islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي الذي وجهه مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله إلى الأمة بمناسبة عيد الشباب المجيد والذكرى 36 لميلاده السعيد.

  الحسن الثاني

العدد 312 ربيع 1-ربيع 2 1416/ غشت-شتنبر 1995

الحمد  لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
شعبي العزيز،
ليست الاحتفالات بالأعياد هي الألعاب أو الرياضة أو التظاهرات أو الإنارات دائما وأبدا. إنما الاحتفال في بعض الأحيان يجب أن يكون محطة للتفكير ومناسبة للتحليل والتدبير. وهل هناك شعبي العزيز – ونحن نحتفل بعيد الشباب – أمر أجل وأعز وأقدس يجب أن نفكر فيه حتى يكون محطة تفكيرنا ومناسبة تدبيرنا سوى الشباب ومستقبل الشباب وما يتطلع إليه الشباب.
هناك فعلا إشكالية نراها في المغرب، ويمكن أن نلخصها في ما يلي :
إذا كان شاب مغربي أميا، فهو عاطل، وإذا كان حاصلا على الشهادة الابتدائية فهو كذلك يمكن أن يكون عاطلا، أما إذا كان حائزا على الباكالوريا فهو عاطل، وإذا كان حائزا على الدكتوراه فهو مما لا شك فيه عاطل.
هل يا ترى هذه لعنة من السماء كما يقول الإغريق الأقدمون أم هي نتيجة تقصير من طرف المغرب، أقول لا هذه ولا تلك.
أولا، لأننا لا نؤمن باللعنة السماوية، ولكن نؤمن بالقضاء والقدر، وليست هذه الحالة كذلك تفريطا من ناحية المغرب، فالمغرب منذ استقلاله بذل جهده وأكثر من جهده في تعميم وتعريب التعليم وربما كان هذا الجهد المستمر الذي لم يعرف ولو آونة واحدة، محطة للتفكير، ولم يأخذ لنفسه مناسبة للتحليل والتدبير، هو السبب الأول فيما نعيشه اليوم.
ولكن هناك من يقول إننا قرأنا في الصحف الأوربية في الأسبوع الماضي أن هناك في فرنسا مثلا أكثر من 20 ألف من الدكاترة، منهم 9000 كانوا حائزين على الدكتوراه بامتياز فائق، وهم كذلك عاطلون، أقول : هناك فرق وفرق عميق وعميق جدا، لماذا هذا الفرق؟
إنك شعبي العزيز تقرأ الصحف، وتنظر شاشات التلفزيون، وتتبع ما يجري في العالم.
ومما لا شك فيه – بما أنا أخذنا مثل فرنسا – أنه منذ الثمانينات ومشاريع القوانين تعرض على البرلمان، فهناك قانون يوقف، وقانون يزاد فيه، آخر يلغى، أي أن هناك حوارا يوازيه التفكير العميق، حوار سياسي قبل كل شيء.
وحينما أقول : سياسي، بمعنى مسؤول، وهناك بحث فلسفي أقول : نسكي سياسي، إذن مسؤول.
في السنة الماضية في دورة أبريل كما تذكر – شعبي العزيز – كنت وجهت خطابا إلى الأمة تلي في البرلمان حسب مقتضيات الدستور، وكان هذا الخطاب من أوله إلى آخره لا يتطرق إلا إلى مشكلة واحدة، ألا وهي مشكلة التعليم بأطواره الابتدائي والثانوي والعالي، وطلبنا آنذاك من الجهازين التنفيذي والتشريعي أن ينكبا على العمل ليعطونا في الحصيلة نتيجة ما توفر فيهم من خصال وتفكير وبعد الرؤية.
وفي هذه الأيام الأخيرة، سألت بكيفية غير رسمية – لأنني أنا أيضا لدي وسائل استطلاع الخاصة بي – هنا وهناك، فوجدت ما أفزعني حقيقة.
أولا : إنه لا زالت هنا بعض الأفكار من الستينات تهيمن على التفكير، بل وطرحت في البرنامج.
