islamaumaroc

اهتمام ملوك الدولة العلوية بالعلم ودفع الشباب إلى الارتشاف من معينه

  قاسم عزيز الوزاني

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

تعتبر المكتبات إحدى دعائم المعرفة ومعاهد العلم الخالدة، لما تشتمل عليه من كنوز نافعة وتراث قيم، يتغذى منه الشباب روحيا، ويستفيد منه الراغبون في الثقافة على العموم فكريا، فيساهمون في تقدم البلد، ويوجهون حضارة الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء إلى الأمام.
وهي في جذورها تعتبر أيضا ثمرة من ثمرات الدعوة الإسلامية الطيبة، إذ الإسلام قام على العلم ودعا إليه، ويكفي أن الوحي الإلهي بدأ بسورة "إقرأ" فقال تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  إلى آخر السورة.
وصرح بأن للعلماء المؤمنين درجات عند ربهم ومميزات يخصهم بها، فقال: ...يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (1)
وقال في آية أخرى :  قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. (2)
كما أنه تعالى اعتد بشهادة أهل العلم، فقال:  شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ (3)، فقد ساوى بشهادتهم شهادته وشهادة الملائكة، وفي هذا من رفعة قدر أهل العلم ما فيه.
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
وبهذا الصدد يقول ابن خلدون: "إن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيأ لذلك التعاون، وقبول ما جاء به الأنبياء عن الله تعالى، والعمل به واتباع صلاح أخراه..". (4)
لذلك يسعى الذين نور الله بصائرهم إلى نشر هذا العلم استجابة لكتاب الله عز وجل، واقتداء بالرسول الكريم ?، فيؤدون عملا جليلا، ويعطون عطاء حسنا، خصوصا إذا كانوا من ذوي النفوذ والسلطة والجاه، لتبوئهم المكانة العالية، ولتميزهم بإصدار القرار، ولأنهم يتخذون قدوة في صالح الأعمال.
وعلى هذا المنهج سار ملوك الدولة العلوية الشريفة، حيث نرى أعمالهم الجليلة متجلية في هذا الربع من الوطن العزيز، حيث سنقتصر على ذكر بعض ما ناله من عنايتهم بخصوص مكتبة الجامع الكبير بمكناس، تتمثل في تحببيسهم عليها كتبا قيمة، وقفنا على هذه الكتب بمساعدة القائم على المكتبة السيد عبد السلام البراق، وسنشير إلى ذكر هؤلاء الملوك، ونعطي فكرة مقتضبة على بعض هذه الكتب المحبسة.
من هؤلاء :
1 – المولى علي بن إسماعيل الملقب بالأعرج المتوفى نحو سنة 1170 هـ/1757م(5)، حبس على هذه المكتبة ما يفوق 34 مخطوطا، جلها طبع، والباقي لم يطبع، أو لا نعلم أنه طبع، وأهم هذا النوع:
- "شفاء الغليل من مقفل خليل" (في الفقه) لابن غازي، محمد بن أحمد العثماني المكناسي(6)، يحمل رقم 134.
- "شرح ابن الناظم على تحفة ابن عاصم" (في الفقه أيضا) وهو تام، تنقصه سبعة أبيات من آخره، يقدر شرحها في حجم نحو الصفحتين. والشارح هو ابن الناظم، واسمه محمد بن محمد ابن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم القيسي الغرناطي الأندلسي. قال أحمد بابا: "وله تآليف منها شرحه "الحسن علي تحفة الحكام" لوالده القاضي أبي بكر ابن عاصم في الأحكام، وفيه فقه متين، وتصرف عجيب، ونقل صحيح(7). ورقمه 278. ولنا عودة إلى تحليل هذا المؤلف ودراسته بحول الله.
- "إتحاف ذوي الاستحقاق ببعض مراد المرادي وزوائد أبي إسحاق الشاطبي على ألفية بن مالك"، لمحمد بن أحمد بن غازي العثماني المكناسي السالف الذكر، صاحب "الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون" ورقمه 436.
2 – المولى المستضيء بنور الله بن إسماعيل ابن محمد الشريف المتوفى سنة 1173 هـ/1760م (8) حيث وقفنا على الكتب التي حبسها على هذه المكتبة فوجدناها خمسة كتب، جلها طبع، فاستغنينا عن التعرض لذكرها.
3 – سيدي محمد بن عبد الله المتوفى سنة 1204 هـ/1790م (9) الذي قيل عنه إنه "كان علامة دراكة فاضلا محدثا تاريخيا كاملا، محبا للعلم، مجالسا للفقهاء، وإن له تصانيف تقرأ بالمشرق والمغرب" (10)، وإن عنايته لم تقتصر على هذه المكتبة فقط، وإنما شملت عدة خزانات في المغرب. قال ابن زيدان:" وحبس خزانة كتب جده السلطان الأعظم أبي النصر إسماعيل التي كانت بدويرة الكتب الشهيرة بمكناس، وفرقها على جميع مساجد المغرب، وكانت تزيد على الاثنى عشر ألف مجلد رجاء نفع عموم الناس، وسعيا وراء نشر العلم وتحصيله"(11).
يلاحظ مما سبق ذكره أنه كان رحمه الله يريد تطبيق الشمولية في تحصيل العلم، كما ظهر ذلك من خلال هذا القول، ومن خلال ما وجد في بعض المخطوطات، منها كتاب: " منهاج المحدثين شرح صحيح مسلم للنووي" التي تحمل رقم 224 إذ فيه تحبيس على طرة ظهر الورقة الأولى: من أبي فارس على المسجد الجامع سيدي أبي العباس السبتي بمراكش، ثم على طرة وجه الورقة الثانية تحبيس لسيدي محمد بن عبد الله على خزانة الجامع الأعظم من مكناسة الزيتون.
وقد عددنا عناوين المخطوطات المحبسة من قبله التي أمكن ضبطها، فوجدناها تصل إلى (100) عنوان، دون ما قد يوجد في صناديق الحزم والأوراق المبعثرة التي تدعو الحاجة إلى فرزها لإخراج مخطوطات أخرى كاملة، وإلحاق الأوراق المبعثرة بالتي يوجد بها بتر.
وهنا أنتهز فرصة الدعوة إلى إعانة بشرية إضافية لمثل هذا العمل المهم والملح في آن واحد.
من بين هذه المخطوطات التي نقدر أنه غير مطبوعة ما يأتي :
- "كتاب الصمت" (في علوم الحديث)، وهو كتاب مهم، للحافظ ابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد القرشي (12) ورقمه 426.
- "شرح البرهان" في (أصول الفقه)، للأبياري علي بن إسماعيل الصنهاجي (13) ورقمه 95.
"الذخائر والأعلاق في آداب النفوس" (في التصوف)، لسلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي، (14) يحمل رقم 83. قال عنه ابن عبد الملك المراكشي: "أحسن انتقاء ما ضمنه، وأودعه جملة وافرة من شعره". (15)
- "تقييد المهمل" (في علوم الحديث)، للجياني الحسين بن محمد الغساني أبي علي، (16) حيث ضبط فيه كل ما يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين، حقق جزءا منه الأستاذ محمد أبو الفضل الموساوي حسب رواية القائم على هذه المكتبة، ويحمل رقم 103.
" المهاد لشرح الإرشاد" لإمام الحرمين (في العقائد)، ولعله لسليمان بن ناصر الأنصاري حسبما ذكره الزركلي في الأعلام، (17) ويحمل رقم 103.
- "النكت في شرح البخاري" (في علوم الحديث) للشيخ الإمام تقي الدين السبكي رقمه 167، وقد أعددنا في شأن هذا المخطوط دراسة، نشرت في العدد 300 من هذه المجلة.
- "الكوكب المنير شرح الجامع الصغير" (في علوم الحديث)، لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن العلقمي (18) ورقمه 52.
- "نفائس الأصول في شرح المحصول" (في أصول الفقه) للغزافي، أحمد بن إدريس (19) ورقمه 156.
- "كنز الأسرار ولواقح الأفكار" لآمقشاب عبد الرحمان بن سعيد الصنهاجي، ذكره حاجي خليفة باسم محمد بن سعيد بن عمر بن سعيد الصنهاجي القاضي بأزمور المعروف بابن مشابذ، (20) ورقمه 92.
- "كتاب المحبة والأنس والشوق والرضى" لأبي حامد الغزالي (في التصوف) رقم 428.
- "حاشية على تفسير الكشاف" عنونه المحبس بلغات الحديث، لمؤلف مجهول رقم 129.
- "شرح عمدة البيان في معرفة فرائض الأعيان" للوغليسي، أبي زيد بن عبد الرحمان المتوفى سنة 807 هـ، والشارح مجهول، ذكر حاجي خليفة أن شراحه كثيرون، (21) ورقمه 195.
4 – المولى عبد الرحمن بن هشام بن محمد الحسني، المتوفى سنة 1276 هـ/1859 م، (22) عثر على ثلاثة كتب من تحبيسه، وكلها طبعت، من بينها صحيح البخاري.
ذاك جانب من أياد بيضاء لهؤلاء الملوك الفضلاء، آثرت أن أذكره بهذه المناسبة الطيبة، وهو جانب يجلب النفع، ويخلد ذكر صاحبه، مصداقا لقول الرسول ?: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". (23)
وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


