islamaumaroc

الاستحسان

  محمد المختار ابن اباه

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

حينما ينضبط التصوير يسهل الحكم.
وأغلب دواعي الخلاف، تأتي من الخلاف في التصور نفسه.
ولهذا نسمع عدة تصورات في الاستحسان.
الأول : أحدهما عن الإمام الشافعي، وهو قوله :"إنما الاستحسان تلذذ"، ومن المعروف أنه لا حكم للتلذذ في الشريعة، ليس هوى مطاعا، والله جل وعلا يقول عن الرسول عليه الصلاة والسلام: "وما ينطق عن الهوى".
الثاني : جاء عن الإمام مالك، وهو قوله : الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأنه القول بأقوى الدليلين.
الثالث : ما أثر عن بعض الحنفية أنه دليل ينقدح في ذهن المجتهد، وتقر عبارته عنه، كما روي عنهم أنه ترجيح مقياس خفي على قياس جلي، أو استثناء مسألة جزئية من مسألة كلية.
الرابع : ما روي عن الحنابلة من أنه العدول عن حكم المسألة عن نظائرها دليل خاص، أو ترك القياس بدليل أقوى منه.
وسوف نستعرض بإيجاز، أقوال أصولي المذاهب الأربعة، لتوضيح هذه التعاريف، واستخلاص آرائهم في هذا الباب.
"قال هذا كما قلت، والاجتهاد لا يكون إلا على مطلوب، والمطلوب لا يكون أبدا إلا على عين قائمة تطلب بدلالة يقصد بها إليها، أو تشبع على عين قائمة، وهذا يبين أن حراما على أحد ان يقول بالاستحسان، إذا خالف الاستحسان الخير، والخير من الكتاب والسنة عين يتآخى معناها المجتهد ليصبه كما السبب يتآخاه من غاب ليصبه، أو قصده بالقياس ... فهل تجيز أنت أن يقول الرجل : ستحسن بغير قياس؟
فقلت : لا يجوز هذا لأحد عندي، والله أعلم، وإنما كان لأهل العلم أن يقولوا دون غيرهم لا يقولوا في الخير باتباعه فيما ليس فيه الخير بالقياس على الخير، ولو جاز تعطيل القياس جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خير بما يحضرهم من الاستحسان، وأن القول بغير خبر ولا قياس لغير جائر بما ذكرت من كتاب الله وسنة رسوله ولا في القياس".
وفي الكلام عن عدم اعتبار المقدم للبضاعة التي لا يعرفها، يقول :"فحلال الله وحرامه أولى أن يقال فيهما بالتعسف والاستحسان، وإنما الاستحسان تلذذ، لا يقول فيه إلا عالم بالأخبار، عاقل للتشبيه"، والأخبار يعني بها النصوص، والتشبيه هو القياس.
وهكذا، استمر إنكار الشافعية للاستحسان منذ الإمام الشافعي، إلى ما قاله الفخر الرازي في كتاب "المحصول" حيث ختم الرازي بحثه في الاستحسـان بقولـه :" يظهر أن القول بالاستحسان باطل".
وهو في هذا يرد على الحنفية، بعد ما ذكر تحديدهم له بقوله :
1 – أن الكرخي يقول : إن الاستحسان هو أن يعد الإنسان : أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها إلى خلافه، لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، وهذا يلزم منه أن يكون التخصيص والنسخ استحسانا.
2 – قال أبو الحسين :
"الاستحسان ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول".
ولا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصص، لأن العموم لفظ شامل ولا يلزم عليه أن يكون القياس استحسانا، لأن القوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن كان طارئا فهو استحسان.
"فإن قلت، فقد قال محمد بن الحسين في غير موضع من كتبه : تركنا الاستحسان للقياس، كما لو قرأ السجدة في آخر السورة، فالقياس يقتضي أن يجتزئ الركوع، والاستحسان أن لا يجتزئ به، بل يسجد لها، ثم إنه قال بالقياس".
