islamaumaroc

الأعياد المغربية وخصوصياتها: عيد الشباب نموذجا

  أحمد بودهان

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

يعتبر عيد الشباب من الأعياد الحديثة، التي ظهرت متزامنة مع عصر النهضة والانبعاث، لتواكب الحركات الاستقلالية في النصف الثاني من القرن العشرين. كما يعتبر هذا العيد، ظاهرة نادرة يختص بها بعض الشعوب التي تعد على رؤوس الأصابع، بالنسبة لباقي دول المعمور.
والمغرب يأتي على رأس طليعة هذه الشعوب، التي سنت لبلدانها عيد الشباب، حيث نجد أن جلالة المغفور له، محمد الخامس، طيب الله ثراه، هو الذي كان له الفضل، في إنشاء عيد الشباب لرعاياه الأوفياء، ليكون هذا العيد عيد المغاربة، فرصة أخرى، بجانب فرص الأعياد الوطنية والدينية، للتعبير الصادق عن أواصر المحبة والوفاء والطاعة والولاء، والتعلق بأهداب العرش المجيد.
نعم، كان ذلك سنة 1956، حين أعلن جلالته في خطابه السامي الذي نوه فيه بمواقف نجله البار، مولاي الحسن، ولي العهد آنذاك، والذي لبى فيه رغبة شعبه، حين طلب من جلالته أن يكون عيد ميلاد ولي العهد، عيدا للأمة المغربية قاطبة. وبذلك وافق المفغور له جلالة الملك محمد الخامس أثناء الاحتفال بعيد ميلاد ولي العهد، يومه سنة 1956، على أن يكون يوم 9 يوليوز من كل سنة، وهو اليوم الذي يخلد ذكره نجله البار، يوم عيد للشعب كله، ثم أعلن جلالته طيب الله ثراه، على تسمية هذا العيد "بعيد الشباب".
ويذكرنا هذا أيضا بتاريخ إنشاء أول عيد للعرش على المستوى الوطني، أيام الحماية، يوم طالب الشعب بذلك سنة 1933، وحاولت السلطات الاستعمارية أن ترفض هذا المطلب، ولكن إصرار الشعب، وتعلقه بالعرش وإلحاح المواطنين على ذلك، جعل سلطات الحماية توافق على إحياء هذه الذكرى، مع الكثير من التخوف والتحفظ والإجراءات الأمنية، لعلمها أن السماح بإحياء مثل هذه الذكريات، يعتبر خطرا عليها،
لأنه يزيد من تمتين أواصر المودة والمحبة والولاء بين العرش والشعب..
والحقيقة، أن تسمية عيد ميلاد ولي العهد، بعيد الشباب، منذ يومه من سنة 1956، من طرف جلالة المغفور له محمد الخامس، هي فكرة تعبر عن عبقرية صاحبها، لما تحمل كلمة "الشباب" من معان ورموز وآفاق وأبعاد وطموح.
ذلك أن فكرة عيد الشباب في المغرب، هي إسم على مسمى، لأن المغرب يعتبر دولة الشباب، مادام أن نسبة الشباب فيه، تفوق نسبة الكهول والشيوخ، حسب الإحصائيات التي أجريت مؤخرا في هذا الصدد، حيث نجد أن المغرب يصنف ضمن الدول القليلة والقليلة جدا وخاصة دول الغرب – التي نسبة الشباب فيها أعلى من نسبة الشيوخ، حيث تبلغ نسبة الشباب في المغرب أزيد من 60 في المائة، وكل دولة تفوق نسبة الشباب فيها نسبة الكهول والشيوخ، يطلق عليها دول الشباب، تفاؤلا بالمستقبل الزاهر الذي ينتظر هذه الدول، وفي مقدمتها المغرب، كما تطلق في الغالب دولة الشيوخ على الدول التي تفوق نسبة الكهول فيها على نسبة الشباب.
كما أن فكرة إطلاق اسم "الشباب "على هذا العيد، هي فكرة تحمل بعدا رمزيا آخر، يتمثل في تلك الطموحات والآمال والأحلام المستقبلية، التي ترافق دائما زمن الشباب، كمرحلة من مراحل العمر الزاهية المندفعة القوية الطموحة، تلك المرحلة التي تستصغر كل الأهوال والمحن، في سبيل تحقيق الآمال المستقبلية، تلك المرحلة التي تعتبر "ربيع العمر" بالنسبة لحياة الإنسان، والتي قال فيها شاعرنا :
" كل صعب على الشباب يهون
هكذا همة الرجال تكون".
تلك المرحلة، التي قال الحكماء عنها :
إن الإنسان في مرحلة طفولته، لا ينظر ولا يفكر ولا يهتم إلا في يومه وساعته، ولا يفكر فيما مضى ، ولا فيما سيأتي.
كما أنه في شيخوخته لا يفكر إلا في ماضيه، فتراه يتلذذ باجترار ذكريات الماضي.
أما الإنسان، في مرحلة شبابه فكل همه محصور في نظرته إلى المستقبل، لتحقيق طموحاته عن طريق الخلق والإبداع والعطاء والإنتاج ولبناء مستقبل أفضل...
