة من الكون الكبير، وهذا الكون يخضع لقوانين ثابتة وسنن خالدة، لا يجوز لأي مخلوق أن يتصرف يها بالإخلال والإفساد، فإن فعل فهو يضر الإنسان نفسه، وبالتالي بوجوده كفرد لأنه جزء من الكون، وفساده فساد للكون.
ولا شك أن سيطرة الإنسان على الطبيعة، وتصرفه فيها وفق رغبته حسب المسار العلمي الغربي، كان أحد الأسباب الرئيسية في التلوث وسياسة العنف، والقهر، والتعدي، وتهديد العالم بالحروب والأوبئة.
أما الإسلام فقد وضع الأسس الأولى للعلم، وطريقة نموه، وتطوره حتى لا يصبح أداة تهدد الإنسان، وتنغص حياته، وتفسد طبيعته النفسية والعقلية والاجتماعية، وثمة يصبح العلم أداة تدمير، لا أداة ترقية وتطور.

الأصول العلمية لنفس الإنسان :
وضع الإسلام أسسا تربوية تهدي الإنسان لأقوم السبل، وتجنبه الانحراف عن الصراط المستقيم، فيحقق له ذلك النمو والتكامل نفسيا وعقليا وجسميا.
فالطريق المستقيم، هو الطريق المعبد المتوازي الصالح، الذي يوصل إلى أقصى النتائج بأقل الوسائل، وهذا الطريق في وسع كل مخلوق أن يسلكه مادام متمسكا بخطاب الله تعالى، ونلخصه فيمـا يلـي : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".
فالمحافظة على الجسم لا تكون إلا بالمحافظة على النفس، فالصلاة ترتبط بالوضوء الذي يرتبط بالطهارة، وبذلك يعصم الجسم من أن تفتك به الميكروبات التي تهدده باستمرار، والطهارة الجسمية تحرم عليه الخمر والمخدرات والاتصالات المحرمة، وبذلك لن يفقد الجسم مناعته الصحية حتى لا يعود الطب يعمل باستمرار لمقاومة أمراض الانحرافات، والمخدرات والإرهاب والتعفنات، فمهمة الطب أسمى من أن يصرف الجهد لمقاومة أمراض الانحراف بدل السمو في البحث الطبي.

مسايرة الفطرة الطبيعية في الإنسان :
فطرة الإنسان هي أساس تكوينه النفسي والعقلي، وكل عمل ناجح هو استمرار لفطرة التي لا تعني الغريزة الحيوانية بقدر ما تعني السمة الإنساني.
وهذه الفطرة تقر أن الإنسان :
1 – مفطور على الإيمان بخالق قوي، خلقه وهو قادر عليه، وهذا ما جعله يعرف مكانته وقدراته، ويتجنب الطغيان، والجهالة، والغرور والتنطع.
2 – للإنسان قدرة مقتبسة من خالقة، يتصرف باختياراته ومسؤوليته، فهو ليس مجرد ريشة في مهب الريح بدون إرادة، ولذلك فإنه مسؤول عن كل تصرفاته، وكما يقول الغزالي :"الإنسان مجبور على الاختيار".
3 – كل إنسان مسؤول عن عمله، فلا يجوز أن يؤاخذ بخطيئة غيره، ولا بجريرة آبائه وأجداده، وهذا ما يقوي قدراته الاختيارية.
ومسايرة الفطرة تجنب المسلم كثيرا من الأمراض النفسية التي يعاني منها كثيرا ممن فقدوا تحصينهم بها، وأصيبوا بما يشبه داء "انفصام الشخصية".

الخضوع لقاموس الكون :
للكون قوانين ونواميس، يعتبر الخروج عنها آفة تهدد الجنس البشري كله وهذه النواميس تقتضي أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة إنجاب لاستمرار الوجود الإنساني : فالزنا والإباحية الأخلاقية، والحرية الجنسية، مخالفة لناموس الكون.
وفعلا، فالذين استخفوا بها هم عرضة لأمراض خطيرة، أهمها : "مرض الإيدز" الزاحف الذي أصبح يهدد البشرية جمعاء.
وناموس الحياة يلزم بتضامن الإنسان وتعاونه، أما طغيان أحد على الآخر بالمال، فقد أوجد طبقة من المترفين الطغاة، بجانبهم طبقة الكادحين الثائرين، فظهرت البطالة، والتسكع والحقد، وتعرضت الشعوب لفتن الثورات... وأصبح الإنسان يعاني من عدم الاستمرار، فالعلم ينصرف لتنمية الجماعات لا لمقاومة أمراض الانحراف والتصدي لفتنة الاستعلاء.