ثانيا : سمعت أن هناك تيارا – إن لم أقل مهيمنا فهو قوي جدا – للتعريب المطلق منذ الابتدائي.
وأخيرا وجدت أن مشكلة المجانية طرحت، ولكن كأنها النار لم يرد أحد أن يقترب منها، أو كأنها ثعبان سيلسعه.
فلماذا صارت الأمور على هذا النحو؟
فقد بحثت بنفسي وفكرت في الموضوع، وبعد مزيد من البحث أظن أنني وقفت على سر هذه المصائب كلها.
ذلك أن اللجنة أو الجهاز الحكومي والجهاز التشريعي وقعا، سواء من ناحية الشكل أو من ناحية العمق، - وأقول هذين اللفظين بمعناهما القانوني – وقعا من حيث لا يشعران في ورطة.
فكم عدد البرلمانيين في اللجان؟ 80 (ثمانون)، وكم عدد التقنيين؟ 250 (مائتا وخمسون) بمعنى أن التقنيين غير البرلمانيين هم ثلاث مرات عدد البرلمانيين الذين هم في اللجنة.
ولماذا ذكرت هذه الأرقام؟
لأن في بداية خطابي قلت لكم : إن في فرنسا كذلك هناك عجز وهناك مشكل، ولكن الطبقة السياسية هي التي أخذته بيدها، ومادامت مسؤولة أمام من انتخبها، فهي التي فكرت في المجانية، وهي التي تفكر في التكوين، وفي كيفية التعليم والتلقين، وعندما انعكست الأمور، فأصبح الثلث من السياسيين المسؤولين – أي السياسيين الذين يعتبرون أولا المقصود، وثانيا يضعون له الخطة والطريقة، أصبحوا يشكلون فقط ثلث اللجنة التي تتكون تقريبا من مثل عدد أعضاء البرلمان 330 عضوا.
لا أريد أن أظهر أني أوجه اللوم العنيف لهذا أو ذاك، ربما كان من المنتظر أن تؤول أعمال هذه اللجنة إلى ما آلت إليه، نظرا لأنها أول تجربة. وقبل أن ترفع إلى اللجنة الوطنية تقريرها أقول لها : أرجو منك أن تراجعي أولا هيكلتك، وأن تراجعي مقاييس مسؤوليتك، وهي مقاييس سياسية، وثالثا أن تراجعي نسختك مادام يطبعها تفكير الستينات والتعريب الأعمى المطلق والمجانية الهوجاء.
شعبي العزيز،
قل لي شعبي العزيز وشبابي العزيز : إلى متى ونحن سائرون في طريق المجانية؟ سيأتي يوم لن نجد فيه ما نصرفه لا على الأدوية ولا على الطرق ولا على التجهيزات ولا على الكهرباء، بل لن نجد ما نصرفه حتى على الأساتذة الذين يدرسون، إن هذا المشكل والحالة هذه، يمكن أن نجد لها حلولا، لهذا قلت : يجب أن نفكر سياسيا.
ومن الحلول، هناك أولا تشجيع المدارس الحرة، وهذا التشجيع هو الآن مطروح على أنظار البرلمان، حيث تعتبر المدارس الحرة كاستثمار صناعي، بحيث تتمتع بجميع المزايا التي تتمتع بها المقاولات الأخرى.
ثانيا، هل من المعقول – شعبي العزيز – أن يؤدي صندوق الدولة على جميع التلاميذ كيفما كانت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية نفس المبلغ؟ هل من المعقول أن نؤدي على ابن الغني أو ابنة الغني ما نؤديه على ابن الفقير أو إبنة الفقير، مع أن كثيرا من الناس هم من دعاة البعثات أو في مدارس أجنبية هنا في المغرب، وكل منا يعلم ماذا يكلفهم تعليم أبنائهم هناك، أقول : للضرورة أحكام، وحينما أقول الحكم هنا فبمعنى الواجب، للضرورة واجبات.