ومن هنا تتضح أمامنا أبعاد الفكرة، في تسمية هذا العيد، بعيد الشباب، لتخليد ذكرى ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني، أيده الله... تلك الفكرة المستقبلية الطموحة، التي أبدعها والده طيب الله ثراه، حين قرر أن يطلق على هذا العيد اسم "عيد الشباب".
وهنا ندخل في الحديث، عن تلك الظاهرة المعروفة المألوفة عند المغاربة، بخصوص موقفهم من هذه الأعياد، ولو على سبيل التذكير، ونحن في هذه المناسبة.. مناسبة إحياء ذكرى عيد الشباب تخلدا ليوم ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني، أعز الله أمره، وخلد في الصالحات ذكره فنقول ...
إن للمغاربة خصوصيات متميزة، في احتفالهم بالأعياد الوطنية، تلك الخصوصيات التي من النادر أن تتواجد لدى كل الشعوب وهي تحتفل بأعيادها. ومن بين هذه الخصوصيات، نجد أن كل عيد له ارتباطه تاريخي بالعرش، إلا ويعتبر عيد المغاربة كلهم، شيبا وشبابا كهولا وشيوخا، رجالا ونساء، وبشكل شعبي تلقائي إرادي اختياري، فإذا بالعيد عيدان: عيد للعرش، وعيد للشعب في آن واحد. وفي هذا ما فيه من دلالة على قوة التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، بين القمة والقاعدة، منذ عصور، أي منذ قيض الله لهذا الشعب تلك السدة النبوية الشريفة، التي آلت على نفسها تحمل مسؤولية قيادة هذه الأمة، قيادة دينية سياسية، ابتداء من عهد الأدارسة، إلى أن بلغت العلاقة أوجها في عهد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، فإذا بالأعياد عند المغاربة فرصة خاصة للتعبير عن مظاهر الفرحة والاعتزاز والرضا والطاعة والولاء والمحبة التي يكنها الشعب لهذه السدة النبوية الشريفة، وخاصة حين يتعلق الأمر بعيد العرش أو عيد الشباب مثلا.
وعند تحليلنا لهذه الظاهرة المتمثلة في تعبير المغاربة شعبيا وتلقائيا عن فرحتهم الكبرى بهذه الأعياد الحسنية نجد أن ذلك لن يأتي عشوائيا أو هو مجرد تقليد سطحي، بل إن الأمر أعمق من ذلك بكثير، إنه نوع من الاعتراف بالجميل، وهو أضعف الإيمان عندهم بالمقارنة إلى تلك المواقف التاريخية الحاسمة، التي وقفها ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة، في سبيل المحافظة على وحدة الصف وجمع شمل الكلمة، ووحدة المغاربة منذ أزيد من ثلاثة قرون أي من يوم دخول الدولة العلوية في الحكم سنة 1040 هـ بل ومنذ مجيء أعمام هذه الدولة إلى المغرب في عهد الأدارسة سنة 172 هـ.
إلا أن هذا الاعتراف الجميل، وهذا التلاحم المعبر عنه من قبل المغاربة في مثل هذه الأعياد، أخذ يزداد ويتقوى تدريجيا، وتلك علامة أخرى، تدل على أن الشمل يزداد ترابطا ووثوقا ووحدة وتوحيدا، وقد بلغ هذا الترابط أوجه في عهد جلالة ملكنا الحسن الثاني أيده الله.
ولعل عيد الشباب، الذي يحتفل به المغاربة كل سنة يوم 9 يوليوز، خير دليل على تلك الخصوصيات التي اختص بها المغاربة، في احتفالاتهم بهذا العيد، لأن مثل هذه المناسبة، تعود بنا الذكريات فيها إلى أيام المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وما أبلاه من البلاء الحسن أيام الاستعمار، وأيام المحنة، وأيام النفي... كما أن إحياء ذكرى عيد الشباب، تخليدا ليوم ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، يذكرنا بمواقف جلالته بجانب والده المفدى، وهو يومئذ سنده الأكبر بعد الله سبحانه، وفي نفس الوقت يتذكر المغاربة جميعا أطوار حياة جلالته منذ أن شب عن الطوق ومواقف الشعب المغربي كله بجانب جلالة المغفور له محمد الخامس، يومه، ثم بجانب عاهلنا المعظم جلالة الحسن الثاني بعد وفاة والده إلى الآن، مما يدل على قوة الترابط بين هذا العرش الخالد، وهذا الشعب الوفي العظيم، "فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل" كما ورد في الحديث.
وفي غمرة هذه المناسبة... مناسبة احتفالنا بعيد الشباب، كتخليد لذكرى ميلاد جلالته، وفي إطار الاعتراف بالجميل، لا يفوتنا هنا أن نشير ولو بإيجاز إلى شيء من مواقف وحياة صاحب الذكرى، أعز الله أمره، حتى يكون ذلك كقدوة وكنموذج يحتذى..