توجيه الاقتصاد :
الاقتصاد علم من العلوم التي انبثقت عن التطور الاجتماعي، وهو علم موضوعه العلاقات المادية وتبادل المصالح بين الناس... وقد تنامى علم الاقتصاد الغربي غير الإسلامي في ظلال البحث عن المصلحة الذاتية، فسخر الإنسان للإنسان، واستعبد الناس بعضهم بعضا، ونتج عن ذلك التضخم، والبطالة، والثورة، ومجتمع الاستهلاك، الذي استهلك حتى الإنسان نفسه.
أما الإسلام فيوجه الاقتصاد للرخاء والتعاون، ويقول "جاك أوستروي" في كتابه :"الإسلام أمام التطور الاقتصادي" : " إن الإسلام يتمتع بإمكانيات هائلة، وإذا ما وجد الطريق الصحيح أمامه مفتوح، فإن كثيرا من الصعوبات الاقتصادية سوف يحلها هو وحده، لأنه أقدر على ذلك من غيره من مذاهب الاقتصاد.
وأساس الاقتصاد في الإسلام هو نشر الرخاء بين الناس، ونفي الاستغلال لإقامة مجتمع سليم آمن مطمئن يعمل من أجل الدعوة والتقدم والحضارة في العالم.
ونظرية الإسلام في الاقتصاد تؤكد أن الرابطة بين المصلحة الفردية والجماعية هي رابطة تعاون واتفاق وتأمين، تحقيقا لرفاهية الفرد ورفاهية الجماعة، وبين إيثار الفرد وأثرته تناسب سليم متزن، ولهذا جمع النظام الاقتصادي في الإسلام شمل الأمة كلها في نطاق منسق من المحبة والإخاء والتعاون والعمل المثمر.
ولذلك احترم الإسلام الملكية الخاصة، وهذبها بفرض الزكاة، وتحريم الفائدة الثابتة، ونظريته تؤكد القاعدة الاقتصادية، من كل وفقا لمقدرته إلى كل وفقا لحاجته، بعكس النظرية الغربية الحديثة التي تقــول :" من كان وفقا لمقدرته إلى كل وفقا لعمل المنجز"، وكان عمر بن الخطاب يقول :" والله ما من أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين من أحد إلا له في هذا المال نصيب، ولكن على منازلنا من كتاب الله"، وقسمنا من رسول الله ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدحه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته".
توجيه العلم التجريبي :
قيمة كل علم حسب موضوعه، فإذا كان موضوع العلم هادفا لخدمة الإنسان وطاعة الله كان الإسلام داعيا إلى تعلم ذلك العلم والاهتمام به، أما إذا كان العلم مفسدا ومخربا، فالإسلام يحرم تعاطيه ومن أجل ذلك حرم علم السحر، الذي يفرق بين المرء وزوجه، ويفسد المجتمعات، وحرم علم النجوم الذي يدعي معرفة الغيب، بدل الاهتمام بجانبها العملي العلمي.
ولهذا لم يشجع المسلمون تعاطي كل العلوم خشية أن يكون أثر بعضها مضرا مفسدا للمجتمع الإسلامي.
وكان المسلمون أول من اخترع (البارود) ولكنه رأوا فيه علم تدمير وقتل فرغبوا عنه، ولم يشجعوا تعاطيه والنبوغ فيه، كما كان شأنهم في العصور الأخرى.
ومع الأسف، فإن كثيرا منهم لم يلاحظ وجوب التفوق فيه لمقاومة الخصم الذي سيستعمله ضدهم، والآية الكريمة تدعو إلى الاستعداد : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
ولو أن الباحثين عما يهدد البشرية من تسابق التسلح، رجعوا إلى الأصول الإسلامية في البحث العلمي، لكان ذلك أحرى بمفكريهم، وأنفع لمسيرة العلم، ومسيرة الإنسان من تنظيم الاجتماعات، وإلقاء الخطب.
وما زلنا نسمع بالمظاهرات الصاخبة والاحتجاجات المتوالية في أوربا الغربية على التسابق إلى التسلح النووي الذي يهدد البشرية، ولو استقمنا على المنهج العلمي الصحيح لاتخذوا من الإسلام شعارا واقيا، ولن يخيبوا آمالهم إذا ساد الدين الإسلامي بتعاليمه وتوجيهاته في العلم والتكنولوجيا والأخلاق ليعصم البشرية من آفة تفجير الذرة وتلوث الفضاء.

توجيه التاريخ :
لم يكن التاريخ قبل الإسلام إلا سلسلة أخبار مقتضبة عن الطغاة والجبابرة، فكان يكرس الاستعباد والاستسلام، كما كان مجرد أساطير لا تمحص الوقائع، ولا تهتم بالتدبير والتحليل.
وجاء الإسلام ليعطي للتاريخ روحا جديدة، فالتاريخ هو مجرد أخبار يعتريها الكذب والتحريف، ولكنها موعظة للإنسان ليقس الشاهد على الغائب.
وليس التاريخ من صنع الإنسان، بل هو من الخالق للبشرية الموجه لها.
ولذا فالتاريخ أمانة في سرد الأحداث وفرزها، والاتعاظ بها، لتكون للإنسان نبراسا يسترشد به.
توجيه العلم البيولوجي :
يهتم الإنسان بنتائج أبحاث كل علم، وعلى أساسها يصدر أحكامه المتزنة، فعلم البيولوجي لتطوير الخلية الحية وتمتينها، والبحث عن المضار التي تفسد نموها، أما توجيه البيولوجية الوراثية لتبديل خلية الإنسان والتصرف فيها، فهو بحث خطير لا يقدم للإنسان إلا مزيدا من الارتباك والاختلال...
وما نزال نسمع بمآسي أطفال الأنابيب واستئجار الرحم، وما يترتب عن ذلك من تهديد للمجتمع الإنساني، والذي لا يمكن أن يتطور بدون أخلاق، وإلا انتكس على عقبيه.
وبدأ عهد آدم القرد الداروني في صياغة جديدة، وهي وحشية الأخلاق، وظهور صورة واحدة "كلوناج " لحيوان لا يضمن له تطو عقلي ووجداني في غيبة عن التماسك الاجتماعي والأخلاقي.

