islamaumaroc

الشباب المجدد

  محمد يسف

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

لكي تواصل الأمم والشعوب خطاها على طريق الرقي والتقدم، لا بد لها من أن تعمل على تشبيب حياتها، وتجديد خلاياها، وتنشيط حيويتها باستمرار، ولا بد لها كذلك  من أن يكون لها رمز أو عدة رموز حية تذكرها بهذا المعنى، وتعمق في وجدانها الشعور به والإحساس بأهميته.
ويوم تاسع يوليوز في تاريخنا القومي المعاصر، إن كان ظرفا لميلاد قيادة مغربية متميزة بمواهبها النادرة، ونبوغها اللافت، والتي بحكيم قيادتها ورشيد سياستها دخلت الدولة المغربية دنيا الحداثة، فإن هذا اليوم لم يكن من الأيام العابرة على عجل، بل كان وسيظل محطة مضيئة، ومنارا هاديا ينير سبل السالكين نحو المستقبل، مزودين بما يقوي العزيمة على النهوض بالإرث الحضاري الضخم الذي آل إليهم خالصا أصيلا، وإثرائه بالجديد المبتكر.
لقد كان يوم تاسع يوليوز إيذانا بدخول الدولة المغربية عصر الانبعاث والتجديد والقوة والفتوة، ولعل هذه الميزة التي ارتقت بهذا اليوم الكبير  إلى أفق الأيام المجيدة التي تبقى محفورة في ذاكرة الشعوب، منقوشة في وعيها وضميرها ما بقيت الحياة، تطل منها على الماضي بما يزخر به من مفاخر وأمجاد، وتستشرف منها الآتي لكل ما يعد به من فتوحات علمية، وانتصارات حضارية وأخلاقية.
وإذا كانت الأمة المغربية قاطبة تحتفي بعيد الشباب كرمز للفتوة والنشاط، والحركة والعمل، وتخلد ذكراه في كل سنة على نحو متميز، فإنما تفعل ذلك رغبة منها في إحكام الربط بين الأمس واليوم، بين الآباء والبناء، ربطا للخلف بالسلف، والفروع بالأصول، علما بأن لكل جيل قراءته الخاصة للأحداث وفهمه المتميز لأبعادها ومراميها، بحكم ما يحيط به من ملابسات، ويكتنفه من تحولات في الأفكار والمفاهيم والتصورات.
وفضلا عن ذلك، فإن الاحتفاء بالأمجاد والأعياد وبالأحداث ذات البعد الإنساني، يجد عندنا نحن المسلمين مستنده في ديننا وشريعتنا كتابا وسنة، كما يجد تطبيقاته العملية في حياة المصطفى الأكرم صلى الله عليه وسلم، فكل حدث يحمل خطابا حضاريا، أو رسالة تربوية شاملة يدخل في دائرة عموم أيام الله، المطلوب إحياؤها، والتأمل في مغازيها ومعانيها، وقراءتها قراءة جديدة في ضوء التطورات والمستجدات.
وفي هذا السياق لفت المصطفى صلى الله عليه وسلم النظر إلى تخصيص الأيام ذات الدلالة الحضارية والدينية بإجراءات تتناسب وقدرها وترتيبات تبرز حجمها.
وهكذا فعندما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا، وجد يهودها يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن السر في ذلك، فقالوا: إنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون وملأه، فحن نصومه شكرا لله.
فقال عليه السلام :"نحن أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه.
ففعل ذلك بالرغم من أنه كان يكره أن يوافق اليهود والنصاري في شيء من أعيادهم وذكرياتهم ومناسباتهم، ويسعى باستمرار إلى مخالفتهم ولهذه الغاية قال : "لئت عشت إلى قابل، لأصومن التاسع والعاشر حتى يتميز صوم الإسلام عن صوم اليهود".
وفي نفس السياق، أشار كتاب ربنا إشارة ذات بعد استراتيجي عميق الدلالة، إلى يوم من أيام الله المشهودة يوم كان ظرفا لحدث عظيم، أدرك صحابة الرسول عظمته في خلافة عمر، وهو يوم الوصول إلى دار الهجرة، حيث حط ركب المصطفى رحالة بقباء، ليبدأ المرحلة الجديدة بتدشين مسجدها الشهير :"لمسجد أسس على التقوى من أول يوم..." الآية، إيذانا بانطلاق مرحلة العمل الإسلامي المنظم الذي يقوده العلم والإيمان وتحرسه الدولة.
وبعد نحو سبعة عشر سنة من الهجرة وقف أصحاب الرسول الكريم إزاء الأيام الكبرى المشهودة ليختاروا أحدها بداية لتاريخ الإسلام، فلم يجدوا حدثا أكبر ولا يوما أخطر من حدث الهجرة يوم الوصول، فاتخذوه مبدأ للتاريخ.
وفي تاريخنا الإسلامي والوطني أيام وليالي يقف الشعب إجلالا لها، وإكبارا لقدرها، لما تحمله في طياتها من معاني المجد والعزة والفخار والخلود.
وعندما تقف الأمة المغربية إجلالا لتحية يوم تاسع يوليوز كمحطة لتكريم الشباب وتعبئة وجدانه وقدراته، بما يقدمه بين يديها من باقاته النضرة، وأزهاره المتفتحة اليانعة، في شكل حشود تمثل قدراته التي تحتشد في هذا اليوم المشهود، لتقدم بين يدي صانع الشباب وقائد خطاه على طريق التحدي، قسما مبرورا على الوفاء والإخلاص لقيم الوطن وثوابته، التي أقامت بنيان الأمة في عمق الزمن ورسخت جذورها في قلب التاريخ وكبده.
وكذلك يتجدد شباب الأمة والوطن، وتجري دماء الفتوة غزيرة في خلايا الشعب، كلما تجددت ذكريات عيد الشباب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here