فقد ولد جلالة الملك الحسن الثاني يوم 9 يوليوز من سنة 1929 م، واختار له والده المفدى ، أفضل الأسماء، حيث سماه باسم جده "الحسن" ثم تربى في عز أبويه تربية إسلامية مثالية، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين القيم والتقاليد والأعراف والتقاليد والعادات المغربية الأصيلة والحميدة، وبين ما يتطلبه العصر من التطور والتجديد والتغيير في مناهج الحياة، مع المحافظة على الأسس. فجاءت تربيته تربية مزدوجة، فنجد جلالته في طفولته يلبس اللباس المغربي التقليدي الأصيل، ويلبس أحيانا اللباس العصري المناسب. كما نجد جلالته في طفولته يتناول طعامه بالطريقة التقليدية المغربية وسط أهله جماعة، ولربما على الحصير دون خوان، ويتناوله أحيانا حسب الظروف، بالطريقة العصرية المناسبة، كما نجد جلالته في طفولته، يركب الخيل كتربية أصيلة، منذ نعومة أظافره، ويركب حينا الدراجة تمشيا مع تطورات العصر.
أما تعليم جلالته فكان هو أيضا تعليما مزدوجا من حيث الطريقة، فقد كان يتعلم التعليم الديني الإسلامي الأصيل، لغة وقرآنا وسنة وفقها، وآدابا وخلقا، ثم يتفرغ للتعليم المعاصر لغة ومنهاجا ومقررا، وكان جلالته في هذا وذاك يتعلم وسط أبناء شعبه من أقاربه وأترابه كما يتعلم اليوم أبناؤه وحفدته من أصحاب السمو أمراء وأميرات، وفي أيام المحنة.
وما كاد جلالته ينهي تعليمه العالي، كان أطال الله عمره قد شرب حلاوة الوطنية، وتأثر بتربية والده إياه، حتى كان الاستعمار ينظره شزرا لما لاحظ فيه من شجاعة وإقدام وذكاء وحب للوطن.
وفي سنة 1944 رافق والده رسميا لحضور مؤتمر الكبار بأنفا قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، (أمريكا – إنجلترا – فرنسا – المغرب) بالدار البيضاء. وهناك لاحظ المشاركون في هذا المؤتمر ملامح الذكاء عليه رغم صغر سنه، فهذه ملكة إنجلترا تقول، حين زارت المغرب مؤخرا :"عرفتكم يا جلالة الملك من خلال صورتكم بجانب والدكم في مؤتمر أنفا سنة 1944...".
وفي سن 1947 برز جلالته وهو ما زال طالبا، بخطابه الهام الذي ألقاه بعد خطاب والده التاريخي الهام بطنجة، مما  يدل على نبوغه المبكر. ولما أخذ الأذى يشتد على والده من طرف عيون المستعمر، كان جلالته وهو يومه شاب واعد، وطاقة صامدة، بمثابة همزة وصل بين والده والنخبة الوطنية السرية.
وفي سنة 1953 عاش بجانب والده "المحن الكبرى" محنة المنفى، وكان السند الأقوى لأسرته طيلة زمن النفي...
وبعد الرجوع من المنفى وإحراز المغرب على الاستقلال سنة 1955 وبعد تعيين جلالته وليا للعهد من طرف والده، تضاعفت المسؤولية عنده، تهييئا لتحملها كاملة بعد وفاة والده المفدى الذي أقر يوم 9 يوليوز من كل سنة عيدا وطنيا شعبيا، هو عيد الشباب، تخليدا لذكرى ميلاد جلالته.
بعد وفاة والده سنة 1961، والذي بكاه المغاربة بكاء مرا، وجد الشعب عزاءه الأكبر في جلالته يومه، وتحمل نصره الله المسؤولية كاملة، حتى إنه لما سئل عن شعوره يوم وفاة والده من طرف الصحافي الذي كتب كتاب جلالته "ذاكرة ملك" قال : "أحسست وأنا أشيع جثمان والدي أنني أدفن معه كلمة "ولي العهد"، ويعني جلالة الملك بهذا الكلام، أنه أصبح أمام المسؤولية الكاملة، وأنه لم يعد يتكل على والده في الأمور الصعبة كما كان الشأن في حياته، حين كان فقط وليا للعهد...
وهكذا جاهد جلالته، ولا زال يجاهد في كل المجالات : الديمقراطية منها، والوطنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، والدينية، فأقر أسس الديمقراطية بإعلان دستور المملكة ودعم أسس الاقتصاد الوطني ببناء السدود، كما استكمل الوحدة الترابية باسترجاع الصحراء وحماية الثغور والحدود. ثم سعى، ولا زال يسعى لتوحيد الصف العربي والإسلامي والإنساني عالميا... وفي خضم كل هذا وذاك، لم ينس قط قضية "الشباب" بل اعتبرها شغله الشاغل، علما من جلالته أن الشباب هو الرصيد الأكبر للأمة، وأن العناية بمشاكل الشباب أمر محتم، في شريعة الإسلام.
فاللهم احفظ جلالته، وبارك لنا في حياته، وحياة ولي عهده، وحياة صنوه، وحياة كل أفراد الأسرة الملكية العلوية الشريفة، بمناسبة هذا العيد، عيد الشباب. إنك سميع مجيب الدعاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here