islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي الذي وجهه مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله إلى الأمة بمناسبة الذكرى 42 لثورة الملك والشعب.

  الحسن الثاني

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز :
جرت العادة أن أخاطبك في مثل هذا اليوم كل سنة، وذلك لتخليد ذكرى ثورة الملك والشعب، وقد قيل وكتب الكثير عن هذه الذكرى، ولن ينساها – إن شاء الله – تاريخنا المجيد بل سوف تزيد الأقلام فيما كتب عنها، وسوف تبقى الذاكرة حية ممتدة من جيل إلى جيل، وذلك تطبيقا لقوله سبحانه وتعالى :" وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
وسوف أبتدئ خطابي هذا – شعبي العزيز – بكلمتين قالهما والدي رحمة الله عليه عند رجوعه من المنفى.
الأولى : قال من كتاب الله عز وجل :"الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور".
والثانية : قال حكمة من حكم جده وسيده سيدنا محمد صلى الله عله وسلم :"قد خرجنا من الجهاد الصغر إلى الجهاد الكبر"
وأريد أن أركز على هذه النقطة الأخيرة، فعلا لقد خرجنا من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر، وحينما أرجع بالفكرة إلى يوم 20 غشت سنة 1953 حينما كانت السماء كالحة، وكانت الآمال منقطعة، وكانت العقول تائهة، لم يكن أحد منا يعتقد أن ذلك اليوم سوف يكون انطلاقة أيام ماجدة وخالدة يجب أن تكتب بماء الذهب في تاريخ بلدنا.
نعم مضت السنون والأحقاب على تلك المدة، وحينما أقيم ما وصل إليه المغرب من تقدم وازدهار في عدة مجالات أرى أن الحصيلة، ولله الحمد، حصيلة ايجابية.
نعم، عرفنا في طريقنا صعوبات ومشاكل، ولم تكن أمامنا دائما إلا النجاحات، بل وقع لنا أن رسبنا في بعض الرهانات، ووقع لنا إن لم نكن في المستوى أمام بعض المشاكل، ولكن حينما نرى الميادين الاقتصادية والاجتماعية، ونرى أن المغرب رغم قلة وسائله أخذ على نفسه أن ينمي هذين المجالين الاجتماعي والاقتصادي بكيفية متوازية، كان آنذاك يراهن ويضرب للتاريخ مواعد.
والكثير كان لا يظن أننا سنصل إلى تلبية حاجيات المجال الاقتصادي والمجال الاجتماعي، ولكن وصلنا ولله الحمد إلى ما كنا نتوخاه.
وصلنا إلى مغرب نام، مغرب لا يعد من الدول السائرة في طريق النمو، بل من الدول النامية، وصلنا إلى مغرب يحترم نفسه في الداخل، وأعطى لنفسه مؤسسات دستورية وديمقراطية تجعله يسير في المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
نعم، يمكن أن يقال : إنه وقع في هذا الانتخاب أو ذاك تزوير أو غش، ولكن هذا المظهر شكلي لا يغير أي شيء فمن الثوابت الدستورية المتقدمة المتطورة التي أرادها المغرب وأردناها، لأن بلدنا يريدها، تمشيا مع روح ثورة الملك والشعب.
فكل ما نأمله لبدلنا نشعر أخيرا أن بلدنا كان ينتظره، وكل ما يتوق إليه بلدنا نحس داخل أنفسنا أننا نقاسمه، ذلك الطموح وتلك الرغبة، فالحصيلة في الحقيقة حصيلة إيجابية جدا.
إلا أن هناك مشكلا أساسيا يقض مضجعنا ويذهب بمالنا، وربما يجعل مثالنا في خطر، ألا وهو – أكرر ذلك – مشكلة التعليم، لأنه لا نماء بدون تعليم، ولا نماء بدون رجال، ولا نماء بدون تكوين.
فهل يا ترى سنبقى هكذا إلى أن يصل المغرب إلى 40 مليون نسمة؟ هل سيكون المغرب آنذاك قادرا على أن يضمن العيش والقوت والشغل والكرامة والعزة لجميع مواطنيه حينما يبلغ عددنا 40 مليون؟
أقول هذا للتذكير بان هذا المشكل - وإن كان ليس هو موضوع خطابنا اليوم – سوف أكرره عليك شعبي العزيز مرارا وتكرارا كلما أتيحت لي الفرصة، أنه أرانا كالذي وصل إلى قمة جبل، وأراد أن يقفز في الهواء، فإذا به سيجد أنه نسي أن لا مظلة له، فنهايته هي أن يهلك ويحطم مكاسبه.
ولكن أرجو الله أن يكون ندائي الأول وتذكيري هذا قد بلغا هدفهما، وأن نهتدي إلى الطريق السوي لإيجاد حلول ناجعة وإيجابية، وفي أقرب وقت ممكن، ليمكننا أن ننام وأن نرتاح، وليمكننا أن نقول :"عند الصباح يحمد القوي السرى".