"فهذا الاستحسان إن كان أقوى من الاستحسان فكيف تركه، وإن لم يكن أقوى منه فقد بطل حدكم".
قلت : ذلك متروك إنما سمي الاستحسان لأنه – وإن كان استحسان وحده أقوى من القياس وحده، لكن اتصل بالقياس شيء آخر – صار ذلك المجموع أقوى من الاستحسان كما في المسألة التي ذكرتموها : فإن الله تعالى أقام الركوع مقام السجود، في قوله تعالى :"وخر راكعا وأناب".
وهذا يقتضي أن تكون الشريعة كلها استحسانا، لأن مقتضى العقل، وهو البراءة الأصلية، بترك دليل أقوى منه " وهو النص والإجماع والقياس، الأقوى في حكم الطارئ.
والقياس على هذا الحد نكرته الشافعية.
قال الشافعي : استحسن في المتعة 50 درهما، الشفعة : استحسن أن يثبت للنفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام، وقال في المكاتب أستحسن أن يترك عليه شيء.
فالخلاف في اللفظ في المعنى : وهو أن القياس إذا كان قائما في صورة الاستحسان في سائر الصور، ثم ترك العمل به في صورة الاستحسان، وبقي معمولا به في غير تلك الصورة، فهذا هو القول بتخصيص العلة، وهو باطل : (2/ق2 ص :336).
المالكية :
كما أن أقوال الشافعي اختلفت فيه، أي في تعريفه وحجيته، فيقول صاحب مراقي السعود :
والقول الذي له رجحان من الأدلة هو استحسان.
أو هو تخصيص بعرف ما يعم ورعى الاستصلاح بعضهم يؤم.
ورد كونه دليلا ينقدح وقصر التعبير عنه متضح.
وقد ورد في كتاب "الفصول" للباجي عازيا لابن حويز منداد، تعريفة بأنه القول بأقوى الدليلين، أو أنه ضرب من الترجيح.
"ذكر محمد بن حويز منداد من أصحابنا أن معنى الاستحسان الذي ذهب أصحاب مالك رحمه الله القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بيع العرايا من بيع الربط بالتمر للسنة الواردة في ذلك".
"وتخصيص الرعاف دون القيء بالبناء للسنة الواردة في ذلك، وذلك أنه لو لم ترد سنة بالبناء في الرعاف لكان في حكم القيء، في أن لا يصح البناء أن القياس تتابع الصلاة، وإذا وردت الرخصة بترك التتابع في بعض المواضيع صرنا إليها، وأبقينا الباقي على أصل القياس.
وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل وإن كان يسميه استحسانا على سبيل المواضعة، ولا يتمتع ذلك في حق أهل كل صناعة، إلا أن هذا يحتاج إلى بيان كشف، وذلك القياس ترك البناء بشاهمة أصول ترد إليها هذه الفروع، وتلك الفروع ثابتة بالشروع والورود في البناء من الرعاف قد رتبت أصلا آخر، فلا يخلو أن يحمل الفرع المتردد بين هذين الأصلين على أولاهما به، فيخرج عن معنى التخصيص الذي ذكره، أو يحمله على أكثر الأصول بأن تكون الأصول التي أدعى القياس عليها كثيرة، فهذا إنما يكون القول بالاستحسان ضرب من الترجيح على قول من رأي الترجيح بكثرة الأصول، وليس هذا بعيد.
الاستحسان عند الحنفية :
وقد ناقش الباجي آراء الحنفية، ورد عليها بعنف، متهما إياهم بالتناهي والميل إلى الهوى بلا دليل فقال :
"والذي ذكرناه في الاستحسان قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، وقد روى بعضهم أنه استحسان بغير حجة، وذلك مثل ما روى عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا : إذا شهد الشهود على رجل بالزنا، وكان واحد منهم يشهد أن كان في زاوية من البيت غير الزاوية التي شهد به كل واحد من الباقين، قال أبو حنيفة : لا القياس أن لا رجم، ولكن نرجمه استحسانا".