لقد خطرت ببالي فكرة أعرضها عليك – شعبي العزيز – بجميع شرائحك من طلبة وأساتذة وسياسيين لماذا لا نفكر في وسيلة تجعلنا نجد مقياسا أو معيارا نزيها لكي يتمتع فلان بالمجانية أو لا يتمتع بها؟
أعتقد أن هناك مقياسا هو مقياس الضرائب، فمن لا يؤدي الضرائب فسيدرس ابنه أو ابنته مجانا من الابتدائي إلى الجامعي، ومن يؤدي فوق سطح بعض الضرائب يؤدي الثلثين مثلا أو ثلاثة أرباع من تكاليف دراسة ابنه كما يفعل الجل من هؤلاء الأثرياء أو حتى من الناس المتوسطين.
فإذا تمكنا – شعبي العزيز – من أن ندخل هذا التعديل الذي هو نزيه، لأنه سيمكننا من أن نعلم الفقير مجانا بما أفاض الله من الرزق على أخيه الغني، ولو استطعنا توفير ولو الثلث فقط من ميزانية التعليم لأصبحنا أغنياء.
فهل تعلم – شعبي العزيز – أن الثلث من ميزانية التعليم هو 400 مليار، فهل تتصور ما يمكن عمله بهذا المبلغ؟
أولا ، بهذا المبلغ يمكننا أن نشجع البحث العلمي، وآنذاك سيضمن عدة دكاترة في الرياضيات، سواء الذين في الخارج أو الذين هم بالمغرب، مستقبلهم، وسيجد فيهم المغرب حاجته.
ثانيا، سيمكننا هذا المبلغ من الترفيه على الأساتذة، فالتعليم في الحقيقة ليس مهنة بل هو قبل كل شيء شغف، بحيث أن الإنسان يصبح يشعر في قرارة نفسه بأن الله خلقه ليلقن ما آتاه من العلم، وفي غالب الأحيان يكون الأساتذة من الابتدائي إلى النهائي مغرومين بمهنتهم، عاطفين على تلامذتهم أو طلبتهم، متعانقين معهم، فإذا رسب التلميذ أو الطالب اعتبر الأستاذ نفسه هو الراسب، وإذا نجح التلميذ أو الطالب اعتبر الأستاذ نفسه هو الناجح.
فكيف يمكن أن نجند هؤلاء الأساتذة من جديد وأن نجمع شتاتهم وأن نلم شملهم وندعوهم للوقوف أمامنا وورائنا، إذا لم نحترمهم أو على الأقل إن لم نحترمهم في حياتهم وكرامة حياتهم؟
ففكر – شعبي العزيز – في هذه الطريقة التي عرضتها عليك، ألا وهي مقياس الضرائب، فهذه الطريقة ستمكننا كما قلت من أن نتمتع بأساتذة مهمين جدا، متمتعين جدا بالحياة، كما كان عليه حال فقهائنا الذين لم يكن ينقصهم شيء، لذلك أريد أن لا ينقص الأساتذة الذين سيدرسون أحفادنا شيء، وآنذاك سيتجندون بدقة أكثر، وسيتعانقون أكثر فأكثر مع تلميذهم أو طالبهم.
فلهذا – شعبي العزيز – أريد اليوم من الجيلين : من جيلي ومن جيل أبنائي الذين هم بجانبي أن نقسم كلنا كرجل واحد، إننا لا نريد بعد اليوم أن نرى ما رأيناه أبدا، لا نريد أن نرى عاطلين بشهاداتهم بعد هذا اليوم أبدا، ولهذا يجب أن نهيئ الطريق للوصول إلى البر بقسمنا.
ولكي تعرف بأن الوقت يمر بسرعة، أقول لك : إنه قبل بضعة أيام قمت بتلقيح في الظهر ضد الزكام؟ وحين سألت الطبيب متى سأعيد هذا التلقيـح ؟ قال لي : بعد خمس سنوات خرجت ثم عدت، فقلت له : خمس سنوات، يعني إلى غاية سنة 2000، قال لي : بالفعل.