سأقترح عليك شعبي العزيز يوم الجمعة 15 سبتمبر المقبل استفتاء تعديل الدستور يتعلق بعرض القانون المالي أمام مجلس النواب في آخر دورة شهر أبريل بدل آخر دورة شهر أكتوبر.
في غضون السنة القادمة سأدعوك شعبي العزيز إلى استفتاء آخر لتعديل دستوري يجعل للمغرب غرفتين : غرفة النواب، وغرفة الشيوخ.
شعبي العزيز :
كنت قلت لكم في خطاب سابق : إنني أعتبر أنه يجب تعديل الدستور تعديلا ينص على التصويت على القانون المالي في آخر شهر يونيو، وكنت قلت لك : إنني – أعرض عليك هذا التعديل للاستفتاء. هناك من يظن أن هذا التعديل هو تعديل تقني، أقول : لا، فهو ليس تعديلا تقنيا أبدا، بل في تسيير نظام الدولة المالي والاقتصادي هو تعديل أساسي، ذلك أن المغرب لا يزال، وسوف يبقى لمدة سنوات، يعتمد قبل كل شيء على فلاحته، وفلاحتنا كما تعلم مهددة بالمخاطر الطقسية، وكيفما كانت مجهوداتنا لتنويع الفلاحة وتطويرها، وكيفما كانت بحوثنا، كيفما كانت تخطيطاتنا سنحتاج إلى حقب من الزمن لنصل إلى معادلة تعل الفلاحة، وإن كانت أساسا لن تصبح إلا أساسا من بين الأسس الأخرى، فإذن، علينا أن نضرب حساب المدخول الفلاحي، وندخله في ميزانياتنا حتى لا نكون معرضين للتشاؤم السلبي ولا إلى التفاؤل الحالم في التخمينات والتقديرات.
إن هذا التعديل ليس تعديلا تقينا، لأن المدخول الفلاحي، حينما تكون السنة طيبة، يتراوح ما بين 600 و 700 مليار سنتيم من المال الذي لا تعطيه الدولة، ولكن تتمتع به الأمة، فيبيع من يبيع ويشتري من يشتري ويكري من يكري، ويكتري من يكتري ويكثر الروجان، وهكذا يكون نشاط دائب يجري في شريان الأمة وفي شريان نسيج الشعب المغربي.
فلهذا – شعبي العزيز – أقترح عليك اليوم الجمعة 15 شتنبر المقبل إن شاء الله التعديل الدستوري الآتي : وهو أن يكون التصويت على الميزانية في آخر دورة شهر أبريل بدل آخر دورة شهر أكتوبر.
وأملي – شعبي العزيز – أن تجيب بنعم على عادتك، ثقة أولا فيما أطلبه منك، وثانيا علما راسخا بهذه الحقيقة التي لا يمكن أن ينكرها أحد إلا من أراد أن سيتفلسف، أو أن يكون بعيدا عن الحقائق اليومية.
ولكن لن أقف عند هذه الخطوة، بل – أدعوك  في ضوء السنة المقبلة إن شاء الله إلى استفتاء آخر، استفتاء مهم جدا يمس صلب الدستور وصلب النظام التمثيلي عندنا في المغرب، ذلك أني أقترح عليك – شعبي العزيز – في السنة المقبلة إن شاء الله أن تصوت بنعم على تعديل للدستور يجعل للمغرب غرفتين : غرفة للنواب، وغرفة للشيوخ مثلا، كما يمكن أن نسميها آنذاك، لماذا أدعوك إلى هذا الاستفتاء في السنة المقبلة والذي أدعوك للتفكير فيه جيدا منذ الآن؟
أولا : لأن الدستور المعد الأخير يذكر في فقراته الجهة، والجهة لا يمكن أن يكون لها معنى ألا إذا كانت ممثلة على المستوى التقريري لا الاستشاري.
ثانيا : تعتقد أن الجماعات المحلية والحرف كيفما كان نشاطها وحيويتها، وكيفما كان تنافس أعضاء مجالسها لا يمكنها أن تعطي ما هو منتظر منها مادامت مشتتة ومتفرقة، ومادامت لم تجمع آراؤها ورغباتها وقراراتها بأن تكون ممثلة في مجلس نيابي له حق التقرير.
وأخيرا، نعتقد أن هذا المجلس الثاني سيعطي للامركزية معناها الحقيقي، وإننا سنرى آنذاك الجهات تدلي بآرائها وتقوم ما اعوج، وتعبر كذلك عن طموحاتها، ونرى آنذاك تنافسا بين الغرفتين تنافسا حقيقيا، أما الآن فمجلس النواب عليه أن يهتم بالعام ويهتم بالخاص، والذين يهتمون بالخاص وبالحرف، وبالجماعات المحلية والحال هم سواد العاملين في المغرب الممثلين للفلاحين والتجار والصناع والشغالين وأرباب الحرف، هم الذين يعطوننا قوتنا اليومي، وهم الذين يكونون يدنا الحقيقية ووسائل عيشنا، فلا يعقل أن يبقوا ممثلين الثلث فحسب ولا يعقل كذلك أن يكونوا فقط في مجلس استشاري كالمجلس الاجتماعي والاقتصادي، بل يجب أن يعطوا حظهم ورتبهم ومكانتهم الحقيقية في مجلس نيابي له حق التقرير.