"وهذا القول إن حمل على ظاهره منهم، فهو قول بغير دليل، ولا يصح الاحتجاج به، ولا الحكم به، لأنه حكم بما تشتهيه النفس، وتميل إليه وتهواه، وهذا باطل بإجماع الأمة".
"ومما يدل على ذلك أيضا أنه لا فرق بين استحسان العامي والطفل والعالم إلا من جهة الدليل، وقد أجمعنا على أن استحسان العامي والطفل لا يجوز الحكم به، لأنه حكم من غير الدليل، فكذلك استحسان العالم إذا صدر عن غير دليل، واتسدلوا بقوله تعالى :"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".
والجواب أن أحسنه هو الذي يكون معه الدليل، وجواب آخر، هو لو كانت الآية محمولة على عمومها لوجب أن يكون استحسانا لتحريم القول بالهوى والشهوة عليكم حسنا، ولوجب اتباعه، وهذا يبطل تعلقكم به".
"واستدلوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما رآه المومنون حسنا فهو عند الله حسن".
والجواب أمن المسلمين إذا رأوا شيئا حسنا كان ذلك إجماعا وصوابا لعصمة جميع المؤمنين، وليس خلافنا معكم في نفس الحسن، وإنما اختلفنا في جهة الاستحسان، وعندنا أن الأمة لا تجمع على حسن إلا عند دليل وإلا كان إجماعها خطأ، فدلوا على أنها أجمعت على الحكم شهوة وميلا إليه وإن كنتم قادرين".
وفي هذا النوع من الجدل افتراض أن الحنفية يقولون بالاستحسان بلا دليل وعن طرق الهوى، أو بدليل لا يستطيعون التعبير عنه، بينما نراهم يقولون أنه ترجيح القياس خفي على قياس جلي، أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي، لدليل استقر في عقل المجتهد واطمأن إليه.
مثال الأول :
وقف الأرض يدخل فيها شربها وطرقها من غير نص عليهما استحسانا، وذلك أن شرب الأرض وطريقها لا يدخلان في عقد بيعها إلا بالنص عليهما، ويدخلان في عقد إجارتها من غير نص على ذلك.
والوقف يمكن قياسه على البيع لأن كلا منهما إخراج لعين من ملك صاحبها، فلا يدخل الشرب والطريق إلا بالنص وهو قياس جلي.
ويمكن قياسه على الإجارة باعتبار أن كلا منهما يراد به ملك المنفعة فقط، وهي لا تتأتى لا بطرقها وشربها، فيدخلان فيه من غير نص عليهما، وهذا قياس، والقول استحسان.
مثال الثاني :
إن المحجور عليه تصح وصيته في سبيل الخير استحسانا، لأنها لا تناقض المقصود من الحجر، لأن الملك لا ينتقل إلا بعد وفاته.
وقد يطلق الحنفية الاستحسان على مخالفة القياس العام بنص خاص.
أمثلة :
1 – من أكل في رمضان ناسيا، يقتضي فساد صيامه، لأنه لم يأت المطلوب، ولكن هذا القياس متروك لقوله صلى الله عليه وسلم :"من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإن الله أطعمه وسقاه.
2 – السلم شرع دفعا للحاجة على خلاف القياس.
فالاستحسان عندهم يشمل استحسان الشارع.
الخمس الفواسق :
- من منع القتل في الحرم الأسد الضاري.
- بيع الرطب على النخل بمثله تمرا.
- بيع العنب على شجره بمثله.
- عدم إقامة حد السرقة في الحرب.
- الحدود الأخرى.
الحنابلة :
يذكر جمهور الأصوليين أن الحنابلة يقولون بالاستحسان، ويذكرون من ذلك أمثلة، منها :
- التيمم لكل صلاة.
- وشراء أرض السواد وكراهية بيعها تشبيها بالمصاحف.
- ومنها أن من غضب أرضا، فزرعها فالزرع لرب الأرض، وعليه النفقة.
ولكن تصورهم له هو ما أسلفنا من كونه العدول عن القياس لدليل أقوى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here