1 – سورة المجادلة – الآية :11.
2 – سورة الزمر – الآية: 9.
3 – سورة آل عمران – الآية: 18.
4 – مقدمة ابن خلدون ص :429 – دار القلم /بيروت.
5 – ترجمته في الاستقصا للناصري: 4/65، وإتحاف أعلام الناس لابن زيدان 5/443، والإعلام للزركلي: 5/70.
6 – ترجمته في الأعلام 6/232 وما أحال عليه.
7 – نيل الابتهاج بهامش الديباج ص :313.
8 – ترجمته في الاستقصا 4/69، والإتحاف: 4/333.
9 – ترجمته في الاستقصا 4/21، والإتحاف: 3/148 وما بعدها، والفكر السامي للثعالبي – المجلد 2/293.
10 – الإتحاف: 3/146.
11- نفسه: 3/185.
12 – ترجمته في الأعلام 4/260 وما أحال عليه.
13 – الديباج المذهب لابن فرحون ص :213-214.
14 – الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي: 4 ت 122، وصلة الصلة لابن الزبير: ت/441.
15 – الذيل والتكملة، الإحالة السابقة.
16 – ترجمته في الأعلام 2/279 وما أحال عليه.
17 – ج 3 ص:200.
18 – الأعلام 7/78 وما أحال عليه.
19 – الأعلام 1/9 وما أحال عليه.
20 – كشف الظنون ص:1513.
21 – نفسه ص: 1166 وترجمته في الأعلام 6/139.
22 – الاستقصا 4172 -211، والإتحاف 4/1 -274.
23 – رواه أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة، انظر "كشف الخفاء" للشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي رقم الحديث: 277 – مكتبة القدسي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here