توجيه العلوم الفيزيائية :
يتساءل العالم الغربي في مختبر تحليلاته، كيف يمكنه أن يحقق شيئا جديدا؟ ولو أنه تسائل في مختبره لماذا يحقق شيئا جديدا؟ "وهو السؤال الإسلامي الذي يجب أن يجيب عنه كل عالم" لكفى الإنسانية شر العبث والإنتاج الاستهلاكي وتكريس الظلم والاستغلال، فالعلوم الفيزيائية أداة تطوير الآلية النافعة لا أداة تطوير الاستهلاك الترفيهي، الذي لا يعني سوى الاستغلال، وتكريس الطبقة التي تكرس الظلم الاجتماعي.

التوجيه الإسلامي في السياسة :
الإسلام دين اجتماعي، وذلك فقد وضع أسسا للتنظيم الاجتماعي يضمن العدالة دون أن يترك الحبل على الغارب، أو أن يجعل المسلمين ضالين عندما يبحثون عن التنظيمات التي يعتمدون عليها في تسيير شؤونهم.
علم يقر ما تعارف في أنظمة  اليونان أو فارس أو الروم، وهي أسمى الأنظمة التي وصل إليها الحكم في القرن السادس، ولكنه وضع أسسا جديدة لم تكن معروفة من قبل، هي الخلاقة والإمامة، التي تتحقق بالانتخاب والبيعة، وتعتمد على الشورى، وإشراك القادرين على معرفة مشاكل المجتمعات في الحكم، وأساس الحكم والإدارة الإيمان، ليتحقق العدل بين الناس جميعهم كيفما كان مستواهم الفكري والاقتصادي والاجتماعي.
وفي القرآن الكريم "إنما المؤمنون إخوة"، فالأخوة أساس العلاقة بين المؤمنين، وجامعها المشترك هو "الإيمان" لا العقلانية، ولا المصالح الاقتصادية، ولا العنصرية، فقد جعل الإسلام وسيلة الارتباط بين البشر هي "العقيدة" والحقوق، والواجبات في الإسلام لم ترتكز على أساس المصالح أو القبيلة أو الجنس، وإنما ترتكز على الإيمان فقط.

تصحيح مفهوم الحرية :
إن حرية الإنسان في الشريعة ليقصد بها الحالة التي تجعل الإنسان أهلا لتحمل المسؤولية والتكاليف بخطاب الله، وإجراء العقود، وتحمل الالتزامات، والتصرف فيما يملك، لا أن يفعل ما يشاء، أو أن تتجاوز حريته إلى حرية الآخرين.
أما الشرائع الأخرى فلا ترتكز على موازين العدل بين الناس، ومفهوم الحرية عندها ظلم للغير.
فالتشريع اليوناني الذي هو أساس حضارة الغرب لم يكن يعترف بالحقوق المدنية كاملة لمن لا يحمل الجنسية اليونانية، فأفراد الشعوب الأخرى في نظره مجردون من الحقوق المدنية إذا كانوا رقيقا، وكأرسطو، يرى أن الحياة الاجتماعية في بلاده، لا تستقيم إلا باسترقاق غير اليونانيين وتجريدهم من جميع الحقوق المدنية التي يتمتع بها الأحرار.
أما الشريعة اليهودية فهي لا تعترف بالحقوق المدنية لغير اليهودي، وترى الإسرائيليين شعب الله المختار.
وأما الرومان فكانت قوانينهم تجرد غير الروماني من جميع ما يتمتع به الروماني من حقوق مدنية، وتبيح استرقاق غير الرومانيين.
ولا نجد في شرائع الشرق أو الغرب قبل الإسلام ما ينص على المساواة في الحقوق المدنية بين البشر أو العدل بين الناس، وحتى المرأة في هذه الشرائع جميعها تحت سيطرة الرجل، وليس لها الحق في أي تصرف قانوني.
والإسلام وحده منح الحرية المدنية لجميع المسلمين ما عدا الصبي والمجنون والسفيه، حماية ووقاية لمصلحتهم من ناحية ، ولمصلحة المجتمع والنظام الاقتصادي العام من ناحية أخرى، بل إن الإمام أبا حنيفة ذهب إلى  عدم جواز الحجر على السفيه حفاظا على آدميته، لأن الضرر  الإنساني الذي يلحقه من جراء ذلك يزيد على الضرر المادي المترتب على سوء تصرفه في ماله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here