فإذا أردنا ألا نرى هذا، ولا يراه أبناؤنا يجب علينا أن نبدأ من الآن فأمامنا ستة أشهر على الأقل من التفكير، وعام ونصف لوضع الهياكل، وبعد ذلك الانطلاقة كليا في جميع المستويات.
ولهذا أقترح ان يدخل تعديل عميق سواء في الشكل أو في العمق على اللجن البرلمانية المكلفة لا أقول بهذا الملف، بل بهذه القضية المصيرية، وأن يزداد من الوزراء وزيران : الأول وزير الأوقاف والشئون الإسلامية لسعى على أن لا ينحرف جيلنا المقبل، وأن يبقى سنيا مالكي المذهب، متشبثا بالكتاب والسنة والجماعة، والوزير الثاني هو وزير الفلاحة، إنصافا للعالم القروي.
فالتكوين المهني للفلاح أو الكساب المقبل، سواء كان كسابا للدواجن أو للبقر أو للغنم أو للخيول، ليس هو التكوين المهني الذي سنلقنه لأبنائنا الذين سيعملون في المقاولة الصغيرة أو المتوسطة أو في المصانع الكبرى، فإنصافا للعالم القروي، يجب أن يكون هناك تكوين مهني لا يهتم إلا بالفلاح المقبل، صغيرا كان أو متوسطا أو كبيرا.
فأرجو إذن من اللجنة أن تراجع نسختها – كما يقال -، وأن تراجع حنين بعض أفرادها إلى الستينات، وألا تحكم أو يحكم بعض أفرادها على المغرب أو المغربي المقبل بالسجن المؤبد، وذلك بالتعريب المطلق، وما دمت هنا ساهرا على حريات الأشخاص والجماعات، فسأقف ضد هذه العملية أي عملية التعريب المطلق، اعتبارا مني أنها تمس بكرامة وحرية وقدرة المغربي على التنافس، بل على حيازة السبق في الميدان العلمي والميدان الرياضي.
فكروا جميعا معي – شعبي العزيز – في مقياس المجانية، فإذا كانت المنح في أيام الحماية تعطى للتلميذ المجتهد، فإننا اليوم سنعطي المنحة للتلميذ أو الطالب المحتاج الذي ينتمي لأسرة محتاجة – أي المجانية مائة في المائة -، وفوق طبقة معينة من الضرائب سيكون التعليم مجانيا 80 في المائة، ثم الطبقة التي تليها 40 في المائة، حتى نصل إلى طبقة سيكون التعليم غير مجاني نهائيا، وإذا نحن عرفنا كيف نأخذ بعين الاعتبار الشرائح الاجتماعية والقدرات الشرائية سنتمكن من توفير 400 مليار سنويا، سنبني بها ونشيد، وسنرفع بالتالي من مقام الأستاذ الذي قال فيه الشاعر :"كاد المعلم أن يكون رسولا".
شعبي العزيز :
مع كل ما قلت لك، وما رسمته أمامك من لوحات ظهرت لك في بعض الأحيان مصبوغة بالأسود والأبيض، كما يقال – فأنا مع ذلك لست متشائما، أكون متشائما حينما أعلم أنك تعلم ولا تريد، آنذاك لا حيلة للمرء، ولكن لا تعلم فإذا لا يمكنك أن تريد، لي اليقين أنك اليوم وقد فتحت لك بكيفية متواضعة كمواطن وكأب وكوطني بعض النوافذ التي كانت مغلقة لأجعلك تطل على السماء الزرقاء وتتنفس الهواء الطلق.
لي اليقين أنك – شعبي العزيز وشبابي العزيز – لن تصبح متشائما بل ستصبح شريكا لي في جميع الطبقات، في جميع المدارس في جميع الكليات في جميع المعاهد، شريكا لي للوصول إلى ما نتصوره ونتخيله، ألا وهو عظمة ومجد هذه الأمة في ظل دينها ومقدساتها، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يطبق علينا ما جاء في كتابه العظيم : "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا"، وحين قال وعلمنا هذا الدعاء :"ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا". صدق الله العظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here