لماذا لم استجب إلى بعض الرغبات التي رفعت إلي اتخاذ هذا القرار من قبل؟ إن ذلك يرجع لسببين :
السبب الأول : هو أنني لا زلت أعيش بذاكرتي تلك المرحلة التي كان للمغرب فيها غرفتان، وكانت التجربة آنذاك لا أقول فاشلة، ولكن كانت معاقة، ولم أرد أن يقع المغرب في مثل المشكل الذي كان فيه في أيام الدستور الأول.
ثانيا : ربما أنا بطئ في التفكير وإن كنت سريعا في الاستماع، فحينما تكون المسألة متعلقة بمصير البلاد، أكون بطيئا في التفكير، ولكن سريعا في الإنجاز، ربما كنت بطيئا في التفكير، لأني أردت أن أبني اختياري هذا الذي سيوضع أمام اختيارك، لأن الكلمة الأخيرة – شعبي العزيز – هي لك، والقرار الأخير هو قرارك، فقبل أن أضع هذا الاختيار أمام رأيك، أردت أن اقتنع لأقنعك، أما الآن فقد أصبحت مقتنعا، وحين يأتي الوقت في السنة المقبلة إن شاء الله أوجه إليك آنذاك خطابا بعد استشارات مع هؤلاء وأولئك، خطاب المقتنع الذي يريد أن يقنع، ولكن لا يخامرني شك أنك قد أدركت مدى هذا التعديل، وقد قفزت بكيفية نوعية وكمية في ظرف وجيز من التفكير وعلى ضوء هذه الكلمات الوجيزة التي قلتها أمامك، إنك قد قفزت في الزمان، وإنك قد حللت وسوف تصبح تحلل، وإننا على عادتنا سوف نكون على وتيرة واحدة.
لماذا شعبي العزيز ذكرت بهذه المناسبة تعديلين في الدستور؟
كما يقول علمائنا وأساتذتنا :" نرجع إلى ما كنا بصدده".
بدأت كلمتي بهذه بقول النبي صلى الله عليه وسلم :"خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" لأبين لك – شعبي العزيز – ولأعطيك الدليل القاطع على أن الكلمات ليست جوفاء ولا فارغة، وأن الخروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ينطبق علينا بعدما ينيف على أربعين سنة، وأن الخروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر سيبقى هو منهجنا منهج أبنائنا وحفدتنا حتى يمكننا أن نتصدى للمخاطر وأن نتغلب على المصاعب، وأن نكون في مستوى ما ينتظرنا من مسوؤليات جسام.
فهنالك أولا – كما قلت لك – مسألة ضمان التغذية للأجيال المقبلة وتشغيلهم وإسكانهم وإعطائهم الحياة الكريمة العزيزة.
ثم يجب أن يبقى المغرب بلدا محترفا، سواء في جهته أو في قارته أو في العالم بأسره، يجب أن نبقى محترمين، والاحترام يولده سوى شيء واحد هو التحرك الحكيم والدؤوب من الحسن إلى الأحسن، ومن الطيب إلى الأطيب، ومن الكريم إلى الأكرم، والسير دائما وأبدا للخروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
إننا نخوض اليوم جهادا أكبر، ولكن جهادنا غدا سيكون أكبر من جهادنا اليوم، لأن حالة العالم غدا لن تكون كحالته اليوم، فمشاكل الدنيا تجاريا وصناعيا وسياسيا وعسكريا – لأننا نسمع دوي المدافع في كل جهة – لن تبقى على حالها، ولست متفائلا بالنسبة للمستقبل، وبالنسبة للعالم فالمشاكل لن تمحى، بل ستتزايد وتتنوع، وإذا لم نكن قادرين على أن نواجهها، وأن نكون مسلحين للدفاع عن أنفسنا، ولنتبوأ المقام اللائق بنا، سوف نكون آنذاك، قد تراجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر، ومن جهاد أصغر إلى الاضمحلال والانمحاء تقريبا – لا قدر الله – من خريطة عالم الشعوب المحترمة التي توزن كلماتها بميزان الثقة والاعتبار.
قبل ختام كلمتي هذه – شعبي العزيز – أريد أن نترحم على أرواح شهدائنا أولئك الذين منذ 20 غشت إلى يوم 16 نوفمبر 1955 ضحوا بأرواحهم وحرياتهم وأسرهم، كما أريد أن أترحم على أرواح شهدائنا في الصحراء الذين بذلوا النفس والنفيس للدفاع عن وحدتنا الترابية، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبوئهم مقامهم اللائق بهم مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين حسن أولئك رفيقا،. "صدق الله العظيم".

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here